﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزء الثاني- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”
﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزء الثاني- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”/ د. فاطمة الزهراء دوقيه
﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزء الثاني- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”
بقلم: د.فاطمة الزهراء دوقيه
﴿ثُمَّ ٱسۡتَقَـٰمُوا۟﴾ -الجزء الأول- (١٠) سلسلة “نتغير لنغير”
سنتناول في هذا المقال وما يتبعه من مقالات ما يعتبر تذكيرات وتجديدات في الفهم لتلك الأعمال الإسلامية الكبرى التي تقوم بها على الدوام، لتجديد الوعي بها والانتباه إلى ما ترشد إليه من قيم ومعان، وما توجه إليه من أفكار ومناهج للحياة، عملاً بقوله تعالى:﴿وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ الذاريات: ٥٥، تحتاج باستمرار أن تتمرن على استحضارها، لتزود بها قدرتك على الاستقامة في خاصة نفسك، وفي حياتك العامة بكل تشعباتها، فيتحقق فيك التزكي وتغيير ما بنفسك حتى يتغير واقعك.
والبداية مع أعظم هذه الأعمال في المنهج التربوي الرباني .. تلك المدرسة التغييرية الكبرى التي لا نظير لها ولا مثيل، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثلها، لا يأتون بمثلها أبدًا. قد صدرت عن الذي يعلم ما يصلحك وكيف يصلحك، فصممها على مقاسك، وصاغ نظامها على ما يوافق طبيعتك، ويلبي نداء حاجاتك وأشواق روحك .. تلقنك دروسا وعبرا، وتبلغك هدايات وقيما، وتوصلك إلى المعالي.. أرادها سبحانه وتعالى لك طريقاً رئيساً وخير سبيل تسلكه للصلاح والإصلاح، بل أرادها زادك الدائم في الحياة؛ لا ينقطع عنك عطاؤها حتى يأتيك اليقين .. مدرسة للتغيير ترتادها كل يوم فاعتدتها، بل خمس مرات كل يوم ..
نعم إنها الصلاة !!.. تلك العبادة التي تأتي على رأس كل الأعمال الجوارحية التي تعبر بها عما يعتمل في داخلك من إيمان وتوحيد، وما يموج في وجدانك من شعور الاحتياج والافتقار إلى ملك غني قوي عزيز قاهر فوق كل الخلق، بدونها لا يقوم لك دين، ولا تطيب لك حياة، بل لا معنى لها يذكر.
هي قربتك اليومية إلى خالقك، وفسحة الأمل التي إن اسودت الدنيا في عينيك، بيضتها لك، فيتجدد فيك النشاط، وتعلو لديك الهمة، حتى يتراءى لك ألا بأس ولا يأس مع الحياة ..
شرعت لوظيفة سامية، ولمقصد عال، ينسجمان ووظيفتك في الحياة، لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ﴾ العنكبوت:٤٥. ولا شك أن عبارة الذكر هنا ليست بتلك البساطة، بل هي أعقد مما تتصور: الصلاة لك ذكر وذكرى يومية الأقرب إليك من كل الأقربين والأصدق، حتى إذا نسيت تذكرك بإجابات الوجود: ما الحياة؟ ولم ؟ وكيف؟ وإلى أين؟.. تذكرك بقدْرك وحقيقتك، وتعرفك بحدودك ومسؤولياتك، فأنت في البدء النهاية إنسان ينسى ويغفل، ويفتقر الأنس، وخير الأنس أنس الروح، وذلك في محراب الصلاة.
ولك فيها الذكر لله بالمعنى الحرفي الضيق، وفيها الفكر والتفكير والتفكر والوعي، وفيها الإيقاظ للضمير، والصحوة للعقل والوعي، والدفع للحياة والعطاء، وفيها البناء، وفيها النماء، وفِيها الإثمار.
إن الصلاة كما باقي ما شرع الله تعالى، بهيئتها وشكلها وكل ما تعلق بها داخلها وخارجها، إنما جعلت لتعينك على رسالتك ومهمتك في العالم؛ فهي في وظيفتها، في بنيتها التكوينية، من النية إلى التسليم، تهدف إلى جعلك مثمراً أفراداً وجماعةً؛ تقوم بأداء ما هو مطلوب منك. هي دورة تدريبية تخوضها من أجل إعادة تشكيل نفسك لتكون أكثر فاعلية، لتكون أقرب إلى نفسك، على الأقل أقرب إلى نفسك كما أرادها خالقك أن تكون.. أقرب إلى تلك القمة التي وضعك الله فيها، والتي يختار بعض البشر اختياراً أن يتركوها، ليجعلوا من الدرك الأسفل عنوانا دائما.. وهي كذلك وسيلتك إلى الإثمار [1].. هي أداتك اليومية للتزكية والتأهل لرسالتك في الحياة، والتدرب على أداء المهمة، رسالة الإصلاح، ومهمة تغيير العالم، وتبييض وجه الدنيا؛ بدءا من تغيير ما بنفسك وما حولك وقربك، وشيئا فشيئا تراك غيرت العالم كله وأصلحته ..
الحقيقة أن الصلاة وسيلة ربانية غزيرة دروسها، كثيرة معانيها، عديدة بلاغاتها، متشعبة هداياتها، ولن نقدر أن نحصي ثناء عليها وعلى عبرها، فحسبنا ذكر بعضها وما يبدو أهمها ..
ولذا، كانت هذه مقدمة فحسب تمهد الحديث عن الصلاة، خلاصتها أنها من أجل رقيك الإنساني، واستخراج أفضل ما فيك، ودفعك أن تكون أحسن، لبناء عالم أفضل، ذلك لــ:﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ الرعد:١١.
آالصلاة تثمر هذا الذي نصف، فلم الحياة ضنك وشقاء؟ ولم لا شيء يتغير؟ لم العالم من حولنا على الحال الذي نرى؟ ألأننا لا نصلي؟ أم أننا لا نفقه ولا نعي؟
لعل الإجابة هي نفسها تتكرر، تحتاج تجديد علاقتك بالصلاة، بتجديد فهمك لها، ووعيك بمعنى أدائها ومدى هذا الأداء وآفاقه.
[1]– أحمد خيري العمري، سدرة المنتهى، سلسلة كيمياء الصلاة، ص ٢٢.