نظرات في الفكر السياسي عند العلامة القرضاوي
نظرات في الفكر السياسي عند العلامة القرضاوي/ كمال براشد
نظرات في الفكر السياسي عند العلامة القرضاوي
الأستاذ كمال براشد
تقديم
يعد القرضاوي رحمه الله، مدرسة فكرية تجديدية جامعة، ومرجعا كبيرا للأمة الإسلامية لما تركه من تراث علمي غزير، فالمتفحص المنصف في تراث هذا العالم الكبير يجده متميزا عن غيره من علماء عصره بميزات كثيرة، أهمها الفكر التجديدي المنهجي والدقيق الذي نلمسه جليا في كتاباته باختلاف مواضيعها وفروعها بأسلوب راق يتسم بسلاسة العرض وسهولة البيان. ولعل طول باعه وثبات جذوره في ميادين العلم المختلفة والدعوة، يسر له دعم آرائه وأفكاره أيا كانت بالحجة القاطعة والدليل المقنع والبرهان الساطع .
ولقد كان من آثار ذلك كله، أن جل كتاباته تتسم بطابع خاص، مهما تنوعت مضامينها واختلفت أو تباينت العلوم التي تعبر عنها. فطابع المحاكمة العقلية، والتنسيق والتقسيم ، هو الميزة الخاصة التي تبرز في سائر مؤلفاته وكتاباته الغزيرة خصوصا منها ما يتعلق بفقه السياسة الشرعية.
فنظرا لأهمية الفكر بصفة عامة في دفع حركية التاريخ وتأطير المجتمعات فكريا وسلوكيا، وأمام الخوف المتزايد من تشظي منظومتنا الفكرية وقيمنا السياسية في كل اتجاه، بسبب الحيرة والإرباك الحاصل للمسلمين في التعامل مع مجموعة من المفاهيم الحديثة بسياقاتها المختلفة كالدولة المدنية مثلا، يروم هذا البحث إبراز الفكر السياسي للدكتور القرضاوي -رحمه الله- عبر استقراء تراثه ومؤلفاته، وذلك باعتباره من علماء هذه الأمة العاملين المجددين في هذا القرن من جهة، و من جهة ثانية كونه أجاب عن أسئلة وإشكالات عويصة من قبيل علاقة الدين بالسياسة وطبيعة الدولة الإسلامية ومعالمها ، وذلك بغية تجديد الفهم والتسلح بفقه سياسي رشيد لمواجهة تحديات العولمة وتدافع الحضارات، هذه العولمة التي أفرزت خلال السنوات الأخيرة واقعا سياسيا جديدا أرخى بظلاله على الدول الإسلامية، خاصة بعد ما سمي بالربيع العربي، حين توالت دعوات شتى من الداخل ومن الخارج تدعو لتبني الدولة المدنية بمفهومها الغربي، الأمر الذي فرض على المسلمين وفي مقدمتهم علماء الأمة إلى ضرورة تقديم أجوبة لمجموعة من التساؤلات التي فرضتها المرحلة، ومن بينهم الدكتور القرضاوي الذي قدم الكثير للأمة الإسلامية في جميع المجالات خاصة في الفقه السياسي تأصيلا وتجديدا، حيث وضح وفصل القول في فقه الدولة في الإسلام، وطبيعتها (دولة دينية أم دولة مدنية) ونظامها، ومعالمها السياسية.
ومن هذا المنطلق كانت الحاجة ملحة إلى الإجابة عن السؤال المركزي التالي:
ما هو التصور الذي قدمه الدكتور يوسف القرضاوي في الفكر السياسي الإسلامي؟ وخاصة القضايا المستجدة مثل علاقة الدين بالسياسة، وشكل الدولة ونظامها السياسي ؟ وما هي الأطروحة الجديدة لمفهوم الدولة المدنية في فكر الدكتور القرضاوي ؟
ويتفرع عنه الأسئلة التالية:
- ما هي أصول الفكر السياسي وسماته عند القرضاوي؟
- ماذا يقصد بالفقه السياسي؟ الإسلام السياسي؟
- ما مفهوم الدولة في الإسلام وما تأصيلها وما هي معالمها السياسية؟
- ما أوجه الاختلاف بين الدولة الدينية والدولة المدنية عند الدكتور القرضاوي؟
- ما الفقه السياسي الرشيد الذي يدعو إليه بخصوص مفهوم الدولة المدنية؟
المنهجية المعتمدة في البحث :
هذا البحث يقدم رؤية نظرية وتحليلية واضحة لمفهوم الدولة المدنية عند القرضاوي، باعتماد المنهج الوصفي التحليلي والاستقرائي، من خلال استقراء مؤلفاته ومداخلاته وتحليل مضامينها مع الاستعانة ببعض الدراسات السابقة في الموضوع.
المبحث الأول: بعض معالم الفكر السياسي عند العلامة يوسف القرضاوي :
المطلب الأول: أضواء على بعض المفاهيم الأساسية :
قبل تحليل الموضوع، واستقراء معطياته، وتفسير جوانبه وأبعاده، لابد من التوقف عند بعض المصطلحات والمفاهيم التي يتناولها الموضوع، وهي كالآتي :
-الفكر :
يعرفه الأصفهاني “الفكرة قوّة مُطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكّر جولان تلك القوّة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلاّ فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب”[1]
جاء في المعجم الوسيط” “فكر” بمعنى إعمال العقل في الشيء، وترتيب ما يعلم ليصل به إلى مجهول”[2]
وعرفه طه جابر العلواني بأنه “اسم لعملية تردد القوى العاقلة المفكرة في الإنسان، سواء أكان قلبا أو روحا أو ذهنا، بالنظر والتدبر لطلب المعاني المجهولة من الأمور المعلومة، أو الوصول إلى الأحكام، أو النسب إلى الأشياء”[3]
الفكر إذن هو: إعمال عقل الإنسان والنظر بتدبر وتفكر ، انطلاقا من معلوم للوصول إلى مجهول عبر البحث والاستقصاء، بغية الوصول لحقيقة الشيء.
-الفقه :
الفقه اصطلاحا: هو )العلمُ بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، وعلمُ استنباطها، ومعرفتُها والإحاطةُ بها)[4]
وهو عدة شعب حسب الدكتور القرضاوي[5] : -فقه المقاصد الشرعية –فقه الموازنات –فقه الأولويات –فقه الواقع –فقه التغيير
-السياسية :
جاء في معجم المعاني الجامع : “سياسَةُ البِلادِ : تَوَلِّي أُمورِها، وَتَسْيِيرُ أَعْمالِها الدَّاخِلِيَّةِ والخارِجِيَّةِ وَتَدْبيرُ شُؤُونِها” [6] ، والسياسة عموما هي تدبير شؤون الجماعة من الناس بما يحقق مصلحتهم.
الفكر السياسي
هو مجموعة من الأفكار والمبادئ والآراء السياسية التي يطرحها المفكرون -انطلاقا من مرجعياتهم الفكرية- طبقاً لاحتياجات مجتمعاتهم وظروفهم ، وارتباطا بالتطور الذي تشهده هذه المجتمعات والظروف التي تمرّ بها وفق سياقات مختلفة، فيتم من خلالها تحديد السلوك الخاص بالدول والحكومات والأفراد.
الفقه السياسي
ربط القرضاوي رحمه الله في كتابه: (أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة) [7] الفقه السياسي بالفقه عموما، والذي يشمل فقه العبادات، وفقه الحلال والحرام، وفقه الأحوال الشخصية، ثم فقه المعاملات والمبادلات .. وقد كان له دعوات دائمة لتكوين فقه إسلامي مختار وممنهج، لكي يكون الفقه سياسيا رشيدا ، ومرتبطا بالفكر السياسي الإسلامي، من خلال تجاوز الظواهر الفكرية السلبية على رجال الفكر الإسلامي.
وقد بين رحمه الله أن أول ما يرتكز عليه فقه السياسة الذي ينشده، هو: فقه النصوص الشرعية الجزئية في ضوء مقاصد الشرع الكلية، وبهذا يبين أنه ينبغي على الأمة أن تفهم النصوص الشرعية في ضوء الكليات، لا أن تأخذ النص وتقف جامدة عليه، بل تجمع النص وكل ما يتعلق بالقضية، وتنظر إليها حتى تعمل على تحقيق مقاصد الشريعة، مع إمكانية تغير الوسائل، بشرط عدم تعارض هذه الوسائل مع الشرع لتحقيق المقاصد الشرعية.
-الاجتهاد :
الاجتهاد اصطلاحا: هو: )استفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه)[8]
التجديد في الاجتهاد: “يكون بسبب ما تقتضيه الضرورة والمتغيرات التي ترافق كل عصر من العصور، والمشاكل المتجددة، والمتنوعة حسب كل واقع، وكل زمان” [9]
إن هذا التجديد في الاجتهاد ” يقتضي الاحتفاظ بجوهر البناء القديم، والإبقاء على طابعه وخصائصه، وابراز العناية به، وترميم ما بلي منه، وتقوية ما ضعف من أركانه، وادخال تحسينات عليه لا تغير من صفته، ولا تبدل من طبيعته”[10].
-أصول الفقه :
يعرف بأنه )العلم بالقواعد والضوابط الكلية التي يستطيع المجتهد بوساطتها أن يعرف الأحكام الشرعية، ويستخرجها من الآيات والأحاديث وغيرها من مصادر التشريع)[11]
-السياسة الشرعية :
السياسة الشرعية اصطلاحا: هي ) ما كان فِعلا يكُونُ معهُ النَّاسُ أقرب إلى الصَّلاحِ، وأبعد عن الفسادِ، وإن لم يضعهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم، و لا نزل بِهِ وحي)[12]
أو هي: )تدبير شؤون الدولة الإسلامية التي لم يرد بحكمها نص صريح، أو التي من شأنها أن تتغير، وتتبدل بما فيه مصلحة الأُمة، ويتفق مع أحكام الشريعة، وأُصولها(11
أما علم السياسة الشرعية فهو )علم يبحث فيما تدبر به شؤونُ الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأُصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليل خاص)[13]
ويعرّفها الدكتور القرضاوي –رحمه الله- بأنها (السياسة القائمة على قواعد الشرع وأحكامه وتوجيهاته ، وتتخذ من الشرع منطلقا لها ترجع إليه وتستمد منه ، وهدفها تحقيق شرع الله تعالى في الأرض وتمكين تعاليمه ومبادئه بين الناس ، وأن غايتها شرعية ومناهجها شرعية ، وأنها تجمع شرعية المنطلقات وشرعية الغايات وشرعية المناهج.)[14]
فقه السياسة الشرعية
هو فقه “يدور حول علاقة الفرد بالدولة وعلاقة الحاكم بالمحكوم والراعي بالرعية والسلطة بالشعب، وهو ما يطلق عليه اليوم ( الفقه الدستوري، والمالي ، والإداري ، والدولي ) ويطلق عليه الفقه السياسي أو السياسة الشرعية، وقد تناوله العلماء كمبحث ضمن الفقه العام أو في كتب وبحوث متخصصة مثل ( الأحكام السلطانية – للماوردي ، والسياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية – لابن تيمية الحنبلي) .[15]
الإسلام السياسي :
هي تسمية ظهرت في السنوات الأخيرة، وشاعت في أوساط بعض الباحثين والمفكرين والسياسيين خصوصا منهم العلمانيين والمتغربيين اليساريين واليمينيين وغيرهم، ويعنون به “الإسلام الذي يعنى بشؤون الأمة الإسلامية وعلاقاتها في الداخل والخارج، والعمل على تحريرها من كل سلطان أجنبي يتحكم في رقابها، ويوجه أمورها المادية والأدبية كما يريد، ثم العمل كذلك على تحريرها من رواسب الاستعمار الغربي الثقافية والاجتماعية والتشريعية، لتعود من جديد إلى تحكيم شرع الله في مختلف جوانب حياتها…”[16]
يرفض الدكتور القرضاوي –رحمه الله- هذه التسمية رفضا تاما، لأنها تقوم على فكرة أساسية وهي تجزئة وتفتيت الإسلام حسب تقسيمات شتى ما أنزل الله بها من سلطان. “والحق أن هذه التقسيمات كلها مرفوضة في نظر المسلم، فليس هناك إلا إسلام واحد لا شريك له، ولا اعتراف بغيره، هو (الإسلام الأول) إسلام القرآن والسنة…….فهذا هو الإسلام الصحيح، قبل أن تشوبه الشوائب، وتلوث صفاءه ترهات الملل وتطرفات النحل، وشطحات الفلسفات، وابتداعات الفرق، وأهواء المجادلين، وانتحالات المبطلين، وتعقيدات المتنطعين، وتعسفات المتأولين الجاهلين.”[17]
فهو يرى أن الإسلام لا يكون إلا سياسيا ولا يمكن تجريده من السياسة، لأن الإسلام يوجه الحياة كلها بجميع مناحيها، ويرجع ذلك لسببين اثنين هما :
“1-أن للإسلام موقفا واضحا، وحكما صريحا في كثير من الأمور التي تعتبر من صلب السياسة…
2-أن شخصية المسلم -كما كونها الإسلام وصنعتها عقيدته وشريعته وعبادته وتربيته- لا يمكن إلا أن تكون سياسية، إلا إذا ساء فهمها للإسلام، أو ساء تطبيقها له…”[18]
المطلب الثاني: أبرز شخصيات الفكر السياسي المعاصرة التي تأثر بها القرضاوي
لقد تأثر القرضاوي رحمه الله بشخصيات إسلامية بارزة في تاريخ المسلمين، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ثم الإمام الشاطبي والعز بن عبد السلام ، لكن أهم شخصيتين إسلاميتين معاصرتين واللتين تركتا أثرا بارزا على حياته ومنهجه الفكري والدعوي وخصوصا في مجال الفكر السياسي، هما: الشيخ حسن البنا، والشيخ محمد الغزالي[19].
– الشيخ حسن البنا : يعد من أكثر الشخصيات الإسلامية المؤثرة على الدكتور يوسف القرضاوي في مجال الفكر السياسي، وأكثر ما أعجبه بالبنا فهمه للدين على أنه إحياء النظام الرباني في الفرد والجماعة والأسرة والدولة [20]. وقد ألف د. القرضاوي كتابا خاصا بمنهجية الشيخ حسن البنا في التربية والدعوة، وهو “التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا”[21] ، وكتاب ” التربية السياسية عند الإمام حسن البنا”.
-الشيخ محمد الغزالي : لقد تأثر القرضاوي بفكره الدعوي والسياسي والإصلاحي والنهضوي ، لأنه كان يحمل فكرا مميزا في وقت ضاعت فيه الأفكار. وقد أفرد الشيخ كذلك كتابا خاصا -عن الغزالي- تناول فيه حياته، ودعوته، وفكره، ومواقفه تحت عنوان: “الشيخ الغزالي كما عرفتُه -رحلة نصف قرن-“[22]
المطلب الثالث: مميزات الفكر السياسي عند القرضاوي:
إن ما يميز الشيخ يوسف القرضاوي -رحمه الله- هو تنوع المجالات والميادين التي كتب فيها، فلم يدع فضيلته مجالا من مجالات الثقافة الإسلامية إلا وأسهم وأبدع فيه بحظ وافر، فقد كتب في الفقه والأصول، وعلوم القرآن والسنّة، والسياسة الشرعية والفقه السياسي، والاقتصاد الإسلامي، كما كتب عن الحضارة والمعرفة، وفقه الدعوة والتربية، والأدب…
وفي مجال الفقه السياسي والسياسة الشرعية نجد أن جل آرائه وفتاويه تمثل زادا غنيا ومهما للحركات والمجتمعات الإسلامية المعاصرة، حيث خصص أجزاء من كتاباته لهذا المجال المهم من أهمها المؤلفات الآتية:
-السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها.
-من فقه الدولة في الإسلام.
-فتاوى معاصرة (المجلدين الأول والثاني).
-الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا.
-المسلمون والعولمة.
-الإسلام لا يكون إلا سياسيا!
بالإضافة إلى ذلك نجد أن انتماءه إلى المدرسة الوسطية التجديدية في الفكر الإسلامي المعاصر -كما كان يعبر القرضاوي عن نفسه دائما-، جعل فكره وخطابه السياسي يتميز بعدة مميزات أبرزها :
1-فكر تجديدي
إن تأثر القرضاوي -رحمه الله- بمدارس ومنهجيات المجددين الأقدمين ، أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، ثم الإمام الشاطبي والعز بن عبد السلام، والمجددين المعاصرين أمثال سيد قطب والشيخ محمد الغزالي كان واضحا وجليا في منهجهه ومن خلال كتاباته، هذه المدارس التي بمنهجها العلمي والعملي جعلت منه مجددا مبدعا في الفقه والفكر الإسلاميين في عصره.
منطلقه في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّ اللَّه يبعثُ لِهذِهِ الأُمة على رأسِ كُلِّ مِائةِ سنة من يُجدِّدُ لها دِينها) [23]؛ “والذي يعنيه بتجديد الدين هنا، هو: تجديد الإيمان به، وتجديد الفهم له، والفقه فيه، وتجديد الالتزام والعمل بأحكامه، وتجديد الدعوة إليه” [24]
فقد اتجه في البداية إلى الفقه وإشكالاته المعاصرة وترشيد النظر الاجتهادي والإفتاء، بغرض مواجهة الغلو والتقصير، فكان عنوانه الكبير : التيسير ورفع الحرج مع الانضباط للدليل الشرعي، ثم اتجه بعد ذلك إلى بسط معالم المشروع الإسلامي وخصائصه العامة، ومناظرة مختلف التيارات الفكرية التي تناهض الحل الإسلامي، داحضا جل النظريات المستوردة من الغرب وبيان خطورة جنايتها على الأمة، ثم اتجه إلى الترشيد بشكل عام في كل مستوياته الفكرية والأصولية والفقهية والحركية والسياسية، محددا أولويات الحركة الإسلامية المعاصرة، والعناوين الكبرى التي ينبغي أن تشتغل عليها في مختلف المجالات.
ولعل ما ميز الاجتهاد الفقهي للدكتور القرضاوي هو ما أنتجه في هذا المجال، إذ قدم فيه تصورا معاصرا ورؤية فقهية جديدة في التعامل مع الأحكام الشرعية، اتسمت بالاعتدال لاسيما في قضايا المرأة والفنون والسياسة وغيرها من القضايا المعاصرة التي كانت تؤطرها بعض التيارات بمنطق الحظر والمنع.
كما يرجع إليه الفضل الكبير في تجديد الفقه السياسي خاصة في مراحله الأخيرة في التأليف، عندما تدارس بعض الموضوعات الإشكالية ذات العلاقة بالسياسة والفقه السياسي عموما، حيث قدم تصوره للدولة الإسلامية، وطبيعة مواقفها من الديمقراطية والمواطنة وحقوق المرأة والأقليات وغيرها من القضايا التي محل اختلاف أنظار الإسلاميين فيما بينهم ، وبينهم وبين غيرهم، فكان رأيه فيها دائما محكوما بالوسطية والاعتدال.
2-فكر يربط الدين بالسياسة
يعتقد القرضاوي جازما بأن العلاقة بين الدين والسياسة علاقة وثيقة لا تنفصل أصلا عن بعضها مهما تغيرت الظروف والأحوال، ويرجع ذلك لعدة أسباب :
-أن الإسلام دين شامل لكافة نواحي الحياة، ونظام رباني تهتدي به البشرية جمعاء؛
-أن الإسلام يرفض تجزئة أحكامه وأخذ بعضها دون بعض، وأن السياسة جزء منه؛
-إذا كانت الحياة وحدة مترابطة لاتقبل التجزيء ولا التقسيم، فكذلك الإنسان لا يقبل التجزيء؛
-أن الإسلام أوجب على المسلمين أن يسعوا إلى إقامة دولة الإسلام التي تحقق أهدافه وتحمي دعوته.
3-فكر يربط السياسة بالأخلاق
يؤكد القرضاوي على ضرورة ضبط قيم الدين وقواعد الأخلاق السياسية، “فالسياسة حين ترتبط بالدين تعني: العدل في الرعية، والقسمة بالسوية، وإتاحة الفرص المتكافئة للبرية، ورعاية الفئات المسحوقة من المجتمعات البشرية. فالدين موجِّه للخير في السياسة ومحفز دافع لرجالها، وتزكية ، ولا يرضى عن ظلم، ويهدي الإنسان للغايات العليا للحياة والإنسان، من توحيد لله تعالى وتزكية للنفس، واستقامة للخُلُق. والدين يجرئُ الجماهير المؤمنة على قول الحق، والنصح للحاكم ومحاسبته، وتقويمه إذا اعوج، قال الله تعالى “واتَّقُوا فِتنة لا تُصِيبنَّ الَّذِين ظلمُوا مِنكُم خاصَّة واعلمُوا أنَّ اللَّه شدِيدُ العِقابِ ” (الأنفال 25) [25]
4- فكر منهجه الوسطية والاعتدال، التيسير والتدرج
يتحدث عن نفسه فيقول : “ومن معالم الفكر الذي ننشده أنه فكر وسطي الوجهة والنزعة، فهو فكر تتجلى فيه النظرة الوسطية المعتدلة المتكاملة للناس والحياة، والنظرة التي تمثل المنهج الوسط، بعيدا عن الغلو والتقصير”[26]
ومما تميز به رحمه الله هو التزام منهج التيسير في الخطاب والفتوى لمعالجة قضايا الأمة المعاصرة، حيث كان دائما يؤكد على ضرورة التزام “منهج التيسير على الأُمة، لا التعسير، فالأُمة أحوج ما تكون إليه اليوم؛ في ظل ما تواجهه من تحديات وصعوبات، وخاصة بعد ابتعادِ الناسِ عن الدين، وضعفِ هممهم، وتكاسلِهم عن الخيرات”[27]
والتدرج عنده لا يعني العشوائية والتسويف وتأجيل التنفيذ، وإنما هو ” “تحديد الأهداف بدقة وبصيرة، وتحديد الوسائل الموصلة إليها بعلم وتخطيط دقيق، وتحديد المرحل اللازمة للوصول إلى الأهداف، بوعي، وصدق، بحيث تُسلِمُ كلَّ مرحلة إلى ما بعدها بالتخطيط والتنظيم والتصميم، حتى تصل المسيرة إلى المرحلة المنشودة والأخيرة، التي فيها قيام الإسلام، كل الإسلام “[28]
5- فكر يدعو إلى الوحدة وإلى عالمية الإسلام
كان دائم الدعوة إلى التقريب بين الطوائف الإسلامية، رغم ما تعرض له من نقد شديد من التيارات المتشددة، وقد ظهر ذلك جليا من خلال زياراته لمجموعة من البلدان وحضوره لعدد من المؤتمرات التي تدعو إلى التقريب بين الفرق الإسلامية؛ “فالتقريب الذي ننشده، هو تقريب أتباع المعتقدات أو المذاهب أو الفرق بعضهم من بعض، وغرس مفاهيم التسامح بينهم، وتوسيع نطاق الاتفاق بين الطرفين، ما أمكن ذلك” [29]
كما كان في كثير من نشاطاته، وأعماله، ومؤتمراته، وكتبه، يدعو لصحوة إسلامية تسعى إلى تقديم الرسالة الإسلامية الصافية الوسطية إلى كل العالم؛ لشدة حاجة الإنسان إليها، سواء كان مسلما أم غير مسلم.
لقد كان رحمه الله ذلك الفقيه المجدد والمجتهد الذي ينتج الفكر الإسلامي، ويتحمل مسؤولية عظيمة في اجتهاداته، يجدد في فقه السياسة الشرعية الموسومة بالسعة والمرونة ومراعاة تغير الزمان والمكان والإنسان وأحواله، يعيش واقع أُمته ويعيش لأمته، غير جامد على رأي أو تقليد، إضافة إلى تمتعه بثقافة واسعة…
كان منضبطا انضباطا شرعيا، فلا يميل حيث يميل المجتمع، أو يجتهد على مقاسات أصحاب الهوى، والسلاطين والحكام، بل كان يجتهد ويفتي وفق ما تقتضيه الشريعة الإسلامية.
ويلخص منهجه في الفقه والاستنباط والفكر فيقول: “إن منهجي واضح، والحمد لله، فلا ألقي القول على عواهنه ولا أ قلد أحد ا فيما أ رى من رأيي، لا من أئمتنا الأقدمين، ولا ممن اتخذهم الناس أئمة في عصرنا من الغربيين الذين غزت حضارتهم العالم، ومنه عالمنا الإسلامي، ومنهجي هو الاعتماد على النص الصحيح في نبوته الصريح في دلالته، وربطه بالواقع المعيش –الواقع الحقيقي لا المتوهم– دون افتعال أو اعتساف، معتمدا أسلوب الموازنة والترجيح بالأدلة، أربط النصوص الجزئية بالمقاصد الكلية للإسلام وشريعته. ولم أعتمد فيما كتبت إلا على آية محكمة، أو حديث صحيح، أو دليل شرعي معتبر، أو منطق عقلي سليم، مسترشد ا بأقوال من يعتد بهم من العلماء، ليشدوا أزري، حتى لا أقف وحدي، لا على أن أقوالهم في ذاتها حجة، فلا حجة في قول البشر إلّا قولُ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رحمة، ومنحه العصمة، وهدى به الأُمة” [30]
أما منهجه المنشود في الفقه السياسي المعاصر كان يقوم على أساسين :
“-الرجوع إلى الأصول وإلى أخذ الأحكام من ينابيعها الصافية، مع الاستفادة من تراث الفقه الإسلامي بكل مدارسه ومذاهبه، وخارج المذاهب والمدارس، أعني فقه الصحابة والتابعين الذين هم شيوخ أئمة المذاهب أو شيوخ شيوخهم.
-معايشة الواقع المعاصر، والعمل على علاج مشكلاته من ما قدمته الشريعة الإسلامية، فإن من المؤكد أن الشريعة لا تهمل الواقع.
إنه يبحث في الأ صول الشرعية الإسلامية التي ينطلق منها في فقهه وفكره السياسي بعد البحث والنظر والتأمل المقرون بالأدلة والبراهين ومراعاة للظروف والحوادث، لاستنباط الفكر الإسلامي في السياسة الشرعية التي من شأنها تطبيق الشرع الرباني، واتباع مصلحة الناس وسياستهم وتدبير أمورهم حسب ما قصدته وما أرادته الشريعة الإسلامية.” [31]
المبحث الثاني: فقه الدولة عند القرضاوي : دولة دينية أم دولة مدنية؟
تمثل علاقة الدين بالسياسة، ومن ثمّ علاقته ب “الدولة ” إشكالية من الإشكالات العويصة التي عرفها الفكر الإسلامي منذ أمد بعيد وازداد السجال حولها في عصرنا الحاضر، حيث تباينت فيها كثرة الآراء والاجتهادات. وإجمالا يمكن القول بوجود فريقين : أحدهما يرى وجود الدولة في الإسلام، ومن ثم يربط الدين بالسياسة ربطا وثيقا، ولا يرى إمكانية للفصل بينهما، بينما يصرّ الفريق الآخر على أنّ الدين لا مكان له في توجيه الدولة وتنظيمها، وأن الدين شيء والسياسة شيء آخر، وأن هذا يجري على الإسلام كما جرى على المسيحية، فالإسلام لم يعرف الدولة ولم يحدد شكلا معينا للحكم، وعليه فهو يفصل بين السياسة والدين. من هذا المنطلق أتى الفقه السياسي المعاصر مع الدكتور القرضاوي حيث عبر عنه فقال: ” فقه قصر فيه المسلمون كثيرا في الأزمنة الأخيرة، ولم يعطوه حقه من البحث والاجتهاد، كما أعطوا مجالات الفقه الأخرى التي توسعت وتضخمت وخصوصا فقه العبادات”[32]
فقه سياسي معاصر هدفه الرد على مجموعة من الدعاوي المغرضة من جهة، ومن جهة ثانية تبيان شمول الإسلام بأحكامه وتعاليمه؛ من خلال إبراز جانب الدولة، وتنظيمها وتوجيهها بأحكامه وآدابه، ثم لإبراز أن هذا الجانب جزء لا يتجزأ من نظام الإسلام، الذي امتاز بشموله للزمان والمكان والإنسان، ونزل كتابه تبيانا لكل شيء قال تعالى “ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين” (سورة النحل 89)
المطلب الأول: مفهوم الدولة :
يعرفها ابن القيم بأنها: “الدارُ الَّتِي نزلها المُسلِمُون، وجرت عليها أحكامُ الإِسلامِ”[33] مما يعني أن الفقهاء قديما عبروا عن مصطلح الدولة الإسلامية بمصطلح “دار الإسلام”
وتعرف الدولة في العصر الحديث عموما على أنها “مجموعة من الأفراد المنتظمة في وسط اجتماعي تسيطر عليه سلطة سياسية منبنقة عن المجتمع، تتميز بقدرة إصدار القوانين واتخاذ القرارات، التي من شأنها تنظيم حياة المجتمع”[34]
و يرى القرضاوي -رحمه الله- أن الدولة في الإسلام ليست صورة من الدول التي عرفها العالم قبل الإسلام أو بعده،إنها دولة متميزة عن كل ما سواها من الدول، بأهدافها ومناهجها ومقوماتها وخصائصها.
فيعرف الدولة الإسلامية بأنها ” الدولة التي تُحكم بالإسلام، و إن لم يكن أغلبية أهلها مسلمين”[35]
فالإسلام جاء لينظم حياة الناس، ويرشدهم إلى معرفة ربهم وعبادته، ولصون الحقوق، وأداء الأمانات، وتحقيق الأمن والاستقرار بين الناس، لهذا فإن للدولة في الإسلام أهمية كبرى، تنبع من قناعة الإسلام بالتنظيم ورفضه للفوضى، وذلك لما للدولة من دور في تحقيق مقاصد شريعة الإسلام، يقول الدكتور القرضاوي: “و من تصور قيام المجتمع المسلم -بكل مقوماته وكل خصائصه- بدون حكم إسلامي يوجهه ويرعاه ويحرسه، فقد أخطأ خطأين كبيرين :
أخطأ أولا : في فهم المجتمع المسلم، الذي يعتبر الحكم فريضة من فرائض دينه، ويعتبر التقاء الدين والدولة فيه خصيصة من خصائصه.
وأخطأ ثانيا : في ظنه إمكان قيام مجتمع إسلامي يوجهه حكم غير إسلامي: حكم عِلماني، أو اشتراكي، أو ليبرالي ، وخاصة في هذا العصر الذي مكنت فيه التكنولوجيا الحديثة الدولة من القدرات الهائلة على التأثير في الشعب” [36]
والإسلام حسب القرضاوي إذا كان يسعى إلى بناء الفرد الصالح، والأسرة الصالحة، والمجتمع الصالح، فإنه يسعى كذلك إلى بناء الدولة الصالحة، وقد بين رحمه الله معالم هذه الدولة في كتابه “من فقه الدولة في الإسلام: مكانتها-معالمها-طبيعتها،موقفها من الديمقراطية والتعددية والمرأة وغير المسلمين” بأنها : دولة مدنية مرجعها الإسلام، دولة عالمية مفتوحة لكل مؤمن بمبادئها اختيارا، دولة شرعية دستورية، دولة شورية لا كسروية ولا قيصرية ولا تقوم على الوراثة، دولة هداية لا جباية، دولة لحماية الضعفاء من طغيان المتجبرين والطواغيت، دولة الحقوق والحريات إيمانا والتزاما لا دعاية وكلاما، دولة مبادئ وأخلاق…
المطلب الثاني: الدولة الدينية
إن اصطلاح الدولة الدينية هو اصطلاح غربي ارتبط بسياقات تاريخية وسياسية وثقافية معينة، فهو مرتبط بتصورات غربية عن الحاكم وعلاقته بالمجتمع وبالسلطة السياسية، مصطلح ظهر في مرحلة تاريخية من مراحل المجتمع الغربي والتي عرفت صراعات فكرية وسياسية أفرزت أطروحات قانونية جديدة.
والدولة الدينية عموما هي التي يكون فيها نظام الحكم نظاما دينيا، يضفي على الحاكم صفات دينية ويستمد شرعيته من الدين، بحيث يصبح الحاكم هو ممثل الدين ومصدره الوحيد، فما يقوله هو قول الله وما يحكم به هو حكم الله، لا يعارضه أحد وإلا صار مارقا عن الدين، وما على المحكومين إلا الطاعة العمياء.
الدولة الدينية حسب القرضاوي أو الدولة الثيوقراطية هي التي “تتحكم في رقاب الناس أو ضمائرهم باسم الحق الإلهي … -أو هي- دولة الكهنة أو رجال الدين الذين يزعمون أنهم يمثلون إرادة الخالق في دنيا الخلق،أو مشيئة السماء في أهل الأرض، فما حلوه في الأرض فهو محلول في السماء،وما عقدوه في الأرض فهو معقود في السماء” [37]
رغم ما قيل وكتب حول الدولة الدينية وسياقاتها المختلفة، نجد أن هناك من يروج لمجموعة من المزاعم والأفكار والأوهام المعششة في كثير من الأذهان حول طبيعة دولة الإسلام المرجوة والتي من بينها : أن الدولة الإسلامية هي دولة يتحكم فيها المشايخ ورجال الدِّين، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن طبيعة دولة الإسلام التي يدعو إليها القرضاوي، هل هي دولة دينية؟؟؟
يقول رحمه الله “قالوا إنها دولة (دينية) ويعنون بالدِّينية: أنها دولة كهنوتية، تتحكم في أهل الأرض باسم السماء، وتتحكم في دنيا الناس باسم الله، ويدعون أن (حاكمية الله) التي قال بها داعيان كبيران من دعاة العصر: أبو الأعلى المودودي في باكستان، وسيد قطب في مصر: توجب أن تكون هذه الدولة دينية. كدولة الكنيسة الأوربية فيما سمي: (العصور الوسطى)”[38]
يجيب الدكتور القرضاوي داحضا لهذه المزاعم – وهي كلها دعاوى ما أنزل الله بها من سلطان، ولا قام عليها برهان، وغالبا مزاعم منطلقها ومرجعها قياس الإسلام على المسيحية-، وموضحا طبيعة دولة الإسلام المرجوة وصفات الحاكم :
“وقياس الإسلام على المسيحية قياس باطل من أساسه، فالمسيحية تقوم على نظام كهنوتي معترف به، له سلطانه ونفوذه وأملاكه، ورجاله، على اختلاف مراتبهم ودرجاتهم في سلم القيادة المسيحية. ولا يوجد هذا في الإسلام.
فالمسلم يستطيع أن يؤدي عبادته من صلاة وصيام وزكاة وحج، بدون وساطة كاهن، وليس بينه وبين الله وساطة، وباب الله مفتوح له في كل حين، وكل حال، ليس عليه حاجب ولا بواب. “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ” [البقرة:186].”[39]
ويضيف موضحا مفهوم رجال الدين وأدوار علماء الأمة سيرا على نهج ما جاء به الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- في كتابه (من هنا نعلم) : “على أن الإسلام في مفهومه الصحيح، وتطبيقه السليم، لا يعرف مصطلح (رجال الدين) الذي عرف في مجتمعات دينية أخرى، فكل مسلم رجل لدينه، وإنما يوجد علماء متخصصون في علوم الإسلام، وهم أشبه بعلماء الأخلاق والفلسفة والقانون في المجتمعات الأخرى. وعلاقة هؤلاء العلماء بالدولة : أن يقدموا لها واجب النصح الذي فرضه الإسلام لأئمة المسلمين وعامتهم، وهذا واجب على كل مسلم، وهو أوجب على أهل العلم، حتى تمضي الدولة في طريق الإسلام الصحيح، تحق الحق، وتبطل الباطل، وتحل الحلال، وتحرم الحرام…وعلى الدولة المسلمة حقا أن تعينهم على أداء واجب النصيحة والدعوة والأمر والنهي، وينبغي أن يتكون منهم هيئة أو محكمة دستورية عليا، تعرض عليها مشروعات القوانين والأنظمة، حتى لا يصدر منها ما يتعارض مع الإسلام…وبهذا يسير العلم مع الحكم جنبا إلى جنب، ولا يحدث ما حدث في كثير من فترات التاريخ من انفصام بينهما…”[40]
في ضوء ما سبق يتبين أن د. القرضاوي لا يقصد بمصطلح دولة الإسلام، الدولة الدينية كما شاع المفهوم العام عن الدولة الدينية التي حكمت أوروبا باسم الكنيسة، تلك الدولة التي يحكمها رجل باسم الرب، وينفذ إرادته هو ومن معه حسب أهوائهم باسم الدين، وأنه لا يحق لأحد أن يعارض مشيئة هذا الحاكم. إن الذي يرمي إليه القرضاوي في تحليله السابق، هو تأكيده على أن الدولة الإسلامية هي تلك الدولة التي تعلو فيها إرادة الأُمة وفق ما تقرره الشريعة الإسلامية، أي أن من حق الأُمة أن تختار من يحكمها، أن تراقبه، وأن تحاسبه، وأن تعزله، إن خالف دستورها، الذي هو الشريعة الإسلامية، وأن من يرشح للمنصب، لابد له من صفتين أساسيتين: القوة والأمانة، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم : “إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين” [القصص:26]
و يضيف أن مرجعية الدولة لا بد أن تكون الشريعة الإسلامية، -وهذا لا يعني أنها دولة دينية- أي أن يكون لها دستور إسلامي يقر بالقطعيات، ويمكنه الاجتهاد وإقرار المواد القانونية بالأمور الفرعية المختلف حولها، والتي منها أمور قديمة ومحدثة، يحكمها في ذلك مصلحة الأمة، والتي تكون منضبطة بالشريعة والأخلاق، ويبقى دور علماء الأمة فيها هو النصيحة الشرعية، وتقديم اجتهادات تختص بالسياسة الشرعية، وكل ما يمس الحاكم، أو السلطة التنفيذية .
المطلب الثالث: الدولة الإسلامية دولة مدنية مرجعيتها الإسلام
- مفهوم المدنية :
لقد مر تطور مصطلح المدنية عبر فترات تاريخية، منذ العصور القديمة مع فلاسفة الإغريق ، وصولا إلى بلورته وصياغته بالشكل الذي هو عليه في العصر الحديث.
لقد استعمل بداية مع الفيلسوف الإغريقي أرسطو حيث كان يقال : “إنسان مدني” بمعنى كائن اجتماعي-سياسي، وعند اليونان بمعنى تدبير شؤون المدينة (أثينا)، أما في العصور الإسلامية فقد ارتبط مفهوم المدنية بالمدينة كفضاء اجتماعي-سياسي، حيث استعمله الفارابي في كتابه “السياسة المدنية” عند حديثه عن الاجتماعات المدنية وأنواع المدنيات وطبائعها،كما استعمله ابن خلدون في مقدمته وهو يتحدث عن العمران الحضري.
ومع توالي التطورات والتمايزات التي طرأت على المفهوم في سياق الإصلاحات الدينية والسياسية التي عرفتها أوربا في القرن 17 حتى القرن 19، أصبح مفهوم المجتمع المدني يعني التعددية السياسية مقابل الحكم المطلق، ومع مدرسة العقد الاجتماعي أصبحت الدولة مرادفا للمجتمع المدني في إطار مقابلة نظرية العقد الاجتماعي لنظرية الحق الإلهي للملوك.
أما استعمال الدولة المدنية كمفهوم فهو مرتبط بالسجال السياسي قديما وحديثا، والذي كان دائما موضوعه “الدين والسياسة” و “أصل السلطة والسيادة” و “مشروعية الحكم” استنادا إلى مرجعيات مختلفة (فلسفية،دستورية،قانونية تشريعية)، وفي كثير من الأحيان تكون متناقضة. فما المقصود بالدولة المدنية إذن؟؟؟
من بين التعاريف الكثيرة نجد التعريف التالي للدولة المدنية “هي دولة ديمقراطية تسمو فيها الإرادة الشعبية، لتكون المحدد في اختيار الحاكم، ومن يقرر ومن يشرع ومن يحاسب، وتنحني لإرادة الأغلبية وتحترم حقوق الأقلية، وتنظم التداول السلمي للسلطة، وتقرر مبدأ فصل السلطات، ويمنع فيها الاستبداد تحت أي مسمى أيديولوجي” [41]
إذا كانت مواصفات الدولة المدنية بهذا الشكل، فهل تنطبق هذه المواصفات على الدولة الإسلامية؟ وما هو رأي الدكتور القرضاوي بخصوص الدولة الإسلامية المدنية، باعتباره من فقهاء السياسة الشرعية المعاصرين؟
- دولة مدنية مرجعها الإسلام :
يؤكد القرضاوي دائما أن طبيعة الدولة في الإسلام أنها دولة مدنية مرجعها الإسلام، أو مرجعية دستورها وقوانينها الشريعة الإسلامية، وليست دولة دينية أو ثيوقراطية كما يظنها البعض إما جهلا بما قدمته الشريعة الإسلامية من مبادئ سياسية شاملة، بسعة ومرونة في تحقيق المقاصد التي جاءت الشريعة لرعايتها وتحقيقها، أو اتهاما مغرضا لكل ما يأتي به الإسلام وعلماء الإسلام.
يعرف القرضاوي الدولة الإسلامية المدنية بأنها ” دولة تقوم على أساس الاختيار والبيعة والشورى، ومسؤولية الحاكم أمام الأُمة، وكل فرد في الرعية ينصح لهذا الحاكم، ويأمر بالمعروف وينهاه عن المنكر، ومرجعيتها الشريعة الإسلامية ” [42]
“فالحق أن الدولة الإسلامية: دولة مدنية، ككل الدول المدنية، لا يميزها عن غيرها إلا أن مرجعيتها الشريعة الإسلامية.”[43]
انطلاقا مما سبق يتبين أن د القرضاوي قد وضع مقومات تنبني عليها الدولة الإسلامية المدنية، و حدد شروط قيامها وحدودها.
- مقومات الدولة الإسلامية المدنية عند القرضاوي :
- اختيار الحاكم :
تقوم الدولة الإسلامية على أساس اختيار الحاكم القوي الأمين، المؤهل للقيادة، الجامع لشروطها، يختاره بكل حرية: أهل الحل والعقد، كما أنها تقوم على البيعة الشرعية العامة من الأمة.
والقوة تعني: مجوع القدرات المادية والمعنوية التي يتمتع بها الإنسان على أداء العمل بجدارة.
أما الأمانة: فتعني الجانب الخُلُقي في الإنسان، أي أن يحفظ ما أمر الله بحفظه ويرعى ما استرعاه إياه؛ يخشى الله في عمله، لا يغش ولا يخون، ولا يهمل، ولا يتعدى حدا من حدود الله، ولا يجور على حق من حقوق الناس.
- الحاكم في الإسلام مقيد غير مطلق :
إن الإمام أو الحاكم في الإسلام والذي اختارته الأمة هو مجرد فرد عادي من الناس، ليس له أي عصمة ولا قداسة يستمدها من الدين. وكما قال عمر بن عبد العزيز:” إنما أنا واحد منكم، غير أن الله تعالى جعلني أثقلكم حملا”[44] كما أن “هذا الحاكم في الإسلام مقيد غير مطلق، هناك شريعة تحكمه، وقيم توجهه، وأحكام تقيده، وهي أحكام لم يضعها هو ولا حزبه أو حاشيته، بل وضعها له ولغيره من المكلَّفين: رب الناس، مَلِك الناس، إله الناس. ولا يستطيع هو ولا غيره من الناس أن يلغوا هذه الأحكام، ولا أن يُجمِّدوها. ولا أن يأخذوا منها ويدعوا بأهوائهم. وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً [الأحزاب:36].”[45]
وقد لخص الشيخ محمد الغزالي رحمه الله الصورة التي يجب أن يكون عليها حاكم المسلمين حينما قال ” والصورة الصادقة للحكومة -كما يقيمها الإسلام- صورة رجال أحرار الضمائر والعقول، يفنون أشخاصهم ومآربهم في سبيل دينهم وأمتهم…”[46]
- الحاكم يحاسب :
إن الأمة التي اختارت حاكمها، لها حق محاسبته ، وتقويمه إذا اعوج، بل وعزله إذا أصر على اعوجاجه، كما أن “من حق أي فرد فيها أن يرفض طاعته إذا أمر بأمر فيه معصية بيّنة لله تعالى. بل من واجبه أن يفعل ذلك، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وفي الحديث الصحيح المتفق عليه: “السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”[47]، “والقرآن الكريم حين ذكر بيعة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيها طاعة النبي وعدم معصيته: قيد ذلك بقوله: “وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ” [الممتحنة:12]. هذا وهو المعصوم المؤيد بالوحي، فغيره أولى أن تكون طاعته مقيدة.”[48]
- دولة مرجعيتها الشريعة الإسلامية :
ينطلق القرضاوي من أن لكل دولة في العالم مرجعيتها التي تستمد منها التشريعات والقوانين، ويمثل لذلك بأن في الولايات المتحدة دولة مدنية مرجعيتها الليبرالية، والدولة في روسيا دولة مدنية مرجعيتها الاشتراكية، وهي جميعها دول ترجع إلى حق الشعب في الاختيار والانتخاب ضمن مرجعياتها، وبالتالي فالأُمة الإسلامية دولة مدنية مرجعيتها الشريعة الإسلامية، مقدم فيه حق الأُمة، ومن حق الشعب أن ينتخب، ويحاسب، وينظم حسب مرجعيته الإسلامية، فالسلطة التشريعية تكون بيد الشعب في إطار المرجعية الإسلامية، يمكن التجديد والاجتهاد في النصوص الظنية والمساحة المعفو عنها والمصالح المرسلة، بشرط عدم التعارض مع قطعيات الشريعة وثوابتها العامة أو نصوصها القطعية.
- الحاكم والعلماء (رجال الدين) جنبا إلى جنب :
لقد حدد الإسلام دور العلماء في النصح والإرشاد للحاكم، ثم الاجتهاد في فقه السياسة الشرعية لتوجيه الحاكم والأمة لما فيه الخير للجميع دنيا وآخرة، والمقصود بالعلماء علماء الأمة العاملين والمجددين: فقهاء السياسة الشرعية، وليس علماء السلطان الذين يفتون بعلم أو بغير علم لصالح السلطان وتبعا للأهواء.
بل ويقترح د القرضاوي أن تتكون منهم هيئة أو محكمة دستورية عليا ، تعرض عليها مشروعات القوانين والأنظمة، حتى لا يصدر منها ما يتعارض مع الإسلام، فيفترق القرآن والسلطان، وهو ما حذر منه الحديث النبوي، بحيث يسير العلم والحكم جنبا إلى جنب حتى لا يحدث ما حدث في كثير من فترات التاريخ الإسلامي الذي جر الويلات على الأمة الإسلامية دينا ودنيا.
خاتمة:
لقد كان للشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله الفقيه المجدد، الدور البارز والمهم في تقديم تصوره للفكر السياسي الإسلامي ولشكل وأساليب الدعوة الإسلامية، خاصة علاقة الدين بالسياسة وشكل الدولة والسلطة والنظام في الدولة الإسلامية، ففصل القول في صلاحيات الحاكم وواجباته وحقوقه السياسية، وطبيعة الدولة الإسلامية المدنية التي مرجعها الإسلام، ثم موقفه من الاستبداد السياسي والثورات العربية وغير ذلك من أمور وقضايا سياسية معاصرة.
إنه الشيخ يوسف القرضاوي الفقيه المجدد والشخصية البارزة والمؤثرة التي عرفت في الساحة الإسلامية كأبرز شخصية حاولت تقديم صورة الإسلام عموما بصورتها الجلية في إثبات أن الفكر السياسي الإسلامي قادر على مواجهة الإشكالات والتحديات المعاصرة وتقديم أفضل الحلول لها، فقدم الشيخ الكثير من خلال نشاطاته، ومؤلفاته وكتبه الغزيرة، وخطبه المباشرة والمسموعة والمرئية، ومن خلال الندوات الفكرية والسياسية التي أثرت بشكل واضح على جمهور عريض من الأمة الإسلامية، خاصة في خضم ما مرت به المنطقة الإسلامية من أحداث ، ومن احتدام المعارك الفكرية حول ما يمكن أن يقدمه الفكر السياسي الإسلامي للأمة بصورة معاصرة وممكنة.
لقد ترجل فارس الدعوة والفقه رحمه الله، مخلفا وراءه مدرسة فكرية تجديدية متكاملة وإرثا علميا وفكريا غنيا جعله الله في ميزان حسناته، ونفع الله بعلمه الأمة الإسلامية.
[1] الأصفهاني الحسين بن محمد، معجم مفردات ألفاظ القرآن، دار القلم، دمشق، ط1،1412هـ ، ص 643
[2] المعجم الوسيط، الجزء الثاني ص 698
طه جابر العلواني، الأزمة الفكرية، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، الطبعة الرابعة 1994، ص27 [3]
[4] مجموعة من المؤلفين، جامعة القدس المفتوحة، مدخل إلى الفقه الإسلامي، طبعة 2010 م، ص 8
[5] القرضاوي، يوسف، دراسة في فقه مقاصد الشريعة، دار الشروق، الطبعة الثالثة 2008، ص 20
[6] معنى سياسة في معجم المعاني الجامع – معجم عربي عربي
[7] القرضاوي يوسف، أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، مكتبة وهبة، الطبعة السابعة 2010، ص 138
[8] الآمدي، علي بن محمد، الإحكام في أ صول الأحكام، دار الكتب العلمية، بيروت، (4/218).
[9] القرضاوي، الفتوى بين الانضباط والتسيب، دار الصحوة للنشر والتوزيع-القاهرة، الطبعة الأولى 1988،ص 86
[10] القرضاوي، يوسف، الاجتهاد في الشريعة السلامية، دار القلم للنشر والتوزيع-الكويت، الطبعة الأولى 1996، ص 103
[11] الزحيلي محمد، الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، دار الخيار للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق –سوريا، ط2 ، 2006م ، ص 28 .
[12] ابن القيم، الطرق الحكمية، مكتبة دار البيان، دون طبعة، ص 12 .
[13] خلّاف عبد الوهاب، السياسة الشرعية في الشؤون الدستورية والخارجية والمالية، دار القلم، ط 1988 م، ص7.
[14] القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء النصوص الشرعية ومقاصدها، مكتبة وهبة، الطبعة 4 سنة 2011م، ص 23
[15] نفس المرجع
[16] القرضاوي يوسف، من فقه الدولة في الإسلام، دار الشروق، ط1 سنة 1997م، ص88 .
[17] نفس المرجع ص 89
[18] نفس المرجع ص 91
[19] يضع الشيخ على موقعه الكثير من الشخصيات التي تأثر بها، عبر موقعه،
موقع https://www.al-qaradawi.net/node/ 3454
شخصيات لها أثر في حياته الدعوية: أبو حامد الغزالي، ابن تيمية، ابن القيم، حسن البنا.
[20] القرضاوي، ابن القرية والكتّاب،1/129
[21] نفس المرجع 1/229
[22] كتاب القرضاوي، الشيخ الغزالي كما عرفته رحلة نصف قرن، دار الشاروق، القاهرة، ط 1،200م، ص 373-377 (بتصرف).
[23] سنن أبي داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر في قرن المائة، (4291) ، (1/109)
[24] القرضاوي، ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق، دار الشروق القاهرة، ط 1، 2000م، ص 53
[25] القرضاوي، الدين والسياسة -تأصيل ورد شبهات-، إصدارات المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، دبلن 2007، ص 63-65
[26] القرضاوي، أولويات الحركة الإسلامية، ص 120
[27] القرضاوي، أولويات الحركة الإسلامية، ص 126
[28] القرضاوي، السياسة الشرعية، ص 382
[29] محمد فاروق صالح عاشور،أصول الفكر السياسي لدى يوسف القرضاوي ، أطروحة ماجستير بجامعة النجاح الوطنية – فلسطين- 2021م، ص 48.
[30] القرضاوي، الدين والسياسة -تأصيل ورد شبهات-، ص 6
[31] القرضاوي، السياسة الشرعية، ص 22
[32] القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، دار الشروق، ط 1، 1997م، ص 7.
[33] ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر، أحكام أهل الذمة ، (2/728)
[34] حسين، بتول، مفهوم الدولة وأركانها في الفكر الإسلامي المعاصر، مجلة العلوم السياسية، ص150 .
[35] شاهد: القرضاوي، مدنية الدولة الإسلامية، برنامج الشريعة والحياة على اليوتيب
[36] القرضاوي، الحل الإسلامي فريضة وضرورة، مؤسسة الرسالة- بيروت، 1974، ص 74
[37] القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص 30
[38] القرضاوي، دولة مدنية مرجعيتها الإسلام…كيف؟ ،
موقع القرضاوي https://www.al-qaradawi.net/node/2969
[39] نفس المرجع
[40] القرضاوي، من فقه الدولة في الإسلام، ص 31
[41] الأنصاري، أحمد بوعشرين، مفهوم الدولة المدنية في الفكر الغربي والإسلامي، دراسة مقارنة لبعض النصوص التأسيسية، المبحث العربي للأبحاث ودراسة السياسيات 2014 م، ص 20 .
[42] القرضاوي، يوسف، من فقه الدولة في الإسلام،
[43] القرضاوي، دولة مدنية مرجعيتها الإسلام…كيف؟ ،
موقع القرضاوي https://www.al-qaradawi.net/node/2969
[44] رواه ابن سعد في الطبقات (5/340)، والدارمي في المقدمة (433)
[45] القرضاوي، دولة مدنية مرجعيتها الإسلام…كيف؟ ، موقع القرضاوي الإلكتروني
[46] الغزالي، محمد، (من هنا نعلم)، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط2 سنة 1998، ص 27 – 29
[47] البخاري، الصحيح، كتاب الجهاد والسير (رقم الحديث 2955)
[48] القرضاوي، دولة مدنية مرجعيتها الإسلام…كيف؟ ، موقع القرضاوي الإلكتروني
https://www.al-qaradawi.net/