العقل والدين ( 3 )
بقلم: الأستاذ خالد صادق
هل رجوع المسلم إلى العلماء لمعرفة حكم الله تغييب للعقل،
ولماذا لا يستقل كل مسلم بالنظر في أدلة الشرع لمعرفة الأحكام الشرعية؟
في القرآن العظيم والسنة المطهرة نصوص لا تحتمل إلا معنى واحدا هي التي ترسم المبادئ الكبرى والخطوط العريضة للدين التي لا يعذر أحد بجهلها كوجوب الصلاة وتحريم العقوق. و هذه الأحكام القطعية الثبوت القطعية الدلالة لا تُعَدّ مذهبا لأحد، فقول القائل: ” مذهب مالك وجوب الصلاة أو تحريم الخمر” لغو لا معنى له، فهذه أحكام لا اختلاف فيها ولا تحتاج لاستنباط دقيق، وفي مثلها يقال: لا اجتهاد مع ورود النص . أما عند ظنية النصوص ثبوتا ( كالتردد بين صحة الحديث وضعفه)، أو دلالة ( كاحتمال اللفظ أكثر من معنى )، أو عند تعارض النصوص في الظاهر، أو عند نزول واقعة لا نص فيها ولا إجماع، فهنا يبدأ عقل الفقيه المجتهد بالنظر في الأدلة ليستنبط منها الأحكام الشرعية العملية ( والفقه مجاله الأحكام العملية لا العقائد)، فإن أصاب فله أجران و إن أخطأ فله أجر. أما من لم يبلغ درجة الاجتهاد ولم يحُزْ شروطها فواجبه تقليد أحد الفقهاء المجتهدين في استنباطاته، ولا يجوز له النظر في هذا النوع من الأدلة والاستنباط منها وإن جمع ما جمع من العلم بالنصوص، فإن تقحم هذا الباب من غير أهلية كان مُتقَوِّلا على الله بغير علم مأزورا غير مأجور ولو صادف قوله الصواب.
هذا، حتى لا يفهم أحد من قَصْرِ النظر في الأدلة الشرعية على العلماء منع المسلم من تدبر القرآن والسنة وفهمها حين يتعلق الأمر بمسائل الإيمان وبالمبادئ الكبرى للإسلام عبادة ومعاملة وأخلاقا، فهذا مجال واسع للتدبر والتفكر والتعقل، أما الاستنباط الفقهي فيحتاج شروطا لا تجتمع إلا في قلائل من العلماء. وحسبك أن تعلم أن الإمام البخاري هو الوحيد الذي بلغ رتبة الاجتهاد المطلق من بين أصحاب كتب الحديث الستة المشهورة.
قال المتعالم الجهول: احتكار الفقه من طرف الفقهاء مصادرة للعقل وتغييب للعقل المسلم ؟
ومن حقنا أن نسائله: ولماذا لا يكون احتكار ممارسة الطب من طرف الأطباء والتصاميم المعمارية من طرف المهندسين مصادرة للعقل واحتكارا للفهم ؟ لماذا لا يحق لكل أحد تشخيص المرض ووصف الدواء لنفسه وغيره، ولماذا لا يرسم كل واحد تصميم منزله كما يحلو له؟ أليست لنا عقول ؟ كلا، لكن العقول لا تتفاوت فقط بالفطرة، بل تتفاوت كذلك بالتخصص والتجربة، وهذا مشَاهَد محسوس، ففي منع غير المتأهل للفتوى حفظ للأديان، كما في منع التطفل على الطب والهندسة المعمارية حفظ للأبدان و للبنيان.
احترام التخصصات شأن العقلاء الذين يضيفون عقول غيرهم إلى عقولهم باستشارة كل مختص في فنه.
وأيا كان مبلغ علم المسلم وموقعه في المجتمع فهو يبذل مجهودا عقليا محترما ليأخذ عن أهل العلم ما يقيم به الفرائض ويجتنب به المحارم ويُعْمِلُ عقله ليختار الأتقى والأعلم من العلماء ليستفتيه فيما ينزل به من شؤون عباداته وعاداته، فهذا حظه من إعمال العقل والاجتهاد في مجال الفقه. فإن ارتفعت همته لطلب العلم ومعرفة دلائل أقوال العلماء فعليه أولا بتعلم أدب العلم وكيفية طلبه، ثم يأخذ كل فن عن أهله مستعينا بالله متأدبا مع معلميه سائلا بلسان الاستفهام تاركا للاعتراض حتى يفهم دلائل المسائل التي درسها أو يستكمل الدراسة حتى يلتحق بركب العلماء إن سبقت له من الله سابقة توفيق.
لكن القفز وحرق المراحل ومناقشة الأدلة، دون إعداد قلبي وعقلي على يد العلماء، ليس إلا مصيبة نزلت بالأمة منذ زمن الخوارج الذين ظنوا في أنفسهم أنهم أقدر على فهم القرآن والسنة من سيدنا علي رضي الله عنه وغيره من الصحابة، وهذه آفتهم النفسية والعقلية بل وآفة كل مبتدع في الدين: عدم حفظ مرتبة الأكابر في العلم والدين، عافانا الله من الكبر و من ادعاء ما لا نحسن.
وإذا كان غير المختص ملزما بمعرفة مرتبة العالم، فكذلك العالم ملزَم بالتواضع لمن هو دونه في العلم و بمعرفة وحفظ مقام من هو فوقه، إذ العلماء في الفقه مراتب: أعلاها المجتهد المطلق المستقل الذي له أصوله الخاصة كعلماء الصحابة والتابعين و ورثتهم من فقهاء المذاهب الأربعة مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، ثم المجتهد المطلق المنتسب لمذهبٍ المقلد لإمامه في أصول مذهبه لا في فروعها كأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، ثم مجتهد الترجيح بين أقوال المذهب القادر على الاستدلال لها ، ثم الحافظ لأقوال علماء المذهب المفتي بالمعتمد منها، كل يتبع من هو أعلم منه بما في ذلك المجتهد المستقل الذي قد يفتي بقول الصحابي فيما ما لم يرد فيه كتاب ولا سنة. ” وفوق كل ذي علم عليم”.
فعمل العقل واجتهاده في كل مرتبة يختلف عن عمله في غيرها من المراتب، من مرتبة عامة الناس إلى المجتهد المطلق المستقل، كل يُعمِل عقله بحسب موقعه ومرتبته، فإن جاوزها أو نزل عنها فقد ظلم نفسه.
وما من أحد يحاول أن يضع نفسه فوق مرتبتها إلا ونزل بها من درجة الجهل البسيط الذي يسهل علاجه إلى الجهل المركب الذي لا علاج له: وفيه قال الشافعي: ما جادلت عالما إلا غلبته وما جادلت جاهلا إلا غلبني. أي أعياني إخراجه من حالة الجهل إلى حالة الفهم والعلم.
ثم إن المسلم النافع لأمته في أي تخصص كان قائم بفرض من فروض الكفاية شأنه شأن العلماء المجتهدين الذين كفونا هذا الباب، وأقرب الناس إلى الله أخلصهم وأتقاهم وأنفعهم للناس. والعاقل يتقرب إلى الله من أي باب فُتِحَ له ويجتنب ما لا يعنيه، وكل ميسَّر لما خلق له.
ورُبَّ شخص لا يعلم إلا الحد الأدنى من علم الدين، لكنه أتقى وأذكى وأعقل وأقرب إلى الله من كثير من المتعالمين بل ومن أكابر العلماء. إذ العبرة بطهارة القلب وزكاء النفس والإخلاص لله تعالى في السر والعلن، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ويبقى حفظ مقامات العلماء شأن العقلاء والحكماء، إذ هم ورثة الأنبياء. ورحم الله من قال : كن عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا ولا تكن الخامسة فتهلك