فن الغناء || دور الفنون في نصرة قضايا الأمة (الجزء الثالث)
الأستاذ حسن العلام
دور الفنون في نصرة قضايا الأمة (الجزء الأول)
أهمية الفنون في حياة الإنسان|| الفنون في نصرة قضايا الأمة (الجزء الثاني)
تتكون الأغنية أو النشيد من عناصر أساسية أهمها: الكلمات، اللحن، الأداء، الصوت ، ويبقى العنصر الأهم في الأغنية هو الكلمات والتي قد تكون قصيدة شعرية أو زجلية عامية وقد تكتب بلهجة البلد. لكن الكلام المنظوم شعرا ( القصائد ) هو الذي يترك أثرا ووقعا في أذن المتلقي.
روى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله
اليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل ألهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله
فقال له سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ياابن رواحة بين يدي رسول الله وفي حرم رسول الله تقول الشعر؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل).
وفي رواية للنسائي:
( خل عنه ياعمر، فوا الذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل ).
نستخلص من الروايتين أن الكلام – الشعر- له خاصيتان، انتشار سريع (فلهي أسرع)، و تأثير قوي (لكلامه أشد) . ومعلوم أن هذه الكلام قد وجهه الشاعر ابن رواحة للكفار وأن وقعه عليهم شبهه النبي الكريم بوقع و رشق النبل عليهم. وجاء في حديث آخر ( لكأنما ترمونهم به نضح النبل ) أي كأنما ترمونهم بالنبال وليس بالكلام .
إذا كان عنصر الكلام في الأغنية جيدا وأضيف إليه اللحن المميز وأداه المغني بصوت جميل، فإن الأغنية ستؤدي دورها في التأثير على من سيسمعها وبالتالي تكون الإستجابة و التفاعل بشكل إيجابي.
في المغرب سنتناول هذا النوع من الغناء المؤثر أو الإحتجاج الغناءي كما يسميه البعض عبر ثلاث مراحل :
المرحلة الأولى غناء “العيطة”.
قد يتبادر إلى الذهن عند قراءة أو سماع كلمة العيطة أنها فن ساقط لايصلح إلا في حفلات اللهو و المجون و الاختلاط. العيطة فن شعبي صنفها المهتمون إلى عدة أشكال– وهذا ليس موضوعنا — الدكتور نسيم حداد باحث مغربي في الموسيقى الشعبية المرتبطة بالتراث المغربي يقول أن( العيطة ممارسة فنية مغربية متكاملة تشمل الشعر و الموسيقى فضلا عن الرقص ) يعبر الفنان الذي يؤدي العيطة — وغالبا ما تكون امرأة يطلق عليها لفظ ” الشيخة” — تعبر عن أفراح وأحزان وهموم مشاعر الشعب المغربي.
ارتبط فن “العيطة”في المغرب بحقبة الإستعمار بين 1912 و 1956 حيث كانت كلمات أغاني العيطة التي يؤديها الفنانون تحفز المقاومين و تحثهم على مواجهة المستعمر. ويوضح الباحث نسيم حداد أن( لفن العيطة نضال طويل ضد المستعمر حملت معها رسائل بين المقاومين و انتصرت للمظلومين ).
في كتابه :(غناء العيطة، الشعر الشفوي والموسيقى التقليدية في المغرب)، يوضح الشاعر والباحث المغربي المتخصص في فن العيطة والحاصل على دكتورة الدولة في الشعر الشفوي حسن نجمي، أن هذا الفن ظهر إبان القرن التاسع عشر قبل أن يزدهر ويتحول إلى فن مقاوم أيام الإحتلال الفرنسي مشيرا إلى( أن هذا الفن بلغ ذروته أيام الإستعمار) إذ لعب دورا مهما في نقل حماس الشعب المغربي وتحفيز المقاومين على محاربة المستعمر وطرده من البلاد، وسبق للإستعمار الفرنسي أن منع هذا النوع من اغاني العيطة، ويضيف الكاتب نجمي أنه كان يعتبرها بمثابة ( نداءات تحريضية ضده تساهم في إذكاء حماس الثوار آنذاك )، وحسب الفنان، نسيم حداد فإن أهم ما يميز ثرات فن العيطة ( توظيفه في الإحتجاج على الظلم وتجييش الناس على الثورة ضده ) ويذكر الباحث على سبيل المثال بعض الأسماء اللتي برزت آنذاك مثل الفنانة مباركة البهيشية التي كانت تمثل صوت قبيلتها( ناحية بني ملال) وهي تعاني من جيش الإستعمار والكولونيالية أدت قصيدة ” الشجعان” لتجييش المواطنين ضد الإستعمار. وايضا الفنانة خربوشة شاعرة قبيلة اولاد زيد وغيرهما كثير .
وللتقليل من شأن فن العيطة لجأ المستعمر وأعوانه الخونة إلى تشويه الفنانة أو “الشيخة” واعتبروها من الفئات المتدنية في المجتمع وجعلها حكرا على أوكار الدعارة.
المرحلة الثانية، ناس الغيوان.
ظهر هذا النوع من غناء المجموعات في بداية السبعينيات بداية بفرقة ناس الغيوان،ثم ما لبث أن تلتها باقي مثيلاتها مقتفية نفس مسار الأغنية الإحتجاجية، ففي ظروف الإحتقان السياسي والبؤس الإقتصادي، ومن رحم الفقر الإجتماعي ولدت هذه المجموعات لتعبر عن غالبية الشعب وكانت بمثابة صوت المقهورين المضطهدين والمقموعين. وقد لقي هذا النوع من الغناء احتضانا شعبيا و تشجيعا من لدن جيل كبير من سنوات السبعينيات، حيث اجتذبته شريحة من الناقمين على الوضع السياسي آنذاك والذي سمي بحقبة سنوات الجمر والرصاص.
لهذه المجموعات قصائد في الدفاع عن قضية فلسطين سنعود إليها في جزء من هذا الموضوع.
المرحلة الثالثة، الألتراس.
مسار تطور الأغاني الإحتجاجية في المغرب يدعونا للوقوف على نمط جديد برز ليعبر بطريقته على هموم الشعب الذي طاله الحيف والإقصاء الإجتماعي، ألا وهو نمط أغاني الملاعب أو مايطلق عليه بأناشيد” الألتراس”، أناشيد بكلماتها وألحانها وأداءها الجماعي من طرف آلاف المشجعين،ترسل رسائل مشفرة تعالج من خلالها هموم فئة مهمشة في الشارع المغربي. ومن أهم الأغاني والتي لقيت انتشارا حتى خارج المغرب نشيد: في” بلادي ظلموني” لمناصري فريق الرجاء الرياضي. ونشيد: “قلب حزين” يؤديه مشجعوا فريق الوداد الرياضي.
فن الإنشاد
…..يتبع