الغَضَب .. العدوّ القاتِل
الغَضَب .. العدوّ القاتِل/ محمد ياسر منصور
الغَضَب .. العدوّ القاتِل
بقلم: محمد ياسر منصور
كاتب وباحث سوري
لا تغضَب .. لا تغضَب أبداً .. فالغضب عدوٌّ قاتِل …
إنَّ لحظة غضَب عابرة قد تقود إلى عديد من الأمراض الخَطرة، والقاتلة في بعض الأحيان والتي لا تخطر على بال .
لقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن لحظة الغضب قد تقف وحدها تقريباً وراء أمراض القلب وانسداد الشرايين وارتفاع ضغط الدم وقرحة المعدة والإصابة بمرض السكَّر والقولون العصبي والذبحة الصدرية .
إن انفعالات الغضب، دون غيرها من جميع الانفعالات والأحاسيس التي يعيشها الإنسان طوال يومه، تؤثِّر تأثيراً مباشراً على أكثر الأجهزة حساسية ً وأدقَّها في الجسم البشري .
قروح صغيرة في المعدة:
بالرغم من أعراض الغضب الظاهرة تنحصر في منطقة الوجه حيث تجحظ العينان وتتسع الحدقة وتتسع أيضاً فتحتا الأنف وترتجف زوايا الفم وتنكمش الجبهة، إلاَّ أن هذه الأعراض تكون مرتبطة أيضاً بتغييرات داخلية كثيرة ومثيرة وتصل بالإنسان إلى حَدّ الخطر. فمَثَلاً، وُجِد أن جدار المعدة يحمرّ لونه وتزيد درجة الحُموضة فيه وتحدث أحياناً قروح صغيرة تلتئم سريعاً بعد زَوال سبب الغضب . ولكن إذا استمرَّ الغضب المَكبوت وطالت فترة احمرار جدار المعدة وزيادة درجة الحموضة، فإنَّ الشخص يكون بالفعل مُعرَّضاً للإصابة بقرحة المعدة المُزمنة . كذلك فإن الإفرازات الهضمية تقلّ إلى درجة ملحوظة ممَّا يجعل الفَرد يشكو من سوء الهضم والانتفاخ بعد الأكل وأحياناً الغَثَيان والقَيئ، أو يُعاني من الإمساك المستمرّ.
الغضب يصنع الجلطة:
ولعلَّ أخطر آثار الغضب تلك التي تؤدي إلى أمراض القلب، حيث يتعرَّض الإنسان لسرعة ضربات قلبه ويشعر بِوَقعها في جميع أعضاء جسمه ويُعاني من آلام عضلية في الناحية اليسرى من الصدر مع ارتفاع في ضغط الدم وذلك يقترب به كثيراً من حدود الإصابة بالذبحة الصدرية أو جلطة الشرايين التاجية بالقلب التي تحدث بها تقلُّصات تُزيد من كثافة الدم ممَّا يُسهِّل تكوين الجلطة .
ويؤدي الغضب أيضاً إلى انقباض الشُّعَب الهوائية نتيجة التنبيه الهائل لمراكز الانفعال اللَّاإرادي ممَّا يُصيب الإنسان بالربو الشَّعبي خاصةً إذا طالَت فترة الغضب.
الغضب يُجفِّف اللبن من صدر الأم:
إنَّ ثَورة الغضب تحول دون الإفراز الطبيعي للكليتين وتزداد نسبة الأملاح في البول وتقلّ نسبة الطمث أو تنعدم الدورة الشهرية لدى السيِّدات أو يحدث العَكس فتتكرَّر حالات الطمث ثلاث مرَّات في الشهر الواحد، وقد يجفّ الحليب في صدور المُرضِعات وتتغيَّر صفاته ومكوِّناته ويُصبح ضارَّاً لصحة الرضيع .
كذلك، تتأثَّر الغدد الصمَّاء وخاصة الغدة الدرقية التي تتضخَّم نتيجة الغضب، وتتأثر أيضاً الغدة فوق الكلوية وتفرز كميات من ( الكورتيزون ) لإعادة التوازن في الجسم ممَّا يُصيبها بالإنهاك والضَّعف وعَدم القدرة على العمل بطريقة طبيعية .
النّضج الانفعالي:
وبالطَّبع، فإنَّ هناك اختلافاً شديداً بين كل إنسان وغيره في كيفية مواجهة الأزمات ودرجة الانفعال بها، وذلك يرتبط أساساً بمدى قدرة أي فَرد على الإدراك السليم وضَبط الانفعالات والتعبير عن ميوله ورغباته ومشاعره بأسلوب متَّزن بعيد عن التهوُّر والاندفاع وذلك ما يُطلِق عليه علماء النفس ” النضج الانفعالي ” وكل هذا يرتبط في النهاية بقدرة كل فَرد على الوصول إلى درجة معقولة من التوافق النفسي تجاه الآخرين وتجاه المَواقف المعقَّدة والمُثيرة للغضب في أحيان كثيرة . وبدون ذلك فإن الفرد يظل عاجزاً عن مواجهة الأزمات العادية ــــ بل والتافهة أحياناً ـــ بما يُماثلها من الانفعال البسيط . وقد أثبتت الدراسات النفسية أن هذا النوع من البشر يُعانون الاضطراب النفسي ويبدو عليهم القلق والتوتر دائماً وتتميَّز شخصياتهم بالضمور وعدم القدرة على الأخذ والعطاء بطريقة تُرضيهم وتُرضي الغَير، كما يتميَّزون بالحساسية المُرطة التي تدفعهم إلى الانفعال الشديد .
الثَّورة .. والكَبت:
وكما يختلف البَشَر في درجة انفعالهم بالحوادث والأزمات فإنهم يختلفون أيضاً في أسلوب التعبير عن غضبهم حتى لو تشابَهَت دوافع الإثارة .
فقد يتَّخذ التعبير عند البعض صورة ظاهرة من الثورة و ” الهَيَجان ” تظهَر في طريقة التعبير بالكلام والتصرُّفات اللَّاإرادية التي قد يُسلِّم لها الفرد نفسه تحت تأثير الغَضب وبسبب عَدم القدرة على ضَبط الانفعالات ومواجهة المَواقِف بطريقة ناضجة، وهؤلاء مُعرَّضون أكثر من غيرهم لأمراض القلب وقرحة المعدة وتصلُّب الشرايين .
وعند البعض الآخر، فإنَّ أسلوب التعبير عن الغَضب قد يتَّخذ صورة الكَبت حيث يحبسون غَضبهم، وفي هذه الحالة يظهر أثَر الغضب في هيئة أمراض عضوية كالشَّلَل أو فَقد القُدرة على الكلام، وفَقد البَصَر، أو حتى الجُنون .
إنَّ الغَضب غريزة في الإنسان كعشرات الغرائز الأخرى . وهي ترتبط لدى الإنسان ارتباطاً وثيقاً بغريزة المُقاتَلة، ورغم ذلك فإنَّ الغَضب في حَدّ ذاته ليس هو المشكلة، إنَّ المشكلة تكمن أساساً في قابلية كل إنسان للانفعال الشديد وسرعة الهيَجَان . والمشكلة ترتبط أساساً بقدرة كل فَرد على تنمية مَواقفه وإدراكه وانفعالاته، والوصول بكل ذلك إلى مرحلة النضج الانفعالي .. وهي أيضاً مرتبطة بإمكانية كل فَرد على إدارة الصراع الداخلي في نفسه حول قُدراته ونزعاته وقِيَمه بطريقة واعية لا تجعله دائم الثَّورة والتوتُّر . والمشكلة بعد ذلك ـــ وهو الأهمّ ـــ تكمن في أسلوب التعبير. إنَّ التعبير عن الغَضب بالانفعالات الساخنة يؤدِّي إلى أمراض القلب وقرحة المعدة وتصلُّب الشرايين .
وأكثر من ذلك، فإنَّ شدّة الانفعال تؤدي في النهاية إلى مزيد من المَواقِف المعقَّدة، وفي النهاية يُصاب الفَرد بما يُشبه العُزلة تجاه الآخرين ممَّا يُنمِّي الإحساس لديه بكراهيّة الناس له .
أمَّا التعبير عن الغَضب تعبيراً سلبيَّاً، بِكَبته وحَبسِه، فإنه يؤدي هو الآخر إلى الشَّلَل وفَقد الذاكرة أو حتى الجُنون .
والمهمّ بعد ذلك، كما سَبَق، هو التحكُّم والسيطرة على الانفعال، وعَدم الاستسلام للانفعال الشديد تحت سيطرة ثَورة الغَضب .. مُمتثلين لقول رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم ): ” ليسَ الشديدُ بالصُّرعَة، إنَّما الشديد الذي يملكُ نَفسه عندَ الغَضب ” . (عن أبي هريرة ـــ رواه البُخاري )
السيطرة على الغَضب والتعامل معه:
وللسيطرة على الغَضب والتعامل معه نَنصَح بما يلي:
- الإكثار من ذِكر الله: فالغَضب من الشيطان، والشيطان يُذيبه ذِكر الله، ويفرّ من الذَّاكرين . قال تعالى: ( وإمَّا ينزغَنَّك من الشيطانِ نَزغٌ فاستعِذ بالله إنَّه سميعٌ عليم ) . (الأعراف / 200 )
- غَيِّر من حالتك: إن كُنتَ واقفاً فاجلسْ، وإن كُنتَ جالساً فاضطجِع، وإن كُنتَ مُتحرِّكاً فَقِفْ، وإن كُنتَ تقود مَركبتك فاسترِحْ على جانب الطريق، ذلك لأنَّ القائِم والمتحرِّك أكثر قُدرة على الأذيَّة والبَطش . قال رسول الله ( صلَّى الله عليه وسلَّم ): ” إذا غَضبَ أحدكم وهو قائِمٌ فَليَجلِس، فإن ذَهبَ عنه الغَضب وإلاَّ فَليَضطجِع ” . (أخرجه أبو داوود في سُنَنه، وأحمد في مُسنَده )
- توضَّأ أو اغتَسِل: قال رسول الله ( صلَّى الله عليه وسلَّم ): ” إنَّ الغَضب من الشيطان، وإنَّ الشيطان خُلِقَ من النار، وإنَّما تُطفَأ النار بالماء، فإذا غَضِبَ أحدكم فَليتوضَّأ ” . ( أخرجه أبو داوود في سُنَنه، وأحمد في سُنَنه )
ثمَّ إنَّ ذَهابَك للوضوء أو الاغتسال خُروجٌ من المكان الذي غَضِبتَ فيه، وابتعادٌ عن الشخص الذي أَغضَبَك، وانشغالٌ لِدقائق معدودات عن الحادثة المُغضِبَة التي تعرَّضت لها .
- لا تتكلَّم: لا تتكلَّم وأنتَ غَضبان، لأنَّك غالباً ما تنطق بالخطأ في أثناء غَضبك . قال رسول الله ( صلَّى الله عليه وسلَّم ):” إذا غَضِبَ أحدكم فَليَسكُتْ”. ( أخرجه أحمد في مُسنده )
- اِكظُم غَيظَك: فإنَّ في كَظم الغَيظ والعَفو والحُلم والاحتمال والصَّبر على الجَاهل ثواباً كبيراً يُغنيك عن التشفِّي والانتقام، ويُطفِئ غَضبك . قال رسول الله ( صلَّى الله عليه وسلَّم ): ” مَن كَظَمَ غَيظاً وهو يستطيع أن يُنفِذَه دَعاهُ الله يوم القيامة على رُؤوس الخَلائِق حتى يُخيِّره من أيِّ الحُورِ شاء ” . ( أخرجه أبو داوود في سُنَنه، والترمذي في جامِعِه )
أخيراً .. وإضافةً لما سَبَق، فإننا نَنصح بالاسترخاء، والتنفُّس بِعُمق من خلال الحجاب الحاجز، والتمتُّع بروح الدعابة، والتحدث إلى النفس ببعض الكلمات التي تبعَث على الهدوء وراحة البَال . كما أنَّه قد يكون في تغيير البيئة والوَسط المُحيط الحَلّ الأمثَل للتخلُّص من الغَضب وما يُثيره في النفس من شُجون وثَورة.
المراجع المعتمدة:
1ـــ الصحة النفسية ـــ د. مصطفى فهمي ـــ مكتبة الخانجي ـــ القاهرة (1987).
2 ـــ أسس الصحة النفسية ـــ د. عبد العزيز القوصي ــــ مكتبة النهضة العربية ـــ القاهرة (1982) .
3 ــــ الشخصية والصحة النفسية ـــ عطية محمود وآخرون ــــ مكتبة النهضة المصرية ـــ القاهرة (1985) .
4 ـــ علم النفس المَرَضي ـــ د. رياض العاسمي ـــ مطابع الإدارة السياسية ــــ دمشق (2001) .