الاتجاه الاجتماعي في التفسير: الإصلاح التربوي عند ابن عاشور ورشيد رضا وابن باديس أنموذجا
دة.جهاد اسماعيلي
الاتجاه الاجتماعي في التفسير:
الإصلاح التربوي عند ابن عاشور ورشيد رضا
وابن باديس أنموذجا
دة.جهاد اسماعيلي
بسم الله الرحمن الرحيم، نحمدك اللهم حمدا يليق بجلالك ونشكرك شكرا يوافي نعمك، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ونشهد أن سيدنا محمدا عبدك المرتضى ونبيك المجتبى ورسولك المصطفى صلوات الله عليه وسلامه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين
أما بعد،
إن التنظيم المثالي للمجتمع الإسلامي المبني على التكافل والبذل والصدق والصلاح لن يستقيم دون الرجوع للمنبع الصافي للقيم وهو القرآن. إذ العودة إلى القرآن ستمكننا من الالتقاء بالنموذج المثالي للحياة الجماعية التي غابت عن حياتنا ولم تبق حية إلا في ثنايا النصوص الشرعية.
وبما أن قيمة كل حضارة تتحدد انطلاقا من معاملتها لضعفائها (الأطفال، اليتامى، الفقراء، المستضعفون) فإن الإحصاءات ستكذبنا إن ادعينا حاليا تحقيق إنجازات في هذا المجال. لكن النموذج الاسلامي المبتغى والنداء الإلهي يرسمان لنا الأفق ويدلان على الطريق الموصلة إلى حياة جماعية أفضل وأعدل.
وفي هذا السياق عكف المفسرون على بلورة اتجاه تجديدي يقوم على قراءة اجتماعية تربوية للنص القرآني، غايته إصلاح الفرد وإحياء الأمة.
ومنه تتجلى أهمية الموضوع في كونه يسعى إلى فهم الأسس القرآنية التي اعتمدها هؤلاء المفسرون المصلحون في مشروعهم التربوي، وكيف وظفوا التفسير في صياغة مقاربات جديدة للتعليم، تقوم على تنمية العقل وترسيخ القيم الأخلاقية وبناء الوعي الاجتماعي الرشيد، بالإضافة إلى تأكيد قدرة النص الشرعي على أن يصبح أداة إصلاح حضاري يربط التربية بالواقع الاجتماعي ومتغيراته.
هذا ويحاول البحث الإجابة عن الإشكالية المركزية التالية:
ما هي الآليات التي اعتمدها التفسير الاجتماعي في ترسيخ خطاب تربوي إصلاحي، وكيف تجسد هذا الخطاب في المعالم المنهجية والرؤى التطبيقية عند كل من ابن عاشور ومحمد رشيد رضا وابن باديس، في سياق يراعي مقتضيات الواقع المجتمعي وتطلعاته التنموية، ويستنير بالمرجعيات المقاصدية للقرآن الكريم؟
كما تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف التالية:
- الكشف عن الدور الإصلاحي للتفسير في تجديد الفكر التربوي الإسلامي.
- استجلاء المقاربات التربوية للمفسرين موضوع الدراسة.
- استنباط الدروس التربوية التي تجمع بين أصالة المبدأ ومعاصرة الفكر.
- وقد بني البحث وفق منهجية علمية تقوم على الاستنباط والتحليل:
- استخلاص المضامين التربوية من تفاسير التحرير والتنوير والمنار ومجالس التذكير وتحليلها لاستنباط معالم الإصلاح التربوي الكبرى لديهم.
وبالتالي تقوم خطة البحث على المحاور التالية:
مقدمة
المبحث الأول: الاتجاه الاجتماعي في التفسير ومبررات قيامه
المبحث الثاني: الإصلاح التربوي في التفسير
المطلب الأول: جهود ابن عاشور في الإصلاح التربوي
المطلب الثاني: جهود رشيد رضا في الإصلاح التربوي
المطلب الثالث: جهود ابن باديس في الإصلاح التربوي
المبحث الثالث: خلاصات منهجية للإصلاح التربوي
خاتمة
المبحث الأول: الاتجاه الاجتماعي في التفسير ومبررات قيامه
إن عِلْمُ التفسير كما عرفه صاحب البرهان هو «علم يُفهم به كتاب الله المنـزل على نبيه محمد، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه»[1]، وقال الأصبهاني: «اعلم أن التفسير في عُرف العلماء: كَشْف معاني القرآن، وبيان المراد أعمّ من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر وبغيره»[2] وبتأملنا لتعريف العلماء للتفسير نجد مداره على بيان المراد من كلام الله سبحانه، وبهذا المعنى يمكن أن نعدّ كلّ ما يمكن أن يحصل به هذا البيان تفسيرًا، وبالتالي يتّسع ليشمل الاتجاه الاجتماعي في التفسير.
وهذه الحركة التفسيرية إنما نشأت عن التطور الاجتماعي والعلمي وسعيها لمواكبة الفكر الاسلامي له وضبطه وإصلاح ما شاب منه. فكان هدفها كما قال الشرقاوي هو: “العثور على معيار إسلامي تستطيع به ثقافتنا الأصيلة الحكم على القيم الجديدة الوافدة والاستفادة منها في غير جمود”[3] من خلال العمل على فتح باب الاجتهاد. ثم “فهم الكتاب من حيث هو دين رشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة، فإن هذا هو المقصد الأعلى منه، وما وراء هذا من المباحث تابع له، وأداة أو وسيلة لتحصيله”[4] كما قال رشيد رضا.[5]
فمن أهمّ مبررات قيام اتجاه اجتماعي للتفسير، المساحة الواسعة التي تغطيها القضايا الاجتماعية والأحكام التي تضبطها في القرآن الكريم، ويلحق بذلك الأمثال والقصص والسنن وغيرها، مما يشكّل منجمًا زاخرًا بالمعارف الاجتماعية من شأنه أن يفتح ميدانًا واسعًا للتفكير الاجتماعي في القرآن الكريم.
حين نبحث هذا المجال في القرآن الكريم نقف على آفاق واسعة تكشف عن نواميس الاجتماع الثابتة وسننه المطردة، ومعرفة الأصول التي تقوم عليها الجماعات والوسائل التي تحفظ وجودها وتضمن ارتقاءها، أو تَفْصِم عُرَى ترابطها، على الوجه الذي بيَّنه القرآن الكريم، وقد تمكننا أيضًا من معرفة منهج القرآن في تطوير المجتمع واستئصال آفاته، والمبرّر لذلك كلّه كون القرآن لصيقًا بالظاهرة الإنسانية والاجتماعية؛ إذ القرآن في مجمله إما حديث عن الإنسان أو حديث إليه.
ومن بين ما حجب القرآن عن الناس في بُعده الاجتماعي هيمنة النظرة الفقهية بمعناها الضيّق. إنّ المساحة التشريعية في القرآن مساحة مقدّرة لكنها ليست كلّ المساحة، ومن ثم صار من اللازم الكشف عن مواطن وآفاق وأبعاد الرؤية القرآنية في المسائل الاجتماعية، وكذا عن السنن والقوانين الموصلة إلى إدراك مقوِّمات التسخير التي تحقق عمارة الأرض وتمكِّن من القيام بأعباء الاستخلاف، وهذه كلّها عناصر تخصّ بناء الإنسان كمَحَلٍّ للأحكام الشرعية التي جاءت ثمرة لوجوده؛ ومن أجل الكشف عن مواطن الرؤية القرآنية في المسائل الاجتماعية كان الاتجاه الاجتماعي في التفسير.
ويمتاز تناول القرآن للقضايا الاجتماعية بكلّ ما تمتاز به منهجيته الفريدة التي تتسم بالدّقة والشمولية؛ ففي القرآن أمرٌ بالتفكّر في أحوال المجتمعات البشرية، وفيه أيضًا حديث عن كثير من السنن الاجتماعية، وفي القرآن أيضًا أمثلة تتحدّث عن أشكال متعددة للمجتمعات البشرية، فيكون قد اجتمع لنا بذلك الأمرُ بالبحث في المجال الاجتماعي، والإرشادُ إلى سننه الضابطة، ثم تقديمُ تصنيفٍ بشأن المجتمعات البشرية.
المبحث الثاني: الإصلاح التربوي في التفسير
إن صلاح الأمة يبدأ بصلاح الفرد كما دل على ذلك قول ابن عاشور: “إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان من كليات دلائلها ومن جزئياتها المستقرة أن المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان”[6].
ومعلوم أن التربية على القيم تمثل أقوى أساليب إصلاح الإنسان، فما دام المقصد الأعظم من الشريعة كما يقول ابن عاشور: “هو جلب الصلاح ودرء الفساد”[7] وأن “ذلك يحصل بإصلاح حال الإنسان ودفع فساده”[8] وبما أن الإسلام، كما يقول: “عالج صلاح الإنسان بصلاح أفراده الذين هم أجزاء نوعه، وبصلاح مجموعه وهو النوع كله”[9]، فإن صلاح الإنسان وإصلاحه إنما يتم في الأصل بالتربية والتعليم.
ولا يتأتى هذا إلا باتباع برنامج خاص للتربية على القيم مستمد من المنهاج القرآني والنبوي. ولا ريب أن هذه مسؤولية كبيرة للأمة في إعداد الأفراد والجماعات على هدى هذا المنهج. وهي مسؤولية تبدأ من الفرد إلى الأسرة وأنظمة الدولة المختلفة الإعلامية والسياسية والتعليمية.
ولذلك فإن التربية على القيم هو عمل أصيل من الأعمال التي ينبغي أن تقوم بها برامجنا التعليمية، ومقصد أساسي من مقاصد النظام التعليمي، بل به يمكن أن تقاس درجات نجاح المؤسسات التعليمية في مهامها. فلم يعد الحديث عن أزمة التعليم والتربية والتكوين أمرا يحتاج إلى تدليل أو تعليل، فقد تكاثرت الدراسات والتقارير التي ترصد الأزمة وتبين عللها وأسبابها، بل إن مجرد مشاهدة الواقع المعيش تغني في إدراك ذلك عن كل تقرير ودراسة.
ومن نافلة القول أيضا الإشارة إلى أن أزمة التعليم أزمة مركبة ومعقدة ولا يمكن تبسيطها بردها إلى سبب واحد، لكن كثيرا من مظاهرها تشير إلى أزمة قيمية مستحكمة، فكثير من المظاهر التي يتحدث عنها الناس في التعليم من قبيل: العنف والغش والإخلال بالأمانة وسوء التدبير والتهافت على طلب المسؤوليات دون أهلية حقيقية، كلها مظاهر أخلاقية وقيمية لأزمة تنخر المؤسسات التعليمية.
يقول د.عبد الجليل هنوش: ” إن إدماج القيم في نظامنا التعليمي يحتاج وضع ميثاق أخلاقي يشمل ثلاثة جوانب متكاملة: أخلاق المتعلم، وأخلاق المعلم، وأخلاق التدبير الإداري التربوي.[10]“
وقد حرص المفسر على تقديم ذلك النموذج والميثاق الأمثل لإصلاح التربية والتعليم، وفيما يلي بسط لبعض القضايا التي تناولوها بالدرس والبيان والتحليل المفضي إلى حلول ونتائج علمية ميدانية ناجعة.
المطلب الأول: زوايا من جهود ابن عاشور في الإصلاح التربوي
لقد كان ابن عاشور يركز -عند تفسيره للآيات القرآنية- على الجانب العملي لمعناها، والإيحاءات الحية التي تقود العاملين في طريق الدعوة والإصلاح، ولهذا نراه يركز كثير ا في تفسيره للآيات القرآنية على مقاصدها الشرعية، وبيان أثرها في النفس والسلوك والحياة على مستوى الفرد والمجتمع، وهذا ما يبين لنا البعد التربوي في تفسيره رحمه الله.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى نرى بعدا تربويا آخر حيث عالج ابن عاشور قضايا تربوية عديدة ومتنوعة، فقد ركز على جوانب أساسية في تربية الشخصية المسلمة، شملت التربية العقائدية، والتربية الأخلاقية، والتربية الاجتماعية[11].
وهذه بعض القضايا والمفاهيم التي تناولها ابن عاشور في تفسيره، تبين بعض جوانب الإصلاح التربوي عنده:
- مفهوم التربية ومفهوم التعليم عند ابن عاشور:
للتربية عند ابن عاشور معان عدة، منها: “تبليغ الشيء إلى كماله تدريجا”[12]، وفي أصول الأخلاق أن التربية الصحيحة في نظر ابن عاشور هي التي تأتي إلى النفوس بالحيلولة بينها وبين خواطر الشرور؛ لأن الشرور إذا تسربت إلى النفوس تعذر أو عسر اقتلاعها منها، وكانت الشرائع تحمل الناس على متابعة وصاياها بالمباشرة، فجاء الإسلام يحمل الناس على الخير بطريقتين: طريقة مباشرة، وطريقة سد الذرائع الموصلة إلى الفساد، وغالب أحكام الإسلام من هذا القبيل، وأحسبها أنها من جملة ما أريد بالمشتبهات في حديث: “إن الحلال ب ن، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس”[13]“[14].
والتعليم عنده: “مبالغة في إيصال العلم إلى المعلَم لأن صيغة التفعيل تقتضي قوة في حصول الفعل كالتفريق والتفسير، يقال: أعلمه وعلمه كما يقال: أنبأه ونبأه.”[15].
وإذا وقفنا عند قوله تعالى: ﴿قلُ إصْلاح لهمُ خيْر﴾ وتأملنا في هذا التعبير القرآني وما يحمله من معان تربوية عظيمة، فسيتضح لنا كيف أطلق الله عز وجل لفظ الإصلاح ولم يقيده؛ ليشمل جميع جوانب الإصلاح، لا خصوص إصلاح ذواتهم فقط، وهذا ما أشار إليه ابن عاشور في تفسيره بقوله: “جميع الإصلاح، لا خصوص إصلاح ذواتهم، فيشمل إصلاح ذواتهم وهو في الدرجة الأولى، ويتضمن ذلك إصلاح عقائدهم وأخلاقهم بالتعليم الصحيح والآداب الإسلامية ومعرفة أحوال العالم، ويتضمن إصلاح أمزجتهم بالمحافظة عليهم من المهلكات والأخطار والأمراض وبمداواتهم، ودفع الأضرار عنهم بكفاية مؤنهم من الطعام واللباس والمسكن بحسب معتاد أمثالهم، دون تقتير ولا سرف، ويشمل إصلاح أموالهم بتنميتها وتعهدها وحفظها[16].
هذا فيما يخص حال المنظومة التعليمية وجوهرها التي لابد أن تؤدي الغرض منها وهو: التربية الأخلاقية العقدية ثم المبالغة في إيصال العلم والمعلومة على أكمل وجه.
- قضية أبا التربية يكسب خلقه وصلاحه مرباه.
فعند تفسيره لقوله تعالى:﴿ وأَنبْتها نباتا حسنا وكفلها زكريا﴾ يبين ابن عاشور دور المربي ومدى تأثيره في الآخرين وتأثرهم به فيقول: “ومعنى: وأنبتها نباتا حسنا: أنشأها إنشاء صالحا، وذلك في الخلق ونزاهة الباطن، فشُبه إنشاؤها وشبا بُها بإنبات النبات الغض على طريق الاستعارة…[17] عد هذا في فضائل مريم؛ لأنه من جملة ما يزيد فضلها؛ لأن أبا التربية يكسب خلقه وصلاحه مرباه.
- قضية تغيير أساليب التعليم:
يقول الدكتور مصطفى عاشور في ترجمة صاحب التفسير: “ورأى أن تغيير نظام الحياة في أي من أنحاء العالم يتطلب تبدل الأفكار والقيم العقلية، ويستدعي تغيير أساليب التعليم. وقد سعى الطاهر إلى إيجاد تعليم ابتدائي إسلامي في المدن الكبيرة في تونس على غرار ما يفعل الأزهر في مصر، ولكنه قوبل بعراقيل كبيرة. أما سبب الخلل والفساد اللذين أصابا التعليم الإسلامي فترجع في نظره إلى فساد المعلم، وفساد التآليف، وفساد النظام العام؛ وأعطى أولوية لإصلاح العلوم والتآليف”[18].
وقال المهدي بن حميدة في ترجمته رحمه الله: “لقد شملت عناية الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور إصلاح الكتب الدراسية وأساليب التدريس ومعاهد التعليم”[19].
- اتباع المنهج القرآني في التعليم:
ينتقد ابن عاشور المناهج التي تعتمد على التراث دون تجديد، ويدعو إلى تطوير المناهج لتشمل الجوانب البلاغية والعلمية الحديث، ومن ذلك الربط بين العلوم الشرعية والكونية في التعليم.
فيقول العلامة في تفسير قوله تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ) (الطارق: 5ــ7): “وَالنَّظَرُ: نَظَرُ الْعَقْلِ، وَهُوَ التَّفَكُّرُ الْمُؤَدِّي إِلَى عِلْمِ شَيْءٍ بِالِاسْتِدْلَالِ فَالْمَأْمُورُ بِهِ نَظَرُ الْمُنْكِرِ لِلْبَعْثِ فِي أَدِلَّةِ إِثْبَاتِهِ كَمَا يَقْتَضِيهِ التَّفْرِيعُ عَلَى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (الطارق: 4)… وأطنب في وصف هذا الماء الدافق لإدماج التعليم والعبرة بدقائق التكوين ليستيقظ الجاهل الكافر ويزداد المؤمن علما ويقينا. ووصف أنه يخرج من بين الصلب والترائب لأن الناس لا يتفطنون لذلك. والخروج مستعمل في ابتداء التنقل من مكان إلى مكان ولو بدون بروز فإن بروز هذا الماء لا يكون من بين الصلب والترائب. والصلب: العمود العظمي الكائن في وسط الظهر، وهو ذو الفقرات. والترائب: جمع تريبة، ويقال: تريب. ومحرر أقوال اللغويين فيها أنها عظام الصدر التي بين الترقوتين والثديين ووسموه بأنه موضع القلادة من المرأة”[20].
المطلب الثاني: زوايا من جهود رشيد رضا في الإصلاح التربوي
تناول محمد رشيد رضا قضية التغيير الاجتماعي والثقافي، ورأى أن الإصلاح التربوي هو الأساس لمواجهة تحديات العصر وتغيير الواقع القائم نحو الأفضل.
فقد كان الشيخ رشيد رضا من أشدِّ المنادين بأن يكون الإصلاح عن طريق التربية والتعليم، وهو في ذلك يتفق مع شيخه محمد عبده في أهمية هذا الميدان، “فسعادة الأمم بأعمالها، وكمال أعمالها منوطٌ بانتشار العلوم والمعارف فيها”.
وحدَّد “رشيد رضا” العلوم التي يجب إدخالها في ميدان التربية والتعليم لإصلاح شئون الناس، ودفعهم إلى مسايرة ركب العلم والمعرفة، مثل: علم أصول الدين، علم فقه الحلال والحرام والعبادات، التاريخ، الجغرافيا، الاجتماع، الاقتصاد، التدبير المنزلي، حفظ الصحة، لغة البلاد، والخط.
ومن قضايا التربية التي تنالها في تفسيره
- قضية التربية والتعليم التدريجي:
يقول محمد رشيد رضا: الأصل في هذه الخليقة أن الله تعالى خلق الإنسان جاهلا لا يعلم شيئا من ضروريات حياته، حتى إن غرائزه الخلقية أضعف من غرائز الحشرات والعجماوات، وجعل عماد أمره على التربية والتعليم التدريجي، ونصوص القرآن في هذا معروفة كقوله تعالى: (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) وآية الأمانة. والنص الصريح في هذه السورة قوله تعالى: (وَمَا يَتِّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) وقوله: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)[21].
- قضية أهمية التربية والتعليم في الوقاية من الفتن:
يقول صاحب تفسير المنار: كون الافتتان بالأموال والأولاد مدعاة لضروب من الفساد، فإن حب المال والولد من الغرائز التي يعرض للناس فيها الإسراف والإفراط إذا لم تهذب بهداية الدين، ولم تشذب بحسن التربية والتعليم، قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).[22]
المطلب الثالث: زوايا من جهود ابن باديس في الإصلاح التربوي
- قضية صلاح والأمة بصلاح العلماء وصلاح العلماء بصلاح التعليم
يقول ابن بادس: “لن يصلح المسلمون حتى يصلح علماؤهم؛ فإنما العلماء من الأمة بمثابة القلب، إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، وصلاح المسلمين إنما هو بفقههم الاسلام وعملهم له؛ وإنما يصل إليهم هذا على يد علمائهم، فإذا كان علماؤهم أهل جمود في العلم، وابتداع في العمل، فكذلك المسلمون يكونون. فإذا أردنا إصلاح المسلمين، فلنصلح علماءهم. ولن يصلح العلماء إلا إذا صلح تعليمهم. فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته، وما يتقبل من عمله لنفسه وغيره، فإذا أردنا أن نصلح العلماء فلنصلح التعليم. ونعني بالتعليم التعليم الذي يكون به المسلم عالما من علماء الإسلام، يأخذ عنه الناس دينهم”[23].
- قضية منهجية إصلاح البرامج التعليمية
يقول ابن باديس: ” ولن يصلح هذا التعليم إلا إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه، في مادته وصورته، فيما كان يعلم – صلى الله عليه وآله وسلم- وفي صورة تعليمه، فقد صح عنه- صلى الله عليه وآله وسلم- فيما رواه مسلم أنه قال: “إنما بعثت معلما… “[24].
- قضية الإصلاح الاجتماعي يبدأ بالتربية
يقول ابن باديس: “إن الذي نوجه إليه الإهتمام الأعظم في تربية أنفسنا، وتربية غيرنا هو تصحيح العقائد، وتقويم الأخلاق، فالباطن أساس الظاهر”[25].
وهو يعتبر أن العناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس، وإن صلاح الإنسان وفساده إنما يقاسان بصلاح نفسه وفسادها، مستشهداً بقول الله تعالى:”قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا” وهو على خلاف المدرسة الإصلاحية التي ترى أن الإصلاح ينبغي أن يبدأ بتغيير المؤسسات الاجتماعية، باعتبار أن الإنسان صار إلى ما صار إليه، نتيجة للعوامل البيئية، المختلفة. وهو لا يتطرف في هذا، ويرى أن إصلاح المؤسسات الاجتماعية لا بدَّ أن يتساوق وإصلاح النفس وتغييرها، ولكن ينبغي البدء بالإنسان، الأمر الذي تجعله المدرسة الأخرى متأخراً عن المسائل المادية. والوسيلة إلى تغيير الذات الإنسانية وتوجيهها، وإلى تحويل الباطن البشري، الذي هو العامل الأخلاقي الأساسي في كل إصلاح عند ابن باديس، إنما هي التربية.[26]“
ونختم هذا المبحث بقضية التكامل المعرفي التي تحدث عنها عبد الله عوينة في كتابه “اتجاهات التفسير بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري”، حيث قال ما نصه: “ولقد أدى انقسام التعليم في العالم الإسلامي، إلى تعليم ديني يدرس في المعاهد والجامعات الإسلامية، وتعليم غربي يدرس في المؤسسات التابعة للنظام الاستعماري، إلى خلق وتكوين طبقتين مختلفتين في الثقافة والتفكير، لهذا كانت الأهداف البتي يرمي دعاة الإصلاح بالغرب الإسلامي إلى تحقيقها تندرج بصفة عامة في إطار الحركة التربوية الإصلاحية لمدرسة التجديد الإسلامي قبلهم، والتي اتجه روادها أولا إلى التربية والتعليم والإصلاح الديني والاجتماعي، باعتباره الأساس الذي يبنى عليه تجديد الفكر الإسلامي، والتمكن من تجاوز عقبة التأخر والجمود قصد اللحاق بركب الحضارة العالمي، لهذا كانت الجهود كلها مركزة على هذا الجنب، من خلال انتقاداتهم اللاذعة لمناهج وطرق التدريس في معاهد التربية الإسلامية، مع إبراز وسائل وطرق إصلاحها، لأن بصلاحها يصلح المجتمع وبفسادها يفسد.[27]“.
المبحث الثالث: خلاصات منهجية للإصلاح التربوي
- أول خطوة في درب الإصلاح والتغيير هو إصلاح النفس البشرية، إذ صلاح الأمة يبدأ بصلاح الفرد.
- التربية لا تقتصر على مجرد تلقين الفرد العلوم والمعارف، بل تعني بناء الإنسان المسلم من كل جوانبه وفق مقتضى الشريعة الإسلامية.
- مشروع الإصلاح التربوي لا ينفك عن إصلاح جانبين هما إصلاح مادة التعليم ومضمون برامجه، وإصلاح حال من يتولى أمر التعليم.
- معيار نجاح المنظومة التربوية التعليمية هو إخضاعها لمقياس الشرع من خلال التربية الربانية والنبوية.
- التربية على القيم تأتي في مقدمة الغايات من التعليم التي أرشدنا إليها الخطاب القرآني.
- التكامل بين العلوم من المناهج التي يزيد بها النفع وتشمل بها المعرفة بشرط أن يكون الوازع الديني هو الإمام والمحرك لتحقيق الصلاح. وهو ما عبر عنه ابن باديس بالشمولية.
- تغيير أساليب التعليم والانفتاح على الأساليب الحديثية في غير جمود.
خاتمة:
يتبين من خلال هذه الدراسة أن جهود علماء ومفسري المنهج الاجتماعي تعتبر نماذج رائدة في توظيف التفسير لخدمة المشروع التربوي الإصلاحي إلى جانب المشاريع الاصلاحية الاجتماعية الأخرى وبالتالي التأسيس لرؤية تغييرية تستلهم مقاصد التشريع وتربطها بواقع الأمة في إطار مشروع حضاري كبير يسعى للامتثال لأمر الله عز وجل في الاستخلاف في الأرض على الوجه الذي يرضيه تعالى، ما شكل منعطفا حاسما في مسار علوم القرآن.
وبناء على ما سبق، تخلص هذه الدراسة إلى أهمية إعادة النظر في القضايا الاجتماعية وعلى رأسها التعليم من خلال تحقيق التوازن بين النص والواقع، وبين الأصالة والتجديد، وبين بناء الإنسان وإصلاح المجتمع.
أهم نتائج البحث:
- القرآن الكريم خطاب موجه لإصلاح شؤون الناس في جميع المناحي بما في ذلك حياتهم الاجتماعية، لذلك وجب استقراء النصوص الشرعية لاستئصال الأدواء لكل الآفات والأزمات.
- ضرورة توظيف مقاصد الشريعة في فهم الآيات القرآنية، الشيء الذي يمكن من صياغة رؤية إصلاحية شاملة.
- إصلاح النفس والعقل بالتعليم يربي على مواجهة الفساد والاستبداد الاجتماعي والسياسي.
- اتفق المفسرون الثلاث على أن الإصلاح التربوي والاجتماعي عموما يبدأ بإصلاح الفرد بالرجوع إلى المنبع الصافي للتربية على القيم والأخلاق الفاضلة ـــ القرآن ـــــ.
- الاصلاح التربوي لا يتأتى عبر المناهج التقليدية فحسب بل يحتاج لتفسير يواكب قضايا العصر ويستشرف تطلعات المستقبل.
لائحة المصادر والمراجع:
- آثار ابن باديس لعمار الطالبي
- اتجاهات التفسير بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري لعبد الله عوينة
- البرهان في علوم القرآن لأبي عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي
- تفسير التحرير والتنوير لمحمد الطاهر ابن عاشور
- تفسير المنار لمحمد رشيد رضا
- تفسير مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير لعبد الحميد ابن باديس
- صحيح مسلم
- مقاصد الشريعة الإسلامية لمحمد الطاهر بن عاشور
- ملامح الإصلاح التربوي في تفسير ابن عاشور للدكتور ناجي فرج التكوري
[1] البرهان في علوم القرآن لأبي عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي (ت 794 هـ)، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم ، الطبعة: الأولى، 1957م، الناشر: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى الحلبي وشركائه ، 1/13.
[2] الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي، دار الكتب مصر، 4/167ـــ168.
[3] قضايا إنسانية في أعمال المفسرين، عفت الشرقاوي، الناشر دار النهضة العربية للطباعة والنشر والتوزيع، تاريخ النشر 01 يناير 1980. ص82.
[4] تفسير المنار، لمحمد رشيد رضا، الناشر دار النوادر للنشر والتوزيع، تاريخ النشر 01يناير 2013، 1/17.
[5] اتجاهات التفسير بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري لعبد الله عوينة، الناشر مركز الدراسات القرآنية الرابطة المحمدية للعلماء الرباط المغرب، ص58.
[6] مقاصد الشريعة الإسلامية لمحمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي، المحقق: محمد الحبيب ابن الخوجة، الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، عام النشر: 2004. 3/194
[7] مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور 3/197
[8] نفسه 3/197
[9] نفسه 3/197
[10] https://www.arrabita.ma 09/11/2012 التربية على القيم وإصلاح التعليم.. رؤية مقاصدية
[11] ملامح الإصلاح التربوي في تفسير ابن عاشور للدكتور ناجي فرج التكوري، مجلة أصول الدين، العدد الثالث. ص71
[12] التحرير والتنوير، 1/166
[13] أخرجه مسلم في: صحيحه، كتاب: المساقاة، باب: أخذ الحلال وترك الحرام، رقم الحديث1559، 3/1219.
[14] التحرير والتنوير، 2/196.
[15] التحرير والتنوير، 26/268.
[16] التحرير والتنوير، 1/356
[17] التحرير والتنوير،3/235
[18] التحرير والتنوير،ترجمة صاحب التفسير
[19] التحرير والتنوير،ترجمة صاحب التفسير
[20] التحرير والتنوير،30/261ـــ262
[21] تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) لمحمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني: الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب: سنة النشر: 1990/. 11/414.
[22] تفسير المنار 10/122.
[23] مجالس التذكير من حديث البشير النذير لعبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي، الناشر: مطبوعات وزارة الشؤون الدينية
الطبعة: الأولى1983م. ص341.
[24] مجالس التذكير من حديث البشير النذير، لابن باديس، ص341
[25] تفسير الآية 84ــ85 من سورة الإسراء
[26] آثار ابن باديس إعداد وتصنيف: عمار الطالبي، الناشر: الشركة الجزائرية – الجزائر الطبعة: الأولى، 1968م. 1/101
[27] اتجاهات التفسير بالغرب الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري لعبد الله عوينة ص70ــــ71