منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 كفاه أني أبوه

 كفاه أني أبوه/ أشرف شعبان أبو أحمد

0

 كفاه أني أبوه

أشرف شعبان أبو أحمد

أنا أريد أن يكون ابني طبيبا مثلي، وهذا يريد أن يكون ابنه ضابطا أو قاضيا مثله، وذاك يريد أن يكون ابنه كاتبا أو فنانا أو لاعب كرة كما كان هو، وغير هؤلاء كثير، فكل ذي منصب رفيع أو مكانة مرموقة، وكل ذي شهرة وصيت في أي ميدان من ميادين الحياة، يريد أن يسير ابنه على خطاه، وأن يخلفه في ذات المنصب الذي شغله، ويتبوأ مكانته، ويحذو حذوه في الشهرة والصيت.

وإذا سئلت عن مؤهلات ابني التي تؤهله ليخلفني فيما أنا عليه، فسيكون الجواب:كفاه أني أبوه. تلك الكلمات الثلاث، وحدها تكفيه لملء سيرته الذاتية، وتغنيه عن أي شهادة أو بيان خبرة، وتمهد له الطريق إلى الوظائف المستعصية على غيره، فيتجاوز بها طوابير الكفاءات، وتعبر به فوق القوانين واللوائح، لتضعه في صدارة المشهد دون عناء أو استحقاق. أما إذا كان الاستفسار عن شهاداته الدراسية والعلمية، وغيرها من المستندات، لاستيفاء مسوغات التعيين، فبنفوذي ومالي سأوفرها له وأرتب أمرها. أما ما يلزمه من قدرات شخصية ومهارات مهنية، وخبرات عملية لمثل هذا المنصب، فسيكتسبها مع الأيام، ويتعلمها مع مرور الوقت. وحقا إن كثيرا من الأبناء يفتقرون إلى الكفاءة والمقومات التي أهلتنا نحن الآباء لبلوغ تلك المناصب، غير أن ذلك لم ولن يقلل من حرصنا على إبقائها داخل الأسرة، وضمان انتقال ما يرتبط بها من نفوذ وامتيازات ومكاسب إلى الأبناء، وألا تخرج السطوة والسلطان من أيدينا إلى أيد أخرى. وإن ترتب على قلة علمهم، أو نقص خبرتهم، أو ضعف كفاءتهم، ضرر أصاب الناس، أو ضياع حقوق، أو إهدار مصالح، أو وقوع ضحايا، فلنا من الوسائل والأساليب ما يكفل طمس آثاره وإخفاء معالمه، ويسير كأن لم يكن. أما المنصب فقد استقر وثبت في أهله، وإن أصاب كثير من الباحثين عن العمل والموظفين الأكفاء، شيء من الإحباط حين يرون أن سقف طموحاتهم محكوم بالوراثة لا بمنطق الاستحقاق، فذلك هو حال الدنيا، وهكذا تسير الأمور.

وما يقال من أن المناصب التي تنال بمنطق “كفاه أني أبوه”، وأن الكيانات التي تدار بالوراثة والمحسوبية، مآلها إلى الضعف والسقوط، لأن الخبرة لا تورث، والمعرفة لا تنتقل عبر الجينات، والقيادة لا تكتسب بصلة الرحم وسلطة الأب، فهذا كلام لا يردده إلا العاجزون عن بلوغ المناصب، والمحرومون من النفوذ والسلطان، يتخذونه تسرية لأنفسهم ومواساة لخواطرهم وتبريرا لعجزهم عن مزاحمة أصحاب الحظوة والجاه. وما تحت أيدينا من مؤسسات وهيئات سيظل في ظاهره قائما شامخا كالجبال أمام الأنظار، وما يجري في داخله وكفاءة العمل والعاملين فيه، فشأن لا يطلع عليه إلا أهله، ولا يشغلني كثيرا ولا يضيرني في شيء، فما من معضلة إلا ولها سبيل للخروج منها وتجاوزها، مادام لا رقيب ولا حسيب.

ويعد التوارث في الحرف والمهن اليدوية وفي المشروعات العائلية والشركات الخاصة أمرا طبيعيا ومبررا، إذ يصطحب أرباب الأعمال أبناءهم منذ نعومة أظافرهم، فينشأون في كنف المهنة، بين أدواتها وأجوائها، ويتعلمون أصولها وفروعها، دقائقها وجليها، ويتقنون أسرارها وخباياها، بالمشاهدة تارة وبالممارسة تارات أخرى، حتى كأنهم يحفظونها عن ظهر قلب، ومع مرور السنين وتعاقب الأعوام، يكبر الصبي ويشتد عوده ويكتسب من الخبرة والكفاءة، ما يؤهله للاضطلاع بأعبائها، فيغدوا من أهلها، فإذا تقدم الأب في العمر أو آثر الراحة، سلم عمله إلى ابنه الذي أصبح أهلا لحمل الأمانة، ومواصلة المسيرة عن جدارة واستحقاق لا لمجرد رابطة النسب. وتوارث الابن مهنة أبيه وخاصة في مجال الحرف والصناعات، أمر ليس بجديد، لذلك سميت عائلات بأسماء المهن والحرف التي كانت تمارسها، كعائلة الصائغ والنجار والصياد والساعاتي والحداد والزارع والقماش والقزاز وغيرها في دلالة على التزام الأسرة الواحدة بمهنة أو حرفة تتوارثها الأجيال، جيلا بعد جيل، حتى صارت تلك المهن جزءا من هوية العائلة ولقبها. وذلك بخلاف المهن التي تقوم في أصلها على الموهبة، وتعتمد عليها اعتمادا كبيرا، فمهما طال مقام الابن مع أبيه، ومهما تكرر اصطحابه له في أروقة العمل وملازمته له فيها، فلن يغنيه ذلك عن الموهبة شيئا، ولن تنتقل له الموهبة من أبيه، ما لم يهبها الله له، وإذا جرى التغاضي عن ذلك، سرعان ما ينكشف قصوره وعجزه، ويظهر فشله منذ الوهلة الأولى دون كبير عناء، حيث يحرص كثير من أصحاب المواهب، الذين حصدوا بفضلها ما حصدوا من شهرة ومكانة ومكاسب مادية، على أن يسلك أبناؤهم الطريق نفسه، بل يدفعونهم إليه دفعا، والأدهى من ذلك سعيهم الحثيث إلى فرضهم على الساحة بشتى الوسائل، غير عابئين بافتقارهم إلى المواهب وقصور قدراتهم، وكأن المواهب تورث أو توهب كما تورث الأموال والمتاع، والحال أن الموهبة لا تعرف نسبا ولا حسبا، ولا تكتسب بالوراثة، ولا تنال بالتمني والرغبات، فالمواهب سواء كانت عقلية أو فنية أو بدنية أو اجتماعية، هي منحة إلهية يهبها الله لمن يشاء من عباده، تتمثل في استعداد فطري يجعل صاحبها أكثر تميزا من غيره في مجال معين، وليس جميع أصحاب ذات الموهبة، سواء في نصيبهم منها، ولا على درجة واحدة من التميز والإبداع، بل تتفاوت مواهبهم فيرتقي بعضهم فيها إلى آفاق بعيدة يعجز غيره عن بلوغها، وتختلف الموهبة عن المهارة التي تكتسب بالتعلم والتدريب، كما تختلف عن الخبرة التي تتراكم بكثرة التجارب وطول الممارسة.
ولا غضاضة في تولي الأقارب بعض المناصب، ولا حرج في الدعوة إلى ذلك، فليس هذا ممنوعا لذاته، وإنما الإشكال في تقديم القرابة على الكفاءة والاختصاص، وتغليب النسب على النزاهة والأمانة، وأهل الثقة على أهل الخبرة والعلم، وسيادة المجاملات القائمة على رد الجميل وتبادل المصالح، مع غياب الرقابة والمحاسبة، بما يفضي إلى ظلم الكفاءات وحرمانها من مواقعها المستحقة. فقد ولي على بن أبي طالب بعض أقاربه، ومن أشهرهم عبد الله بن عباس على البصرة، مع اعتماده في الوقت نفسه على متابعة دقيقة، ورقابة صارمة، ومحاسبة سريعة لأي وال، وعزل من يثبت تقصيره أو مخالفته في أداء مهامه. وفي المقابل كان تعيين بعض الأقارب في مناصب الولاية في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، رغم ما عرف عنهم من كفاءة وقدرة على الإدارة وتحقيق نجاحات ملحوظة في عدد من المجالات، إلا أن هذا التوجه أثار في حينه نقاشا واعتراضا لدى بعض الأطراف، ضمن سياق أوسع من الأحداث والاختلافات السياسية والاجتماعية التي انتهت إلى الفتنة واستشهاده رضي الله عنه. ومن قبل هذا وذاك، لما طلب من عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، أن يعهد بالخلافة إلى ابنه عبد الله، رفض ذلك قائلا: لا أرب لنا في أموركم، وما حمدنها فأرغب فيها لأحد من بيتي، إن كان خيرا فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد.

وقد حكى لنا القرآن الكريم ، عن طلب سيدنا موسى عليه السلام من المولى عز وجل أن يعاونه أخوه هارون، قال تعالى ( وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون ) القصص 34 وقال سبحانه ( واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري ) طه 29 -31 وقال عز وجل ( ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ) الفرقان 35 وقال تعالى ( وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ) الأعراف 142 كما دعا سيدنا زكريا عليه السلام، ربه أن يهب له وليا يرثه ويرث آل يعقوب، ويكون مرضيا عند الله، قال تعالى ( فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث آل يعقوب واجعله رب رضيا ) مريم 5- 6 وقد أجمع المفسرون على أن المراد بالوراثة هنا وراثة النبوة والعلم والحكمة، وليس وراثة المال، فهذا هو ميراث الأنبياء، كما ورد في القرآن والسنة أن بعض الأنبياء كان لهم أبناء أنبياء، منهم إبراهيم كان أبا لنبيين كريمين هما إسماعيل وإسحاق، داود كان أبا للنبي سليمان، يعقوب كان أبا لعدد من الأنبياء، وأشهرهم يوسف، وقد ذكر كثير من العلماء أن بعض إخوته لم يكونوا أنبياء، بينما النبوة ثابتة ليوسف عليه السلام. بل إن أعظم أسرة نبوية في القرآن هي أسرة إبراهيم عليه السلام، فقد اجتمعت فيها النبوة في الآباء والأبناء والأحفاد، قال تعالى ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذريتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ) الأنعام 84 -87 ولم تكن النبوة مكتسبا وراثيا ولا موروثا بالنسب والقرابة، وإنما هي منة إلهية، واصطفاء رباني يختص الله به ما يشاء من عباده، قال تعالى ( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ) إبراهيم 11 وقال عز وجل ( الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ) الحج 75 ولو كانت النبوة تورث بالآباء، لكان كل أبناء الأنبياء وأحفادهم أنبياء، وهذا لم يحدث في تاريخ الرسالات، بل كان من أبناء الأنبياء، من لم يؤمن، كابن سيدنا نوح، وعندما هتف سيدنا نوح مناجيا ربه قائلا إن ابني من أهلي، أجاب المولى جل وعلا إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح، ( ونادي نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) هود 45 -46 ولم يكون كون امرأة نوح ولا امرأة لوط زوجتين لنبين من أنبياء الله سببا في دخولهما الجنة، بل كان كفرهما وعملهما سببا في دخولهما النار، فلم تنفعهما القرابة ولا المصاهرة، ولم تدفع عنهما من عذاب الله شيئا، قال تعالى ( ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين ) التحريم10

وكذلك كل من يتخذ من النسب ظهيرا ومعينا في نيل ما يشتهي من متاع الدنيا ومغانمها، ويستطيل به على الناس طغيانا وكبرا، فإن ذلك لن يغني عنه شيئا في الآخرة، حيث يفر المرء من كل ذي صلة به، قال تعالى ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) عبس 34 -37 ولا يغني والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، قال تعالى ( لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) لقمان 33 ولا ينفعه مال اكتنزه ولا بنون اتخذهم عزوة وسندا له، قال تعالى ( يوم لا ينفع مال ولا بنون ) الشعراء 88 قال تعالى ( وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا إلا من آمن وعمل صالحا ) سبأ 37 فالنجاة يوم القيامة لا تكون بالنسب ولا بالقرابة وإنما بالإيمان والعمل الصالح ورحمة الله تعالى، قال تعالى في سورة الطور آية 21 ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ) رواه مسلم، أي من تأخر به عمله عن بلوغ درجات الفضل والنجاة عند الله، لم ينفعه نسبه الشريف، ولا أصله الكريم، في أن يقدمه أو يرفعه عند الله. ولو كان النسب وحده سببا للنجاة، لكفى أبا لهب قربه ونسبه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه استحق النار بكفره وعناده، وفي المقابل نجد بلال الحبشي وسلمان الفارسي رفعا بالإيمان والتقوى والعمل الصالح حتى فاقا كثيرا ممن شرفهم النسب. قال تعالى ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يؤمئذ ولا يتساءلون ) المؤمنون 101 وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة، وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام، لما نزل قوله تعالى ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) الشعراء 214 دعا قرابته فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا، يا صفية ابنة عبد المطلب يا بني عبد المطلب لا أملك لكم من الله شيئا. فهذا الحديث وغيره يبين إن قرابة هؤلاء للرسول عليه الصلاة والسلام لا تنفعهم شيئا إذا لم ينفعهم إيمانهم وعملهم الصالح وأنه لا يملك لهم من الله شيئا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني هاشم: يا بني هاشم لا يجيئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ، لقد أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، صراحة مدوية، لفلذة كبده، لبنته فاطمة، أحب الناس إلى قلبه: إن أبوتي لك لا تملك لك من الله شيئا، ولا تعافيك من الحساب الأخروي، ولا تقيك عدل الحساب، فالنجاة رهينة العمل لا النسب. قال تعالى ( كل امرئ بما كسب رهين ) الطور 21 وقال عز وجل ( ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون ) الأعراف 48

وعلى صعيد آخر ستكون عبارة “كفاه أني أبوه” بمثابة البوابة التي يطلق منها العنان، لنزواته وشهواته فيفعل ما يحلو له كيفما يريد ووقتما يشاء، دون قيد ولا ضابط، ولا وازع من ضمير ولا رادع من قانون، فلا تمتد إليه يد مساءلة، ولا تطاله محاسبة أو عقاب، فإذا اعتدى على غيره بالقول أو الفعل، أو امتدت يداه إلى أموالهم، أو أزهق منهم نفسا أو نفوسا، أو ضبط مخمورا، أو متلبسا بفاحشة، أو مرتكبا كبيرة من الكبائر، فإن منصبي ونفوذي كفيلان بحمايته من أي اتهام أو عقاب، وإن لم يكن ذلك كافيا، فبمالي وثروتي أعوض المتضررين، وأنسي المكلومين مصابهم، وأشتري صمت الشهود، تارة بالترغيب وتارة أخرى بالترهيب، حتى تخفت الأصوات وتذوب الاعتراضات، وتتحول اللعنات إلى دعاء وثناء، والشتائم إلى مديح وشكر. وهكذا يظل ابني بمنأى عن كل تبعات أفعالة وما اقترفت يداه، وتغدو عبارة «كفاه أني أبوه» حصنا حصينا يتحصن به من كل مساءلة أو ملاحقة أو توقيف، فلا تمتد إليه يد القانون، ولا تنفذ في حقه عقوبة، بل يترك له الحبل على الغارب، آمنا من المؤاخذة مطمئنا إلى الإفلات من الحساب.

بينما ما جاءت به السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين على العكس من ذلك تماما فقد ثبت في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ( إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) قال ذلك في قصة المرأة المخزومية التي سرقت، حين أراد بعض الناس أن يشفعوا لها حتى لا يقام عليها الحد، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخطب في الناس وقال ما سبق ذكره، ولقد اختار النبي عليه الصلاة والسلام ابنته فاطمة بالذات وهي أحب الناس إليه ليؤكد أن العاطفة والقرابة لا يجوز أن تحول دون إقامة العدل، فالعدالة في الإسلام، لا تفرق بين قريب وبعيد، ولا بين شريف ووضيع، قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ) النساء 135 وقد أقام عمر بن الخطاب الحد على ابنه عبد الرحمن، حين ثبت عليه شرب الخمر، ولم تشفع له بنوته للخليفة، كما كان رضي الله عنه يحاسب الولاة إذا استغل أبناؤهم أو أقاربهم نفوذ الولاية في ظلم الناس، ويرى أن من واجب الوالي أن يكف أهله وذويه عن التعدي على الرعية. عندما كان عمرو بن العاص رضي الله عنه، واليا على مصر في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اشترك ابنه مع غلام من الأقباط في سباق للخيول، فضرب ابن الأمير الغلام القبطي اعتمادا على سلطان أبيه، وأن الآخر لا يمكنه الانتقام منه، فقام والد الغلام القبطي المضروب بالسفر صحبة ابنه إلى المدينة المنورة، فلما أتى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، بين له ما وقع، فكتب أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص أن يحضر إلى المدينة المنورة صحبة ابنه، فلما حضر الجميع عند أمير المؤمنين عمر، ناول عمر الغلام القبطي سوطا وأمره أن يقتص لنفسه من ابن عمرو بن العاص، فضربه حتى رأى أنه قد استوفى حقه وشفا ما في نفسه، ثم قال له أمير المؤمنين: لو ضربت عمرو بن العاص ما منعتك، لأن الغلام إنما ضربك لسلطان أبيه، ثم التفت إلى عمرو بن العاص قائلا: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟. كما أمر عمر بن الخطاب أحد الأعراب أن يلطم الملك جبلة بن الأبهم الغساني كما لطمه، وحين قال له جبلة أنا ملك وهو من السوقة فكيف يضربني؟ أجابه عمر الإسلام ساوى بينكما. كما أقام عثمان بن عفان حد الخمر على أخيه لأمه الوليد بن عقبة.

والطامة الكبرى والآفة العظمى التي تصيب بعض أصحاب المناصب، فضلا عن سوء الإدارة، وضعف الكفاءة، استغلال المنصب لتحقيق مكاسب ومنافع شخصية لهم ولذويهم، وتقديم المصالح الخاصة على المصالح العامة. ويحكي لنا التاريخ الإسلامي عن عمر بن الخطاب إنه صادر لصالح بيت المال كل زيادة غير معقولة في أموال ولاته بمن فيهم سعد بن أبي وقاص بطل القادسية وخال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأبو هريرة صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم والمحدث الشهير، وذلك لمجرد شبهة استفادة الوالي من منصبه في تسيير أموره أو مجاملة الرعية له. ولما رأى عمر بن الخطاب إبل ابنه سمينة ومليئة على غير سائر إبل المسلمين، قال لابنه: ما تركوها تراعى إلا عندما عرفوا أنها إبل ابن أمير المؤمنين فضمها لبيت مال المسلمين، اتقاء محاباة الولاة لأبنائه. وفي أمر قريب من ذلك، أراد سيدنا عمر بن الخطاب أن يدفن إلى جوار صاحبيه النبي عليه الصلاة والسلام وخليفته أبي بكر الصديق، فأرسل ابنه عبد الله ليستأذن السيدة عائشة أم المؤمنين في ذلك، والتي قالت كنت أريده لنفسي، ولأوثرنه به اليوم على نفسي، ولم يكتف عمر بن الخطاب بذلك، بل قال لابنه عبد الله إذا أنا قبضت فاحملوني على سريري، ثم قف على الباب واستأذن من السيدة عائشة، فإن أذنت لي فأدخلني وإن ردتني فردني إلى مقابر المسلمين، فإني أخشى أن يكون إذنها لي لمكان السلطان.

وأخيرا فإن كانت عبارة ” كفاه أني أبوه” تغنيه عن كل شيء، وتوفر له كل شيء، وتحميه من كل شيء، وترفعه في أعين الناس إلى الآفاق، فنحن كفانا أن ربنا الله، مالك الملك، الواحد القهار، القادر المقتدر، القوي الجبار، ذو القوة المتين، الخافض الرافع، المعز المذل، الغني المغني، الرزاق الوهاب، القابض الباسط، المانع الضار النافع، العدل الحق، المحيي المميت، الرقيب المنتقم. الذي بيده الملك كله، وإليه يرجع الأمر كله، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، وهو على كل شيء قدير. حسبنا الله ونعم الوكيل، عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.