منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 ﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزء الثالث- (١٠)  سلسلة “نتغير لنغير” 

 ﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزء الثالث- (١٠)  سلسلة "نتغير لنغير" / د.فاطمة الزهراء دوقيه

0

 ﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزء الثالث- (١٠)  سلسلة “نتغير لنغير” 

د.فاطمة الزهراء دوقيه

 

﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزء الأول- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”

﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزء الثاني- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”

 

أول ما يثير في مدرسة الصلاة النداء لها بالكلمات..

يتميز بقلة ألفاظه، مشتمل على مسائل العقيدة، لأنه يبدأ بالأكبرية: وهي تتضمن وجود الله ﷻ وكماله، ثم يثني بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد ﷺ، ثم يدعو إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لأنها لا تُعرف إلا من جهة الرسول ﷺ، ثم يدعو إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم يعيد ما يعيد توكيداً، ويحصل الإعلام بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شعائر الإسلام [1]..

كلام جامع للقرطبي يحدثنا فيه عما شرع من مراسم تقديم حضور صاحبة الفخامة والعظمة “الصلاة”، إذ ينادى لها ويُعلم بدخولها، وأن حي إليها للاستقبال والإقبال .. بكلمات رقائق تعجز الكلمات عن وصفها، تجلجل الآفاق، وتزلزل القلوب، وتشغِّل الفكر، وتدعو إلى الذكر..

كلمات لا تكفي في وصف رونقها واتساقها الكلمات، غاية في الروعة والجلال والبهاء والهيبة، ربما هي الأكثر تكراراً في سمعك، امتدت منذ قرون، وعبر القارات وأرجاء الأرض، وستظل كذلك إلى أن يشاء الله ..

في بداية تشريعه -كما جاء في الآثار- مثَّل قضية مجتمع يقام، وحضارة تبنى؛ إذ عقد مجلس شورى نبوي مع الصحب الكرام، فيما يمكن أن يجمع الناس، ويُعْلِمهم بدخول وقت أداء الصلاة، فانبرت الأفكار؛ أحدهم قال: نرفع لها راية، وآخر قال: نشعل لها ناراً على مرتفع من الهضاب، وآخر أشار: ننادي لها ببوق، وأشار آخر: بل بالناقوس ننادي لها. وهكذا استمر التداول في أمرها، حتى برقت فكرة النداء بالصوت والكلمات لجمع الناس للصلاة، فانشرح الصدر، وقضي الأمر، وكان الإقرار، واتخذ القرار.. لكن .. بقي سؤال: ما تكون كلمات هذا النداء؟ هناك انصرف عبد الله بن زيد مهموما بهذا الهم النبوي، ويروي أنه أُرِيَ الأذان في منامه، فغدا على رسول الله ﷺ فأخبره: يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آت فأراني الأذان … فنادى رسول الله ﷺ: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله .. فأذن بلال [2].

نعم.. أذن بلال أول من أذن، بصوته الخاشع الندي، صادحا بتلك الكلمات المرتبة بعناية واتساق، معليا ذكر الله في الملكوت والأكوان، مناديا العباد أن أقبلوا على الصلاة.

الأذان الجامع للصلاة، الداعية إلى الله الذي لا يتوقف، والحجة القائمة على الناس الدائمة التي لا تغيب حين يغيب الدعاة والهداة .. ينادي:

  • “الله أكبر”، الله أكبر مما تصف، ومما تعرف، أكبر من كل شيء، أكبر من الدنيا وما فيها، ومما أنت فيه، إن كنت في هم وغم، أو كنت في فرح وسرور، أو أي حال من الأحوال، تذكر أن الله أكبر.. وانتشل نفسك وأخرجها، ودع عنك ما أنت فيه فهو أصغر، وتعال إلى الأكبر، وأقبل وذق، إنك أنت الناسي الغافل، تعال لتتذكر، لتشحن من جديد للمضي.. ولأخذ جرعة الأمل للمسير.

وعبارة “أكبر” هي على وزن “أفعل” للتفضيل “الدال على عموم متعلقه.. حدِّقْ فلا شيء مما يخطر بالبال أو يجوزه الوهم والخيال إلا والله أكبر منه، ولا يخفى لطف هذا وحَثّه على ترك السوى، وعلى اجتماع القلب عليه سبحانه، وتعظيمه والثناء عليه، واستحضار عظمته وكبريائه، وجلاله واستحقاقه لجميع أجزاء المحامد، وإفراد الشكر ودقائق المدح … فكما كان التكبير مفتاح الصلاة، كان مفتاح الأذان؛ لأنه يفتح القلوب بذكر علام الغيوب.ثم إنَّه لما كان التكبير أول الأذان كرر أربع مّرات تأكيداً؛ لأن السامع في بادئ الأمر متشاغل بما هو فيه، فحَسُن التأكيد هناك، زيادةً في حضه على الإقبال واطراح الأشغال، وإطفاءً لنار الشيطان، وإخماداً لجمرات المعاصي والطغيان، ولما كانت نيران الشهوات تشتعل في كل آن، وجمرات المعاصي تتسعر على كل إنسان، كان في التكبير من الإطفاء لها ما لا يخفى على أهل العرفان”[3]..

هذا عن قول “الله أكبر”.. عبارة لا تلغي من حياتك الأمور الأخرى التي تشغل، ولها الحق عليك، لكن “الله أكبر”.. هو ترتيب لأعمالك إذاً، وتنظيم لأولوياتك في الحياة .. القمة فيها مخصوصةٌ له سبحانه وتعالى ولقائه، وهو الذي أمرك ألا تنس دنياك وعمارتها:﴿وَٱبۡتَغِ فِیمَاۤ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡـَٔاخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَاۖ وَأَحۡسِن كَمَاۤ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَیۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِی ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِینَ﴾ القصص:٧٧.

  • ثم تأتي الشهادتان:”أشهد ألا إله الا الله .. وأشهد أن محمدا رسول الله”..

الجملة الأولى، توحيد الله يُرفع، وحقيقةُ الوجود الكبرى تُعلن وتعلم، لتذكرك بالعهد الذي بينك وبين ربك:﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِیۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّیَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ شَهِدۡنَاۤ أَن تَقُولُوا۟ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَـٰذَا غَـٰفِلِینَ﴾ الأعراف:١٧٢، هي شهادة بالتوحيد، وبألا معبود إلا الله .. وإنَّ رفعه يفترض أن يزيدك دفعاً لترك ما أنت فيه، حتى تُلبي النداء وتستجيب للدعوة، ابتغاء وجه الله تعالى، وإلا تفعلْ فحذاري أن تصير عبدًا لغيره، مما يشغلك عنه.. وتذكر ما ورد في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال:{تعِس عبدُ الدينارِ، تعِس عبدُ الدرهمِ ، تعس عبدُ الخميصةِ، تعس عبدُ الخميلةِ، تعِس وانتكَس وإذا شيكَ فلا انتقشَ}[4].

وشهادة التوحيد هذه لا تكتمل إلا بشهادة رسالة محمد ﷺ، الجملة الثانية، للتذكير بركن الاتباع، والاقتداء، وتحمل الرسالة، فكيف عرفت ألا إله إلا الله، وأنه الاله الحق، ولا تصلح الألوهية والعبودية إلا له؟! أليس بواسطة هذه الرسالة؟! الرسالة التي تركها فينا أمانةً، لنستمر على نهجه في نقل أفكارها ومبادئها إلى عالم التجربة الإنسانية.. وإقامة الحياة كما فعل ﷺ..

عبارات الافتتاح العظيم هذه .. لأجل المقصد من النداء الإقبال إلى إقامة الصلاة ..

  • “حي على الصلاة”: ومعنى حيَّ “أقبل” دعوة إلى الصلاة، لكن هل فكرت أن لفظ حي مرتبط بالحياة نفسها، التي من أفعالها الأولى الإقبال، ألا يبدو لك أن عمق عبارة “حي على الصلاة” هو الدعوة إلى الحياة، وأية حياة! إنها حياة مختلفة، ومن نوع آخر، التي ستكون هناك في الصلاة التي من مقاصدها العامة التأهيل والتدريب لإقامة الحياة في الواقع كما يريدها الله تعالى منك، من أجل تغيير العالم والإثمار في الأرض .. وعلى ذكر فكرة الإثمار والدفع للإنتاج والفاعلية المطوية في دعوة الإقبال الأولى “حي على الصلاة”، تأتي دعوة الإقبال الثانية:
  • “حي على الفلاح”، لتؤكد ذلك المعنى، الدعوة إلى الفلاح.. وهي بالمعنى المباشر: هلُمّ وأقبل إلى ما به الفلاح والفوز والنجاح، والصلاة هي السبب الأعظم، بها ينال العبد ما يروم، ويبلغ ما يتمنى من ربه .. لكن كلمة الفلاح، تعني شيئا آخر؛ فهي لغةً مشتقة من فلح يفلح أي شق وقطع، نقول شق الأرض وقطعها، ومنها الفِلاحة، والفلَّاح من يفلح الأرض ويزرعها لتثمر..

ويمكن اعتبار المعنيين متكاملين، فيلزم قبل بلوغ الفوز وتحقيق المراد، العمل والسعي له، فإذا كنا نتحدث عن الفوز في الآخرة، فلا بد أن تسعى وتشق لذلك الطريق في الحياة الدنيا، فالدعوة إلى الفلاح في الأذان للصلاة كأنها دعوة إلى البذل والعطاء وشق هذه الأرض، وقطع مشاقها للإثمار فيها، ونيل المراد الرباني معاشاً ومعاداً..

  • ويستمر النداء ليعيد نداء التكبير وشهادة التوحيد، تأكيداً لما تقرر من المعاني، وتنبيهاً للفكر، وإيقاظاً للوعي ..

وهكذا، تعلم أن الأذان ليس أمراً بسيطاً تتركه يمر عليك كراماً، بل هو جملة من المعاني المرتبة والمتكاملة البنيان، لا ينبغي الغفلة عنها دون استلهام دروسها واستحضارها، فهو كلمات تحفز الوعي، وتنشئ اليقظة، وتحدث حالة التهيؤ أن:﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱسۡتَجِیبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا یُحۡیِیكُمۡ﴾ الأنفال:٢٤، وتؤذن للدخول إلى ما يخرج من الظلمات إلى النور، ومعاني التغيير في الحياة.


 

[1]– المفهم للقرطبي، ٢/١٤.

[2]– سنن أبي داوود، كتاب الصلاة، باب بدء الأذان، رقم ٤٩٨.

[3]– فقرة مقتطفة من مقال “تشنيف الآذان بأسرار الأذان”، موقع إمام المسجد، https://alimam.ws/ref/123

[4]– أخرجه البخاري، برقم ٢٨٨٧.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.