كيف يُعالج الوالدين مشاكل تربية الأطفال ويحمون العلاقة الزوجية من نتائجها؟
محمد ياسر منصور
كيف يُعالج الوالدين مشاكل تربية الأطفال
ويحمون العلاقة الزوجية من نتائجها ؟
محمد ياسر منصور
كاتب وإعلامي سوري
ممَّا لا رَيبَ فيه أنَّنا نُحبّ أولادنا كثيراً. فَهُم مَصدر فَخرنا وسعادتنا. ونحن نرضى بأية تضحية من أجلهم. فلماذا تُشير الدراسات إلى أنَّ وجود الأولاد قد يُعكِّر الوِفاق الزوجي ؟ لماذا يدَّعي الأزواج أنَّ السعادة الزوجية تبدأ التصدُّع عند ولادة الابن البكر وتبقى في حال من عدم الاستقرار حتى يُغادر أصغرهم المنزل؟
من أسباب هذا التناقض أنَّ المسؤولية المادية والاقتصادية التي تُرافق تربية الأولاد تُشكِّل عِبئاً كبيراً لِكلا الوالدين. لكن ثمَّة سبباً آخر قلَّما يعترف به الأزواج وهو أنَّ وجود الأولاد يُغذِّي ــ مباشرةً أو غير مباشرة ــ التصادم العاطفي بين الزوجين أكثر من أي عامل آخر.
قبل زمن قريب كان معظم الوالدين يُؤمن بأنَّ وُجود طفل يوطِّد أواصر علاقاتهم الزوجية. لكن قِلَّة منهم اليوم تتوقَّع ذلك، فتجدهم أكثر وَعياً لما يتطلَّبه الصغار من جُهد ووقت وإمكانات مادية. ومع أنَّ العديد من الآباء والأمهات مُؤهَّلون عقلياً لتحمُّل مسؤولية الإنجاب والتربية، فكثير منهم ينهار معنوياً أمام الجُهد اليومي المتواصل لتنشئة الأطفال ومواجهة متطلباتهم المتناقضة.
إنَّ أكثر الخلافات الشائعة التي يُسبِّبها الأولاد تدور حول مقوِّمات التنشئة كالتأديب ومصروف الجَيب وحرية التصرُّف.
بعض الخلافات الزوجية تبدو للوهلة الأولى كأنها حصيلة تَباين في المواقف تجاه سلوك الأطفال، لكنها في الواقع تكون متأصِّلة في أزمات عاطفية تعود إلى طفولة الأب أو الأم. وتَذكُر إحدى النساء كيف أنَّ الخلاف كان ينشب بينها وبين زوجها كلَّما وَبَّخ هذا ابنتهما التي بَلَغت عامها الثالث عشر. وهي تقول: ” غالباً ما كانت ابنتي تستحق التأديب، ولكن لم يكن في وِسعي الإحجام عن حمايتها “.
ويتعذَّر أحياناً على الأزواج التعبير عن مشاعرهم. إنهم يخشون على زواجهم من تبادل الانتقاد الصريح أو أنهم لا يملكون الثقة الكافية بأنفسهم لِفَرض حاجاتهم العاطفية على الشَّريك. في حالات كهذه ينزع أحد الطرفين إلى استخدام الطفل على نحو لا شعوري كوسيلة دفاعية تجاه الطرف الآخر. فعندما يلوم فؤاد زوجته سهام لأنَّ عملها خارج البيت يجعلها تتغيَّب باستمرار ولا تعتني بأطفالها، فما يعنيه فِعلاً هو أنها لا تعتني به هو كفاية. وبما أنه لا يجرؤ على معاتبة سهام صراحةً لِعَملها على رغم إرادته، فهو يلجأ إلى إشعارها بالذَّنب لإهمالها واجباتها تجاه أولادهما.
وتنشأ الأزمات أحياناً بين الزوجين نتيجة الموقف العدائي لِأحدهما تجاه أحد الأولاد ( كأن يكون الولد شبيهاً بِقَريب يكرهه الوالد ) ويجد الآخر نفسه مضطراً إلى الدفاع عن الولد.
ومن جهة أخرى قد يلجأ أحد الوالدين إلى المبالغة في العطف والعناية بطفل مدلَّل ليعبِّر عن عدائه تجاه الشَّريك.
ولمساعدة الأهل في معالجة مشاكل تربية الأطفال، ومن أجل حماية الزواج من نتائجها، نُقدِّم اقتراحات مهمة وَضَعها بعض الاختصاصيين في مجال التربية والأسرة:
* عليك أن تُدرِك أنَّ معظم الأزمات هي ظواهر طبيعية في الجوّ العائلي كثيراً ما تكون عابرة. يقول ” هندري وايسنغر ” وهو عالم نفس: ” كل عائلة تمرّ بخلافات حول مسائل تربية الأطفال. والجوّ العائلي غالباً ما يُحافظ على عافيته على رغم تلك الخلافات العارِضة “.
* أمَّا ” هارولد فيلدمان ” الاختصاصي بالعلاقات العائلية فينصح الزوجين بأن يتباحثا في مواقفهما من تنشئة الأطفال والقِيَم والشُّكوك التي تُرافق تلك المواقف. فإذا توصَّلا إلى حَلّ وَسَط تَلافَيا الوقوع في صِدام سلبي.
* على الزوجين أن يُميِّزا بين الخلافات حول مبادئ التنشئة والخلافات القائمة بينهما أصلاً. فعندما يتكرَّر الخلاف حول موضوع مُعيَّن يكون السَّبب متأصِّلاً في العلاقة بين الزوجين.
* على الزوجين الامتناع عن استغلال الأولاد في المشاجرات الزوجية.
* لا تَدَع الأولاد يستغلُّونك. فإذا اشتَكَت الابنة من أنَّ أُمّها مستبدَّة على غَير حَقّ وقَبِلَ الأب هذه التُّهمة من دون تدقيق فيها، فلا مَفرّ له عندئذٍ من خلافات مع زوجته.
* لا تكن عبداً لأولادك. هناك زوجان أوشكا على الطلاق لأنَّ الزوجة كانت ترفض سنة تلوَ الأخرى أن تُخطِّط للإجازة قبل أن تتأكَّد من أنَّ أولادها سيقضون عطلة الصيف معهما. ومتى أَعدَّ الأولاد برامج إجازتهم يكون الوقت فاتَ لإجراء الترتيبات الضرورية لرحلة كان الأب متشوِّقاً للقيام بها مع زوجته.
لا شكَّ في أنَّ على الأهل أن يُضحُّوا من أجل أولادهم، لكنَّ التضحية في غير مَحلِّها قد تُولِّد توتُّراً في الجوّ العائلي.
* عندما تنشأ المشاجرات بخصوص الأولاد فاحرص على ألاَّ يكون ذلك على مَسمَعٍ منهم. فعندما يرى الطفل أو يسمع والديه يتخاصمان حول مواقف تربوية فهو يتصوَّر أنه هو سَبب الخِلاف. وقد عَبَّرت فتاة في الثانية عشرة عن شُعورٍ كهذا إذ قالت: ” يبدأ الشِّجار بينهما فجأةً. ولا علاقة لي أنا بهذا الصِّراع لكنِّي أكونُ واثقة من أنني أنا أَشعَلته فيعتريني الخوف “.
* اجتهِدْ كي تُميِّز بين حياتك كَزوج وحياتك كأبّ أو أُمّ. كَتبَ ” فيتزهيو دودسن ” في مُؤلَّفه ” كيف تُؤدِّب بمحبَّة “: ” عند ترتيب الأولويات في المحيط العائلي لَكَ مِلء الحَقّ في تقديم سلامة زواجك على علاقتك بأولادك “. أَوليسَ الوضع نقيض ذلك في غالبية الأجواء العائلية اليوم ؟ فالحياة العائلية ترتكز على الطفل بَدلاً من أن تدور حول سلامة العلاقات الزوجية. وأن نَدَع سلامة الزواج في المرتبة الأولى لا يعني إهمال الطفل. ولكن عندما تسوء العلاقات الزوجية يكون الطفل هو الخاسِر مهما رَكَّزنا على رعايته العاطفية.
ختاماً..
تلزمنا قوّة شخصية، ومَلَكة تمييز سليمة، والتزام صادق لتخطِّي ضغوط المسؤوليات الوالديِّه. فإذا نَجحنا في مَسعانا حَقَّقنا ثواباً مزدوجاً، فالزوجان اللذان يعيشان في وِفاق وتفاهم حول تربية أطفالهما ينجحان في تحمُّل مسؤولياتهما الوالدية ويكونان شريكين سعيدين.