منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منهج ابن حزم في التعامل مع السنة وأثر ذلك على اجتهاده الفقهي

 عبد الكريم بوداود

0

 منهج ابن حزم في التعامل مع السنة

وأثر ذلك على اجتهاده الفقهي

الباحث:

 عبد الكريم بوداود

 

 

الملخص:

يُعدّ الإمام ابن حزم الأندلسي من الأعلام الذين تميّزوا بقوة الشخصية العلمية، وامتلاك أدوات نقدية رصينة، مكنته من تأسيس منهج أصولي وفقهي متفرّد، جعل منه مجددًا في عصره. وقد برزت خصوصية مشروعه العلمي بشكل واضح في منهجه في فهم السنة النبوية، الذي أسّس فيه لاجتهاد نصي صارم، يرفض إعمال الرأي والقياس والتعليل، ويعتمد ظاهر النصوص الشرعية وظاهر اللغة في استنباط الأحكام. كما رفض التقليد والجمود، داعيًا إلى فتح باب الاجتهاد وفق ضوابط دقيقة. هذا البحث يتناول بالدراسة والتحليل منهج ابن حزم في فهم السنة النبوية، ويكشف عن سماته التجديدية، ومدى التزامه بخصوصيات منهجه في التعامل مع النصوص، باعتبارها الأصل الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم. ويسعى إلى إبراز مساهمته في ترسيخ اجتهاد نصي متكامل، يروم العودة بالنصوص إلى دلالاتها الأصلية، بعيدًا عن التأويلات المتكلفة.

الكلمات المفتاحية:

ابن حزم، السنة النبوية، المنهج الظاهري، الاجتهاد، القياس، التعليل، أصول الفقه، التجديد الأصولي.

 

Abstract:

Imam Ibn Hazm of al-Andalus stands out as a distinguished scholar characterized by a strong critical personality and rigorous methodological tools, enabling him to establish a unique jurisprudential and usūlī framework that positioned him as a reformer of his time. His distinct scholarly contribution is particularly evident in his methodology for understanding the Prophetic Sunnah, wherein he upheld a strict textualist approach, rejecting analogical reasoning, personal opinion, and legal causation. Instead, he relied solely on the apparent meanings of scriptural texts and linguistic conventions in deriving rulings. Moreover, Ibn Hazm rejected blind imitation and intellectual stagnation, advocating for the revival of independent reasoning under precise scholarly principles. This study analyzes Ibn Hazm’s methodology in interpreting the Sunnah, highlighting its innovative features and the extent of his commitment to its distinct foundations, considering Sunnah as the second primary source of Islamic legislation after the Qur’an. The research seeks to clarify his role in establishing a consistent, text-based legal reasoning tradition.

Keywords:

Ibn Hazm, Prophetic Sunnah, Ẓāhirī Methodology, Ijtihad, Qiyas, Legal Causation, Usul al-Fiqh, Jurisprudential Renewal.

مقدمة:

يعد ابن حزم[1] من الأئمة الذين توافرت فيهم المؤهلات العلمية، والمواهب العقلية التي جعلت منه الأصولي البارع، وذلك راجع إلى قوة إرادته، وصدق سعيه، وإخلاصه في طلب العلم. الأمر الذي لا يخفى على كل من اطلع على كتاباته، وتتبع مواقفه وأراءه. ومن أهم المعالم التي ميزت ابن حزم؛ منهجه في فهم السنة النبوية، والتي كان لها الأثر البليغ على الفقه الحزمي الظاهري، كما تفرد في منهجه الأصولي والفقهي حتى عده الكثير مجدد عصره، ويرجع ذلك إلى قوة شخصيته العلمية الناقدة والسابرة لكل ما ينقل ويروى في كثير من الفنون والعلوم سواء ما كان منها مطلوبا لذاته كعلم الفقه والحديث والتفسير، أو كان خادما لغيره كعلوم العربية، مما أهله إلى وضع منهج علمي رصين… فهو يرفض إعمال الرأي والقياس في فهم نصوص الشريعة واستنباط أحكامها، ومستغنيا عن ذلك بظاهر النصوص وظاهر اللغة؛ كما نأى بنفسه عن مسالك التعليل وتبرأ من إثبات العلة لشيء من الشريعة، واعتبر ذلك مخالفا لدين الله، وأنه من تلبيس إبليس، وقد صرح بذلك في الإحكام فقال: “القياس وتعليل الأحكام دين إبليس وأنه مخالف لدين الله تعالى، نعم ولرضاه ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القياس في الدين ومن إثبات علة لشيء من الشريعة وبالله تعالى التوفيق”[2]. الشيء الذي جعله يتفرد بنسق منهجي وفكري خاص..، وقد وضع أبو محمد لنفسه -منذ اعتزامه اعتناق المذهب الظاهري- منهجاً متكاملا تعززه غزارة اطلاعه، وحضور بديهته وقوة إقناعه وسلاسة أسلوبه، فرسم بذلك طريقاً واضحة المعالم، حاول الالتزام به ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، بيد أن ميزة ابن حزم لم تكتف وتقف عند حد وضع منهج جديد في استنباط الأحكام فحسب، بل فتح باب الاجتهاد على مصرعيه لمن بعده، نابذا التقليد والجمود والاقتيات على آراء السابقين، فوضع لذلك قواعد ومبادئ قائمة على الدقة والاستقصاء والعلمية لكل من طلب من الشريعة حكما لنازلة تحل به، فكان منهجه نموذجا فريدا، ومدرسةً لها معالمها الخاصة، ونهجها المستقل في فهم كلام الله تعالى وتقرير معانيه.

فما هو منهج ابن حزم في فهم السنة النبوية؟ –باعتبارها الأصل الثاني من أصول الشريعة بعد كتاب الحق عز وجل- وما هي سماته التجديدية؟ وما مدى التزام أبي محمد بخصوصيات منهجه؟.

أولا: مكانة السنة ومرتبتها عند ابن حزم:

معلوم عند أهل العلم أن السنة مصدر تشريعي مستقل، فهي تأتي في الدرجة الثانية بعد كتاب الله عز وجل، فالمجتهد أو العالم يتوجه أولًا إلى كتاب الله تعالى لمعرفة حكمه في النازلة، فإن لم يجد فيه بغيته لجأ إلى السنة يطلب الحكم الشرعي ويستنبطه منها[3]. قال ابن مسعود “من عرض له منكم قضاء فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه – صلى الله عليه وسلم[4]. لكن ابن حزم يرى أن القرآن والسنة في مقام العلم بالشريعة في صعيد واحد، فلا يقدم أحدهما على الآخر، ولا يرده به، مستندا في ذلك إلى ظاهر قول الله عز وجل {يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا الرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله وليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا}(النساء59) ومعلقا بقول ” والقرآن والخبر الصحيح بعضهما مضاف إلى بعض وهما شيء واحد في أنهما من عند الله تعالى وحكمهما حكم واحد في باب وجوب الطاعة لهما”[5]، وعليه ينقسم الوحي عنده إلى قسمين: كلام متلو معجز، ومروي منقول غير معجز، والله تعالى “قد أوجب طاعة هذا الثاني كما أوجب طاعة القسم الأول الذي هو القرآن ولا فرق”[6]، وإذا قُدّم القرآن فلكونه الأصل الذي تثبت به السنة وتستمد منه قوتها، كما أنه من عند الله لفظا ومعنى ولكونه معجزا متعبدا بتلاوته. وبذلك كان عمدة الشريعة وعدتها وأساسها إلى جانب السنة التي شرحت مشكله، وفصلت مجمله، وخصصت عامه، وقيدت مطلقه، ولكونها وحيا من عند الله تعالى أيضا، قال سبحانه {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(النجم 3-4)، وبذلك تقرر عند ابن حزم أن السنة مصدر تشريعي مستقل وجب الأخذ بما جاءت به شأنها في ذلك شأن القرآن الكريم، فقد “أَمَرَ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَأَعَادَ الْفِعْلَ إعْلَامًا بِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ تَجِبُ اسْتِقْلَالًا مِنْ غَيْرِ عَرْضِ مَا أَمَرَ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ، بَلْ إذَا أَمَرَ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مَا أَمَرَ بِهِ فِي الْكِتَابِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَإِنَّهُ أُوتِيَ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ”[7] وهو قول الإمام الشافعي والإمام أحمد أيضا[8].

وقد أفصح عند ذلك في منظومته في أصول أهل الظاهر فقال:

وقُلْ لِرَسُولِ اللهِ: سَمْعًا وطَاعَةً إذَا قالَ قَوْلاً أَوْ تَيمّمَ مَقْصِدَا

أَوَامِرُهُ حَتْمُ عَلَيْنَا وَ نَهْيُهُ تُلافِيهِ بالإقْلاع عَنْهُ مُجَرَّدَا

وَسَوِّ كِتَابَ اللهِ بِالسُنَّةِ الَّتي أَتَتْ عَنْ رَسُولِ اللهِ تَنْجُو مِنَ الرَّدَى[9]

ثانيا: أقسام السنة عند ابن حزم:

أجمع الأصوليون على تعريف السنة أنها ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير[10]، إلا أنهم اختلفوا في حجية ودلالة كل قسم، فمنهم من حمل الأوامر والأفعال على الوجوب وهم أكثر المالكية والأحناف، ومنهم من جعل الحكم موقوفا على الأدلة والقرائن، فهي التي تصرف القول أو الفعل أو الإقرار النبوي إلى الوجوب أو الندب أو الإباحة…، وهو قول الشافعية وطائفة من المالكية والأحناف[11]. وقد ذكر ابن حزم أدلة كل فريق[12] وبين الصحيح والراجح منها وإن كان الجمهور على عدم التفريق بين القول والفعل والتقرير. إلا أن لأبي محمد رأيا في المسألة، فهو يحمل القول على الوجوب وما سواه من الأفعال والتقريرات على القدوة والتأسي، “قال أبو محمد وإنما حضنا الله تعالى في أفعاله عليه السلام على الائتساء به بقوله تعالى {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}(الأحزاب21) وما كان لنا فهو إباحة فقط لأن لفظ الإيجاب إنما هو علينا لا لنا… هذا الذي لا يفهم سواه في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى بما ألزمنا من شرائعه”[13]. ومن ذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما صلى خلع نعليه فوضعهما يساره فخلع القوم نعالهم فلما قضى صلاته قال ما لكم خلعتم نعالكم قالوا رأيناك خلعت فخلعنا قال إني لم أضعهما من بأس ولكن جبريل أخبرني أن فيهما قذرا وأذى فإذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه فإن كان فيهما أذى فليمسحه[14] قال أبو محمد ” فهذا عدل من الصحابة أبو سعيد الخدري شهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم التزام مماثلة أفعاله فبطل كل تعلل بعد هذا وصح ألا يلزم إلا أمره عليه السلام[15]“. ويقول ” وَأَفْعَالُ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَيْسَتْ فَرْضًا إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا بَيَانًا لِأَمْرٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ أَمْرٌ، لَكِنَّ الِائْتِسَاءَ بِهِ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – فِيهَا حَسَنٌ”[16] وبهذا فالفعل للندب والتأسي لا للوجوب واللزوم، اللهم إلا ما تعلقت به قرينة تصرفه إلى الوجوب كفعله في الصلاة والحج فقد تعلق بالأمر في قوله صلى الله عليه وسلم “صلوا كما رأيتموني أصلي”[17] وقوله عليه الصلاة والسلام “خذوا عني مناسككم”[18] وعليه قال “جميع أصحاب الظاهر ليس شيء من أفعاله عليه السلام واجبا وإنما ندبنا إلى أن نتأسى به عليه السلام فيها فقط”[19] فصح عنده أن فعله عليه السلام كله إباحة وندب لا إيجابا إلا ما كان منه بيانا لأمر.

أما إقراره صلى الله عليه وسلم فمحمول على الإباحة عند ابن حزم، يقول في منظومة أصول الفقه الظاهري:

وأَفْعَالُهُ اللائِي تُبَيَّينُ وَاجِبًا… مِنَ اللهِ فَاحْمِلْهَا عَلَيْهِ وَماَ عَدَا

على أُسْوة لا زِلْتُ مَؤْتَسياً بِهِ… وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ وَالسَعَيدُ مَنْ اقْتَدَا

وَإِقْرَارُهُ الأَفْعَالَ مِنْهُ إِبَاحةٌ… لَهاَ فَمُحَالٌ أَنْ تُقِّرَ مَنْ أَفْسَدَا[20]

ثالثا: أنواع الحديث عند ابن حزم:

ينقسم الحديث النبوي الشريف إلى أقسام عدة باعتبارات مختلفة، فمن حيث السند ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

  • المتواتر: وهو الذي رواه جمع عن جمع من أوله إلى منتهاه يستحيل تواطؤهم على الكذب
  • والمشهور: هو الذي رواه جمع لم يبلغ حد التواتر
  • والأحادـ: هو الذي رواه واحد أو الاثنان ولم تتوفر فيه شروط المشهور ولا المتواتر وهو أغلب السنة وأقسامه متعددة: صحيح لذاته، وصحيح لغيره، وحسن لذاته وحسن لغيره، وضعيف وهذا الأخير أنواع وأقسام، كل ذلك حسب الشروط المعتبرة عند المحدثين.

 وينقسم من حيث القبول والرد: إلى حديث مقبول معمول به، وإلى ضعيف لا يعمل به، ولكل منهما شروط واعتبارات مع اختلافات بين أهل العلم.

لكن الإمام ابن حزم قد نأى بنفسه عن كل هذه التفريعات والأقسام: فهو يرى أن الحديث إما صحيح مقبول معمول به، وإما ضعيف متروك لا يعمل به وليس بين القسمين منزلة ثالثة. وإن كانت له تعليقات وآراء على كل الأقسام.

يطلق ابن الحزم الحديث الصحيح المعمول به على: كل حديث توافرت فيه شروط الصحة المعتبرة عنده، فهو يوافق الجمهور في اتصال السند وعدالة الرواة والضبط يقول: “إذا روى العدل عن مثله كذلك خبرا حتى يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم فقد وجب الأخذ به ولزمت طاعته والقطع به”[21] فهو بهذا يؤكد شرط اتصال السند من أوله إلى أن يبلغ به المسند رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما إذا وقع فيه سقط أو انقطاع أو ارسال فهو مردود عنده جملة دون استثناء، وسيأتي بيان ذلك بعد حين، كما يؤكد شرط عدالة الراوي وثقته، “والعدل هو القيام بالفرائض واجتناب المحارم والضبط لما روى وأخبر به”[22] وعليه “فكل ما نقله الثقة عن الثقة مبلغا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرآن أو سنة ففرض قبوله والإقرار به والتصديق به واعتقاده والتدين به”[23].

وهنا وقفة فالراوي العدل عنده قسمان: راو عدل متفقه و “التفقه انما هُوَ الْفَهم والتدبر فِيمَا حمله من الْآمِر الشَّرْعِيّ”[24]، وهذا تقبل روايته ونذارته –إذا اتصل سنده- “فالفقيه العدل مقبول في كل شيء”[25] كما جاء في قول الله تعالى {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة122) فالآية تضع للنذارة شرط التفقه فيما ينذر به، وراو غير متفقه، فهذا تقبل روايته دون نذارته أي نأخذ منه ما نقله بنصه دون الأخذ بفهمه لما نقل.

كما يفنِّد ابن حزم قول من قال بعدد معين في حد التواتر، حيث أن هناك من اشترط للتواتر أن يشتهر الحديث بين أهل المشرق والمغرب، وهناك من قال برواية الألف، ومنهم من قال بأكثر من ثلاث مائة وأربعة عشر قياسا على أهل بدر ومنهم من قال بأكثر من اثني عشر أخذا بالعدد الذي تقام به الجمعة إلى غير ذلك من الأقوال، وكل ذلك لا حجة لهم فيه عند أبي محمد وعمدته في ذلك أدلة كثيرة نذكر بعضها، فأولها الآية السابقة حيث نصت على البعض دون الكل فقال سبحانه {من كل فرقة منهم طائفة}، أضف إليه أن لفظ الطائفة في لغة العرب يحمل على الواحد كما يدل على الألف وأكثر دون حصر عدد بعينه، فإذا كان عدد الفرقة ثلاثة فالواحد طائفة منهم وإذا كانت الفرقة أعداد يصعب حصرها فالألف منهم طائفة، وبهذا تقرر عدم دلالة الطائفة على عدد معين[26]، كما يستدل ابن حزم بالفعل النبوي في بعثة الرسل إلى الملوك والقبائل المجاورة لتبليغ الدين وتعليم الناس شريعة الله تعالى، فقد استعمل لذلك في الغالب أفرادا وكان ذلك حجة على من أرسل إليهم، إلى غير ذلك من الحجج والأدلة التي بثها – رضي الله عنه – في المحلى والإحكام والفصل.

 كما أنه لم يُعرف في عهد الصحابة أن توقف أحدهم عند خبر الواحد مما بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا سيما إذا كان ممن يشهد له بالفقه والعدالة والثقة، “فصح بهذا إجماع الأمة كلها على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد”[27].

أما شرط الضبط فقد عقد له فصلا خلص فيه إلى أن ” الْعدْل السيء الْحِفْظ لَا يجوز ان تقبل رِوَايَته”[28] ومن ثمة كان “خبر الواحد الثقة عن مثله مسندا حجة في الدين”[29] عنده.

وخالف في شرطي عدم الشذوذ والعلة؛ وقد اختلف علماء الحديث فيما يتعلق بشرط عدم الشذوذ، فمن قائل: “الشَّاذَّ حَدِيثٌ يَتَفَرَّدُ بِهِ ثِقَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ، وَلَيْسَ لِلْحَدِيثِ أَصْلٌ مُتَابِعٌ لِذَلِكَ الثِّقَةِ”[30] ومعنى ذلك أن يتفرد الثقة بحديث لم يسمع من غيره، ومنهم من عرف الشاذ أنه مخالفة الثقة غيره من الثقات أو من هو أوثق منه، قال الإمام الشافعي: “إِنَّمَا الشَّاذُّ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثًا يُخَالِفُ فِيهِ النَّاسَ” والناس، في قول الشافعي، هم الثقات، فكأنه يقول: “الشَّاذُّ مَا رَوَاهُ الثِّقَةُ مُخَالِفًا الثِّقَاتَ”[31]، وهو إذن لا يلاحظ مطلق التفرد، بل التفرد والمخالفة في آن واحد، إلا أنه لم يصرح بأن المخالفة للأولى أو الأوثق، وإنما هي مخالفة عامة للناس «الثِّقَات»، وهو قول ابن القيم وابن كثير وغيرهم من أهل العلم[32].

إلا أن شيخنا أبا محمد يرى أنه “إذا روى العدل عن مثله كذلك خبرا حتى يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم فقد وجب الأخذ به ولزمت طاعته والقطع به سواء أرسله غيره أو أوقفه سواه أو رواه كذاب من الناس وسواء روي من طريق أخرى أو لم يرو إلا من تلك الطريق وسواء كان ناقله عبدا أو امرأة أو لم يكن وإنما الشرط العدالة والتفقه فقط”[33]، كما أنه لا حرج عنده إن كان في الحديث زيادة في المتن أو السند ما دام الراوي ثقة ضابط مسند، وعليه فهو لا يشترط انتفاء الشذوذ في رواية المحدث لقبول خبره، أو سلامة الحديث من علة خفية، وهو ما يفسر لنا عدم تعليله الحديث بكثير من القوادح؛ التي يعلل بها المحدثون الأحاديث ويشترطون انتفاءها لقبول المرويات، لكن ما عليه الجمهور هو «مَا رَوَاهُ المَقْبُولُ مُخَالِفًا لِمَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ»[34]، وقد صرح الحافظ ابن حجر بأن هذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح.

يخلص أبو محمد إلى أن السنة محفوظة لا يصلها تحريف ولا تبديل شأنها شأن الكتاب قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر9) وقال تعالى: {قل إنمآ أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعآء إذا ما ينذرون} (الأنبياء45) فأخبر تعالى كما قدمنا أن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم كله وحي، والوحي بلا خوف ذكر والذكر محفوظ بنص القرآن فصح بذلك أن كلامه صلى الله عليه وسلم كله محفوظ بحفظ الله عز وجل، مضمون لنا أنه لا يضيع منه شيء؛ إذ ما حفظ الله تعالى فهو باليقين لا سبيل إلى أن يضيع منه شيء، فهو منقول إلينا كله فلله الحجة علينا[35]

رابعا: سمات التجديد في استنباط الأحكام من السنة النبوية عند ابن حزم:

بعد بيان منهج ابن حزم في التعامل مع السنة النبوية، بذكر مكانتها في التشريع، وتفصيل الكلام في أنواعها وأقسام الحديث، واستجلاء الشروط المعتبرة عنده لقبول الخبر، فإن ذلك خلف أثرا على اجتهاده الأصولي والفقهي، مما جعله يمتاز بمجموعة من الخصائص التي جعلت من منهجه ذا طابع تجديدي، وعليه سنذكر بعضا من ذلك:

  • حرصه الشديد على تعظيم النصوص دون تمييز بين القرآن الكريم والسنة النبوية.
  • قوله بعدم تعارض أدلة الحق، ومن ثمة ينفي وجود التعارض بين الآيات فيما بينها أو الأحاديث فيما بينها، أو حتى وجود تعارض بين الآيات والأحاديث، وأرجع ذلك إلى ضعف الدارس وقلة اطلاعه وتمكنه.
  • القول بما صح عنده من الأحاديث والآثار دون الركون إلى غيرها لإثبات مسألة معينة
  • الثبات والقوة في الرأي مع البرهان والاستدلال.
  • الحرص على التأصيل.
  • إنكاره التقليد ودعوته إلى الاجتهاد.
  • التوفيق بين التنظير والتطبيق وهو ما سنبينه من خلال بعض النماذج التطبيقية.
  • مناقشة أدلة المخالف وإثبات ما يراه فيها من أخطاء.
  • الاقتصار على ظاهر النصوص وما تحتمل لغة العرب دون قياس أو تعليل.

إلا أن هناك أمورا تعاب عليه وذلك من قبيل:

  • تجريح الكثير من الثقات بما فيهم بعض الصحابة وذلك راجع إلى جهله بأحوالهم.
  • حدة عبارته وميله إلى التجريح أكثر من التعديل.
  • إنكاره التأويل والقياس وتعليل الأحكام.

خامسا: نماذج تطبيقية لاجتهاد ابن حزم في فقه العبادات والمعاملات

  • هل ينقض النوم الوضوء:

رأي ابن حزم: وَالنَّوْمُ فِي ذَاتِهِ حَدَثٌ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا، فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ رَاكِعًا كَذَلِكَ أَوْ سَاجِدًا كَذَلِكَ أَوْ مُتَّكِئًا أَوْ مُضْطَجِعًا، أَيْقَنَ مَنْ حَوَالَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ أَوْ لَمْ يُوقِنُوا”[36]. ودليله ما صح عنده من طريق سفيان ابن عيينة إلى عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ «زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْت صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَنْ نَمْسَحَ عَلَى خِفَافِنَا وَلَا نَنْزِعَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ»[37]. فبدلالة هذا الحديث على عموم النوم دون تخصيص حالة معينة، ثم تسويته بالبول والغائط، ثبت عند ابن حزم انتقاض الوضوء بالنوم.

وذهب جماعة إلى القول بعدم بطلان الوضوء بالنوم مطلقا، واحْتَجوا ” بِالثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنْ «أَنَّهُ كَانَ يَنَامُ وَلَا يُعِيدُ وُضُوءًا ثُمَّ يُصَلِّي»[38]، وقد رد ابن حزم قولهم من وجوه، فأولها أنه من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفعل في منهج ابن حزم يفيد التأسي لا الوجوب إلا بقرينة تصرفه إليه ولا قرينة في هذا، كما أن هذا الحديث خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بما جاء عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي عليه السلام ” أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي” يعلق ابن حزم على هذا الحديث قائلا ” فَصَحَّ أَنَّهُ – عَلَيْهِ السَّلَامُ – بِخِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَصَحَّ أَنَّ نَوْمَ الْقَلْبِ الْمَوْجُودِ مِنْ كُلِّ مَنْ دُونَهُ هُوَ النَّوْمُ الْمُوجِبُ لِلْوُضُوءِ، فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ. وَلِلَّهِ الْحَمْد[39]“. وترجيحه الحديث من جهة الأفعال ينسجم مع منهجه في العمل بالسنة.

وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَنْ نَامَ نَوْمًا يَسِيرًا وَهُوَ قَاعِدٌ لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ وَكَذَلِكَ النَّوْمُ الْقَلِيلُ لِلرَّاكِبِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ نَحْوَ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ أَيْضًا، ومن جملة ما اعتمدوا عليه ذكرهم حَدِيثًا جاء فِيهِ “إذَا نَامَ الْعَبْدُ سَاجِدًا بَاهَى اللَّهُ بِهِ الْمَلَائِكَةَ”[40] وَهَذَا لَا شَيْءَ؛ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ لَمْ يُخْبِرْ الْحَسَنَ مِمَّنْ سَمِعَهُ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إسْقَاطُ الْوُضُوءِ عَنْهُ[41]، وعليه رد ابن حزم حجتهم لكون الحديث مرسلا والمرسل عنده لا عمل به وقد رأينا ذلك. كما اعتمدوا على أحاديث أخرى من طريق مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى و عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ حَرْبٍ وكلاهما عنده من الضعاف وإن وثق الترمذي عبد السلام وقال عنه ثقة حافظ[42].

  • مَسْأَلَةٌ التَّخْيِير فِي الْبَيْع:

رأي ابن حزم: أن “كُلُّ بَيْعٍ وَقَعَ بِشَرْطِ خِيَارٍ لِلْبَائِعِ، أَوْ لِلْمُشْتَرِي، أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا، أَوْ لِغَيْرِهِمَا: خِيَارَ سَاعَةٍ، أَوْ يَوْمٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ: فَهُوَ بَاطِلٌ”[43]. لكن الجمهور على جواز الشرط في البيع مع اختلاف بينهم في مدته، فأبو حنيفة يجيزه في مدة لا تتعدى ثلاثة أيام، وقال مالك وأصحابه بجوازه غير أن مدة الخيار عندهم تختلف حسب المحل، وأطلق قوم الخيار دون تحديد بشرط التراضي، وكل هذا باطل مخالف لشرع الله عند ابن حزم، وقد أبطل حجتهم بالنقل والعقل، فمما اعتمد عليه الجمهور في إثبات الخيار هو ما رواه قَتَادَة عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا وَيَأْخُذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْبَيْعِ مَا هَوِيَ أَوْ يَتَخَايَرَانِ ثَلَاثَ مِرَارٍ»[44] وقد رده ابن حزم لأن سمرة أرسله ولا علم لنا بالساقط من السند. وأن سمرة لم يسند إلا حَدِيث الْعَقِيقَةِ وَحْدَهُ. ومعلوم أنه لا حجة للمرسل عند ابن حزم.

كما اعتمدوا على ما روي عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَاَ يخْتَارُ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا وَيَمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا»[45] وقد قام ابن حزم بتمحيص هذا الخبر ليجد أن راويه همام قد وجد تتمة هذا الحديث في كتابه ولا علم له بها، ” قَالَ هَمَّامٌ: وَجَدْت فِي كِتَابِي «يَخْتَارُ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا وَيَمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا” وعليه فَإِنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ وَجَدَهَا فِي كِتَابِهِ، وَلَمْ يَلْتَزِمْهَا وَلَا رَوَاهَا، وَلَا أَسْنَدَهَا، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِهِ وَلَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ[46].

وقد اعتمدوا على عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: “الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ”[47] وهو حديث لا يصح عنده لأنه من طريق كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ “وَهُوَ مُطَّرَحٌ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِمَا رَوَى”[48].

إلا أن ابن حزم قد خالف مذهبه في قوله “فَإِنْ احْتَجَّ مَنْ يُجِيزُ بَيْعَ الْخِيَارِ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ»[49] فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْخِيَارَ مَا هُوَ، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ: اخْتَر”[50] فهنا يظهر جليا أخذ ابن حزم بتأويل ابن عمر اللهم إلا إذا كان تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم في خبر غيره ولم نقف على ذلك.[51]

وقد أثبت رحمه الله مذهبه وكان عمدته في نفيه الخيار قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ اشْتَرَطَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ»[52]. وبهذا وغيره من أدلة القرآن والعقل التي اعتمدها ابن حزم في دحض اجتهادات خصومه تقرر عنده صحة قوله.

 سادسا: نتائج البحث:

من خلال هذه الدراسة لبعض جوانب منهج ابن حزم في التعامل مع السنة يمكن أن نستخلص أهم قواعد ابن حزم الحديثية:

  • الحجة تقوم برواية الثقة.
  • زيادة الثقة مقبولة مطلقا.
  • لا يقبل الحديث إلا إذا كان مسندا، ولا حجية للمرسل والمنقطع وغيرهما مما لا يتصل سنده.
  • حجية المتواتر والآحاد وقبولهما في درجة واحدة.
  • عدم القول بالشذوذ أبدا. والشاذ عنده ما خالف الحق.
  • رد رواية كل من شك فيه أو ضعفت روايته عنده.

المصادر والمراجع:

  • الآمدي، علي بن محمد بن سالم (ت. 631هـ). الإحكام في أصول الأحكام.
  • البخاري، محمد بن إسماعيل (ت. 256هـ). صحيح البخاري.
  • الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن (ت. 255هـ). سنن الدارمي.
  • الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت. 748هـ). سير أعلام النبلاء.
  • الذهبي، محمد بن أحمد بن عثمان (ت. 748هـ). تذكرة الحفاظ.
  • الصالح، صبحي (ت. 1986م). علوم الحديث ومصطلحه.
  • الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم (ت. 548هـ). الملل والنحل.
  • النسائي، أحمد بن شعيب (ت. 303هـ). السنن الكبرى.
  • المناوي، عبد الرؤوف بن تاج العارفين (ت. 1031هـ). اليواقيت والدرر في شرح نخبة الفكر.
  • ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد (ت. 235هـ). المصنف.
  • ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله (ت. 463هـ). جامع بيان العلم وفضله.
  • ابن حبان البستي، محمد بن حبان (ت. 354هـ). صحيح ابن حبان.
  • ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد بن سعيد (ت. 456هـ). الإحكام في أصول الأحكام.
  • ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد بن سعيد (ت. 456هـ). المحلى بالآثار.
  • ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد بن سعيد (ت. 456هـ). النبذة الكافية في أحكام أصول الدين.
  • ابن حزم الأندلسي، علي بن أحمد بن سعيد (ت. 456هـ). نوادر ابن حزم.
  • ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر (ت. 751هـ). إعلام الموقعين عن رب العالمين.
  • الخطيب البغدادي، أحمد بن علي (ت. 463هـ). الفقه والمتفقه.
  • الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله (ت. 405هـ). معرفة علوم الحديث.
  • مسلم بن الحجاج القشيري (ت. 261هـ). صحيح مسلم.

[1] علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، أبو محمد (384هـ _456هـ)، شاعر وكاتب وفيلسوف وفقيه. ولد في مدينة قرطبة وكان يلقب القرطبي إشارة إلى مولده ونشأته.

اختُلف في نسبه، أينحدر من أصول فارسية أم من أصل أسباني أم هو عربي صميم النسب؟!. وعلى كلٍّ، فقد كانت أسرته من تلك الأسر التي صنعت تاريخ الأندلس.

عَمُرَت حياته في صباه بالدرس والتحصيل، فأخذ المنطق عن محمد بن الحسن القرطبي، وأخذ الحديث عن يحيى بن مسعود، وأخذ الفقه الشافعي عن شيوخ قرطبة، ونشأ شافعي المذهب ثم انتقل إلى المذهب الظاهري حتى عرف بابن حزم الظّاهري.

عانى ابن حزم من الفتنة التي شبت بقرطبة، وكتب متمثلاً تلك الفترة في كتابه طوق الحمامة في الألفة والأُلاف. ثم ترك قرطبة واستقر بمدينة ألمريّة، وكان مشغولاً بهاجس السياسة وإعادة الخلافة للأمويين. ولقي من جراء ذلك عذابًا كثيرًا؛ فظل يعاني النفي والتشريد بعيدًا عن قرطبة، ويحن للعودة إليها. ولما سقطت الخلافة الأموية نهائيًا بالأندلس وزالت دولة الأمويين، تفرغ ابن حزم للعلم والتأليف. فأثرى المكتبة العربية بمؤلفات مفيدة في مختلف فروع المعرفة من أشهرها: الفِصَل في المِلَلْ والأهواء والنِّحَل؛ طوق الحمامة؛ جمهرة أنساب العرب؛ نُقَطُ العروس؛ ورسالته في بيان فضل الأندلس وذكر علمائه؛ الإمامة والخلافة؛ الأخلاق والسير في مداواة النفوس والمحلّى بالآثار؛ الإحكام في أصول الأحكام.

يُعد ابن حزم درة في تاريخ الأندلس السياسي والفكري والأدبي، وقد عاش حياة مليئة بالمحن والمصائب، قضاها مناضلاً بفكره وقلمه، أكثر من أربعين عامًا، ولكن فقهاء عصره حنقوا عليه وألبوا ضده الحاكم والعامة، إلى أن أحرقت مؤلفاته ومزقت علانية بإشبيلية. توفي بقرية منتليشم من بلاد الأندلس. انظر كتاب تذكرة الحفاظ = طبقات الحفاظ للذهبي.

[2] الإحكام في أصول الأحكام، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت ٤٥٦ هـ)، تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر، ط1، 1985م، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ج8 ص 113.

1 وهو عمل أبي بكر وعمر وابن عباس ومعاذ وابن مسعود، انظر سنن الدارمي:1 ص 60، الملل والنحل للشهرستاني:ص197 الفقيه والمتفقه:2ص219 .

2 جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر يوسف بن عبد البر (ت 463 هـ)، تحقق: أبو الأشبال الزهيري، الطبعة: الأولى، 1414 هـ – 1994 م، دار ابن الجوزي – السعودية، ج2 ص848.

[5] الإحكام في أصول الأحكام، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ت456، قوبلت على الطبعة التي حققها: الشيخ أحمد محمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ج1 ص98.

[6] المصدر نفسه، ص97.

[7] إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (ت 751هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، الطبعة: الأولى1411هـ – 1991م، دار الكتب العلمية – ييروت، ج1 ص38.

[8] المصدر نفسه.

[9] نوادر الإمام ابن حزم “خرجها وعلق عليها أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى 1403ه- 198م، ج2 ص114.

[10] الإحكام في أصول الأحكام، علي بن محمد الآمدي، الطبعة: الثانية،1402 هـ، المكتب الإسلامي، (دمشق – بيروت)، ج1ص 169. المستصفى للغزالي، وإرشاد الفحول؛ للشوكاني صـ: 33.

[11] وممن قال بهذا من الشافعيين أبو بكر الصيرفي وابن فورك وهو قول سائر الشافعيين، الإحكام، لابن حزم، ج4 ص39، مصدر سابق.

[12] أنظر الإحكام لابن حزم، ج4 ص39-40-41-42-43-44.

[13] المصدر السابق، ج4 ص48.

1 صحيح ابن حبان، باب فرض متابعة الإمام ذكر الأمر لمن أتي المسجد للصلاة أن ينظر في نعليه ويمسح الأذى عنهما إن كان بهما الحديث (2185)، أخرجه الطيالسي (2268)، وابن سعد في «الطبقات» (1/ 413)، وابن حزم في المحلى 1/ 105.

[15] أنظر الإحكام لابن حزم، ج4 ص39-40-41-42-43-44.

[16] المحلى بالآثار، ابن حزم، تحقق: عبد الغفار سليمان البنداري، دار الفكر – بيروت، ج1ص 84.

[17] الحديث أخرج البخاري (6008)، ومسلم (674)

[18] الحديث أخرجه مسلم “حديث (1218)”، وانفرد به عن البخاري، “وأخرجه أبو داود في “كتاب المناسك” باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم حديث (1905)، “وأخرجه ابن ماجه في “كتاب المناسك” باب حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث (3074).

[19] المصدر نفسه، ج4 ص 39.

[20] نوادر الإمام ابن حزم “خرجها وعلق عليها أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى 1403ه- 198م، ج2 ص114.

[21] الإحكام، ابن حزم، ج1 ص140.

[22] الإحكام، ابن حزم، ج1 ص118.

[23] الإحكام، ابن حزم، ج1 ص 112-113.

[24] النبذة الكافية في أحكام أصول الدين، ابن حزم الأندلسي، تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز، الطبعة: الأولى، 1405 هـ – 1985 م، دار الكتب العلمية – بيروت، ص33.

[25] الإحكام، ابن حزم، ج1ص 143.

[26] النبذة الكافية في أحكام أصول الدين، ابن حزم، ص32. الإحكام، الآمدي، ج2 ص57.

[27] الإحكام، ابن حزم، ج1 ص113.

[28] النبذة الكافية في أحكام أصول الدين، ابن حزم، ص33.

[29] الإحكام، ابن حزم، ج1 ص118

[30] معرفة علوم الحديث، أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف بابن البيع (ت 405هـ)، تحقيق: السيد معظم حسين، الطبعة: الثانية، 1397هـ – 1977م، دار الكتب العلمية – بيروت، ص119.

[31] أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، ثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَرْذَعِيُّ، ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ , يَقُولُ: «لَيْسَ الشَّاذُّ مِنَ الْحَدِيثِ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَةُ حَدِيثًا لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ , إِنَّمَا الشَّاذُّ مِنَ الْحَدِيثِ أَنْ يَرْوِيَ الثِّقَاتُ حَدِيثًا فَيَشِذُّ عَنْهُمْ وَاحِدٌ فَيُخَالِفُهُمْ»، الكفاية في علم الرواية، الخطيب البغدادي (ت 463 هـ)، ص141.

[32] علوم الحديث ومصطلحه، صبحي إبراهيم الصالح (ت 1407هـ)، الطبعة: الخامسة عشر، 1984 م، دار العلم للملايين، بيروت – لبنان، ص196-197.

[33] الإحكام، ابن حزم، ج1ص140. / ج2 ص90- 94.

[34] اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (ت 1031هـ)، تحقيق: المرتضي الزين أحمد، الطبعة: الأولى، 1999م، مكتبة الرشد – الرياض، ج1ص424.

[35] الإحكام، ابن حزم، ج1 ص98.

[36] المحلى، ابن حزم، تحقيق: عبد الغفار سليمان البنداري، دار الفكر – بيروت، ج1 ص212.

[37] أخرجه النسائي، والترمذي، واللفظ له، وابن خزيمة، وصحَّحاه.

[38] المحلى، ابن حزم، ج1 ص214.

[39] المصدر نفسه.

[40] عن أبي هريرة بلفظ: { إذا نام العبد وهو ساجد، يقول الله : انظروا إلى عبدي }، قال : وقيل : عن الحسن بلغنا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : والحسن لم يسمع من أبي هريرة، انتهى . وعلى هذه الرواية اقتصر ابن حزم، وأعلها بالانقطاع، ومرسل الحسن أخرجه أحمد في الزهد، ولفظه : { إذا نام العبد وهو ساجد يباهي الله به الملائكة، يقول : انظروا إلى عبدي روحه عندي، وهو ساجد لي }، وروى ابن شاهين عن أبي سعيد معناه، وإسناده ضعيف.

[41] المصدر السابق. ج1ص215.

[42] سير أعلام النبلاء، شمس الدين الذهبي (ت 748هـ)، دار الحديث- القاهرة، ج7 ص334.

[43] المحلى، ابن حزم، ج7ص260.

[44] – السنن الكبرى، الإمام النسائي، كتاب البيوع ذكر الاختلاف على عبد الله بن دينار في لفظ هذا الحديث، الحديث رقم 6029.

[45] الجامع الصحيح، الإمام البخاري، كتاب البيوع – باب: إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع، 2008.

[46] المحلى، ابن حزم، ج7 ص262.

[47] المصنف في الأحاديث والآثار، ابن أبي شيبة، ١٣ – كتاب البيوع والأقضية من قال: المسلمون عند شروطهم، الحديث رقم 22021.

[48] المحلى، ابن حزم، ج7ص267.

[49] الجامع الصحيح، الإمام البخاري، كتاب البيوع باب إذا كان البائع بالخيار هل يجوز البيع، الحديث رقم 2113.

[50] المصدر نفسه.

[52] المحلى، ابن حزم، ج7ص270. أخرجه ٣٩ البخاري – كتاب البيوع – باب: البيع والشراء مع النساء، الحديث رقم2047.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.