منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحَيَاء.. وأثره في الفَرد والمجتمع

محمد ياسر منصور

0

الحَيَاء.. وأثره في الفَرد والمجتمع

محمد ياسر منصور
كاتب وباحث سوري

 

نستهلّ حديثنا بقول المعلِّم الأعظم صلوات الله وسلامه عليه: ( الإيمان بِضعٌ وسبعون شُعبَة، أو بِضعٌ وستُّون شُعبَة فأفضلها: لا إله إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحَيَاء شُعبةٌ من الإيمان ).

 الحَيَاء.. شُعبة ٌ من شُعَب الإيمان، وفَضيلة من فَضائل الإسلام، وخُلُق من أخلاق النبي الكريم. والحَيَاء باعِثه إحساسٌ رقيق، وشُعورٌ دقيق.. يبدو في العَين مَظهره، وعلى الوجه أثَره.. مَن حُرِمَه حُرِمَ الخيرَ كلَّه، ومَن تحلَّى به ظَفرَ بسعادة الدُّنيا والدِّين، ونالَ الخَيرَ أَجمَع. فَفي الحديث الشَّريف ( الحَيَاء خَيرٌ كلّه).

ولقد مَرَّ النبيّ عليه الصَّلاة والسَّلام على رجلٍ من الأنصار وهو يَعِظُ أخاه في الحَيَاء ــــ يُعيبه عليه ــــ فقال عليه السَّلام: ( دَعه ُفإنَّ الحَيَاء من الإيمان ).

ولا إيمانَ لِمَن لا حَيَاءَ له.. إذ هوَ زينة النُّفوس، يصُدُّها عن فِعلِ ما يُشينُها، ويحمِلُها على التَخلُّق بِجَميل الخِصال.. ومَن كَسَاه الحَيَاء ثَوبَه لم يَرَ النَّاسَ عَيبَه، ومَن خَلَعَ بُرقُع الحَيَاء عن وجهه فقد خَلعَ ثَوبَ الإيمان عن نَفسه. لذلك يقول صلوات الله عليه: ( الحَيَاء والإيمان قُرَناء جميعاً.. فإذا رُفِعَ أحدهما رُفِعَ الآخَر ).

وعِلَّة ذلك أنَّ المَرء حينما يفقُد حَيَاءه يتدرَّج من سَيِّءٍ إلى أَسوَأ، ويهبُط من رَذيلَة إلى أَرذَل، ولا يزال يهوي حتى ينحدِر إلى الدَّرك الأسفَل. وقد رُويَ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حَديث يكشف عن مَراحِل هذا السُّقوط الذي يبتدئ بِضَيَاع الحَيَاء، وينتهي بِشَرِّ العَواقِب. ( إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ إذا أرادَ أن يُهلِكَ عَبداً نَزَعَ منه الحَيَاء، فإذا نُزِعَ منه الحَيَاء لم تُلفِهِ إلاَّ مَقيتاً مُمقِتاً، فإذا لم تُلفِهِ إلاَّ مَقيتاً مُمقِتاً، فإذاً لم تُلفِه الأمانَة، فإذا نُزِعَت منه الأمانَة لم تُلفِه إلاَّ خائِناً مَخُوناً نُزِعَت منه الرَّحمة، فإذا نُزِعَت منه الرَّحمَة لم تُلفِه إلاَّ رَجيماً مُلعَناً، فإذا لم تُلفِه إلاَّ رَجيماً مُلعَناً نُزِعَت منه رِبقةُ الإسلام ). وهذا ترتيب دقيق في وَصف الرَّسول لِأَمراض النُّفوس وتَتَبُّعه لِأطوارِها، وكيف تنتقل كل مَرحلة خَبيثة إلى أخرى أَشدُّ نُكراً.. فإنَّ الرَّجُل إذا مَزَّقَ الحِجابَ عن وجهه، ولم يتهيَّب على عَمله حِساباً، ولم يَخشَ في سُلوكه لَومَة لائِم، مَدَّ يَدَ الأذى للنَّاس، وطَغى على كلّ مَن يَقَع في سُلطانه، ومِثل هذا الشَّخص الشَّرِس لن تَجِدَ قلباً يعطُف عليه، بَل إنَّه يغرُس الضَّغائِن في القُلوب ويُنمِّيها، وأيُّ حُبٍّ لِامرُىءٍ جَريءٌ على الله وعلى النَّاس، لا يردُّه عن الآثام حَيَاء ؟.. فإذا صارَ الشَّخص بهذه المَثابَة لم يُؤتَمَن على شيءٍ قَطّ.. إذ كيفَ يُؤتَمَن على أموالٍ لا يخجَل من أكلِها، أو على أعراضٍ لا يَستحي من فَضحِها، أو على مَوعِدٍ لا يهمُّه أن يُخلِفه، أو على واجِبٍ لا يُبالي أن يُفرِّط فيه، أو على بِضاعَةٍ لا يتنزَّه عن الغِشِّ فيها.. ورَحِمَ الله القائِل:

إذا قَلَّ ماءُ الوَجهِ قَلَّ حَياؤُهُ ولا خَيرَ في وَجهٍ إذا قَلَّ ماؤُهُ

حَياؤُكَ فَاحفَظهُ عَليكَ وإِنَّما يَدِلُّ على فِعلِ الكَريمِ حَيَاؤُهُ

إنَّ الحَيَاء مَلاك الخَير، وهو عُنصُر النُّبل في كل عَمَل يَشوبه. يقول عليه الصَّلاة والسَّلام:( ما كانَ الفُحشُ في شيءٍ إلاَّ شَانَه، وما كانَ الحَيَاء في شيءٍ إلاَّ زَانَه ).

ومن حَيَاء الإنسان مع النَّاس أن يَعرِف لأصحابِ الحُقوق مَنازِلَهم، وأن يُؤتي كُلَّ ذِي فَضلٍ فَضلَه.. فَلِلغُلام مع مَن يكبرونه، وللتلميذ مع مَن يُعلِّمونه، مَسلَكٌ يقوم على التأدُّب والتقديم.. فلا يسوغ أن يرفع فَوقَهم صوته، ولا أن يجعَل أمامهم خَطوَه.

وأَثَر الحَيَاء في حياة الأُمم عظيم.. وإذا كانت التربية تُحَسِّن السُّلوك العام عند بعض الأُمم فتكون عندها شُعبَة من الحَيَاء، فإنَّ ذلك من فَضل الشَّرائِع السَّماويَّة التي عَمِلَ الأنبياء والرُّسُل الذين أُنزِلَت عليهم هذه الشَّرائِع على رِعاية هذا الخُلُق وإشاعَته في جميع المُتَّبِعين لهم. وقد أخبَرَ رسول الإسلام بِخَبَر يتضمَّن أنَّ الحَيَاء من شَرائِع الأنبياء الأوَّلين، حيث قال: إنَّ مِمَّا أَدرَكَ الناس من كلام النُبوَّة الأولى إذا لم تستَحِي فَاصنَع ما شِئت.

وللحافِظ ابن القَيِّم كلام جامِع في أَثَر الحَيَاء وخاصِّيته، فقد قالَ فيه: هو خاصِيّة الإنسانيِّة.. فَمَن لا حَيَاءَ له ليسَ معه من الإنسانيِّة إلاَّ اللَّحم والدَّم، وصورتهما الظَّاهرة.. كما أنَّه ليسَ معه من الخَير شيء.. ولولا هذا الخُلُق لم يُقَرّ الضَّيف، ولم يُوفَ بِالوَعد، ولم تُؤدَّ الأمانَة، ولم يُقضَ لِأَحدٍ حاجَة، ولا تَحَرَّى الرَّجُل الجَميل فَآثَرَه، والقَبيح تَجنَّبَه، ولا سترَ له عَورة، ولا امتَنَع عن فاحِشَة.. وكثير من الناس لولا الحَيَاء الذي فيه لم يُؤدِّ شيئاً من الأمور المُفتَرَضة عليه، ولم يَرعَ لِمَخلوق حَقَّاً، ولم يَصِل له رَحماً، ولا بَرَّ له والداً.. فإنَّ الباعِث على هذه الأفعال إمَّا ديني وهو رَجاء عاقبتها الحَميدة.. وإمَّا دُنيَوي وهو حَيَاء فاعِلُها من الخَلْق.

وقد عَبَّرَ الإمام علي كَرَّم الله وجهه عن أثَر الحَيَاء في سُلوك الشَّخص بقوله: ” مَن كَسى الحَيَاء ثَوبَه لم يَرَ النَّاسَ عَيبَه “. ويُعتَبَر الحَيَاء بهذا المعنى جَمال الحياة الإنسانيِّة.. حيث يسمو بها عن كلّ النَّقائِص، ويُميِّزها في الوُجود بِأَنبَل الخَصائِص.. وذلك أنبَل مَقصَد يرمي إليه الإسلام من تطهير النُّفوس وتزكيتها، وبه كان الخُلُق الطَّابع العام للأخلاق الإسلاميِّة، حيث قال الرسول صلَّ الله عليه وسلَّم كما رَواه الإمام مالِك في المَوطأ: ( لِكُلِّ دِينٍ خُلُق.. وخُلُق الإسلام الحَيَاء ).

والحَيَاء في أسمى مَنازِله وأكرَمها يكون من الله عَزَّ وجَلّ.. فنحن نُطعَم من خَيره، ونتنفَّس في جَوِّه، ونَدرُج على أرضه، ونستظِلّ بِسَمائِه.. فكيف لا نَستَحي من الإساءَة إليه وآلاؤُه تغمُرنا من المَهد إلى اللَّحد، ونِعَمه لا تُحَدّ ولا تُعَدّ (( وإن تَعدُّوا نِعمَة الله لا تحصُوها )). سورة إبراهيم / الآية 34

يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: ( استَحيُوا من الله حَقَّ الحَيَاء، قُلنا: إنَّا نَستَحي من الله يا رسول الله ـــ والحَمد لله ـــ قال: ليسَ ذلك.. الاستحياء من الله حَقَّ الحَيَاء أن تحفَظَ الرَّأسَ وما وَعَى، والبَطنَ وما حَوَى، وتَذكُر المَوتَ والبِلى، ومَن أرادَ الآخرة تَرَك زينة الدُّنيا، وآثَرَ الآخرة على الأولى، فَمَن فَعَل ذلك فقد استَحيَا من الله حَقَّ الحَيَاء ).

 خِتاماً.. إنَّ الذي أوجَدَ الإنسان مِن عَدَم، وأسبَغَ عليه وافِرَ النِّعَم، وخَلَق له ما في الأرض جميعاً، وسَخَّرَ له ما في السَّموات وما في الأرض، وأسبَغَ عليه نِعَمَه ظاهِرَةً وباطِنَة.. لَحَقيقٌ أن يستحي منه الإنسان حَقَّ الحَيَاء. والحَيَاء من الله ألاَّ يَراكَ حيثُ نَهَاك، ولا يفقُدُك حيث أمَرَك.. فَترى أنَّ الله مُطَّلِعٌ على سِرِّكَ وجَهرك، لا تخفى عَليه خافِيَةً من أمرِك.. فإذا استَشعَرتَ ذلك مَلَكَ خَوفُ الله عليكَ حَواسُّك.. فَتُقدِم على الطَّاعات، وتبتعِد عن المُحَرَّمات.. وتتحلَّى بأجمَل الفَضائِل.. ولِلَّه دِرُّ القائِل:

إذا لم تَخشَ عاقِبَةَ اللَّيالي ولم تَستحي فاَصنَعْ ما تَشاءُ

فَلا واللهِ ما في العَيشِ خَيرٌ ولا الدُّنيا إذا ذَهَبَ الحَيَاءُ

يعيشُ المَرءِ ما استَحيَا بِخَيرٍ ويبقى العُودُ ما بَقِيَ الحَيَاءُ

***********************************************

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.