شعرية الألوان:الجزء الثالث من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل
الجزء الثالث من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل/ دراسة الاستاذ: لحسن قراب
شعرية الألوان
الجزء الثالث من دراسة قصيدة (لغة الضاد لغتي) للشاعر نور الدين متوكل
دراسة الاستاذ: لحسن قراب
لغة الضاد لغتي
المقطع الثاني :لغة الضاد لغتي
نغم يشدو به القمر
ترتله مواكب القدر
شامخة تنسف الضرر
في عليائها تزهو وتنتصر
تظل لعبة الخفاء والألوان محركة لخيوط اللعبة الشعرية، كما تنضاف تشكلات الحركات لتضفي على القصيدة ما يطلق عليه :(الشعرية)، شعرية الالوان التي تتغير بتغير المقطع، وشعرية الحركات التي تروج وتجعل المعاني تموج لترفع السياق من الفردي إلى الجماعي بكل اشتياق، وتخلب الأحداق.
ففي المقطع الأول رأينا أن اسم العلم يتحرك بين النور (بالرفع) والنور (بالفتح) وان كلا المعنيين متواجد في المقطع، ينير الطبيعة وينير الروح، وكذلك تزهر بالجدول الأزهار وتينع باللغة الأفكار، وكلا هما يحكي الاسرار، وكلاهما يسري سريان البلسم في الجسم،ويدب دبيب الشفاء في الجسد المصاب بالسقم.
وقد استدعى الأمر القوة لتندفع المياه، وتسري في خفاء، وتفتح اللغة كنه العقول، وتفجر المداخل كالسيول، فكانت حركة الضم ارفع، وللسياق أوقع، بيد اننا في المقطع الثاني نتحول من الخضرة إلى البياض، ومن الانسياب إلى الاقتضاب.
أولا النغم تفتح نونه وترفع، و(النون والغين والميم….. جرس الكلام وحسن الصوت بالقراءة) مقاييس اللغة لابن فارس. وابن منظور يرى أن (النغم هو الكلام الخفي) والشاعر يرى أنه الينبوع الذي يسري
والنغم بضم النون هو الجرعة من النغم بتسكين الغين، كما ورد عند ابن منظور(وعندي أن النَغَم اسم للجمع كما حكاه سيبويه، من أن حَلَقاً وفَلكاً، اسم لجمع حلْقة وفلْكة) لسان العرب، وعليه فمن أخذ بفتح النون وسكون الغين (نَغْم) أو برفع النون وفتح الغين (نُغَم) فقد رام التفرق في الكلام الشجي، ومن قرأ بفتح النون والغين معا فقد أراد الاسترسال وسريان الصوت البهي، كما يسترسل ماء النبع في الجداول والانهار قبل أن يرفد المحيطات والبحار.
ولكن الصوت الحسن أو الكلام الجميل بحروف الضاد لايشدو به فقط البشر، بل هو مزيج من ألحان القمر، وكلام الناس في السمر، ففعل (يسري)يوافق القمر والبشر ، فكلاهما في الليل يظهر وكلاهما يتفتق عن نُور ونَوَر (الأولى سراج والثانية حقول وامراج )وكلاهما يتفتق عن اسم العلم (نور الدين) الذي يعبربنوره عن البياض مثل نور القمر، (فالقاف والميم والراء ،اصل صحيح يدل على بياض في شيئ ثم يُفرَّع عنه، من ذلك القمر، قمر السماء، سُمي قمرا لبياضه) مقاييس اللغة لابن فارس.
وإذا كان المقطع الأول من القصيدة يرتبط بما هو ارضي (ينبوع ماء.. بين حقول.. يسري) فإن المقطع الثاني يسمو إلى السماء ويلتقط الأقمار والقمم الشمَّاء (شامخة…. في عليائها). فعين الشاعر تفحصت المكان على عادة الشعراء الجاهلين الذين كانوا يقفون ابتداء على الاثافي والنؤي والطلل، ثم انطلقت هذه العين نحو الأعالي، نحو القمر والاشعاع الذي منه صدر، كالنغم، الذي يصدر عن الفم،
إن هذه التقنية في تقصي الأرضي ثم السماوي تذكرني بفلسفة سقراط الأرضية وفلسفة أفلاطون المثالية، فالشاعر نظر ورسم خطاطة للغة في الحضر والمدر ثم انطلق يحلق في السماء وقت السحر، كله آذان وحذر.
لقد تغير إيقاع القصيدة من التدفق إلى التؤدة والترفق، ومن السرعة (يجري) إلى التمهل(ترتله) ، وكلمة (ترتيل) تفيد البياض كالقمر وتفيد التباعد والتقاطع والتناسق، ففي لسان العرب لابن منظور (الرتل :حسن تناسق الشيئ، وثغر رتَل ورتِل ،حَسَنُ التنضيد ،مُستوي النبات، وقيل المفلج، وقيل بين أسنانه فروج….. والرتل :بياض الأسنان…… وكلام رتَل ورتِل اي مرتل على حسن وتؤدة، ورتل الكلام :احسن تأليفه وابانه وتمهل فيه….. والترتيل في القراءة:الترسل فيها والتبيين من غير بغي ).
فإسم العلم (نور الدين) ظل باسطا جناحيه على المقطعين، والترتيل نوع من التناسق في الطبيعة وفي اللسان، فهي مروج وبيان، وترتيب وإتقان، ومرجعية ذلك كله إلى القدر الذي سطَّره الواحد الديَّان :(ترتله مواكب القدر)
وقديما قال الحكماء (إن القدر مُوَّكلٌ بالمنطق) فهناك علاقة وطيدة بين اللغات والأحداث، بين الأفعال والصفات، والمتكلم يمتح من اسم العلم كمُوجِّه ديني يدفعه إلى استعمال المعجم القرآني (ورتل القرآن ترتيلا) ،ترتيلٌ في كتاب الله المنطوق وفي كتاب الله المبسوط، وكل عمل في الأرض ترصده عين السماء، فما كان منه نبيلا خيِّراً، يصعد إلى العلياء من اجل الثناء (والعمل الصالح يرفعه) فاطر 10.ويحيل على هذه الآية في قوله :
في عليائها تزهو وتنتصر
فالعمل الصالح يرفع من قيمة المرء ويسمو بإنسانيته، وينتصر على أضرار الحياة، وينسفها نسفا وكم من خلاف آب إلى التلاف، بعد تدخل لغة الأشراف، (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين) آل عمران 159.
الخلاصة أن المتكلم المتوكل، اتخذ زاوية جديدة للنظر، زاوية البياض بعد الأخضرار، وزاوية الترفق بعد التدفق، واشاح عن فوضى المكان، بفعل سريان الماء والجريان، إلى نوع من التنضيد والإتقان، والاحتماء بلغة القرآن ،فهي السند وهي الضمان، لعلو الشان، في نوع من التناسق بين الاسم والمحتوى، بين ما يراه البؤبؤ، وما يحتضنه الجؤجؤ،(وفي حديث سليمان :إن لكل امرئ جَوَّانِيّاً وبَرَّانيا، فمن أصلح جوانيَّه، أصلح الله برانيه) لسان العرب (جوا)
المحمدية في 24 ديسمبر 2022
يتبع بإذن الله تعالى.