العقل والدين (6)
ذ.خالد صادق
الحمد لله الكريم الوهاب، والصلاة والسلام على قدوة أولي الألباب، وعلى إخوانه من النبيين وعلى الآل والأصحاب، وكل تابع ومحب سابق أو لاحق ما تذكر عاقل وأناب.
سمع الغافل أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف النساء بأنهن ناقصات عقل ودين فظن في نفسه الكمال وهو قد تسربل بالجهالة يغدو فيها ويروح. أما النسويات ومن يخطب ودهن بشجب ” الفكر الذكوري الغالب على الفقهاء” فقد استنكروا نسبة الحديث للنبي صلى الله عليه وسلم وزعموا استحالة صدوره منه، وتبعهم طوائف يظنون أنهم بذلك يجددون الدين الذي شوهه علماء الحديث بزعمهم، وما أسهل ” تجديد الدين” لو كان هكذا يكون. وطعن الكافرون والمنافقون، ولحتفه يسعى المَفتُون. ولا يستقيم النظر إلا بتوفيق الله والإحاطة بالأمر من جميع جوانبه.
ذكر القرآن الكريم قصة بلقيس ملكة سبإ وما كانت عليه من رجاحة عقل وحلم وأناة واستشارة لقومها حتى أفضى بها ذلك إلى الإسلام لرب العالمين على يد سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام، وتكررت فيه قصة فرعون التي تبين سفاهته ونقصَ عقله وجهلَه اللذين أفضيا به وبقومه إلى الهلاك.
لم تمنع بلقيسَ أنوثتُها أن تكون أرجح عقلا وذكاء، ولم تفد فرعون ذكورتُه شيئا. وإنما الشأن في إعمال العقل والحكمة أو إهمالها.
وذُكرت كذلك في الكتاب والسنة نساء فاضلات قَلَّ من يدانيهن دينا وعقلا من الرجال كمريم الصديقة وأمها ، وآسية امرأة فرعون وأم موسى عليه السلام وأخته، وسارة وهاجر زوجي إبراهيم عليه السلام. وقد كان لرجاحة عقولهن وقوة إيمانهن من التأثير في تاريخ الإنسانية جمعاء ما استحققن به أن يكن قدوة للنساء والرجال.
وحسبك أن أول من آمن بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي خديجة، وأول شهيدة في الإسلام هي سمية، وأول من أوذي بسبب الرسالة بنات النبي صلى الله عليه وسلم، بل إن وفاة سيدتنا زينب كان من مضاعفات أذى المشركين الذين أسقطوها من الناقة وهي حامل أثناء هجرتها. ولو شئنا ان نذكر مواقف كل أمهات المومنين وغيرهن من الصحابيات اللاتي تشرفن بالصحبة والهجرة والنصرة والجهاد وشيدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أركان الدين وصرح الأمة لما استطعنا إلى ذلك سبيلا، وفي أجيال الأمة إلى يوم القيامة نساء عظيمات الحظ من الحكمة والإيمان.
كمال العقل والدين ميزة اختص الله بها الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين رجالا كانوا أو نساء، ولكل مرتبة كمالها اللائق بها. وقد قال بجواز نبوة النساء خلافا للجمهور بعض العلماء كالأشعري وابن حزم والسيوطي. وكل من لم يدخل في المُنعَمِ عليهم المذكورين آنفا فهو ناقص العقل والدين إذا قورن بهم رجلا كان أو امرأة. والكمال والنقص نسبي، فما يكون كمالا في حق أقوام يكون نقصا في حق آخرين، وقل ما تجد عاقلا إلا وهو متَّهِم لعقله ودينه بالنقص:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة يَنْعَمُ
نقص عقل المرأة بجعل شهادة امرأتين بشهادة رجل لقلة ضبطها وتغليبها العاطفة على المنطق والعقل من أصل فطرتها وخلقتها ، وهذا ليس عيبا، بل هو سر انوثتها ورحمتها وحسها المرهف الذي به تكون أما حانية وزوجا صالحة وأختا وبنتا ودودين، أما نقص دينها بترك الصلاة والصيام عند الحيض فهو تخفيف من الله تؤجر على امتثاله كما تؤجر على الصلاة والصوم إذا زال المانع منهما. فكل نقص من المذكورَيْن في باطنه كمال وجمال ورحمة من الله . ولا يتراجع المنطق الصارم إلا ليفسح المجال لعمل العاطفة التي تسع ما لا يسعه العقل والحساب، وهو ما يسمى في عصرنا بالذكاء العاطفي الذي تتفوق فيه المرأة على الرجال، وليس الحديث على ظاهره، وإلا لما احتاج إلى تفسير وتأويل.
وإنك لتخاطب أحب الناس إليك وأعقلهم في نظرك بقولك: ” يا أحمق، يا مجنون” ملاطفة له، أو تعجبا منك من جرأته على قول أو فعل قد يكون حقا في نفسه ، أو لوما له على خطإ لم تَعْتَده منه، ولا تستطيع أن تقول مثل ذلك للبعيد السفيه البغيض، فهل تعني بذلك أن مُخاطَبُك فاقد للعقل والدين بالكُلّية؟ أم أن لكلامك تأويلا مستساغا يفهمه العاقل من السياق أو يتساءل عنه كما سألت المرأة الجزلة ( أي العاقلة) عن مقصوده صلى الله عليه وآله وسلم من نقصان العقل والدين الذي كانت تعلم بديهة أن أغلب النساء والرجال يشتركون فيه بمعنى أو بآخر ، كيف وقد صدر هذا الكلام من ألطف الناس معشرا، وأحسنهم خلقا، وأحكمهم منطقا، وأجملهم دعابة ، وأصدقهم لهجة في يوم عيد، وهو لهن ولكل مؤمن بمثابة الوالد الرحيم بأبي هو وأمي صلى الله عليه وآله وسلم.
لكن من يُغفِل السياق، وحيثية القائل والمقول له، وطبيعة العلاقة بينهما لا بد سيأتي بما يُضحك الثكلى من الفهم السقيم. وفي مثله قال الإمام الغزالي: ” من طلب المعاني من الألفاظ ضل “
وفَهمُ الحديث على أنه انتقاص للمرأة وذكائها، وأن كل رجل هو أكمل عقلا ودينا من كل امرأة جهل مركب وظلمات بعضها فوق بعض يبطلها الواقع المشاهد قبل التأويل والاستدلال. ولا يَتركُ محكماتِ الكتاب والسنة ويتَّبِعُ المتشابهاتِ إلا الذين في قلوبهم زيغ. وقد خاض المرجفون والجاهلون في هذه العبارة التي جاءت في الحديث الشريف ملاطفةً وتلغيزا ينبه الرجال إلى قوة عاطفة المرأة وضعف ضبطها في مواقف الخصام، وإلى رحمة الله بها بتخفيف تكاليف بعض العبادات عنها في حالة الحيض ليعتبروا بذلك وليكونوا لها حصنا تأوي إليه إذا جرفتها العاطفة فلم تحسن التعبير، وليخففوا من غلواء مطالباتهم بكامل حقوقهم كما رحم الله ضعفها الجسدي والنفسي بإعفائها من الصلاة وتأجيل الصوم عن موعده، وتلك المراعاة من كمال قِوامة الرجل اللبيب العاقل الذي تغلبه المرأة لكرم خلقه ورحمة قلبه فيميل إلى هواها في بعض الأوقات تنازلا في غير معصية. أما السفيه اللئيم فلا تطمع المرأة في خيره ولا تأمن شره، ولعل أهون ذلك منه أن يصفها ب “ناقصة العقل والدين ” حسب فهمه الناتج عن إفلاسه هو من العقل والدين.
سأل أحد الثقلاء امرأة قائلا: لم كانت المرأة ناقصة عقل؟ فقالت : لتستطيع أن تحب من كان مثلك وتصبر عليه.
وفي هذا المعنى قلت غفر الله لي:
عُزُوب العقل من الدلال
يَزِينُ ربّاتِ الحِجالِ
ترى اللئيم لهن يؤذي
ويغلبن الكريم من الرجال
وليس بعجيب أن يحاول الكفار والمنافقون الطعن في الإسلام ونبيه الكريم صلى الله عليه وسلم باتباع مثل هذه النصوص التي يٌحَملونها ما لا تحتمل، بل العجب من المسلمين المنهزمين نفسيا المتلقفين لشبهات الملاحدة والمستشرقين، الخائضين في ما لا يحسنون من علم الحديث، المكذِّبين بما لم يحيطوا بعلمه، المسَفِّهين لأئمة الإسلام الذين أجمعوا على صحة هذا الحديث، لهؤلاء أقول: يكفيكم من عقوبة الدنيا ما أنتم فيه من الجهل والسفاهة بتسفيه من لا نوفيهم حقهم بما بذلوا أعمارهم وأموالهم في حفظ السنة المطهرة عليهم رضوان الله ورحماته تترى إلى يوم الدين ، وعند الله تجتمع الخصوم، وما أظن هؤلاء الكرام إلا عافين صافحين عمن أصاب من أعراضهم، لكنَّ لله حقا علينا أن نعظم نَقَلَةَ الشرع والدين، والعجبُ كلُّ العجبِ ممن يطمع في ورود حوض النبي صلى الله عليه وسلم وهو حانق على من بهم عرفه وفَهِمَ جمال سيرته وأخلاقه !
وبالله التوفيق وعليه التكلان.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .