منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بر الوالدين ومسؤولية الأسرة

بر الوالدين ومسؤولية الأسرة/حسن قاسمي

0

بر الوالدين ومسؤولية الأسرة

بقلم: حسن قاسمي

لقد عرفت فرنسا في الآونة الأخيرة أحداث عنف بعد مقتل الشاب “وائل” على أيدي شرطة باريس مما نتج عنه استياء شعبي واسع في فرنسا على العموم وفي وسط أبناء الجالية المسلمة المقيمين بها على الخصوص؛ وقد خلفت هذه الأحداث خسائر مادية كبيرة واعتقالات واسعة في صفوف المتظاهرين، ولوقف هذه الأحداث طالبت عدة شخصيات أبرزهم قائد المنتخب الفرنسي “كليان امبابي” عموم المتظاهرين بضبط النفس… والغريب في الأمر وهو تحميل الرئيس الفرنسي “مكرون مانويل” أسر الغاضبين المسؤولية في ضبط أبنائهم ونسي أو تناسى أن دولته كانت دائما تتدخل في توجيه الأسر بسلك الطريقة الفرنسية في تربية أبنائهم، بل في كثير من الأحيان عمدت السلطات إلى نزع الأبناء من أسرهم بدعوى عدم أهليتهم لتربية الأبناء، لذا كان لزاما أن ننظر إلى علاقة الأسر بأبنائهم من المنظور الشرعي الإسلامي وخصوصية الثقافة الإسلامية التي تحدد المسؤولية لكل فرد من المجتمع، والتي تخالف في كثير من جوانبها الثقافة الحداثية في أصولها ومرجعيتها، لذا وجب أن نقف وقفة مع نظرة الإسلام للوالدين والأبناء، وهل هي مجرد علاقة بيولوجية عابرة؟ أم أنها علاقة تعبدية بالأساس يتحدد مصير الإنسان عند الله تعالى بناء على نجاحها وتكاملها؟

لمَّا كان رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما حثَّ تعالى العباد عليه قال سبحانه: “ووصينا الانسان بولديه حسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا” سورة الأحقاف، الآية: 15، والمعنى أمرنا الإِنسان أمراً جازماً مؤكداً بالإِحسان إلى الوالدين، قال القشيري في تفسيره: ” أمر الإنسان برعاية حقّ والديه على جهة الاحترام، لما لهما عليه من حق التربية والإنعام، وإذا لم يحسن الإنسان حرمة من هو من جنسه فهو عن حسن مراعاة سيّده أبعد. ولو لم يكن في هذا الباب إلا قوله- صلى الله عليه وسلم: «رضا الرب من رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما» لكان ذلك كافيا. ورعاية حق الوالد من حيث الاحترام، ورعاية حق الأم من حيث الشفقة والإكرام. ووعد الله على برّ الوالدين قبول الطاعة بقوله جلّ ذكره “أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يوعدون”فقبول الطاعة وغفران الزّلّة مشروطان ببرّ الوالدين يتصف في حقهما بالتأفّف، وفي ذلك تنبيه على ما وراء ذلك من أي تعنّف، وعلى أنّ الذي يسلك ذلك يكون من أهل الخسران، وبالتالي يكون ناقص الإيمان.

وسبيل الإنسان في رعاية حق الوالدين أن يصلح ما بينه وبين الله، فحينئذ يصلح ما بينه وبين غيره- على العموم، وأهله- على الخصوص، وشرّ خصال الولد في رعاية حق والديه أن يتبرّم بطول حياتهما، ويتأذّى بما يحفظ من حقهما. وعن قريب يموت الأصل ويبقى النسل، ولا بدّ من أن يتبع النسل الأصل ثم بيَّن السبب فقال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} قال قتادة: ” حملته مشقة، ووضعته مشقة”. أي حملته بكرهٍ ومشقة ووضعته بكرهٍ ومشقة {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} أي ومدة حمله ورضاعه عامان ونصف، فهي لا تزال تعاني التعب والمشقة طيلة هذه المدة قال ابن كثير: “أي قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعباً من وحَمل، وغثيان، وثقل، وكرب إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ووضعته بمشقة أيضاً من الطَّلق وشدته”، وقد عدد تعالى على الأبناء منن الأمهات وذكر الأم في هذه الآيات في أربع مراتب، والأب في واحدة، جمعهما الذكر في قوله: بِوالِدَيْهِ، ثم ذكر الحمل للأم ثم الوضع لها ثم الرضاع الذي عبر عنه بالفصال، فهذا يناسب ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل للأم ثلاثة أرباع البر، والربع للأب، وذلك إذ قال له رجل: يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: ثم أمك، قال ثم من؟ قال: ثم أمك، قال ثم من؟ قال: أبوك”.

وقد استدل العلماء بهذه الآية مع التي في لقمان {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14] على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قويٌ صحيح وروي أن عثمان أمر برجم امرأة قد ولدت لستة أشهر فقال له علي قال الله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال وفصاله في عامين وروي أن عثمان سأل الناس عن ذلك فقال له ابن عباس مثل ذلك وأن عثمان رجع إلى قول علي وابن عباس وروي عن ابن عباس أن كل ما زاد في الحمل نقص من الرضاع فإذا كان الحمل تسعة أشهر فالرضاع واحد وعشرون شهرا وعلى هذا القياس جميع ذلك وروي عن ابن عباس أن الرضاع حولان في جميع الناس ولم يفرقوا بين من زاد حمله أو نقص وهو مخالف للقول الأول وقال مجاهد في قوله وما تغيض الأرحام وما تزداد ما نقص عن تسعة أشهر أو زاد عليها{حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ}، جاء في التفسير أن الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وقيل الأشد ثَماني عشرة سنة، وقيل الأشد بلوغ الحلم، والأكثر أن يكون ثلاثاً وثلاثين، لأن الوقت الذي يكمل فيه الإنسانُ في بدنه وقوته واستحكام شبابه أن يبلغ بضْعاً وثلاثين سنة، وكذلك في تمييزه.

وقال الحسن أشده قيام الحجة عليه، أي حتى إِذا عاش هذا الطفل وبلغ كما قوته وعقله {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} أي واستمر في الشباب والقوة حتى بلغ أربعين سنة وهو نهاية اكتمال العقل والرشد {قَالَ رَبِّ أوزعني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ} أي قال ربِّ ألهمني شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ وعلى والديَّ حتى ربياني صغيراً {وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ} أي ووفقني لكي أعمل عملاً صالحاً يرضيك عني وَأَصْلِحْ لِي فِي ذريتي} وأصلح لي أموري في ذرّيتي الذين وهبتهم، بأن تجعلهم هداة للإيمان بك، واتباع مرضاتك، والعمل بطاعتك، فوصفه جل ثناؤه بالبرّ بالآباء والأمهات والبنين والبنات.

قال الشيخ زاده: طلب هذا الداعي من الله ثلاثة أشياء: الأول: أن يوفقه الله للشكر على النعمة والثاني: أن يوفقه للإِتيان بالطاعة المرضية عند الله والثالث: أن يصلح له في ذريته، وهذه كمال السعادة البشرية {إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المسلمين} أي إِني يا رب تبت إليك من جميع الذنوب، وإِني من المستمسكين بالإِسلام قال ابن كثير: وفي الآية إرشادٌ لمن بلغ الأربعين أن يجدِّد التوبة والإِنابة إلى الله عَزَّ وَجَلَّ ويعزم عليها {أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ} أي أولئك الموصوفون بما ذكر نتقبل منهم طاعاتهم ونجازيهم على أعمالهم بأفضلها {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ في أَصْحَابِ الجنة} أي ونصفح عن خطيئاتهم وزلاتهم، في جملة أصحاب الجنة الذين نكرمهم بالعفو والغفران {وَعْدَ الصدق الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ} أي بذلك الوعد الصادق الذي وعدناهم به على ألسنة الرسل، بأن نتقبل من محسنهم ونتجاوز عن مسيئهم.

ولما مثَّل تعالى لحال الإِنسان البار بوالديه وما آل إليه حاله من الخير والسعادة، مثَّل لحال الإِنسان العاقِّ لوالديه وما يؤول إليه أمره من الشقاوة والتعاسة فقال {والذي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ} أي وأمَّا الوالد الفاجر الذي يقول لوالديه إِذا دعواه إلى الإِيمان أفٍ لكما أي قبحاً لكما على هذه الدعوة {أتعدانني أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي} ؟ أي أتعدانني أن أُبعث بعد الموت وقد مضت قرونٌ من الناس قبلي ولم يُبعث منهم أحد؟ {وَهُمَا يستغيثان الله وَيْلَكَ آمِنْ} أي وأبواه يسألان الله أن يغيثه ويهديه للإِسلام قائلين له: ويْلك آمنْ بالله وصدِّق بالبعث والنشور وإِلاَّ هلكت {إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ} أي وعدُ الله صدقٌ لا خُلف فيه {فَيَقُولُ مَا هذآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأولين} أي فيقول ذلك الشقي: ما هذا الذي تقولان من أمر البعث إلاّ خرافات وأباطيل سطرَّها الأولون في الكتب مما لا أصل له قال تعالى {أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول} أي أولئك المجرمون هم الذين حقَّ عليهم قول الله بأنهم أهل النار قال القرطبي: أي وجب عليهم العذاب وهي كلمة الله كما في الحديث «هؤلاء في النار ولا أبالي» {في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس} أي في جملة أمم من أصحاب النار قد مضت قبلهم من الكفرة الفجار من الجن والإِنس {إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ} أي كانوا كافرين لذلك ضاع سعيهم وخسروا أخرتهم، وهو تعليل لدخولهم جهنم.

قال الإِمام الفخر: قال بعضهم: إن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر الصّديق قبل إِسلامه، والصحيحُ أنه لا يراد بالآية شخص معيَّن، بل المراد منها كل من كان موصوفاً بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحقِّ فأباه وأنكره، ويدل عليه أن الله تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه {أُفٍّ لَّكُمَآ} بأنه من الذين حقَّ عليهم القول بالعذاب، ولا شك أن عبد الرحمن آمن وحسن إِسلامه وكان من سادات المسلمين فبطل حمل الآية عليه {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} أي لكلٍ من المؤمنين والكافرين مراتب ومنازل بحسب أعمالهم، فمراتب المؤمنين في الجنة عالية، ومراتب الكافرين في جهنم سافلة وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي وليعطيهم جزاء أعمالهم وافيه كاملة، المؤمنون بحسب الدرجات، والكافرون بحسب الدركات، من غير نقصان بالثواب، ولا زيادة في العقاب.

إشارات ربانية

لمَّا كانت تربية الأبوين مظهراً لنعمة الإمداد بعد ظهور نعمة الإيجاد، وصّى الله- تعالى- بالإحسان إليهما، وفي الحقيقة: ما ثَمَّ إلا تربيةُ الحق، ظهرت في تجلِّي الوالدين، قذف الرأفة في قلوبهما، حتى قاما بتربية الولد، فالإحسان إليهما إحسان إلى الله- تعالى- في الحقيقة. وقال الورتجبي: وصى الإنسانَ بالإحسان إلى أبويه، لأنهما أسباب وجوده، ومصادر أفعال الحق بَدَا منهما بدائعُ قدرته، وأنوارُ ربوبيته، فحُرمتهما حرمة الأصل، ومَن صبرَ في طاعتهما رزقه الله حُسنَ المعاشرة على بساط حُرمته وقُربته.

قال بعضهم: أوصى اللهُ العوام ببر الوالدين لِما لهما عليه من نعمة التربية والحِفظ، فمَن حفظ وصية الله في الأبوين، وفّقه بركةُ ذلك، لحِفظِ حرمات الله، وكذلك رعاية الأوامر والمحافظةُ عليها تُوصل بركتُها بصاحبها إلى محل الرضا والأنس.

قال القشيري: وأمر بالإحسان إلى الوالدين ومراعاة حقّهما، والوقوف عند إشارتهما، والقيام بخدمتهما وملازمة ما كان يعود إلى رضاهما وحسن عشرتهما ورعاية حرمتهما، وألا يبدى شواهد الكسل عند أوامرهما، وأن يبذل المكنة فيما يعود إلى حفظ قلوبهما … هذا فى حال حياتهما، فأمّا بعد وفاتهما فبصدّق الدعاء لهما، وأداء الصدقة عنهما، وحفظ وصيتهما على الوجه الذي فعلاه، والإحسان إلى من كان من أهل ودّهما ومعارفهما. ويقال إنّ الحقّ أمر العباد بمراعاة حقّ الوالدين وهما من جنس العبد.. فمن عجز عن القيام بحقّ جنسه أنّى له أن يقوم بحقّ ربه؟

إن الجهل بالخصوصية الإسلامية في فلسفتها الجامعة في نظرتها لله تعالى والكون والإنسان يجعل كثيرا من الدول ومنها فرنسا تتخبط في مقاربة نظرتها للإنسان والاسرة على وجه الخصوص لاختلاف الأصول والمناهج، فالعلمانية ليست هي الشريعة الإسلامية، وشتان بين من يجعل قانونه قانون الجماعة التي يتطور نظامها بتطورها وبين من يستمد قانونه من خالق الجماعة الذي يعلم مستقرها ومستودعها وكل ذلك في كتاب ربنا وسنة نبينا والحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.