التربية المدنية والإسلامية مكونان أساسيان لترسيخ القيم وصون الهوية بالمدرسة المغربية
د. أسامة اليحياوي
التربية المدنية والإسلامية مكونان أساسيان لترسيخ القيم
وصون الهوية بالمدرسة المغربية
د. أسامة اليحياوي
جامعة محمد الأول وجدة
تقديم:
لكل مجتمع مبادئ ومثل عليا تعد قيما بالنسبة له، فهي المسؤولة عن توجيه كل السلوكات الإنسانية لما يمكن اعتباره داخل ذلك المجتمع صوابا، ويعد خرقها أو المساس بها طعنا في التوازن الاجتماعي داخل المجموعة البشرية المتبنية له.
فيمكن القول إذن أن أساسا التوازنات داخل المجتمعات الإنسانية هو ما تحمله من قيم داخلها، تنظم العلاقات وتؤطرها وتمنع كل ما من شأنه أن يهز تماسكه، ويمكن تصنيف القيم إلى قيم اجتماعية خاصة بالمجتمع كقيم التآزر والتضامن والمؤاخاة… وقيم دينية تستمد قوتها من التعاليم والأوامر الدينية، وقيم أخلاقية مرتبطة بالفرد كالأمانة والصدق، والقيم السياسية كتخليق العلاقات السياسية والتكافل بين الدول.. والاقتصادية كصدق المعاملات… إلى غير ذلك من القيم.
وبما أن للقيم أهمية كبرى في حياة المجتمعات فهذا يعني أنها تترسخ في أذهان الأفراد من خلال قنوات تعليمية ومؤسسات تربوية، لذلك يكون الحرص على تلقينها للناشئة حتى تتمكن من مسايرة النمط القيمي الذي يتصف به المجتمع. ولعل أبرز مؤسسة تمكن من ترسيخ هذه القيم هي المؤسسة التعليمية فمنها يأخذ المتعلمون أهم المعارف والمكتسبات التي تؤطر سلوكهم وتنمي مستوياتهم المعرفية، كما يعد اكتساب القيم من المؤسسة التعليمية نجاحا حضاريا بالغ الأهمية.
وبما أن الإشكال الذي يثار دوما في مجتمعنا المغربي هو إشكال قيم، فقد ارتأينا اختيار هذا الموضوع لمحاولة التأكيد على دور القيم في بناء السلوك الإيجابي لدى المتعلمين المغاربة، خاصة أن المدرسة المغربية تزخر بمواد يمكن استثمار فاعليتها لتجسيد هذه القيم، ومن أبرز هذه المواد التي ترافق المتعلمين لسنوات طوال في مسارهم الدراسي نجد مادة التربية الإسلامية ومادة التربية المدنية، وللمادتين أهمية كبرى في تعزيز و ترسيخ القيم، فالأولى تعنى بالقيم الدينية الروحية الإسلامية، أما الثانية فتركز على جوانب الهوية وحسن السلوك وتنمية حس المواطنة.
أولا: القيم من خلال مادة التربية الإسلامية:
1: مفهوم القيم الإسلامية:
نقصد بالقيم الاسلامية ” مجموعة من المعايير والأحكام النابعة من تصورات أساسية من الكون والحياة والانسان، والإله الخالق كما صورها الإسلامي، وتتكون لدى الفرد والمجتمع من خلال التفاعل مع المواقف والخبرات الحياتية المختلفة، حيت تمكنه من اختبار أهداف وتوجهات لحياته تتفق مع إمكانياته، وتتجسد من خلال الاهتمامات، أو السلوك العملي بطريقة مباشرة وغير مباشرة.” [1] فالقيم الاسلامية اذن عبارة عن منظومة أخلاقية تهم الفرد والمجتمع، من جهة ضبط سلوكه وتحصين المجتمع من الأفكار والتوجهات الهدامة والمنحرفة؛ من خلال التمسك بتعاليم الشريعة الإسلامية السمحاء وماجاءت به من منظومة أخلاق سامية.
2ـ خصائص القيم الإسلامية:
تتميز القيم الإسلامية بجملة من الخصائص يمكن إجمالها في:
أ- العالمية: إن منظومة الأخلاق الإسلامية تستقي أهميتها وقيمتها من كونها لاترتبط بمجتمع معين أو منطقة أو عرق ما بقدر ماتهم جميع الناس على اختلافهم العرقي والثقافي والجغرافي؛ وذلك لارتباط هذه القيم بالشريعة السمحاء التي بعث بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين؛ قال تعالى ( وما أرسلناك الا رحمة للعالمين ) [2] وقال صلى الله عليه وسلم ” إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق”[3]
ب ـ الإيجابية: فالقيم الاسلامية منظومة مترابطة ماجاء بها الشرع الحنيف الى من اجل سعادة الناس ورضاهم في الدنيا والأخرة؛ وتحقيق الهدف المنشود من وجودهم وهو عبادة الله وعمارة الأرض التي استخلفهم الباري عزوجل فيها قال تعالى( يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر) [4] فالشريعة الاسلامية وماجاءت به من قيم هدفها سعادة البشرية في الدار الآجلة والعاجلة .
ج – الواقعية: فهذه القيم قابلة للتحقيق وليست نظريات وقيم تطفوا في عالم المثالية، بل قابلة للتكييف مع كل المجتمعات والأزمنة ومايطبعها من تنوع.
د- خاصية الوسطية: فهي قيم موافقة للشريعة الإسلامية التي تمتاز بالوسطية والاعتدال؛ فهي لاتخرج عن دائرة حدود الله وشريعته وتمتاز بالوسطية لا افراط ولا تفريط “[5]
3ـ أهمية تدريس القيم الإسلامية في المؤسسات التعليمية:
إن تدريس القيم الإسلامية في المؤسسات التعليمية ذو أهمية كبرى، لأن الامر يتعلق بعنصرين أساسين منظومة قيم تتميز بالكمال لأنها ربانية المصدر، ومن جهة أخرى فهي موجهة لناشئة وأجيال صاعدة لتشرب معانيها وترسيخ مضامينها في نفوسهم وقلوبهم، ومن هذه الفلسفة جاء المنهاج الدراسي ليؤكد على هذا الأمر، وعلى ضرورة تشبع المتعلمين والمتعلمات بهذه القيم المثلى وهو ما يبينه هذا الجدول: مجالات القيم قيم العقيدة الإسلامية السمحاء . القيم المرتبطة بالحاجات المجتمعية ترسيخ الهوية المغربية الإسلامية والحضارية والوعيد يتنوع وتكامل روافدها اتخاد موقف ايجابي من الثقافات الأخرى لتعزيز قيم العقيدة الإسلامية وتفتيحها القيم المرتبطة بالحاجات الشخصية التشبع بقيمة العقيدة الإسلامية التشبع بروح الحوار والتسامح وقبول الاختلاف. [6]
كما أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والذي يعد بمثابة دستور تربوي حدد أربع مرتكزات في مايخص الجانب القيمي، ومنها قيم العقيدة الإسلامية، نظرا لما لها من أهمية في زرع الأ خلاق الفاضلة في نفوس المتعلمين والمتعلمات بمختلف الأسلاك التعليمية ” قيم العقيدة الإسلامية وقيم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية؛ والثقافية وقيم المواطنة وقيم حقوق الانسان ومبادئها الكونية”[7]
4ـ أهداف التربية الإسلامية:
يهدف تدريس مادة التربية الإسلامية إلى تحقيق جملة من الأهداف القيمية المجتمعية الخاص بالأمة المغربية، والتي تحدد معايير الفرد والمجتمع الذي يتماشى مع المنظومة الثقافية والأخلاقية داخل وطنه، وفي هذا الصدد يمكن الحديث عن جملة من الأهداف سنحددها في أهداف محورية ومن هذه الأهداف:
أ ـ تكوين إنسان صالح: حيت أن التربية الإسلامية تعمل على تكوين إنسان مواطن صالح يعتز بالقيم الحضارية لدينه الإسلامي الحنيف، وتساهم في تعديل سلوكه وأخلاقياته، كما أن وظيفة التربية الإسلامية لايقتصر على هذا الجانب المتمثل في الصلاح من الجانب السلوكي والأخلاقي، بل أيضا صلاح متعلق بالمشاركة الفعالة بالعمل الصالح والمتقن الذي يخدم مصالحه الشخصية والأسرية والمحلية وكذلك الوطنية والكونية، وهذا مرتبط بمدى نشاط الشخص وفعاليته وحركيته ” تبدأ أهداف التربية الإسلامية، بإخراج الفرد المسلم وهو الانسان العامل الذي يقوم بالعمل الصالح ويتقنه” خاصة ونحن في عصر التطور والتكنولوجيا، والانسان المسلم لايجب ان يكون أقل همة وكفاءة وفعالية من غيره خاصة وأنه مستخلف في الأرض
ب – تكوين مجتمع صالح: إن المتعلمين والمتعلمات يتلقون دروس في مختلف المستويات، الهدف منها تكوين ناشئة وجيل صالح متشبث بقيمه الإسلامية، انطلاقا من الإيمان بأدوار المدرسة وانفتاحها على محيطها لأن ” أهداف تربية الفرد المسلم لن تكون ذات قيمة، لأن الأفراد الصالحين المصلحين هم عضو واحد من عناصر تتفاعل لتجسيد الأمة المسلمة في بناء اجتماعي واقعي، يلبي الحاجات ويواجه التحديات القائمة .” [8]
ج – تنمية وظائف العقل: فالقيم الواردة في مادة التربية الإسلامية تنهج أسلوب التربية على التفكير وإعمال العقل لأن الإسلام دين العقل والتفكير وهذا أمر نجده في كثير من النصوص الحديثية والقرآنية، التي إن دلت على شيء فإنما تدل على قيمة العقل وإعمال الفكر في الدين الإسلامي السمح، وتدبر الأمور بعمق وتحليل واستنتاج للأمور” بل إن القرآن ينتقد بشدة لاذعة أولئك الذين يقتصرون عند سماعهم الأول للمشكلة، الى اصدار الأحكام واشاعتها، دون السماح لها بالمرور بمنطقة السماع الداخلي؛ الذي يشترك مع القدرات العقلية ويتبادل معها التحليل والتأليف والاستنتاج. “[9]
د- الهدف الحقوقي: تهدف التربية الإسلامية إلى تحقيق جملة من الأهداف الحقوقية التي أقرها الإسلام، وأكد عليها الإسلام وعمل على توفيرها للمجتمعات الإسلامية، وهي منظومة حقوقية توافق الفطرة الإنسانية وهذا الهدف أو المقصد ” يرتكز على أربعة قيم حقوقية كبرى، وهي الحرية ( التحرر من كل القيود والأغلال ) والقسط ( حكم المؤمن بالعدل ولو على نفسه والأخرين) والمساواة ( لانميز بين البشر) والكرامة ( عزة لاينتقص منها قوة أو سلطان أو جهل أو فقر أو عراف …..) [10]. كما أن الهدف الرئيسي للتربية الإسلامية هو تحقيق كمال العبودية لله، ولايتحقق ذلك إلا بالحرية للناس والخلاص من كل أشكال العبودية إلا لله عزوجل
هـ – الهدف العقائدي: ويتحقق هذا المقصد من خلال “الايمان بالوجود الحقةلىه تعالى وكماله المطلق؛ والإيمان بأن غاية الوجود البشري تكمن في عبادة الله وتسبيحه”[11] فالله عزوجل خلقنا لغاية عبادته والإقرار بوجوده وتعظيمه، وهذا فيه سعادة للإنسان الخاضع لله، لأن سبحانه وتعالى غني حميد عن كل مخلوق ومعبود.
و- الهدف التضامني النفعي:
يهدف منهاج التربية الإسلامية إلى تقرير الخصائص والصفات التضامنية للأفراد والمجتمع وتمكينهم من اكتسابها وتطبيقها على أرض الواقع في شكل سلوكات وأفعال تضامنية نافعة فالمقصود والهدف” اتخاد المبادرة لتحقيق النفع للفرد والمجتمع، فالإحسان والتضامن والتعاون وإصلاح المحيط دليل الإيمان التام”[12] هكذا فإن منهاج التربية الإسلامية يؤكد على هذه الجوانب بشكل تام وواضح لتعزيز التماسك الاجتماعي ورفض أي مظهر من مظاهر الانحراف السلوكي، فالقيم الإسلامية تكتسي طابع تجسيد الأوامر الربانية وبالتالي تنال حظا وافرا من القدسية والتعظيم، لذلك يكون ترسيخها سلسا مع الناشئة في مجتمع مغربي يعد الدين الإسلامي مرجعيته الأساسية.
5 ـ القيم من خلال منهاج التربية الإسلامية:
شهد منهاج التربية الإسلامية تغييرات جمة، مست في كثير من الأحيان جوهر المادة المدرسة، فقد كانت الغاية منذ ظهور منهاج التربية الإسلامية تحقيق أهداف تربوية يكتسب من خلالها المتعلم قيما روحية تتماشى مع الواقع وتتقاطع بشكل كبير مع التوجيهات الإسلامية الحنيفة، وفي هذا الصدد يمكن ذكر جملة من التغييرات[13] على مستوى منهاج التربية الإسلامية.
أـ منهاج 1990 لمادة التربية الإسلامية: كانت القيم الدينية حاضرة بشكل مضمر وغير مصرح بها في دروس في علم أصول الفقه، وعلوم القرآن، والحديث، والفقه، والسيرة..
ب ـ منهاج سنة 2000: حيث تم اعتماد نظام الوحدات ومقاربة الكفايات ومدخل التربية على القيم اتجه منهاج مادة التربية الإسلامية نحو الموضوعات القيمية، غير أن هذا المنهاج لم ينص على قيمة كبرى أوقيم معينة.
ج ـ منهاج مادة التربية الإسلامية الحالي 2016: بعد صدور البلاغ الملكي بمدينة العيون بتاريخ 6 فبراير 2016. الذي تضمن قرار جلالته ضرورة مراجعة برامج ومقررات تدريس التربية الدينية في المدارس العمومية والخصوصية، وكذا مؤسسات التعليم العتيق، وأكد البلاغ على ضرورة إعطاء أهمية أكبر للتربية على القيم الإسلامية السمحة، والقيم الأصيلة للشعب المغربي، وعلى التفاعل الإيجابي والانفتاح على مجتمع المعرفة وعلى مستجدات العصر.
فتضمن بذلك المنهاج الحديث منظومة قيمية. تتشكل من قيمة مركزية وقيم ناظمة. و لاشك أن هذه القيمة ستنعكس على طبيعة اختيار مفردات المنهاج في مختلف الأسلاك والمستويات، حيث سنلاحظ أن العديد من مفردات المنهاج ( الموضوعات) ستكون ذات طبيعة قيمية محضة. في مختلف المداخل، فضلا على أنه حتى باقي المفردات الأخرى تتضمن أبعادا قيمية بشكل ضمني ومضمر.
ثانيا: القيم من خلال مادة التربية المدنية:
أقرت مادة التربية المدنية والتربية على المواطنة العديد من القيم والمبادئ الاخلاقية والحقوقية بوصفها نمادج يحتذى بها لتربية الناشئة على السلوك والمواطنة النشيطة، وبخصوص المنهاج التربوي فهو ” يركز على أربع محاور على مستوى الغايات والقيم، منها قيم المواطنة وقيم حقوق الانسان ومبادئها الكونية “[14] كما نجد أن الرؤية الاستراتيجية أكدت على ” جعل التربية على القيم الديمقراطية والمواطنة الفاعلة، وفضائل السلوك المدني والنهوض بالمساواة، ومحاربة كل أشكال التمييز خيارات استراتيجيا لامحيد عنه”[15]
1ـ مفهوم المواطنة:
تتعدد مفاهيم المواطنة وقد اقتصرنا في مقالنا هذا على معنيين أحدهما لغوي والآخر اصطلاحي، والغاية محاولة تقريب المفهوم من المتلقي.
مفهوم المواطنة لغًة: تُعرف المواطنة بالإنجليزية: Citizenship) لغةً بأنّها مصطلح مشتق من كلمة الوطن، وهو المكان الذي يُقيم فيه الإنسان سواء وُلد فيه أم لم يولد، والفعل منه (وَطَنَ) بمعنى أقام أو اتّخذ وطناً، والمواطنة مصدر الفعل (واطن) على وزن فاعل ويأتي بمعنى شارك؛ أيّ شارك بالمكان مولداً وإقامة[16]
مفهوم المواطنة اصطلاحًا: تُعرف المواطنة اصطلاحًا بأنّها علاقة متبادلة بين الأفراد والدولة التي ينتمون إليها ويُقدّمون لها الولاء؛ ليُحصلوا فيما بعد على مجموعة من الحقوق المدنية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وتُعرف المواطنة أيضاً وفقاً لدائرة المعارف البريطانية بأنّها علاقة بين الفرد والدولة يُحدّدها قانون الدولة بما تتضمّنه من حقوق وواجبات. [17]
2: نماذج من المبادئ والقيم المستهدفة في مادة التربية المدنية أو التربية على المواطنة:
تسعى البرامج التربوية لمادة التربية على المواطنة؛ إلى ترسيخ مبادئ وقيم المواطنة النشيطة وحقوق الإنسان، والملاحظة أن هذه البرامج تستهدف ثلاث عناصر كبرى في السلك الاعدادي مثلا وهي التعرف على القيم والمبادئ الإنسانية، ومثال ذلك قيم الكرامة الحرية المساواة الديمقراطية بمرحلة الأولى إعدادي، وقبلها التأكيد على الحقوق والواجبات بالمرحلة الابتدائية، وعند انتقال المتعلمين إلى المستوى الثاني إعدادي نجد التركيز منصبا على المؤسسات الوطنية الدستورية الوطنية والمحلية وحقوق الإنسان، حيث جاء في برنامج مادة التربية على المواطنة للسنة الثانية إعدادي في خطاب موجه التلميذ والتلميذة بهذا المستوى مايلي ” سبق لك أن تعرفت في دروس السنة الأولى من التعليم الثانوي الاعدادي المفاهيم المركزية المؤسسة لحقوق الانسان، والتربية على المواطنة، أما موضوع برنامج هذه السنة فسيفتح لك نافذة للاطلاع على الدستور والمؤسسات الدستورية الوطنية والمحلية، وحقوق المواطنة وواجباتها”[18] لينتقل برنامج دروس السنة الثالثة إعدادي في مادة التربية على المواطنة إلى تدريس طرق تطبيق تلك المبادئ والحقوق والمشاركة الفعالة في المحيط المحلي والوطني والمدرسي، فنجده يخاطب متعلمي ومتعلمات هذا المستوى بالقول ” ستعملان في برنامج السنة الثالثة ثانوي اعدادي على ممارستها وتطبيقها بشكل فعلي وملموس في حياتكما اليومية، لذا فهذا البرنامج الذي يتمحور حول موضوع المواطنة، ممارسة تربوية يسعى لجعلكما مواطنين نشيطين في مجتمعكما المحلي والوطني”[19]
فنلاحظ أن البرنامج الدراسي لمادة التربية على المواطنة بالسلك الاعدادي انتقل بشكل تدريجي من التعريف ببعض المفاهيم والقيم الحقوقية، لينتقل إلى الحديث عن المؤسسات الديمقراطية والدستورية المحلية والجهوية والوطنية، وأيضا الحقوق الدستورية والدولية، ليتم الانتقال إلى التدرب على ممارسة هذه القيم الحقوقية داخل المجتمع في شكل منظومة مترابطة ومتراصة بشكل متدرج ومنطقي.
نستشف أن التربية المدنية تعرف غزارة القيم المقدمة للمتعلمين وفق برنامجها في مختلف المستويات الدراسية، حيث يتلقى المتعلم هذه القيم بشكل متدرج ليصل لترسيخها في نهاية السنة الثالثة إعدادي، إلا أن الملاحظ هو توقف التربية المدنية في هذا المستوى وعدم استمرارها مع المتعلمين للمستويات الموالية، وقد يكون لصناع القرار تبريراتهم الخاصة حول هذا الاختيار، لكن نعتقد أنه لا ضير في التفكير في إدراجها في المستوى التأهيلي بشكل يتناسب والفئة العمرية المستهدفة.
ثالثا: الصفات الواجب توفرها في المدرس للترسيخ القيم:
من خلال الاحتكاك بميدان التعليم والاستطلاع الميداني يمكن القول أن تدريس مواد تحوي مضمونا قيما، تفرض حتما على مدرسها التقيد بجملة من القواعد وذلك بغية تحقيق الأهداف المرجوة وترسيخ القيم بالمدرسة المغربية، ومن بين هذه القواعد يمكن أن ندرج ما يلي:
ــ المدرس قدوة المتعلمين: إن التصور السائد عند المتعلمين هو أن المدرس قدوة لهم فهو في موقع الناصح والمرشد والموجه، فلا يجوز بأي وجه من الأوجه أن يحيد المدرس عن القيم التي ينادي بها داخل الفصل الدراسي.
ــ من واجب المدرس الاقتناع بما يدرس: لا يمكن تحقيق الغايات المسطرة والمخطط لها إن غابت القناعة التامة عند المدرس بما يقدمه لمتعلميه، فلابد أن تتجسد القيم في قناعات المدرس وألا يتحفظ على أيمنها لأن ذلك يعني إحداث خلل في عملية البناء المعرفي القيمي.
ــ التمكن المعرفي والتواصلي التام: إن الحديث عن القيم كضوابط تخلق لدى بعض المتعلمين قابلية التمرد عليها أحيانا لذلك وجب على المدرس أن يتصف بالروح النقدية وأن يربي في المتعلمين بناء المواقف وأن يكون قادرا على الإجابة والتفاعل البناء مع متعلميه بشكل يحقق الإقناع، ولا يمكن لذلك أن يتأتى إلا إن كان المدرس متمكنا من الكفايات التواصلية والمادة المعرفية.
ــ القيم تترسخ بدافعية التحبيب والترغيب: لا وجود لقيم بالعنف أو الإكراه فإن كان الدين الإسلامي لا يفرض اعتناق الدين بالإكراه فكيف الحال بالنسبة للقيم، لذلك وجب على المدرس إنتاج طرق إبداعية تجعل من القيم المدرسة قيما محببة يتمثلها المتعلمون ويقبلون عليها رغبة لا رهبة.
ــ المدرسة مجتمع صغير: بالنسبة للمدرسة هي عبارة عن مجتمع مصغر يمكن من خلالها ترسيخ القيم، وذلك من خلال تجسيدها عبر الممارسات الصفية وداخل أروقة المؤسسة والأنشطة المدرسية، والهدف من ذلك إنتاج ناشئة قادة على نقل القيم من المحيط المدرسي إلى رحاب المجتمع.
ختاما يمكن القول أن مادتي التربية الإسلامية والمدنية تحتاجان المزيد من المجهود من أجل تفعيل دورها في أوساط مدرستنا المغربية، فالتربية الأخلاقية القيمية ضرورة ملحة لبناء مجتمع يؤمن بروح المواطنة ويحترم بعضه بعضا عبر تمثل الممارسات الأخلاقية الحسنة، التي يمكن أن نتشربها من المدرسة المغربية.
قائمة المصادر والمراجع:
- القرءان الكريم
- . الادب المفرد صحيح البخاري، دار الفكر بيروت لبنان
- التربية الإسلامية في تكوينها، لعلي خليل مصطفى، دار الفكر العربي؛ القاهرة
- . دليل الاستاذ والاستاذة، التجديد في الاجتماعيات السنة الثالثة من التعليم الثانوي الاعدادي
- كفايات التاهيل المهني، التباري نباري، الدار العالمية للكتاب، الدارالبيضاء، المغرب، ط1، 2018
- مجلة تربيتنا؛ موقع دار الافاق للطباعة والنشر، الدارالبيضاء؛ العدد 2.
- . سلسلة أهداف التربية الإسلامية، تاليف ماجد عرسان الكلياني، مكتبة دار التراث، ط 2؛ 1982المدينة المنورة.
- . منهاج التربية الإسلامية سلكي الثانوي والاعدادي والتاهيلي للتعليم العمومي والخصوصي، يونيو 2016.
- الرؤية الاستراتيجية 2015 ـ 2030
- الكتاب المدرسي النجاح في الاجتماعيات؛ مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء؛ ط 2018. –
- – الكتاب المدرسي التجديد في الاجتماعيات للسنة الثالثة اعدادي؛دار التجديد للطباعة والنشر؛الرباط؛ طبعة 2023
- الندوة التربوية السادسة:” قراءة في كتاب: سؤال القيمة المركزية والقيم الناظمة في منهاج مادة التربية الإسلامية من التصور المنهاجي إلى التنزيل الديداكتيكي 12 يونيو 2021
- علاء الدين جنكو، المواطنة بين السياسة الشرعية والتحديات المعاصرة، العراق،جامعة التنمية البشرية في السليمانية
[1] التربية الإسلامية في تكوينها، لعلي خليل مصطفى، دار الفكر العربي، القاهرة. ص34
[2] الأنبياء 107
[3] الادب المفرد صحيح البخاري، دار الفكر بيروت لبنان، ص 100
[4] البقرة، 185.
[5] التربية الإسلامية في تكوينها، لعلي خليل مصطفى، دار الفكر العربي، القاهرة. ص43 52
[6] التربية الإسلامية في تكوينها، لعلي خليل مصطفى، دار الفكر العربي، القاهرة. ص43 52
[7] دليل الأستاذ والأستاذة: التجديد في الاجتماعيات: السنة الثالثة من التعليم الثانوي الاعدادي، ص 21.
[8] كفايات التاهيل المهني، التباري نباري، الدار العالمية للكتاب، الدارالبيضاء، المغرب، ط 1، 2018
[9] مجلة تربيتنا، العدد 2، رمضان 1420، ص 122
[10] نفس المرجع، ص 122
[11] سلسلة أهداف التربية الإسلامية، تأليف الدكتور ماجد عرسان الكيلاني، ص 61.
[12] منهاج التربية الإسلامية سلكي الثانوي الاعدادي والتأهيلي العمومي والخصوصي، يونيو 2016 ص 8.
[13] عبد المنعم الدقاق، الندوة التربوية السادسة:” قراءة في كتاب: سؤال القيمة المركزية والقيم الناظمة في منهاج مادة التربية الإسلامية من التصور المنهاجي إلى التنزيل الديداكتيكي،22 يونيو 2021.
[14] منهاج التربية الإسلامية سلكي الثانوي الاعدادي والتأهيلي العمومي والخصوصي، يونيو 2016 ص 8.
[15] نفس المرجع السابق، ص 8.
[16] علاء الدين جنكو، المواطنة بين السياسة الشرعية والتحديات المعاصرة، العراق،جامعة التنمية البشرية في السليمانية، ص ص 32،33،35
[17] نفس المرجع السابق
[18] الكتاب المدرسي النجاح في اجتماعيات للسنة الثانية اعدادي، ص 132
[19] الكتاب المدرسي التجديد في الاجتماعيات للسنة الثالثة اعدادي، ص 158