منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العقل والدين ( 5 )

العقل والدين ( 5 )/ الأستاذ خالد صادق

0

العقل والدين ( 5 )
بقلم: الأستاذ خالد صادق

 

العقل والدين (1)

العقل والدين (2)

العقل والدين ( 3 )

الدين والعقل(4)

 

الحمد لله ذي الطول هادي العباد ، وصلى الله على شفيع الخلق يوم التناد، وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه أولي النُّهى والرشاد.

لا تهدأ في الإنسان غريزة استكشاف المستقبل المكنون في طي الغيب، ولذلك جعل الله تعالى في شريعته الخاتمة ضوابط وحدودا تعصم الإنسان من أن يجمح به فضوله فيسقطَه في شِراك شياطين الجن والإنس و يَغتالَ عقلَه و يُهلِكَ دينَه ودنياه، فحرم الله تعالى علينا إتيان العرافين والكهانِ والتطيُّرَ والكذبَ في الرؤيا وتأويلَها بغير علم، وفسح لنا المجال للاطلاع على الغيوب إن كان سبيلُها كتابا أو سنة أو رؤيا صادقةً أو إلهامَ حق يلهمه الله من يشاء من أوليائه، وشَرَعَ لنا فيما سوى ذلك مما خفيت علينا عاقبته استخارةَ علام الغيوب واستشارة الأمناء من أهل الخبرة والرأي والتوكل على الله عز وجل.

غير أن أعظم غيبٍ مستقبَلٍ يُهِمُّ العاقل ويعمل له هو الساعة الكبرى: ساعة فناء الدنيا وقدوم الآخرة. وهي التي جعل النبي صلى الله عليه وسلم ترقبها والحذر من أماراتها دينا من الدين في حديث جبريلَ المشهورِ حين عَقّب على المشهد الرباني المَهيب بقوله: ” ذاك جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم” .
يقول شراح الحديث أن الصحابة في مرحلة من المراحل بالغوا في السؤال تارة عن دقائق الشرع وتارة عن عما لا يعنيهم من المُغَيَّبَات، فنهاهم القرآن وزجرتهم السنة، ثم أرسل الله جبريل ليعلمهم أدب السؤال وما عنه ينفع السؤالُ من أمور الشرع ومخفياتِ الغيوب. فكان هذا الحديث تأسيسا لعلوم الدين و كان بذلك الفقهُ بيانا لمقام الإسلام، وعلمُ التوحيد بيانا لمقام الإيمان، و التصوف وفقه القلوب بيانا لمقام الإحسان، وعلمُ الفتن وأشراط الساعة فهما للواقع وصيانةً وتوقٍّيًا مما يهدم ذلك البنيان.
ذلك أن الدين اكتمل تشريعا وعملا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده في زمان الخلافة الراشدة، ثم بدأت معاول النقض والهدم في بنيان دين الأمة بعد مقتل سيدنا عمر رضي الله عنه الذي كان بابا يمنع الفتن بما آتاه الله من إلهام وعلم وقدرة على حسم مبادئ الشر قبل أن تشتد، وهو القائل رضي الله عنه : لا تُنقض عرى الإسلام حتى ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، ومعظم علامات الساعة من الفتن الجاهلية التي تهدم دين الفرد ودين الأمة. سأل سائل من ذلك النشءِ الذي كان سيدُنا عمر يتخوف ظهوره سيدَنا عليا عليه السلام والرضوان أيام خلافته : “لم حدثت الفتنة في زمانك ولم تحدث في زمان أبي بكر وعمر؟” فأجابه: لأنهما كانا واليين على مثلي وصرت واليا على مثلك” ، وكان ذلك النشءُ وقودَ فتنة أدت إلى التحول من الخلافة الراشدة إلى الملك الوراثي العاضّ، ومن الشورى إلى الاستبداد، ومن منطق ورزانة الشرع و العقل إلى إلى منطق السيف وخفة العنف، مع ما خلفته في القلوب من جروح وفي الأمة من انقسامات. ثم توالت الفتن المبعِدةُ عن الدين شيئا فشيئا إلى أن جاءت صدمة الاحتلال النصراني لديار المسلمين وسقوط الدولة العثمانية وما تلاهما من حكم جبري نبذ ما تبقى من عمل بالشريعة، ونشأت في ظله أجيال منقطعة عن دينها وتاريخها بما رضعت من تربية وتعليم مُشَوَّشِ الهوية والتوجه، إلا قليلا ممن تداركته العناية الربانية بتربية أسرية أو صحبة ربانية.

يبادر العاقل بالتوبة والعمل الصالح ساعةَ موته كما يبادر مباغتة الساعة الكبرى وما يسبقها من الآيات التي لا ينفع معها إيمان كافر ولا توبة فاجر، دون أن يستهين بما دون ذلك من الفتن التي قد تتدرج بالمرء من عصيان إلى فسوق أو كفر والعياذ بالله.
ومما تجدر إليه الإشارة من فقه أئمتنا المحدثين رحمهم الله أنهم أدرجوا كل ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوعه من الفتن والملاحم ضمن أشراط الساعة لأن مبعثه وموته صلى الله عليه وسلم معدود في أشراطها، فكيف بما يأتي بعدهما؟

وإن من الأمارات التي ظهرت وهي في اشتدادٍ انقلابُ الموازين وانتكاسُ القلوب بأن تلد الأمة ربتها، ويتطاول الحفاة العراة في البنيان، و تُضَيَّعَ الأمانة،و يُطلَبَ العلم عند غير أهله، ويُكَذَّب الصادق ويُصَدّق الكاذب، ويؤتمنَ الخائن ويُخَوَّنَ الأمين، ويبيع المرء دينه بعَرَضٍ من الدنيا قليل، وتلك والله فتنة تؤكد غربة الدين وغربة حامليه الداعين إليه الصابرين القابضين على الجمر الذين لهم أجر خمسين من المهاجرين والأنصار. ويا لها من بشرى للغرباء الذين يصلح الله بهم ما أفسد الناس ، وإن من علامات الساعة لبشريات مثل انتشار الإسلام في العالم وعودة الخلافة الراشدة و ظهور المهدي ونزول عيسى عليه السلام و فتح روما، لكن ما يسبق ذلك ويرافقه ويتلوه من الفتن العظام إلى أن يظهر الدجال لعنه الله يدع المؤمن خائفا حذرا متضرعا لاجئا إلى ربه بالدعاء والتمسكِ بالكتاب وسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم التي منها التمسكُ بآل بيته وتعظيمُ صحابته وصحبةُ الصادقين الميَسِّرين المبشِّرين من أمته الذين يتطلعون إلى أن يكون نهوض الأمة وفلاحها في الدين والدنيا على أيديهم.

و لا فلاح في الدنيا أو الدين يرجى لمن لا يفقه موقعه في الزمان والمكان وطبيعةَ المجتَمَع والعالم حوله الذي هو مضمار الابتلاء، فقها يعي الخير ومنابعَه ويتوقى الشر ودوافعَه مستنيرا بنور الوحي الذي يتجاوز ظواهر الأمور وينفُذ إلى بواطنها وأسرارها، وإن التحليل النفسيَّ والاجتماعي و التاريخي والِاقتصادي والسياسي ليجلس خاشعا ذليلا متواضعا حين يصف النبي صلى الله عليه وسلم حال العالم و فتنة الأمة و ضعفها و داءها ودواءها، ودواوين السنة شاهدة بذلك. نرجو من الله أن تكون شهادتها لنا باقتباسنا من صيدليتها منهاج البناء على الأساس الأول، وأن لا نخوض الفتنة العمياء مع الخائضين.

وإن لعلم الفتن وأشراط الساعة لأهلا إمامهم فيه سيدنا حذيفةُ بنِ اليمان الذي كان يسأل عن الشر مخافة أن يقع فيه، فاختصه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعرفة أسماء المنافقين و بعلم الفتن والفتانين، وإنه لعلم نفيس من ميراث النبوة يزيد المؤمنين إيمانا كلما رأوا شيئا من نُذُرِه أو بشاراته تتحقق، ووحي تقوم به الحجة ويستبين سبيلُ المجرمين. وإن لِصراطِ الله لأهلا وعلامات، كما لسبل الضلال أهلا وعلامات، وما آياتُ الكتاب وسنةُ سيد أولي الألباب صلى الله عليه وسلم إلا بيان وتفصيل للصراط المستقيم وتحذير من سنن الكفر والفسوق والعصيان، ولا تكمُل معرفة الخير والرسوخُ فيه إلا بمعرفة الشر لتَوَقّيه، وبضدها تتميز الأشياء.

وويل لمن ادعى علما لا يحسنه فصد الناس عن سبيل الله. وقد احترف كثير من الناس جني المال عن طريق وسائل التواصل فصاروا يأتون بأحاديث الفتن والملاحم ينزلونها على كل واقعة تستجد، أو يجعلونها أساسا لنبوءات يحددون مكانها وزمانها، ثم لا يحدث شي من ذلك الذي توقعوه فيكونون فتنة على الناس. وما يحسن هذا العلم ويحسن تنزيله إلا من أخذ عن الربانيين من أهل الله الذين ورثوا من النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة والرأفة بالمؤمنين فكانوا بلسما وشفاء وعصمة لمن اقتدى بهم، أولئك مصابيح الهدى تنجلي عنهم وبهم كل فتنة ظلماء. اللهم لا تحرمنا الكَوْن معهم في الدنيا ولا في الآخرة.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

كتبه الفقير إلى عفو مولاه خالد صادق ليلة الأربعاء سادس شوال 1447 للهجرة النبوية الشريفة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.