أبعاد عقد الأخوة بين المهاجرين والأنصار
بقلم: خالد اعليوات
تنقسم النعم التي يسبغها الله سبحانه وتعالى على عباده إلى قسمين: نعم مادية، كالصحة والمال والذرية، ونعم معنوية، أعظمها وأجلّها نعمة الإسلام. قال تعالى: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقد فُسِّرت نعمة الله في هذه الآية بالإسلام. فالإسلام نعمة عظيمة تستوجب منا دوام الشكر للمنعم سبحانه. وتأتي بعده نعم معنوية أخرى، مثل نعمة الفراغ، والطمأنينة، وراحة البال. ولعلَّ من أعظم النعم المعنوية بعد الإسلام نعمة الأخوة والمحبة في الله، لأن الأخ الصالح ناصح أمين، وسند معين على أمور الدنيا والآخرة. ولقد نبَّه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عظيم قدر هذه النعمة فقال: «ما أُعطي عبد بعد الإسلام خيرًا من أخٍ صالح، فإذا رأى أحدكم وُدًّا من أخيه فليتمسَّك به».
بالاضافة إلى كون المحبة في الله نعمة عظيمة، فإنها كذلك من أعظم القربات إلى الله سبحانه، يكفي أن جزاء المتحابين المعجل في هذه الدار هو نيل محبة الله وتذوق حلاوة الإيمان وجزائهم في الآخرة منابر من نور وظله يوم لا ظل إلا ظله.
بيد أن الأخوة في الله ليس عبادة فردية فقط، بل هي نظام اجتماعي متكامل تذوب معه الفوارق العرقية واللغوية والاجتماعية، وتجعل التقوى معيار التفاضل الوحيد. قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه جابر: «ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ إلا بالتقوى إنَّ أكرمَكم عند اللهِ أتقاكُم».
وهي كذلك الرابطة التي تأسس العلاقات بين الناس على شكل سليم فهي تناقض من أعمال القلوب الحسد والغلّ والبغضاء والكبر والاحتقار، وتناقض من الأقوال الغيبة والنميمة والكذب والاستهزاء والسخرية. ومن الأعمال تناقض الظلم وأكل الحقوق والتخلي في وقت الشدة والخيانة والقطيعة وعدم الوفاء بالعهود.
ولما كان أمر الاخوة في الله بهذه الأهمية القصوى وضع لها رسول الله صلى الله عليه وسلم برنامجًا عمليًا مستعجلًا فور قدومه إلى المدينة، حيث يروي أهل السير أنه آخى بين المهاجرين والأنصار أخوين أخوين.
خلد التاريخ هذه الأخوة بمشاهد فريدة من الإيثار، وخلدها كتاب الله عز وجل بمجموعة من الآيات، منها قوله تعالى في سورة الحشر:”: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
عند قدوم المهاجرين إلى المدينة كانت قد مرت خمس سنوات على وقف القتال بين الأوس والخزرج. هذه المدة لم تكن كافية للم الجراح وتقريب الشقة بين القبيلتين. أظف الى هذا موضوع الهجرة نفسه ومايحمل في طياته من فتيل أزمات، مترتبة على شح الموارد واختلاف الثقافات، قد تشتعل في أية لحظة.
اليهود والمنافقون كانوا على دراية تامة بنقاط الضعف هذه. وكانت محاولاتهم التي لاتنتهي ترمي الى إحياء العصبيات القبلية والصراعات القديمة بغية إحداث فتن تمهد لإجهاض التجربة النبوية والقضاء عليها في مراحلها الأولى.
الجواب النبوي الأساسي على هذا التحدي تجلى في تعميق الأخوة والمحبة في الله، وتجديدها والتذكير المستمر بها. لأن الوحدة أساسا هي وحدة القلوب، يقول سبحانه في سورة الأنفال: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. ولأن الشدة على الكافرين والمنافقين والمشركين اللازمة في هذه المواقف ماكانت لتتحق لولا تراص صفوف المومنين بالرحمة والمحبة، يقول سبحانه: {أشداء على الكفار رحماء ببنهم}.
وما أحوجنا في زمن الشتات والغثائية الذي نعيشه أن نستفيد من هذا الدرس النبوي لنعيد ترتيب علاقاتنا داخل الأسر وبين الأقارب والجيران وداخل المساجد والمؤسسات على هذا الصرح المتين، صرح الأخوة والمحبة في الله. ثم إننا في حاجة إلى هذا التماسك أيضا أمام المؤامرات الخارجية. فتقسيم الشعوب المستضعفة بعد الإستعمار المباشر إلى دويلات ضعيفة يسهل التحكم في خيراتها، ثم إثارة النزاعات بين هذه الدول، لأكبر دليل على أن سلاح “فرق تسد” أفتك سلاح في أيدي المستكبرين.
ولِعقد الأخوة بُعدٌ آخر يتمثل في الجانب التربوي والتعليمي، فقد نقل سادتنا المهاجرون إلى سادتنا الأنصار ما تلقَّوه عن رسول الله ﷺ من أحكام العبادات والمعاملات، وحفظ القرآن، وتزكية القلوب. كما تعاون الجميع على ملازمة مجالس النبوة، ينهلون من معينها الذي لا ينضب، طلبا للعلم، وازديادا في الإيمان. ومن الشواهد على ذلك ما كان بين سيدنا عمر بن الخطاب وأخيه في المؤاخاة سيدنا عتبان بن مالك رضي الله عنهما، إذ كانا يتناوبان حضور مجالس رسول الله ﷺ، فيحضر أحدهما المجلس ويتفرغ الآخر لشؤون المعيشة، ثم يلتقيان فيتدارسان ما سمعاه وتعلماه.
بهذا التعليم والتعلُّم، وضع سادتنا الصحابة رضي الله عنهم اللبنة الأولى للمدرسة القرآنية الإيمانية المتنقلة عبر الأجيال، مدرسة تتوارث العلم والتزكية المستمدَّين من القرآن الكريم جيلًا بعد جيل، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
كما شمل التعلّم تبادل الخبرات في شؤون الحياة، فتعلّم أهل مكة الزراعة من أهل المدينة، إذ كانت مكة واديًا غير ذي زرع. وفي المقابل، أتيح لأهل المدينة الاطلاع على خبرات قريش التجارية الواسعة، من خلال كبار تجّارها كسيدنا عثمان بن عفان وسيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، اللذين كانا يديران قوافل تجارية هائلة تضم مئات، بل آلاف الإبل. وهي التجارة التي خلد القرآن ذكرها في قوله تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾.
وللأخوّة بين المهاجرين والأنصار بُعدٌ اقتصادي واجتماعي مهم، يتجلّى في قدرتها على معالجة التحديات المصاحبة للهجرة. فالهجرة تُعدّ من أعقد القضايا التي تواجه المجتمعات قديمًا وحديثًا، حتى إن الدول الغربية، على الرغم من إمكاناتها الاقتصادية الضخمة، ما تزال تجد صعوبة في إيجاد حلول ناجعة للتحديات التي تفرضها. وقد أسهمت هذه التحديات في صعود التيارات الشعبوية والحركات
اليمينية المتطرفة التي تستثمر المخاوف المرتبطة بها لتحقيق مكاسب سياسية.
أما سادتنا الأنصار رضي الله عنهم، فقد جسّدوا نموذجا فريدا في التعامل مع إخوانهم المهاجرين، إذ أحبوهم وآثروهم على أنفسهم، وقاسموهم أموالهم وطعامهم ومساكنهم عن طيب نفس، وعلّموهم الزراعة، وفتحوا لهم الأسواق للتجارة. وبهذا النهج العملي، عولجت مشكلة الفقر بين المهاجرين، وتحولوا من غرباء محتاجين إلى أفراد فاعلين في المجتمع، يشاركون في الإنتاج ويتمتعون بمصادر رزق كريمة ومستقرة.
أختم هذا المقال بملاحظتين، أولاهما: أننا سنكون تلامذة نجباء لسادتنا الصحابة إذا بذلنا الجهد لتستوطن الرحمة قلوبنا، ثم سعينا إلى نشرها، وإشاعة المحبة والتعاون بين الناس، وذلك بقضاء حوائجهم، وستر عيوبهم، والتفريج عن همومهم، وإدخال السرور على قلوبهم، وغير ذلك من أعمال البر والإحسان. فالأخوة في الله لاتقتصر على جيل الصحابة فقط، بل هي عقد رباني عقده الله بين المؤمنين في كل زمان ومكان، فكل من آمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، في مشرق الأرض أو مغربها، فهو أخ للمؤمنين. أخوة توجب أن يحب له المؤمنون ما يحبون لأنفسهم، ويكرهون له ما يكرهون لأنفسهم. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فقال: «المؤمن أخو المؤمن، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره».
الملاحظة الثانية: إن الحديث عن الأثر الإيجابي للأخوّة في المجتمع لا يُعفي الدولة من مسؤولياتها الأساسية في هذا المجال؛ فالدولة الحديثة، بما تمتلكه من موارد مالية متأتية من الضرائب وغيرها، تتحمل المسؤولية الأولى في توفير فرص العمل، وضمان التأمين الصحي، وتأمين السكن اللائق، وتقديم تعليم يواكب حاجات سوق العمل ويلبي متطلبات البلاد والعباد.
في هذا السياق يقول الإمام ابن حزم رحمه الله في كتابه المحلى: «وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويُجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنّهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة».
والحمد لله رب العالمين