تدريس اللغة الأمازيغية في المغرب بين رهانات الترسيم وإكراهات التنزيل
د. أسامة اليحياوي
تدريس اللغة الأمازيغية في المغرب
بين رهانات الترسيم وإكراهات التنزيل
د. أسامة اليحياوي
جامعة محمد الأول -وجدة
ملخص البحث:
عرف المغرب تنوعًا ثقافيًا ولغويًا عبر تاريخه، وظلّت اللغة الأمازيغية، باعتبارها مكوِّنًا أصيلًا من مكونات الهوية الوطنية، صامدة أمام موجات التعريب والتغريب. ورغم الاعتراف الرسمي بها لغةً وطنية إلى جانب العربية، ما تزال تواجه تحديات عدة على مستوى إدماجها في النظام التعليمي. يهدف هذا البحث إلى تشخيص واقع تدريس الأمازيغية بالتعليم الابتدائي، من خلال استقراء المقتضيات الرسمية، ومقارنتها بالممارسة الميدانية، ورصد الصعوبات التي تعترض المتعلمين والمدرّسين. كما يُبرز البحث حجم التفاوت بين طموح الترسيم وإكراهات التنزيل، ويقترح توصيات عملية للنهوض بتدريس الأمازيغية، ضمانًا لاستمراريتها، ودعمًا لوظيفتها الثقافية والهوياتية. يعتمد البحث مقاربة وصفية تحليلية تستند إلى المعطيات الميدانية وشهادات الفاعلين التربويين، مساهمةً في إغناء النقاش الأكاديمي حول هذه القضية ذات البعد الوطني الراهن.
الكلمات المفتاحية:
اللغة الأمازيغية -تدريس اللغات – التعليم الابتدائي- الهوية الثقافية -السياسة اللغوية – التعدد اللغوي — إكراهات التنزيل – المغرب.
Abstract:
Morocco has long been characterized by cultural and linguistic diversity, with the Amazigh language remaining a fundamental component of national identity despite waves of Arabization and Westernization. Although it has been officially recognized as a national language alongside Arabic, Tamazight still faces numerous challenges regarding its integration into the national education system.
This study aims to assess the reality of teaching Amazigh in primary education by examining official provisions, comparing them with classroom practices, and identifying the difficulties faced by both learners and teachers. The research highlights the significant gap between the ambitions of constitutional recognition and the constraints of implementation, offering practical recommendations to promote the teaching of Amazigh and ensure its continuity as a cultural and identity-bearing language.
The study adopts a descriptive and analytical approach based on field data and testimonies from educational practitioners, contributing to the academic debate surrounding this pressing national issue.
Keywords:
Amazigh language -Language teaching – Primary education – Cultural identity – Language policy – Linguistic diversity – Implementation challenges – Morocco
مقدمة:
لا يختلف اثنان على أن المغرب بلدٌ عرف تنوعًا ثقافيًا وحضاريًا منذ فجر التاريخ. وكما هو شأن كل حضارة وُلدت من رحم التحديات، فإن الشعوب الغربية مثلًا بلغت ما بلغته من التقدم بفضل رصيدها الثقافي والحضاري، الذي راكمته عبر إنتاجاتها وتفاعلاتها، سواء في فترات الانعزال أو من خلال الاحتكاك الحضاري. ولم يكن الأمازيغ، سكان المغرب الأصليين، استثناءً من هذه القاعدة، فقد شكّلوا جزءًا من هذا المسار الحضاري الممتد، وأسهموا في بناء هوية المغرب، من دون أن يُستلبوا ثقافيًا، لا من الشرق ولا من الغرب. بل إنهم استطاعوا، في كثير من المحطات، أن يطوّعوا التأثيرات الخارجية لصالحهم، كما كان الحال مع الفينيقيين، القرطاجيين، والرومان. لقد حافظوا على شخصيتهم الحضارية رغم تقلبات الزمن، وإن كانت بعض فترات الانسلاخ الثقافي قد وقعت، فإنها غالبًا ما كانت نتيجة ظروف اجتماعية وهجرات قسرية، لا اختيارًا واعيًا بقطع الجذور.
وقد عُرف الأمازيغ بعدة تسميات، أبرزها “البربر”، وهي كلمة تعود إلى “بارباروس” الإغريقية، وتعني “الأغراب”، غير أن الأمازيغ اختاروا تأصيل الاسم بما يعبر عن اعتزازهم الذاتي، فربطوه بمعنى “الحر النبيل”. كما أطلقوا على أرضهم اسم “تمازيغت”، أي أرض الأمازيغ. ومع دخول الإسلام، لم يكونوا فقط من المتلقّين، بل من الفاعلين فيه، حيث ساهموا في نشره وبناء دول تحت رايته، دون أن يُضعف ذلك من مناعتهم الثقافية.
رغم موجات التعريب، ظلت اللغة الأمازيغية صامدة، وقد تُوّج هذا الصمود بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وتكريس رسميتها في دستور 2011، الذي اعتبرها لغة رسمية إلى جانب العربية. وقد بدأ إدماجها في قطاع التربية بشكل تدريجي.
ورغم هذه الخطوات، نرى أن اللغة الأمازيغية ما تزال تحتاج إلى مزيد من الدعم لترتقي إلى مكانتها الطبيعية في وطنها. ومن هنا جاءت فكرة هذا البحث كمحاولة للاقتراب من واقعها، من خلال مقاربة وصفية ميدانية تشخص حضورها في حقل التعليم، وتلامس التحديات التي تحول دون تحقق نهضتها المنشودة.
1 – إشكالية البحث:
يُظهر التتبع الموضوعي للشأن اللغوي بالمغرب غنى هذا البلد بتعدد لغاته ولهجاته، المتوزعة جغرافيًا على مختلف مناطقه وأقاليمه. وفي خضم هذا التنوع، تظل اللغة الأمازيغية إحدى الدعامات الراسخة للهوية الوطنية، إلا أن استمرار تراجع تداولها – لأسباب متعددة – قد يُفضي إلى انحسارها وربما اندثارها، على غرار ما وقع للعديد من اللغات الأخرى عبر التاريخ. ولتفادي هذا المصير، أضحى من الضروري ضمان تداولها عبر الأجيال، ويُعد قطاع التعليم أنسب مجال لتحقيق هذا الهدف.
لكن، وبين سهولة التنظير وصعوبة التنزيل، تبرز إشكالية هذا البحث التي نسعى من خلالها إلى تشخيص العقبات التي تعترض تفعيل تدريس اللغة الأمازيغية واقعًا، ويمكن بلورة الإشكالية العامة كالتالي:
ما العوائق التي تواجه تدريس اللغة الأمازيغية في المدرسة المغربية؟
وتتفرع عنها الأسئلة الآتية:
– إلى أي مدى تتقاطع المقتضيات الرسمية مع الممارسة الواقعية؟
– هل استطاعت الأمازيغية أن تُثبت وجودها داخل الفضاء التعليمي؟
– ما طبيعة الصعوبات التي تواجه المتعلمين في تعلّم الأمازيغية؟
– ما أبرز التحديات التي يواجهها مدرّسو اللغة الأمازيغية ميدانيًا؟
– كيف يمكن استشراف مستقبل الأمازيغية كلغة تدريس؟
2 – أهمية البحث وأهدافه:
رغم الحضور اللافت لموضوع اللغة الأمازيغية في النقاش العمومي، فإن كثيرًا من هذا الحضور يظل سطحيًا، متمركزًا حول أصولها أو مشروعيتها، دون أن يُلامس فعليًا حضورها في المسارات الأكاديمية والمناهج التعليمية. من هنا تبرز أهمية هذا البحث الذي يتوجه بالنظر نحو موقع الأمازيغية في التعليم الابتدائي، بما يتيح الإسهام في سدّ فراغ أكاديمي مهم.
ويستمد البحث قيمته من كونه:
– مساهمة تأسيسية لتحفيز بحوث أكثر عمقًا حول الأمازيغية في التعليم؛
– مقاربة ميدانية تنقل الواقع كما هو، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة؛
– وسيلة لتوثيق شهادات أساتذة يمارسون تدريس الأمازيغية، وهو صوت غالبًا ما ظلّ مغيّبًا؛
– خطوة نحو الارتقاء بالدفاع عن الأمازيغية من الفضاءات الإعلامية والحقوقية إلى الحقل الأكاديمي الرصين.
3 – منهج البحث:
اعتمد هذا البحث المنهج الوصفي، بغية الوقوف على وضعية اللغة الأمازيغية في المدرسة المغربية، ورصد مدى فعالية تنزيلها على مستوى التعليم الابتدائي، مع إضاءة السياقات الميدانية المرتبطة بالتجربة.
أولا: اللغة الأمازيغية في الخطاب الرسمي وسبل التنزيل
نقصد بالخطاب الرسمي تلك المرجعيات المعتمدة التي يُستند إليها في إضفاء القيمة والمكانة على القضايا والموضوعات الوطنية، وإبراز أهميتها. وينصرف الحديث هنا إلى اللغة الأمازيغية وتصورات هذه المرجعيات حولها، وحول تنزيلها في قطاع التعليم. وقد حاولنا في هذا البحث تسليط الضوء على البعد المرجعي بمستوياته السياسي والبيداغوجي والاجتماعي، وفق التفصيل الآتي:
ــ سياسيًا:
- التأكيد على ضرورة تدريس الأمازيغية في التعليم الابتدائي، كما جاء في الخطاب الملكي للمغفور له الملك الحسن الثاني بتاريخ 20 غشت 1994.
- إدراج الأمازيغية لأول مرة ضمن التعليم الابتدائي في عهد الملك محمد السادس.
- إصدار الظهير الشريف المؤسس للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، عبر الخطاب الملكي التاريخي بأجدير يوم 17 أكتوبر 2001.
- تضمين الميثاق الوطني للتربية والتكوين، خاصة في فقرته 116، دعوةً إلى إحداث مراكز للبحث اللساني والثقافي في الأمازيغية بالجامعات المغربية.
- منح لجنة التوجيهات والاختيارات التربوية واللجنة البيسلكية متعددة التخصصات أهمية بالغة لتدريس اللغة والثقافة والحضارة الأمازيغية، من خلال الوثيقة الإطار المؤطرة لمراجعة المناهج التربوية.
- توقيع اتفاقية شراكة بين المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ووزارة التربية الوطنية يوم 26 يونيو 2003، نصّت على تشكيل لجنة مشتركة لوضع أرضية لتنزيل الأمازيغية في المسارات الدراسية.
- إقرار الدستور المغربي الجديد للغة الأمازيغية لغةً رسمية إلى جانب اللغة العربية.
ــ بيداغوجيًا:
- إعداد دلائل بيداغوجية وكتب مدرسية مخصصة لستة مستويات.
- إعداد مصوغات للتكوين المستمر في تدريس الأمازيغية.
- تكوين أكثر من 500 مدير(ة).
- تكوين ما يفوق 1500 أستاذ(ة) متخصص(ة) في تدريس الأمازيغية.
ــ على مستوى المذكرات الوزارية:
- المذكرة الوزارية رقم 108 بتاريخ شتنبر 2003، بشأن إدماج تدريس اللغة الأمازيغية في المسارات الدراسية.
- المذكرة الوزارية رقم 82 بتاريخ 20 يوليوز 2004، حول تنظيم دورات تكوينية في بيداغوجيا وديداكتيك الأمازيغية.
- المذكرتان الوزاريتان رقم 90 (19 غشت 2005) ورقم 130 (12 شتنبر 2006)، المتعلقتان بتدبير تدريس الأمازيغية وتكوين أساتذتها.
- المذكرة الوزارية رقم 07/133 بتاريخ 12 أكتوبر 2007، بشأن تعميم تدريس اللغة الأمازيغية بشكل تدريجي، مع اعتماد منهاج جديد يقوم على مبدأ تعددية الكتاب المدرسي وتنظيم إيقاعات الدرس اللغوي في السنة الخامسة من التعليم الابتدائي.
- المذكرة الوزارية رقم 116 بتاريخ 26 شتنبر 2008، حول تعميم تدريس الأمازيغية على الصعيد الوطني.
ــ اجتماعيًا:
خصصنا هذا المحور باعتباره دافعًا أساسًا وفاعلًا مهمًا فيما أقرّته المرجعيات الرسمية. فاللغة الأمازيغية تتمتع بحضور وامتداد اجتماعي قوي داخل المجتمع المغربي، إذ تُعدُّ اللغة الأم لفئة واسعة من المغاربة، ولغة تداول يومي في العديد من جهات المملكة.
وقد أورد أحمد بوكوس في كتابه “مسار اللغة الأمازيغية: الرهانات والاستراتيجيات“ جملة من الاعتبارات التي كانت وراء ترسيم الأمازيغية، يمكن تلخيصها فيما يلي:
- عمقها التاريخي الممتد عبر حضارات المغرب المتعاقبة.
- اعتبارها عنصرًا أساسيًا في الثقافة الوطنية والإرث الحضاري المشترك.
- تمثيلها إحدى الرموز الثقافية واللغوية والحضارية للشخصية الوطنية.
- تحميل الجميع مسؤولية النهوض بها.
- تمتعها بالمشروعية القانونية في إطار الاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية.
- البُعد الاجتماعي المتمثل في ارتفاع نسبة المتكلمين بها.
- البُعد السياسي المتمثل في ترسيخ قيم الديمقراطية والتعددية وحق الاختلاف[1].
وعليه، يمكن القول — وفق تعبير بوكوس — إن ترسيم الأمازيغية قد انتقل بها من وضع رمزي إلى وضع مؤسساتي، بما يتيح إرساء مكانتها اللائقة ضمن المنظومة الوطنية[2].
ثانيا: رصيد الأمازيغية في قطاع التعليم
يكتسي التعليم مكانةً مركزية في حياة الأمم والشعوب، إذ نصّت مختلف المرجعيات الوطنية والدولية على ضرورة التعلم، واعتباره قاطرة لتحقيق التنمية الشاملة، ووسيلة للارتقاء بالأفراد والمجتمع إلى أسمى المراتب. ومن ثم، فإن الدول التي تولي عناية خاصة لتعليمها تُعد في الغالب قوية البنية سياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا، وثقافيًا. وبذلك أصبح التعليم معيارًا حاسمًا يُقاس به تقدم الأمم ورقيها.
وفي هذا الإطار، عرف المغرب عبر مسيرته السياسية والتاريخية العديد من النظريات والمشاريع الإصلاحية، سواء على المستوى العام أو في المجال الديداكتيكي، بهدف جعل التعلم منطلقًا حقيقيًا لنهضة البلاد وتحقيقًا لمتطلبات التنمية المستدامة. وقد شكّلت القضية اللغوية أحد أبرز مرتكزات هذه الإصلاحات، بالنظر إلى تنوع الإرث اللغوي المغربي وما يميّز الخصوصية المغربية من تعدد لغوي ولهجي. ذلك أن اكتساب المتعلم لعدة لغات يُسهّل اندماجه الاجتماعي والمهني، ويعزز فرص انخراطه في الحياة العامة.
وانطلاقًا من هذا التصور، كان من اللازم تنويع لغات التدريس وتطوير مناهجها، لاسيما تلك التي باتت مهددة بالاندثار والطمس تحت تأثير التعريب والتغريب معًا.
وقد جاء إدراج الأمازيغية في التعليم الابتدائي في هذا السياق، ضمن أهداف وغايات محددة يتعين تحقيقها خلال الحصص الدراسية، كما نصّت عليها المذكرات الوزارية[3] ذات الصلة، والتي سيأتي بيانها لاحقًا. ومن أبرز هذه الأهداف والغايات:
- المساهمة في تحقيق الغايات الكبرى لنظام التربية والتكوين، لاسيما فيما يتصل بالتربية على القيم الإسلامية، والهوية الحضارية، وقيم المواطنة.
- تعزيز الوعي بالذات المغربية ومقومات الشخصية الوطنية، بما يسهم في تنمية الإبداع انطلاقًا من الخصوصية الثقافية المغربية، والتحرر من التبعية الفكرية، وترسيخ روح المواطنة.
- تمكين المتعلمات والمتعلمين من الانخراط بفاعلية في شتى مجالات الحياة.
- تمكينهم من التعرف على البعد الأمازيغي للثقافة والحضارة المغربيتين، مع الانفتاح الإيجابي على الحضارات والثقافات الأخرى، والتفاعل البناء مع المستجدات العلمية والتكنولوجية.
- إتاحة المجال أمام الثقافة واللغة الأمازيغيتين للقيام بدورهما الكامل في تحقيق التنمية، سواء على المستوى المحلي أو الوطني.
- تدريس اللغة الأمازيغية باعتبارها لغة تواصل يومي وأداة للإبداع الثقافي.
- تعميم تدريس الأمازيغية على جميع المتعلمات والمتعلمين بمختلف أسلاك التعليم، مع مراعاة خصوصياتهم الثقافية واللغوية.
ويتبين من هذه الغايات والمبادئ الأهمية البالغة التي أصبحت تحظى بها اللغة الأمازيغية داخل منظومة التربية والتكوين.
وفي هذا الإطار، خُصص للغة الأمازيغية غلاف زمني محدد بالسلك الابتدائي، كما جاء في المذكرتين الوزاريتين رقم 130 بتاريخ 12 شتنبر 2006، ورقم 07/133 بتاريخ 12 أكتوبر 2007. وقد اقترحتا سيناريوهات مرجعية للاستئناس بها أثناء إعداد وتدبير الزمن المدرسي الخاص بمكونات اللغة الأمازيغية.
وتم تحديد الغلاف الزمني الأسبوعي المخصص لهذا المكون في ثلاث ساعات، موزعة كما يلي:
- التواصل الشفوي: 30 دقيقة أسبوعيًا.
- مكون القراءة: 30 دقيقة أسبوعيًا.
- مكون الكتابة: 30 دقيقة أسبوعيًا.
- مكون التوظيف اللغوي: 30 دقيقة أسبوعيًا.
- مكون الأنشطة الترفيهية: 30 دقيقة أسبوعيًا.
- التقويم والدعم: 30 دقيقة أسبوعيًا.
ويعرض الجدول أدناه توزيع هذا الزمن بشكل تفصيلي حسب المكونات:
| المكونـــات | المدة الزمنية الأسبوعــية |
| التواصل الشفوي | ثلاثون دقيقة |
| القراءة | ثلاثون دقيقة |
| الكتابة | ثلاثون دقيقة |
| التوظيف اللغوي | ثلاثون دقيقة |
| الأنشطة الترفيهية | ثلاثون دقيقة |
| التقويم والدعم | ثلاثون دقيقة |
قدمت المذكرات الوزارية كذلك توزيعا سنويا للغة الأمازيغية، بحيث يقدم البرنامج السنوي في 32 أسبوعا، زيادة على أسبوع الإعداد في بداية السنة وأسبوع إضافي خاص بإجراءات آخر السنة، كما يتكون البرنامج السنوي للأمازيغية في ثمان وحدات ديداكتيكية تخصص ثلاث أسابيع لكل وحدة، بحيث بعد كل وحدتين يخصص أسبوعان خاصان بالتقويم والدعم.
وقد تم التأكيد على أساسيات من خلال هذا التوزيع، ومنها ضمان التسلسل لتحقيق الانسجام بين مكونات اللغة الأمازيغية بشكل خاص بين مقرر السنة الواحدة، وبشكل عام وشمولي فيما يخص جميع المقررات، ومن أساسيات التوزيع أعلاه الانسجام بين اللغة الأمازيغية وباقي المواد تحقيقا للكفايات.
ثالثا: العثرات التي تواجه تدريس الأمازيغية
إن الناشئة المغربية تعيش وسط مجتمع سمته التنوع الثقافي والحضاري، لكن هذه الناشئة يتهددها بشكل دائم خطر الاستيلاب الثقافي والذي قد يحدث بقصد أو بغير قصد، لذلك فإن أول مشكل يواجه اللغة الأمازيغية كمادة تدريس هو التأثير الذي يتعرض له التلميذ في الوسط المجتمعي الذي يعيش فيه، فقوة الأمازيغية كمادة تدريس تقاس بحضورها في الوسط المجتمعي، ولننقل الوضع المجتمعي للغة الأمازيغية بشكل موضوعي على لسان أهل الاختصاص حيث يشير أحمد بوكوس في كتاب مسار اللغة الأمازيغية إلى أن حظها في وسائل الإعلام يبقى ضعيفا، حيث أشار للصحافة الورقية وانتقد ما أسماه التقشف في الشق الأمازيغي فيها وفي البرامج التلفزية، وإن كان قد أثنى على مشروع إطلاق القناة الأمازيغية سنة 2010 إلا أنه تمسك بموقفه المؤكد لهشاشة تواجد الأمازيغية بوسائل الإعلام[4].
ويمكن تأكيد ما جاء على لسان بوكوس بمعطيات واقعية، حيث نجد الإشهارات يغيب عنها العنصر الأمازيغي باستثناء وصلات إشهارية من حين لآخر، عكس العامية المغربية والفرنسية، نجد كذلك جانب الإنتاج السينمائي الذي يساهم استعمال اللغة فيه في توسيع مجالات استعمالها خاصة أننا نربط الأمر هنا بمطلبنا هذا الخاص بقطاع التعليم.
جانب النشر هو الآخر يعرف افتقارا لاستعمال اللغة الأمازيغية فهو مجال لم تقتحمه بقوة، إذن فالإعلام جانب مهم وسلطة رابعة ــ بل أولى أحيانا ــ فهي تصنع الرأي العام وبالتالي هي مدخل التأثير على الناشئة.
نجد مشكلا خطيرا في تحدي الأمازيغية كونه من رواسب الفترة الكولونيالية، وهو الهيمنة الفرنكوفونية على معظم المجالات في المجتمع المغربي، فلازالت تركة الاستعمار اللغوية ثقيلة داخل المجتمع المغربي ف” عندما استولت سلطة الحماية على مقاليد الحكم في بلادنا، كان كل ما أحدثه في المغرب من ألفه إلى يائه على النمط الفرنسي وباللغة الفرنسية والأساليب الفرنسية”، [5] فعقود الأبناك والشركات الآن تكتب باللغة الفرنسية والمراسلات الإدارية وإدارة الضرائب بالفرنسية، تقارير المستشفيات والتشخيصات والتحاليل بالفرنسية، عقود التأمينات والعقود الشخصية كذلك تكتب بالفرنسية، ناهيك عن أسماء بعض الشركات والمقاهي وفواتير الماء والكهرباء هي الأخرى تحرر بالفرنسية، فهناك أشياء لا تحتاج أن تكتبها بلغة أجنبية ولكن نكتبها[6]، والأكثر خطورة كما نراه هو أن اللغة الفرنسية أصبحت أداة للميز الطبقي والاجتماعي، فالنخبة هم من يتكلمونها، فاللكنة التي تجمع بين العامية واللغة الفرنسية هي لغة حوار تلك الطبقة، فأصبح التلميذ وسط هذا المشهد يحاول جاهدا أن ينغمس في تعلم وإتقان اللغة الأجنبية خاصة إن قبلنا أنا أداة من أدوات استفحال البطالة في المجتمع خاصة في حق حملة الشواهد.
من خلال كل هذا يتضح جليا تأثير الوسط الاجتماعي على التلميذ وميولاته وهذه أبرز العراقيل والمشاكل الخارجية التي تواجه الأمازيغية كلغة تدريس.
داخليا ــ الوسط التعليمي ــ تعاني الأمازيغية من عدة إكراهات وهذا ما تم رصده من خلال تقرير المجلس الأعلى للتعليم والتكوين والبحث العلمي سنة 2009[7].
ففيما يخص المذكرات التنظيمية فأغلبها لا تفعل بشكل شامل، وفيما يخص الموارد البشرية فقد تحدث المجلس الأعلى عن نقص في عدد المدرسين والمفتشين والمدربين، أما في شق التعليم العالي الذي ينتج الأطر الخاصة بالتدريس، فقد رصد التقرير إدراجا غير شامل للغة الأمازيغية بالمنظومة التعليمية، لذلك اقترح الاشتغال على استراتيجية مندمجة لتجاوز هذه الأزمة التي تعاني منها اللغة الأمازيغية، فأكد التقرير على ضرورة وضع إطار واضح المعالم لتدريس الأمازيغية وثقافتها وذلك وفقا لما يلي:
- أن يكون الإطار ثمرة تعاون بين الوزارة الوصية والمعهد الوطني للثقافة الأمازيغية.
- أن يحقق الانسجام بين جميع المرجعيات التربوية والتنظيمية من أجل تدارك العثرات.
- وجوب المساهمة في الأوراش التي يطلقها المعهد الوطني للثقافة الأمازيغية.
وفيما يخص تحقيق الانسجام بين مرجعيات إدراج الأمازيغية في المنظومة التربوية، نص التقرير على خطوات متنوعة أهمها:
- التأكيد على تعزيز هذه المرجعيات بمختلف النصوص التنظيمية المساهمة في تطبيقها.
كما أكد التقرير على ضرورة وضع مخطط توقعي لإعداد وتأهيل الموارد البشرية وذلك عن طريق إحداث شعب وصيغ لتكوين المكونين والمدرسين وأطر التفتيتيش الخاصة بتدريس الأمازيغية، وكذلك الحث على تشجيع إحداث مسالك للدراسات الأمازيغية وذلك بتنسيق مع الجامعات.
من خلال هذه التوصيات والمقومات التي جاءت في تقرير المجلس الأعلى للتعليم والتكوين والبحث العلمي سنة 2009 تتضح تماما مكمن الخلل والعثرات والنواقص والثغرات، التي وجب إغلاقها لتنال الأمازيغية مكانتها ويتحقق استشراف تدريسها كمشروع مستقبلي هام لتأهيل الناشئة وتقوية قدراتها التواصلية، ونكون بذلك قد أعطينا الأهمية المستحقة للغة الأم كما سنحقق تطوير أبجدياتها، تأليفا وتكوينا وتدوينا وتوثيقا، وبذلك كسب الرهان السياسي والمعرفي.
خاتمة
إن المتتبع للخطابات الرسمية للمملكة المغربية، وللخطاب الإعلامي والصحفي، بل وحتى للمتون الأكاديمية، يلحظ بوضوح تزايد الاهتمام باللغة الأمازيغية، حتى لا يكاد يوجد مثقف يدرس المشهد الثقافي المغربي إلا ويتوقف عند قضايا الأمازيغية، مكانتها، وضرورة منحها المنزلة اللائقة بها. وقد ظهرت استجابات عملية لهذا الاهتمام في الواقع المعاصر، تجسدت في الإعلانات الإشهارية، والقنوات التلفزية، والوثائق الإدارية، وغيرها من الميادين.
غير أن طموح المثقفين المنافحين عن الأمازيغية تجاوز هذه الخطوات الأولية، إذ ظل الهدف الأساسي إعادة الأمازيغية إلى فضائها الطبيعي بين أبنائها، لغة نطق وتواصل يومي في مختلف مجالات الحياة. وكان التعليم بمثابة المضمار الأول الذي ينبغي أن تلجه بقوة، تجسيدًا للتعليمات السامية لصاحب الجلالة، وتنزيلًا للمذكرات الوزارية ذات الصلة، من خلال إدراج تدريس الأمازيغية بالتعليم الابتدائي، وتوفير تكوينات متخصصة للأطر التربوية المعنية.
غير أن أي مشروع — مهما بلغت أهميته — تعترضه عوائق وإكراهات موضوعية كان من الضروري تشخيصها. لذلك جاء هذا البحث مساهمةً في هذا التشخيص، من خلال استقراء آراء الأساتذة الممارسين وأهل الاختصاص، وتقديم مقترحات لمعالجة الصعوبات التي تعترض ولوج اللغة الأمازيغية ميدان التعليم.
وقد أفضى هذا العمل إلى مجموعة من الخلاصات المهمّة التي ينبغي التوقف عندها، من أبرزها:
- اللغة الأمازيغية لغة أم لعدد كبير من المغاربة، ولغة تواصل حيّة، وهو ما يمنحها قوة وجودية وشرعية طبيعية.
- اللغة الأمازيغية لغة رسمية بموجب الدستور المغربي، الذي أقرّها إلى جانب اللغة العربية.
- إدراج الأمازيغية في التعليم تمّ وفق مذكرات وزارية وضبط زمني مدرسي محدد.
- تعاني اللغة الأمازيغية من مجموعة من الإكراهات داخل الفصول الدراسية، من أبرزها:
- ضعف التكوينات التربوية المتخصصة.
- نقص الوسائل الديداكتيكية الملائمة.
- مشاكل تنظيمية على مستوى تدبير الزمن والموارد البشرية.
- تعدد اللهجات، مما يطرح صعوبات في توحيد تدريسها بحسب المناطق.
- تحتاج اللغة الأمازيغية إلى مزيد من الاجتهادات التربوية والبيداغوجية لتعزيز قيمتها التعليمية، فالأمم التي تحترم لغتها تصون حضارتها.
- المنظومة التعليمية والوزارة الوصية مطالبتان بمضاعفة الجهود من خلال:
- تعزيز الموارد البشرية المؤهلة.
- تكثيف التكوينات المستمرة.
- الرفع من الزمن المدرسي المخصص لها.
- إدراجها تدريجيًا في التعليم الثانوي بشقيه الإعدادي والتأهيلي.
- اللغة الأمازيغية قضية وطنية جامعة تهمّ كل من يحمل الهوية المغربية، وليست شأن فئة دون أخرى.
ومن خلال ما سبق، يتضح موقع اللغة الأمازيغية ضمن منظومة الهوية المغربية، ومدى الحاجة الملحة إلى تعزيز حضورها في مختلف المجالات، وفي مقدمتها قطاع التعليم، الذي لا تزال فيه الأمازيغية تراوح مكانها دون أن تحقق القفزة النوعية المنتظرة.
ولا يأتي هذا القول من فراغ، بل استنادًا إلى ما عبّر عنه المدرسون والممارسون المباشرون لها في حجرات الدرس، الذين يلامسون العقبات يوميًا ممارسةً لا تنظيرًا. ونعتقد — من خلال هذه المعطيات — أن بالإمكان تدارك هذه الإكراهات، وتفعيل الحلول الممكنة، بشرط توافر الإرادة القوية من الجهات الوصية، حتى تصل اللغة الأمازيغية إلى المكانة التي تستحقها ضمن المنظومة الوطنية.
قائمة المصادر والمراجع:
- أحمد بوكوس، مسار اللغة الأمازيغية، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، سنة 2003 الرباط.
- عبد القادر الفاسي الفهري، حوار اللغة، منشورات زاوية الفن والثقافة، الرباط.
- محمد البغدادي، اللغة الأمازيغية في المدرسة المغربية، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية
- محمد الفاسي، التعريب ووسائل تحقيقه، مجلة الأصالة العدد 17ـ18 نونبر دجنبر 1973
- وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي 2009.
1أحمد بوكوس، مسار اللغة الأمازيغية، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، سنة 2003 الرباط ص 30,31
3 وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، الدليل البيداغوجي للتعليم الابتدائي 2009 ص 89/90
4 أحمد بوكوس، مرجع سابق، ص 30.31
5 محمد الفاسي، التعريب ووسائل تحقيقه، مجلة الأصالة العدد 17ـ18 نونبر دجنبر 1973 ص76ـ77
6 عبد القادر الفاسي الفهري، حوار اللغة، منشورات زاوية الفن والثقافة، الرباط، ص37
7 محمد البغدادي، اللغة الأمازيغية في المدرسة المغربية،المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية،ص65