منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

من وصف الحال إلى استشراف المآل:الجزء الرابع من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل

الجزء الرابع من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل/ دراسة الاستاذ: لحسن قراب

0

من وصف الحال إلى استشراف المآل

الجزء الرابع من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل

دراسة الاستاذ: لحسن قراب

تنامي المضمون والمكنون: الجزء الأول من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر:نور الدين متوكل

زيادة المبنى زيادة في المعنى: الجزء الثاني من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل

شعرية الألوان:الجزء الثالث من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل

 

لغة الضاد لغتي
طلعة فجرقادم
تهزم هجمة ليل قاتم
فكن معين الفوائد
ولا تكن أسير الموائد

بما ان الجملة المسكوكة(1) (لغة الضاد لغتي) تُسيِّجُ الخطاب وتحصره في دائرة اللغة العربية، فإن المقطعين السابقين احتفيا على مستوى الفعل، بالمضارع فقط، وهو لسان الحال، ثم أضاف المقطع الثالث إلى زمن الحال، زمن الاستقبال :

فكن معين الفوائد
ولا تكن أسير الفوائد

وفعل الكينونة يتكرر باعتباره فعل أمر، ونصيحة تصدر، في مقابل فعل مضارع يتيم (تهزم)، فعل (كن) يتجه نحو الخلق والفتق، وفعل الانهزام يناقض الإقدام ويتقهقر إلى الخلف وليس إلى الأمام.

وكذلك على مستوى الضمير، في المقطعين السابقين سيطر المتكلم (لغتي) والغائب (يسري /يطرد… ) ،بينما في المقطع الثالث، انبثق ضمير المخاطب لتحيين الخطاب(فكن /ولا تكن) مؤكدا حضور الآخر وإضفاء الحياة على المشاهد والصور.

إن المقطع يتجاوز وصف الحال، إلى استشراف المآل، وبدل وقوف المتكلم كشاهد محايد، يصبح مع المخاطب هو الموجه وهو السائد.

وكلمة (طلعة) اسم المرة، اي أنها لاتتكرر، لتفيد اختصار البرزخ، وإلصاق المتناقضين، التصاق الأم بالجنين، فالسائل ينبجس من الجامد(ينبوع ماء متدفق) والقمر يظهر من بين الظلمة بقدرة القادر :

يشدو به القمر
ترتله مواكب القدر

وطلعة الفجر وحدها كافية لجعل الليل يتقهقر، إنه التجاوز بالصفات والأفعال والضمائر والاحوال، فكلُّ حاضرٍ يجُبُّ الذي قبله ويستدرك عليه مافاته من السرائر، وهذه مَلَكة لا تصدر الا عن شاعر، يختصر الكون في قبضة بين الأنامل والأظافر. لا أدل على ذلك من كونه يجمع بين اللغة كينبوع، وبين فعل الكينونة المتكرر في وسط المشروع، مشروع القصيدة، للدلالة على أن اللغة كيان، يتجدد في كل مكان وزمان، وإن كان يتخذ أشكالا وألوانا،هي لهجات ترفد هذا الكيان كما تفعل الأطراف عند الإنسان.

واحتفاء الشاعر بالفجر دلالة على النصر، الذي اختتم به المقطع الثاني بكل فخر (تزهو وتنتصر)،وقدجعل كلمة الفجر نكرة للدلالة على العموم، وجعلها واسطة عقد بين الصفة (طلعة) واسم الفاعل (قادم) ليُسدي الاستمرارية الزمنية إلى البعض من كل (ليس كل الفجر، وإنما مجرد طلعته تهزم الليل وجحافله). فالسطران يصوران معركة حامية الوطيس، بين طلعة وهجمة(طلعة فجر /هجمة ليل) وكلاهما اسم المرة، لكن الطلعة تؤشر للإستشراف، والصعود، أما الهجمة فوَكَّل بها فعل التقهقر (تهزم)للدلالة على أن النصر حليف المتقدم وان المتأخر هو المنهزم، لذلك رتبة الألفاظ أولت أهمية لطلعة الفجر القادم، واخرت فلول الليل الغاشم، مصداقا لقول الله تعالى (قال رجلان من الذين يخافون انعم الله عليهما، ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون) المائدة 23.(2)

واوصاف الليل في المقطع تحمل صفات الخذلان والتوزع، فهو ليس بليل حالك ولكنه قاتم،ليفيد اللفظ بصيص نور سالك ، ووشاية بالإشراق، الذي يلوح في الآفاق ،فالليل مظلم وظالم يهجم ويتجاوز الحدود ولكن سلطانه محدود، لأن ما يؤطر الجملة الشعرية هو فعل الحال والاستمرار (تهزم)، فالانهزام حدث ملازم في الحال والاستقبال لكل الليالي، بما انه أتى بالليل (نكرة):(ليل) وألزمه بتنوين التنكير.

وإذا قارنا بين (الليل) النكرة وبين (اللغة) المعرفة: بالإضافة وبياء النسبة، نجد أن لغة الضاد تلامسها الأشواك ولكن لاتدمي غير اديمها بلا انتهاك، ويظل الهيكل شامخا كما جرت الأعراف.

إن لغة الضاد، كما عرفها الشاعر في هذا المقطع هي لغة الفوائد وليست لغة الموائد، لقد شغلت الناس وانشغلوا بها ، وكل في منحى من مناحيها يعمل وينفعل، وحرف الفاء (فكن) للإسراع. والنهل من اللغة ومشاربها موضوع إجماع، شمر جهابذة العلوم والآداب عن سواعدهم من كل البقاع ، وتفننوا في الاغتراف من منهل هذه اللغة العذب: القرآن العظيم، كلام الرب، وتوسلوا بما املاه من أخلاق وأدب، فلم تجمعهم المآكل والمشارب، ولكن عرفوا أن الحياة الدنيا كلها متاعب، فقدموا للإنسانية كل ما كسبوا واكتسبوا، وتنقلوا في كل مكان، لأن الدعوة إلى الإسلام رهينة بلغة تخلب الأذهان ،وتظهر للناس ما غفلوا عنه بكل بيان، وتدعو الفرد إلى استعمال عقله فهو الميزان.

وتقنية الشاعر هي تقنية التجاوز، تجاوز المضارع إلى الأمر، وتجاوز الغائب إلى المخاطب بكل فخر، وتجاز الالفاظ لبعضها كما يظهر، فالينبوع الذي يحيل على النبع في المقطع الأول، ويحيل على مكان الانبجاس، ثم يعضده بصفتي التدفق والجيران، يصبح في المقطع الثالث، (معين الفوائد )، والمعين في اللغة هو (الماء الجاري الظاهر الذي تراه العيون) تفسير البغوي.

فالظاهر هو الماء السريع الجريان الذي يظهر للعيان، ولكن ارتباطه في النص بالفوائد، والاضراب عن الموائد يفيد حصول الفائدة في الكل، فالماء المعين يزرع الحياة في كل جنين، سواء كان بذورا او ذرية تعين على صروف الدهر ومحو القهر، لذلك (المعين) يرتبط في اللغة بالظهور والسفور، وبالعون والمساعدة. وفي كل فائدة، وقد جعل الله المكذببن بالدين ممن يمنعون الماعون،، وقد فسرت الدكتورة بنت الشاطئ (الماعون) في الآية بالعون المادي والمعنوي (3)باعتبار الإنسان ماعونا من طين تملؤه الفوائد على مر السنين.

ولعل الشاعر حين ربط النهي بالموائد فقد حصر النهي في الأسر، إذ الموائد حضن الفوائد، تجمع العلماء على المناضد، فتتفتق أفئدتهم عن كل علم في الخافق، فالنهي جاء عن الاجتماع حول الموائد بدون فوائد، كالانسان الكسير، الذي علمه حسير، لا يتنقل بين الحقل والغدير، ويعتني بكل خلل صغير أو كبير ويسأل أهل العلم ومن بالعلم جدير.


الهوامش
جامعة شعيب الدكالي. 26دسمبر 2022
1- الجمل المسكوكة أو الجمل الجاهزة هي التي لا يتغير حالها بل يستشهد بها كما وردت مثل ( عاد بخفي حنين) لاتثنى ولا تجمع.
2- المائدة 23
3_التفسير البياني للقرآن الكريم، عائشة عبد الرحمان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.