الدين والعقل(4)
بقلم: الأستاذ خالد صادق
الحمد لله الهادي الرحيم، وصلى الله على من قال فيه ربنا ” وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم”، وعلى آله وصحبه وتابعيهم ذوي الفهم السليم والنهج القويم.
” ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا، واتخذ الله إبراهيم خليلا “¹
أحسنُ الدين أكملُه، وأكملُه إسلام يُترجِم عن إيمان يزِينُهما إحسان استعدادا وترقبا للقاء الملك الديان. والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وذاك مقام به استحق أولياء الله محبة الله وجواره في جنات النعيم، كَتَبَنا الله منهم بحق من بَيّنَ مراتب الدين عليه من الله أزكى الصلاة وأفضل التسليم.
و لا يَكمُل عقل المرء مالم يطلب كمال دينه، ولا كمال لدينه إلا بقلب سليم، ولا سلامة ترجى للقلوب ما لم تنتَصِحْ بنصيحة النبوة، ونصيحة النبوة إرادة صادقة وصحبة صالحة وذكر دائم.
سَلِمَت قلوب الصحابة بصحبة الطبيب الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وتَسلَمُ قلوبنا إن صَحِبْنَا ورثته صلى الله عليه وسلم صُحْبَةُ محبة واقتداء، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها كما قال إمامنا مالك رضي الله .
وإن كان لنا بصلاح قلوبنا اهتمام فلا ينبغي لنا أن نُغفِل تخصص أقوام صالحين تسموا صوفيةً في طب القلوب ، هم كتبوا علما نفيسا لا غنى لعاقل عنه حتى قال قائلهم: من لم يتعلم علمنا هذا مات مصرا على الكبائر وهو لا يدري. وتالله ما جاوز الحق قِيد أنملة، ومن قرأ شيئا من ربع المهلكات في إحياء علوم الدين سيَقدُر هذه المقولة قدرها.
وقد يقول مستفهِم عاقل أو معترِض جاهل : لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم تصوف ولا صوفية، و يمكن أن نقول: لم يكن في زمانه صلى الله عليه وسلم سنة ولا شيعة ولا متكلمون ولا أصوليون ولا نحويون ولا حتى فقهاء بالمعنى التخصصي الشائع اليوم ، لكنَّ تمايز الطوائف والاختصاصات لا بد له من أسماء محدثة لضرورة التفاهم. وإن ظهر في الصوفية مبتدعة ودجالون باسم الدين فستجد في القراء والفقهاء وغيرهم ممن انتحل الصفة لهم نظيرا، فهل نطرح الفقه والقراءات وباقي العلوم مع التصوف فرارا من المزَوّرِين المُدَّعين؟ أم نَزِنُ الأمور بميزان الإنصاف حتى لا نكون كمن أراد التخلص من النباتات الطفيلية في حقله فقطع معها كل شجر مثمر؟
تزكية النفوس وتربية الإيمان والإحسان من وظائف النبي صلى الله عليه وسلم ورثها عنه الصالحون من أمته على اختلاف تخصصاتهم ومشاربهم، وذهب الصوفية منها بالنصيب الأوفر طيلة تاريخ الأمة، ولا يزال فيهم أولياء صالحون ومرشدون مربون، وفي غيرهم كذلك ممن اتصل سنده الروحي الإحساني بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم. في كل تجمع علمي أو دعوي أو تربوي للمسلمين خير ما لم يدَّعوا أن رحمة الله وفضله وولايته انحصرت فيهم.
ومهما حاول المحاولون إنكار أصالة هذا العلم وأهله فإن التأثير الصوفي لا يمكن تجاوزه والانفصال عنه لعمق تجذره في تاريخ وواقع المسلمين، حتى أنك تجد أكبر المحاربين للتصوف لا يجد بدا من الاستشهاد بأقوال الصوفية في معرض حديثه عن ما يرقق القلوب ويزهدها في دار الغرور، مُصَدّراً نقله بقوله: قال بعض الصالحين، أو ذاكرا لاسم القائل جاهلا أنه من أكابر الصوفية، أو مدعيا أن ” مدارج السالكين ” لابن القيم هو المبدأ والمنتهى في طب القلوب وتزكية النفوس، وما علم المسكين أن كتاب ابن القيم هذا ما هو إلا شرح لكتاب صوفي هو “منازل السائرين” لشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي الحنبلي الصوفي.
وليت أمة ” اقرأ ” كانت تقرأ، إذاً لوجدت في كتاب ” الإحسان” للإمام المربي الأستاذ عبد السلام ياسين ما يشفي الغليل في موضوع طب القلوب وحقيقة التصوف ومشكلاته وما يجب ويمكن أن نتعلمه من أهله الصادقين اقتحاما لعقبة جهاد النفوس و صعودا إلى جهاد جمع شمل الأمة التي ضاعت وَحْدَتُها بفعل البغي واتباع الجدل وترك العمل.
أمراض القلوب مثل الرياء والعجب والغرور والكبر والحسد والركون إلى الدنيا وغيرها مهلكاتُُ من باطن الإثم لا يفكر معظم الناس في التوبة منها كما يتوبون من ترك الصلاة و المعاصي الظاهرة، لكن من تطمح همته للكمال ولِتَسَنُّمِ أعلى درجات القرب من الله يهتم لها ويتهمم ويطلب شفاء قلبه عملا بنصيحة النبي صلى الله عليه وسلم إذ يقول : “”يا أيها الناس، توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصِلُوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية؛ ترزقوا وتنصروا وتجبروا…” ²
يعمل العاقل ويتعلم ويسعى ولا يتجاسر على إنكار ما لم يحط به علما مما خص الله به خاصة أوليائه من علوم وكرامات.
وقد تنازع الناس ولا يزالون في علوم الأولياء وفراساتهم وكراماتهم واشتبهت عليهم بأكاذيب و ألاعيب المدعين ، وكتب ابن تيمية ” الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان” تنبيها للغافل الذي يحسن الظن بكل أحد وكبحا لجماح الشاك المشكك المضيق رحمة الله الذي لا يعترف إلا بالموتى من الصالحين.
ولا يهتم العاقل من كل هذا إلا بمادة يَقتبسها من قلوب الصالحين تنير دربه وتشفي قلبه وتَسْلُكُهُ بالمحبة والصدق ودوام الذكر والتضرع في سلك الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما.
كتبه الفقير إلى عفو مولاه خالد صادق 17 رمضان 1447
¹: سورة النساء ، الآية 124
²: رواه ابن ماجه وعبد ابن حميد وأبو يعلى