منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العقل والدين (2)

العقل والدين (2)/ الأستاذ خالد صادق

0

العقل والدين (2)

الأستاذ خالد صادق

العقل والدين (1)

إذا كان العقل زينة الإنسان وآلة التفكر لقبول الدين الحق، فما هي حدود عمله في إطار الممارسة العملية للدين؟ هل يمكن لكل عقل مؤمن أن يفهم الكتاب والسنة فهما يدرك به مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في عباداته وشؤونه الأسرية ومعاملاته المالية واختياراته السياسية وباقي شؤون حياته ؟ أم أن الفقه في الدين شأن خاص بطائفة متخصصة من أولي العلم؟

في زمان الانفجار المعلوماتي والتواصلي ظهر كثير من المغامرين يزعمون أنهم اهل لأن يُستمع لهم في الفقه والتفسير والحديث، فتجدهم يقفزون من تخصصاتهم إلى الفتوى في الدين بدعوى أن لا كهنوت في الإسلام ! وأن وجود طبقة من ” رجال الدين” تحتكر تفسير النص الديني تشَبُّهٌ باليهود والنصارى وبتحريف أحبارهم ورهبانهم للدين، وكأنه لم يكن في أهل الكتاب أحبار صالحون كعمران جد عيسى ابن مريم عليه السلام وعبد الله بن سلام وزيد بن سعنة الذين كانا من أحبار اليهود فعرفا الحق ودخلا في الإسلام ، ولا رهبان متقون كسلمان الفارسي وأصحابه قبل أن يكرمه الله بصحبة سيد الأنام عليه الصلاة والسلام.

فها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جاوزوا مأئة ألف ولم يتأهل منهم للفتوى إلا نحو مائة وثلاثين ولم يكثر ويشتهر منهم بالفتيا إلا سبعة، وهم كانوا العرب الأقحاح لا تعجزهم تصاريف اللسان، لكنهم عرفوا لأهل العلم من أصحاب رسول الله حقهم فلم يزاحموهم في مرتبة أهلهم الله لها بمزيد فضله وبخاصة عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم لما أراه الله من أهليتهم تقوى وعقلا.

ثم تتابع على ذاك السبيل تابعوهم بإحسان إلى يوم الدين، فلم يأخذوا العلم إلا ممن صحب أهل العلم وشهد له أهل العلم بالتمكن فيه.
قال الإمام مالك: “ما أفتيت حتى شهد لي سبعون عالما أني أهل لذلك” . لا عبرة بكلام من لا شيوخ له ولا سند له في الفقه والحديث والتفسير، علوم الإسلام تورث كابرا عن كابر، ولا حظ فيها لأصحاب الدعاوى من قراء الكتب دون فتح الشيوخ وتسديدهم. وتلك من طوام العصر أن يعتقد من تمكن من فك الخط أنه بلغ رتبة الاجتهاد، وأنه أهل لأن يناطح أئمة المسلمين ، وأن يُحَكِّم ” عقله” في النصوص تصحيحا وتضعيفا. لكن، قد قيل قديما: ما من أحد إلا وهو راض عن الله سبحانه في كمال عقله ، وأشدهم حماقة وأضعفهم عقلا هو أفرحهم بكمال عقله.

وإلا فإن كتاب الله طافح بتخصيص أهل العلم بمزيد فضل على المؤمنين؛ والأحاديث في فضل العلم والعلماء لا تعد ولا تحصى، لكن من أعوزه العقل والأدب والصبر والتواضع لأهل العلم والفضل وأبى عليه جهله إلا أن يتصدر بغير حق فذاك الجريء على النار وما يأخذ عنه إلا الهمج الرعاع أتباع كل ناعق. والطيور على أشكالها تقع.

ولله در القائل:
لكل داء دواء يستطب به
إلا الحماقة أعيت من يداويها

و من لم يأت البيوت من أبوابها تسلق السور أو قفز من النافذة فكان أهلا لأن يطرد ويهان ويفتضح على رؤوس الأشهاد. ودين الله محفوظ وطريق العلم مسلوكة، وعدول الأمة من العلماء بالمرصاد لتأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين، والمعصوم من عصم الله.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.