الصحبة في زمن الفردانية
بقلم: ريان النجيب
يقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]
ما أشد حاجة الإنسان إلى الإنسان! وما أعظم فقر القلب إلى من يأخذ بيده إلى الله عز وجل، ويذكره إذا نسي، ويعينه إذا ضعف، ويقومه إذا اعوج، ويؤنسه إذا استوحش.
غير أن المتأمل في أحوال الناس اليوم يرى ظاهرة آخذة في الاتساع، ظاهرة الفردانية التي تجعل الإنسان محور عالمه، وغاية اهتمامه، وسجين رغباته، يعيش بين الناس ولا يعيش معهم، ويخالطهم بأجساده وتقنياته، بينما تبقى روحه وحيدة تائهة تبحث عن دفء الصحبة الصادقة.
لقد فتحت وسائل الاتصال أبوابا واسعة للتواصل، لكنها لم تستطع أن تمنح الإنسان ذلك الشعور العميق بالانتماء، صار للشاب مئات المتابعين، وربما آلاف المعارف، لكنه يفتقد الصديق الذي يصدقه النصح، ويشاركه همومه، ويعينه على سلوك طريق الخير.
ولذلك لم يكن الحديث عن الصحبة في الإسلام حديثا عن حاجة اجتماعية فحسب، بل كان حديثا عن ضرورة تربوية وإيمانية، فالإنسان ضعيف بنفسه، قوي بإخوانه، وقد جبل الله تعالى النفوس على التأثر والمجالسة والاقتداء، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 120]. فلم يكتف القرآن بالأمر بالتقوى، بل قرنه بالأمر بمرافقة الصادقين، لأن الطريق إلى الله لا يقطع غالبا في عزلة قاتلة، وإنما يُسلك في رفقة تذكر بالله وتعين على طاعته.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طيِّبةً، ونَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يَحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً» متفق عليه.
وفي هذا الحديث النبوي تصوير بليغ لأثر الصحبة؛ إذ لا يقف تأثير الجليس عند حدود الكلام، بل يتسلل إلى الأخلاق والأفكار والاهتمامات، حتى يصبح الإنسان شبيها بمن يصاحب، شاء أم أبى.
وكان السلف الصالح يدركون هذه الحقيقة إدراكا عميقا، فقد روي عن الإمام الحسن البصري رحمه الله قوله: “إخواننا أحب إلينا من أهلينا، إخواننا يذكروننا بالآخرة،وأهلونا يذكروننا بالدنيا”. وهذا الكلام يكشف معنى عظيما؛ فالصاحب الحق ليس من يشاركك أوقات الراحة فقط، بل من يشاركك هم النجاة، ويذكرك بالله إذا غفلت، ويوقظ فيك أشواق الآخرة إذا غلبتك الدنيا.
وقد أفاض الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في بيان حقوق الأخوة وآداب الصحبة في كتاب “إحياء علوم الدين”، حتى أفرد لذلك كتابا كاملا هو “كتاب آداب الألفة والأخوة”. ومن كلامه رحمه الله: “اعلم أن الألفة ثمرة حسن الخلق، والتفرق ثمرة سوء الخلق، لأن حسن الخلق يوجب التحابب والتوافق، وسوء الخلق يثمر التباغض والتدابر، ولا يخفى ما فى حسن الخلق من الفضل، والأحاديث دالة على ذلك…”. فالأخوة الصادقة ليست شعارا يرفع، وإنما خلق يمارس، وتضحية تبذل، ومودة تختبر عند الشدائد.
وكان الإمام الشافعي رحمه الله يجلُّ معنى الصداقة الصالحة، ومن أشهر ما نقل عنه:
سَلامٌ على الدُّنْيَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَا
صَدِيقٌ صَدُوقٌ صَادِقُ الوَعْدِ مُنْصِفًا
وقد أورد هذه الأبيات أصحاب كتب مناقب الشافعي وأخباره.
وإذا كان هذا هو شأن الصحبة في تراث الأمة، فإن واقعنا المعاصر يشهد أزمة حقيقية في هذا الباب. لقد شجعت الثقافة السائدة على الانكفاء على الذات، وربطت النجاح بالفرد وحده، حتى صار كثير من الناس ينظرون إلى العلاقات بمنطق المنفعة لا بمنطق الأخوة.
أصبح الإنسان يُسأل: ماذا تملك؟ أكثر مما يُسأل: من أنت؟ وأصبح التنافس يطغى على التعاون، والمصلحة العاجلة تطغى على الوفاء، فضعفت الروابط، وكثرت الوحشة، وانتشر الشعور بالغربة النفسية بين الشباب.
ومن هنا تبرز أهمية المعنى الذي أكد عليه الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله في مشروعه التربوي؛ وهو أن بناء الإنسان المؤمن لا يكون في عزلة عن جماعة المؤمنين، وأن الصحبة الصالحة من أعظم أبواب التربية، وقد بسط رحمه الله هذا المعنى في عدد من كتبه، وعلى رأسها “المنهاج النبوي: تربية وتنظيما وزحفا”، حيث جعل “الصحبة والجماعة” أولى خصال المنهاج، وعدها المدخل التربوي لبناء الإيمان والسلوك.
ذلك أن النفس البشرية تضعف إذا انفردت، وتخور إذا انقطعت عن منابع التذكير، بينما تقوى حين تحيا في بيئة إيمانية تتعاون على البر والتقوى، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. لأن الخير حين يتقاسمه الناس يثبت وينمو، وحين يحمله الفرد وحده قد يضعف أو ينقطع.
إن أخطر ما في الفردانية المعاصرة أنها لا تسرق من الإنسان أصحابه فقط، بل تسرق منه جزء من إنسانيته، فالإنسان كائن خُلِقَ للتعارف والتراحم والتناصح والتعاون، وإذا عاش لنفسه وحدها ضاقت روحه، ولو اتسعت دنياه.
وما أحوج شباب اليوم إلى صحبة صالحة، لا تقوم على المصالح العابرة، ولا على التسلية المؤقتة، بل تقوم على المحبة في الله، وعلى الصدق والنصح والوفاء. صحبة تجعل الشاب أقرب إلى ربه، وأرحم بالناس، وأقوى على مواجهة فتن العصر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرءُ على دينِ خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل». رواه أبو داود والترمذي. فإذا كان الخليل يؤثر في الدين والخلق والسلوك، فإن اختيار الصحبة ليس أمرا هامشيا في حياة الإنسان، بل هو قرار من القرارات الكبرى التي ترسم مستقبله الروحي والأخلاقي.
وفي زمن الفردانية، تبقى الصحبة الصالحة حصنا من العزلة، ومصدرة للثبات، ومدرسة للتربية، وجسرا يعبر به السالكون وادي الفتن إلى معاني الأخوة التي جاء بها الإسلام.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نحيي هذا المعنى في بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا، حتى لا يبقى الشاب وحيدا وسط الزحام، متصلا بالعالم كله، ومنقطعا عن القلوب التي تذكره بالله وتعينه على السير إليه. قال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]. فكل صحبة تنقطع، وكل علاقة تزول، إلا صحبة بُنيت على التقوى، فإنها تمتد من الدنيا إلى الآخرة، وتبقى نورا يهدي أصحابها يوم يشتد الظلام