منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العقل والدين (1)

العقل والدين( 1)/ الأستاذ خالد صادق

0

العقل والدين( 1)
بقلم: الأستاذ خالد صادق

 

الحمد لله الذي زين الإنسان بالعقل، والصلاة والسلام على من حكمه العدل وقوله الفصل، وعلى الآل والصحب ومن أحبهم فلم يضل ويضل.

غلا أقوام في العقل حتى أنكروا كثيرا من الأخبار والأحكام، وفي مقابل ذلك يزعم آخرون أن لا مجال للعقل في الدين والتدين، وأن استعمال العقل في العقائد أو الفقه بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وأن التسليم وحده هو طريق الحق والإيمان وأن فهم النصوص واستنطاقها ممن مكنه الله من ملكة الاجتهاد والاستنباط أمر لا مجال فيه للرأي الرصين والعقل الرزين.

واتفق الجميع على أن العقل شرط من شروط التكليف، فالشرع لا يخاطب المجنون ولا يكلف الصبي الذي لم يكتمل نضجه العقلي، ولهذا قالوا: العقل مناط التكليف. فالشرع يطلب إلى العاقل أن يؤمن بالغيب ويخضع لأحكام الله في عباداته وعاداته.

-فهل يكلف الله العقل بما لا سبيل للعقل لفهمه بحال؟ وما معنى أن يكون العقل مناط التكليف؟

-و هل العقل نقيض التسليم للوحي أم أن الجمع بينهما واجب لا مفر منه؟

وردت مادة ( عقل) في القرآن بصيغة الفعل كثيرا، و من مرادفاته الحِجْر و النهى والألباب والأحلام ، وردت كلها تستفز العقلاء حتى يفقهوا ويتبينوا دلالات آيات الله المنظورة والمسطورة، وجاء في قصة إسلام سيدنا خالد بن الوليد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: إن كنت لأرى لك عقلا رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير.

وجاء القرآن محذرا من السفاهة وقلة العقل، وأعظم السفاهة الإعراض والرغبة عن الدين الحق بعد معرفته: “ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه”

فما هو العقل الذي تحدث عنه القرآن الكريم والسنة الشريفة وتميز به الحكماء عن عامة الناس؟

ذكر الإمام الغزالي في الإحياء أن ” العقل” اسم يطلق بالاشترك على أربعة معان:

1- فالعقل هو الوصف الذي يفارق به الإنسان سائر البهائم وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية(…) فنسبة هذه الغريزة إلى العلوم كنسبة العين إلى الرؤية، ونسبة القرآن والشرع إلى هذه الغريزة في سياقها إلى انكشاف العلوم لها كنسبة نور الشمس إلى البصر، فهكذا ينبغي أن نفهم هذه الغريزة.

2- العلوم التي تخرج إلى الوجود في ذات الطفل المميز بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات كالعلم بأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الشخص الواحد لا يكون في مكانين في وقت واحد(…)

3- علوم تستفاد من التجارب بمجاري الأحوال، فإن من حنكته التجارب وهذبته المذاهب يقال بأنه عاقل في العادة(…)

4- أن تنتهي قوة تلك الغريزة إلى أن يعرف عواقب الأمور ويقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة ويقهرها، فإذا حصلت هذه القوة سمي صاحبها عاقلا من حيث أن إقدامه وإحجامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة، وهذه أيضا من خواص الإنسان التي يتميز بها عن الحيوان.
فالأول هو الأس والسنخ والمنبع. والثاني هو الفرع الأقرب إليه. والثالث فرع الأول والثاني، إذ بقوة الغريزة والعلوم الضرورية تستفاد علوم التجارب. والرابع: هو الثمرة الأخيرة وهي الغاية القصوى، فالأولان بالطبع والأخيران بالاكتساب، ولذلك قال علي كرم الله وجهه:

رأيت العقل عقلين * فمطبوع ومسموع
ولا ينفع مسموع * إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس ***وضوء العين ممنوع” انتهى كلام الإمام الغزالي الذي فصل معاني العقل تفصيلا بديعا اختصره الراغب الأصفهاني في مستويين اثنين حين قال في ” مفردات ألفاظ القرآن” :
” العَقْل يقال للقوّة المتهيّئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوّة عَقْلٌ(…) وكلّ موضع ذمّ الله فيه الكفّار بعدم العقل فإشارة إلى الثاني دون الأوّل (…) وكلّ موضع رفع فيه التّكليف عن العبد لعدم العقل فإشارة إلى الأوّل.

وقال الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب ” الإحسان” :

” ما تسميه اللغة عقلا آلة ثمينة نفيسة وجوهر غال، بوجوده يتميز الإنسان من الحيوان. لكن ما يسميه القرآن عقلا هو اندراج العقل الاصطلاحي في خدمة القلب وتوجهاته إلى الله تعالى. فمن كان عقلهُ في خدمة النفس والشهوات سائراً في ركاب الشيطان والهوى فهو من الصم البكم الذين لا يعقلون.

كذلك التفكر على وزن تفعُّل، يفيد وزن تفعل رجوعا على النفس وانعكاسا، يختلف عن التفكير المشترك بين أفراد البشر. فالتفكير نشاط العقل الاصطلاحي في تناول المعطيات الكونية في انقطاع عن كل اعتبار يُرجعُ الأمور إلى الله، بينما التفكر تناول الأشياء والمعاني من زاوية مرجعيتها إلى الخالق، ومن زاوية معنى وجود الإنسان، ومصيره بعد الموت، ومخلوقيته، ومسؤوليته في الآخرة. صيغة فعَّل تفعيلا تفيد انصبابا على العالم الخارجي وفعلا فيه.

بالعقل القلبي التفكري يتوَّج المؤمن بإكليل الكرامة الآدمية المحافِظة على الفطرة المتلقية بالقبولِ والإيمانِ رسالةَ الرسل، بينما يُعطي العقل الاصطلاحي، وإن تميز عن الحيوانية الاصطلاحية، للإنسان المفكر التأثير في الكون دون أن يخرجه عن الحيوانية المعنوية التي يقول الله عز وجل عنها: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ الله الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾. يفسرها ويعيِّن المقصودين بها قوله جل من قائل: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ الله الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾” انتهى كلامه.

أنكر الله تعالى على الكافرين في القرآن أنهم لا يعقلون، و حكى عنهم أنهم يقولون تحسرا بعد دخولهم نار جهنم: لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير. وذكر أنهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، ولا تنفذ عقولهم إلى لب الأمر ومغزاه، فلم يدخلوا في أولي الألباب، واكتفوا بالظاهر و القشور. ونعى عليهم أن لهم قلوبا لا يفقهون ولا يعقلون بها . منعهم من ذلك الكبر والعجب والغفلة و إيثارالدنيا واتباع الشيطان وهوى النفوس و الظلم والفسق و تقليد الآباء ولو كانوا في ضلال مبين. موانع وحجب تمنع القلب من أن يعقل فيخشع فيؤمن ويتوب. ودعا الله تعالى في كتابه الناس أن يتفكروا في شأن خلق الكون وفي شأن النبي صلى الله عليه وسلم ليتبين لهم صدقه وشرفه وعلو منزلته بين المخلوقات. فأول الدين تفكر القلب في شأن الخلق والخالق، والرسول والمرسل، وتحد وتجاوز للحجب والموانع التي تمنع من التعقل، ثم خضوع واستكانة وتضرع بين يدي الخالق العظيم واعتراف بالعجز والقصور عن بلوغ حقائق الأمور دون الاستسلام لنور النبوة الوحي. نعم، أول العقل معرفة حدود العقل، وقد قيل: للذكاء حدود، أما الغباء فلا حدود له.

يدرك العقل الراشد أول ما يدرك أن من خلق هو أعلم بما خلق، وأن حكمته منها الظاهر والخفي، وأن أمره منه ما يعقل مغزاه، ومنه ما لا يجد له العقلاء علة إلا ابتلاء الله عباده بما يشاء.

يجلس العقل تلميذا للوحي خاضعا للنبوة لا يتقدمها، وكيف يتقدم الأعمى بين يدي البصير؟ دلالة النبوة على الله وكماله وما يليق أن يوصف به ودلالتها على مغزى الحياة وعلى حياة ما بعد الموت أمور يعجز العقل عن دركها دون أن يسلط عليها نور الوحي.

ومن وصايا النبوة أن لا يحاول العقل تخيل ذات الله عز وجل ولا يتفكر فيها لأنه مسجون في قوانين المكان والزمان والكم والكيف، تلك قوانين خلقها الله يُخضعُ لها الخلق ولا يَخضعُ لها. عقلنا المسكين يعجز عن تصور شيء لا يتعلق به الزمان والمكان والطول والعرض وغير ذلك من الأبعاد، فكان من رحمة الله أن حرم علينا التفكر في ذاته حتى لا تنحت خيالاتنا الضعيفة صنما تعبده كما نحتت أيدي المشركين أصناما، ولهذا قال علماؤنا: كل ما خطر ببالك فربُّنا ليس كذلك، وقال أبوبكر الصديق: العجز عن الإدراك إدراك، والتفكر في ذات الله إشراك. فلئن كانت صفات الله وأفعاله مجالا واسعا للتفكر، فإن ذات الله حٍمىً حرام على العقل تقحمه. ” ويحذركم الله نفسه، والله رؤوف بالعباد “

وبعيدا عن ذلك الحمى، أسس علماء العقيدة علما قائما على براهين عقلية بها يدفعون شبه الكفرة والمبتدعة في أصول الدين، براهين و حجج هي تخصص لا تصدع به رؤوس عامة المسلمين، وهي سلاح قاطع إن رفع في وجه المعاندين و دواء نافع إذا استعمله فرسان الميدان أطباء القلوب والعقول لتخليص عقل المؤمن وقلبه إن علق في شباك الزيغ والشبهات، وهي كذلك بلاء مبين إن استعمله الجهلة المبتدعة في امتحان الناس في عقائدهم، أو اتهموا من يستعمله بحقه بأنه ابتدع شيئا لم يفعله السلف، وهذا شأن كل علم إذا دخل فيه من ليس من أهله فأساء فهمه أو فهمه وأساء استعماله.

والحق أن الإمام الأشعري والإمام الماتريدي ومن قبلهما من فحول علماء الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن خلفهما من جمهور علماء السنة والجماعة قد ارتضوا هذا العلم وبينوه وأصلوه ووضعوا الشروط التي يتأهل بها الإنسان للتخصص فيه، فما ظلم إلا نفسه من تعنى تقحم علم لا تطيقه قدراته العقلية و النفسية و الإيمانية، وأظلم منه من لم يتكلف حتى فهم ما يقال، و لعله لو حاول ما فهم، ثم هو يحكم بأنه بدعة وضلال، جاهلا أو متجاهلا أن شرط مجاوزة العلم استيعابه ثم نقضه والإتيان بخير منه. وإلا فالصمت حكمة، وقليل فاعله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.