المسرح … فن المسرح
بقلم: محمد الخطيب
مقدمة:
يُعدّ فن المسرح أحد أبرز الفنون التعبيرية التي تتوجّه إلى الإنسان من خلال استحضار مختلف أبعاد تجربته الحياتية الإنسانية، سواء تجسّدت في مشاعر الفرح أو الحزن، أو في مواقف الشجاعة والجبن، أو في قيم الكرم والبخل. ويُنظر إلى المسرح باعتباره وسيلة فنية للتعبير عن الهموم الفردية والجماعية، وعن المعاناة اليومية التي يعيشها الإنسان في سياقاته الاجتماعية والثقافية. ومن ثمّ، يظل المسرح مرتبطًا بالإنسان ارتباطًا جوهريًا، إذ يتيح له الإفصاح عن مشاعره المتنوعة، الإيجابية منها والسلبية، عبر توظيف أدواته الفنية المتمثلة في الجسد والحركة والحوار والماكياج، بما يضمن تحويل التجربة الإنسانية إلى خطاب جمالي متكامل.
يرتبط لفظ “المسرح” في الوعي الجمعي بأجواء الفرجة والمتعة والترويح عن النفس، وهي أجواء تُمارَس داخل فضاء معماري مهيأ بتجهيزات خاصة تُمكّن المتلقي من الانفصال مؤقتًا عن ضغوط الواقع اليومي ومشكلاته، والانخراط في عالم موازٍ يقارب هذا الواقع، لكن عبر وسائط فنية تتمثل في الكلمة والحركة واللون والإيقاع الموسيقي، أي من خلال العرض المسرحي. وقد شكّلت الحركة الجسدية، والأصوات المعبرة، والكلمة منذ نشأة المسرح وإلى اليوم، أدوات أساسية للتعبير عن المشاعر الإنسانية وتجسيد الأحاسيس الفردية والجماعية، بما يجعل المسرح فنًا قائمًا على تحويل التجربة الوجدانية إلى خطاب جمالي حيّ.
بدايات الفعل المسرحي
مثل باقي الفنون، عرف المسرح تطورًا عبر العصور تبعًا لطبيعة الحقبة الزمنية والمرحلة التاريخية التي عاشها الإنسان، ليغدو ـ إذا صح التعبير ـ سجلًا يوثق لتاريخه من زاوية فنية وجمالية. غير أن هذه القدرة الإبداعية لم تكن متاحة للجميع، إذ ارتبطت منذ القدم بأفراد يمتلكون مهارات خاصة تمكّنهم من إثارة مشاعر الجمهور وإدخال البهجة إلى نفوسهم عبر أشكال تعبيرية موسومة بجماليات فنية. وقد شكّل فن التشخيص إحدى أقدم الوسائل التي احتفل بها الإنسان، حيث عبّر من خلالها عن فرحه بموسم فلاحي وفير أو بانتصار في معركة، كما جسّد حزنه عند سوء الموسم أو الهزيمة في الحرب. ولإتمام هذه الطقوس التعبيرية، كان لا بد من تقديم الشكر والامتنان للقوى التي اعتُبرت سببًا في تحقيق الوفرة الزراعية أو النصر العسكري، وهي الآلهة التي خُصّت باحتفالات ذات طقوس مميزة تتناسب مع مكانة كل إله في المعتقدات القديمة، ومنها احتفالات الكروم وعصير العنب الخاصة بإله الخمر والمجون ديونيزوس أو باخوس([1])، فكان الناس يجتمعون على تلة مرتفعة أمام مدخل المدينة، بينما الممثلون يقومون بعرض القصص وتشخيص الملاحم فنيا أمام هذا الحشد الكبير من الناس (الجمهور)، الذين تركوا مشاغلهم والتزاماتهم اليومية ليحضروا لحظات يمتزج فيها الرقص فرحا، تارة بالكلمة وتارة بالحركة وأخرى بالصوت والموسيقى … إنه العرض المسرحي في بداياته عند الإغريق الذين كانوا يعبرون عن فرحهم، خاصة بمحاصيل الكروم ويذكر المؤرخون بأن الممثلين كانوا يلبسون لباسا على هيئة الماعز فيشخصون عبر حوارات ورقص وغناء مشاهد يكرمون من خلالها الإله ديونيزوس أو إله الخمر باخوس، فكانت بداية ظهور التراجيديا أو أغنية الماعز كما عرفها اليونانيون.
ظهور فن المسرح؟:
الفن هو المهارة التي يحكمها الذوق والمواهب، منها الفنون الجميلة كالموسيقى والرقص والنحت ……، وكذلك الفنون الأدبية منها مثلا الشعر والقصة والمسرحية؛ فطبيعي أن يكون لكل جنس فنه مثل: فن النحت، فن الرسم، فن الغناء…..([2]).
إذا كان الفن مهارة يحكمها الذوق والموهبة، فما هو المسرح إذا؟
يُعرَّف المسرح باعتباره فضاءً مخصوصًا تُعرض فيه أحداث درامية متباينة، قد تكون إيجابية أو سلبية، ضمن إطار زماني ومكاني محدّد، وبحضور جمهور يتوافد تلقائيًا لمتابعة تلك الأحداث. وإذا كان المسرح هو المكان الذي تُروى فيه وقائع تُقدَّم للجمهور قصد التفاعل معها، فإن ذلك يستلزم وجود أفراد يمتلكون مهارات فنية تُوجَّه بالذوق وتُدعَم بالموهبة، لنقل التجربة الدرامية عبر الكلمة والحركة، بمساندة عناصر مساعدة كالأزياء والديكور والإضاءة المسرحية. وهكذا يتشكّل العرض الفني داخل البناية المسرحية، حيث يتجاوز فن المسرح خواء الركح وظلام الخشبة وصمت الجمهور، ليملأ الفضاء بالكلمة الرنانة، والحركة المتناسقة، والصور البصرية، والإيقاعات الموسيقية التي تُجسّد حالات وجدانية متنوّعة من فرح وحزن وضعف، وفق ما يقتضيه الموقف الدرامي والصراع المسرحي. ومن خلال هذا التفاعل، تتدفق الحياة فوق الخشبة بالأضواء المركزة، ويتحقق التواصل الوجداني والعقلي بين الممثل والمتلقي في الزمان والمكان المحدّدين، فيتابع الجمهور مجريات الأحداث المسرحية بانشداد إلى جمالية الأداء وصدق التجسيد.
أكيد أن فن المسرح وأدواته تطورت عبر العصور والفضل يرجع إلى الإغريق: (… لا بد أن نقر بوضوح بأن الإغريق وحدهم-من بين الشعوب القديمة- هم الذين عرفوا الدراما في أكمل صورها، وان أي مسرح عند غيرهم-من القدامى أو المحدثين- وصل إلى مرحلة النضج يدين لهم بالوجود) ([3])،
يُعدّ المسرح فنًّا حيًّا يتطور بتطور الإنسان، ولا يمكن الفصل بينهما بأي وجه من الوجوه، إذ يشكّل فضاءً للتواصل يجد فيه المتفرج انعكاسًا لتجاربه الحياتية، بما يحمله من آلام وأفراح تمثل جوهر الوجود الإنساني. ويُنظر إلى المسرح باعتباره وسيلة بحث وتأمل تمكّن الإنسان من مقاربة أسئلة كبرى تتعلق بمعنى حياته ووجوده وما ينبغي عليه فعله. غير أن هذا الفن يفقد حيويته إذا لم يواكب التحولات الاجتماعية ويستجيب لتغيرات الواقع، فيتحول إلى ممارسة جامدة تفتقر إلى القيمة الجمالية والفكرية، بل قد يسهم في تكريس ما يُضعف إنسانية الإنسان من خلال المساس بكرامته وحريته وعدالته، وتشويه هويته ومعتقداته. ومن ثمّ، فإن المسرح يظل فنًّا مرتبطًا بالإنسان ارتباطًا جوهريًا، لا يكتسب قيمته إلا بقدر ما يعكس تطلعاته ويواكب تحولات مجتمعه
اهتدى الإنسان منذ وجوده على الأرض، إلى وسائل للتعبير عما يعيشه في حياته اليومية، فبالإضافة إلى الصوت/اللغة استعمل جسده ليعبر أكثر عن الحدث الذي يقدمه للحاضرين المتحلقين حوله: رقصات، حركات تعبيرية ….. يزيدها جمالا أحيانا، وغموضا أخرى ضلال جسد المشخص أو المشخصين على جدران الكهف (مرجعية غربية)[4] مما يعطي شاعرية قد تكون مفعمة بالفرح (صيد ثمين، زراعة مثمرة، انتصار على عدو،…) أو يحصل العكس في حالة جفاف أو هزيمة في ساحة الحرب، فيقومون بطقوس معينة يتقربون بها من القوى الخارقة (الآلهة) من أجل جلب المطر أو الحصول على صيد يسدون به الجوع أو انتصار على الخصم، وهذا ما أطلق عليه أرسطو التطهير (catharsis)، أو التنفيس عن العواطف، والتطهير يطهر النفس من العواطف الزائدة، فأرسطو قد ربط ما بين مَشاعر الخوف والشَّفَقة اللذين يَشعُر بهما المُتفرِّج الذي يَتمثَّل نَفْسه في البَطَل المأساويّ، وبين التطهير بمعنى أنه قارن تأثير المأساة في عقل المتفرج بتأثير التطهير في الجسد([5]).
- فن المسرح وارتباطه بالإنسان:
ورغم ما جاء به الباحثون في تاريخ ونشأة هذا الفن وجهدهم مشكور، إلا أنني وانطلاقا من قناعاتي أحيل النشأة الأولى إلى تلك الصورة البليغة التي وردت في سورة المائدة: (۞ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) ۞ ([6]). وبهذا المشهد المأساوي، سن قابيل القتل فوق الأرض، وسن الصراع الأبدي بين الخير والشر. إنها أبلغ صورة لصراع الخير والشر بين البشر.
إذا الصراع يخص البشر وفوق الأرض، إنه صراع أفقي، وليس كما أسسه اليونانيون حسب معتقداتهم الوثنية، بأن الصراع هو صراع عمودي، أي بين البشر والآلهة كما أشار إلى ذلك الدكتور أحمد عثمان: (… فمن المعروف أن هوميروس قد أنزل الآلهة من قمة الأولمبيس -أي السماء عند الإغريق- إلى الأرض كي يشاركوا الناس حياتهم اليومية. ولذا نجدهم في “الإليادة” و”الأوديسا” يقعون في نفس الأخطاء التي يقع فيها البشر…)([7])، وهذا يؤكد بأن عقلية الإغريق كانت عقلية درامية بالدرجة الأولى([8]). بيد أننا إذا رجعنا إلى أصل النزول من السماء إلى الأرض، نجد العكس؛ فالإنسان نزل إلى الأرض نتيجة عصيانه لأمر إلهي (إله واحد)، ولم يكن أبدا صراع بين المخلوق والخالق، فكانت النتيجة أمرا إلهيا لا يمكن عصيانه:(۞قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون (38)۞)([9])
يبقى سؤال جوهري مطروح: أي فن مسرحي نريد وسط تدافع الواقع والمطلوب؟
مفهوم المسرح … فن المسرح
يُحيل مفهوم المسرح إلى فضاء الفرجة والمتعة والترويح عن النفس، حيث يُمارَس داخل بناية ذات مواصفات وتجهيزات خاصة تتيح للمتفرج الانفصال ـولو مؤقتًاـ عن ضغوط الواقع اليومي ومشكلاته، لينخرط في تجربة جمالية يغمرها جمال الكلمة، وانسجام الحركة، وتنوع الألوان، وإيقاعات الموسيقى. ومن خلال هذه العناصر، يُصقل الذوق الفني لدى المتلقي ويُفتح أمامه مجال لاكتشاف أبعاد ذاته الإنسانية العميقة. ويُعدّ المسرح، في جوهره، من الفنون التعبيرية التي تخاطب المشاعر الوجدانية المرتبطة بالحياة الإنسانية، سواء تجسدت في الفرح أو الحزن، في الشجاعة أو الجبن، في الكرم أو البخل، أو في الإيمان بمختلف تجلياته. فهو أداة للتعبير عن هموم الإنسان ومعاناته اليومية من جهة، وعن أفراحه وآماله من جهة أخرى. ومن ثمّ، يظل فن المسرح مرتبطًا بالإنسان ارتباطًا وثيقًا، ويُشكّل العرض المسرحي وسيلة فنية للإفصاح عن مشاعره المتنوعة، الإيجابية منها والسلبية، عبر توظيف الجسد والحركة والحوار والماكياج في صياغة خطاب جمالي متكامل، وبالتالي ففن المسرح هو فن حيّ يترجم التجربة الإنسانية إلى عرض متكامل، يجمع بين الفكر والجمال، ويُقدَّم في فضاء مخصوص أمام جمهور، ليصبح وسيلة للتعبير والتأمل والتربية الجمالية.
نقول أحيانا مسرح وأحيانا أخرى نقول فن المسرح، فهل يحملان نفس المعنى أم لكل منهما معناه الخاص؟
الفن هو تلك المهارة التي يحكمها الذوق وتزكيها الموهبة، منها الفنون الجميلة كالموسيقى والرقص والنحت ……، ومنها الفنون الأدبية كالشعر والقصة والمسرحية؛ فطبيعي أن يكون لكل جنس فنه فنقول: فن النحت، فن الرسم، فن الغناء، فن الشعر، فن الرواية…..([10])، فإذا كان الفن مهارة يحكمها الذوق والموهبة، فما هو المسرح إذن؟
المسرح يُعرَّف من زاوية أخرى باعتباره فضاءً مخصوصًا تُعرض فيه أحداث درامية متسلسلة، قد تكون إيجابية أو سلبية، في إطار زماني ومكاني محدّد، وبحضور جمهور يتوافد لمتابعة تلك الأحداث.
إن المسرح، بهذا التصور، ليس مجرد مكان محايد، بل هو فضاء يُفعَّل عبر مهارات فنية يمتلكها الممثلون والمخرجون، الذين ينقلون للجمهور التجربة الدرامية من خلال الكلمة والحركة، مدعومين بعناصر مساعدة كالأزياء والديكور والإضاءة. وهكذا يتحوّل المسرح إلى عرض فني متكامل، يتجاوز خواء الركح وظلام الخشبة وصمت الجمهور، ليملأ الفضاء بالكلمة الرنانة، والحركة المتناسقة، والصور البصرية، والإيقاعات الموسيقية التي تعكس حالات وجدانية متباينة من فرح وحزن، قوة وضعف، ألم وأمل، وفق ما يقتضيه الموقف الدرامي والصراع المسرحي. ومن خلال هذا التفاعل، تتدفق الحياة فوق الخشبة بالأضواء المركزة، ويتحقق التواصل الوجداني والعقلي بين الممثل والمتلقي في الزمان والمكان المحدّدين، بحيث ينخرط الجمهور في متابعة الأحداث المسرحية وكأنها جزء من واقعه المعيش.
[1] تقول الأسطورة أن زيوس رب الأرباب ذهب إلى معشوقته البشرية سيميلي في كامل هيئته وألوهيته فأصابت صاعقته سيميلي وأهلكتها. فأخذ من بطنها الجنين وزرعه في فخذه حتى اكتمل نموه، وولد هكذا ديونيزوس. (الدكتور أحمد عثمان: الأدب الإغريقي تراثًا إنسانيا وعالميًا) ص 191
[2] https://www.almaany.com
[3] (الدكتور أحمد عثمان: الأدب الإغريقي تراثًا إنسانيا وعالميًا) ص 185
[4] إنسان الكهف هو مرجع غربي، لأن القرآن ذكر أن الانسان سكن بيوتا وقصورا
[5] كتاب: بلاغة أرسطو بين العرب واليونان: الدكتور إبراهيم سلامة (مكتبة الأنجلو المصرية) الطبعة الأولى 1369 ه الموافق ل 1950 م
[6] سورة المائدة من آية 27 إلى الآية 31
[7] (الدكتور أحمد عثمان: الأدب الإغريقي تراثًا إنسانيا وعالميًا) ص 62
[8] نفس المصدر: ص 185
[9] سورة البقرة: الآية 38
[10] https://www.almaany.com