منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“أنفاس في مهب الغياب”

د. عـز الـدين حـدو

0

أنفاس في مهب الغياب

تأليف: د. عـز الـدين حـدو

 

يستعد القارئ الكريم من خلال رواية “أنفاس في مهب الغياب” للغوص في حياة تتداخل فيها الحقيقية بالخيال، حياة يرويها شاب يدعى حسن، الذي تحولت أيامه منذ طفولته إلى مسار دائم في مهب الرياح، حيث يسير ثابتًا رغم عواصف الوحدة وبرد الأيام القاسية. من جبالٍ ترقب صمته ومن وديانٍ عميقة تحتضن أسراره، تبدأ رحلته الخفية التي يحكمها الصبر والأمل.

حسن لم يكن ذلك الفتى الذي تُهزم أحلامه، بل هو رجل حمل في صدره حلمًا أكبر من واقع متقلب. عاش متنقلًا بين بيوتٍ مختلفة، كل بيت منها يخبئ في زواياه قصة أخرى، لم يفصح عنها ولم يشتكِ، بل حفظها في قلبه لتكون حجر أساس في بنائه لنفسه. وفي تلك البيوت القديمة، حيث تترصد الجدران ببرودها كل حركة وكل نفس، وجد حسن ملاذًا في الكتب والمعرفة، وأضاءت عزيمته الظلام الذي أراد أن يُسقطه في هاوية من الجهل والانكسار.

لا تُشبه رحلة حسن تلك الرحلات الهادئة، بل هي ملحمة من الصراع، نسيج من الألم والأمل، حيث يقاوم الوحدة، ويدفعه الشغف إلى صنع مصيره رغم قسوة الظروف. بين الفقر والصمت، يتحدى حسن فكرة الاستسلام، يسير بقلبٍ مفعم بعزيمة الصمود، محاطًا برفاق يؤمنون بالحق، أولئك الذين يملؤون حياته بنورٍ يشعّ وسط الظلام. كل لقاء، كل تجربة، وكل صديقٍ يظهر في طريقه، يترك أثرًا عميقًا في روحه ويجعله يرى العالم من منظور جديد.

ما الذي يجعل هذه الرواية تستحق القراءة؟ إنها ليست مجرد سرد لقصص الأيام، بل هي رحلة تتناول بعمق تجارب الحياة الحقيقية؛ رحلة تسلّط الضوء على القوة المستترة خلف الضعف، والكرامة التي تولد من رحم المعاناة. إنها دعوة للغوص في عوالم تُلهم كل من يبحث عن معنى للألم، وعن حكمةٍ تُبنى من رماد الخيبات، عن حياة يحييها الأمل رغم كل الظروف.

 الفصل الأول:أصداء الفراق: صرخة في مهد الطفولة

تتربع تلك القرية الهادئة بين أحضان الجبال، حيث تمتد التلال الخضراء التي تشكل لوحة طبيعية بديعة، تتنفس الحياة من كل جانب. على مد النظر، تنساب الطرق الترابية الضيقة مثل شرايين تربط بين المنازل الصغيرة المسقوفة بالزنك، والتي تبدو وكأنها تحتمي بظلال الجبال، متعانقة مع حقول القنب الخضراء صيفا، المزينة بأشجار البلوط والأرز طيلة السنة.

في صباح ثلاثاء خريفي مشمس، كان البيت الهادئ بين أحضان الجبال يتهيأ لاستقبال مولود جديد. بين يدي الداية “نا فطيمة”، تلك المرأة التي عرفت أسرار الحياة والموت وذاقت ملوحة السنين، أطلق حسن صرخاته الأولى. كانت صرخة كالرعد، تدوي في أعماق الجبال وتشق سكون الطبيعة. توقف الهواء للحظة، وكأن الكون نفسه استمع بانتباه لهذه الروح الجديدة.

لكن ما كان مشرقًا في ذلك الصباح تبدل سريعًا. مع طلوع فجر اليوم التالي، تحولت السماء الصافية إلى غيوم داكنة، كأنها تبارك القادم الغريب بماء السماء. انهمرت الأمطار بغزارة، وانساب الماء على التلال والوديان، وكأن الأرض نفسها تحتفل به، تغسل آثار العصور السالفة وتتهيأ لاستقبال هذا الفتى، الذي قدّره القدر ليولد بين دفء الطبيعة وقسوتها، بين سكينة السحاب وهدير المطر.

كما تتبدل فصول الطبيعة، يولد الإنسان ليواجه فصولًا متقلبة في حياته؛ قد يأتي إلى الدنيا في يوم مشرق، لكن لا يكتمل نضجه إلا بعد أن تصقله عواصف الأيام.”

في هذه القرية التي يلتقي فيها الوادي بالسهل، ويغمرها الضباب في الصباح الباكر وكأنها تحيا في عالم من الأساطير، كان حسن المولود الجديد يستيقظ على نسيم الفجر، الذي كان يحمله عبر السفوح ليختلط بصوت الأذان المنبعث من المسجد الصغير، البعيد القابع في أسفل القبيلة. وكأن الكون كله يتنفس ببطء في تلك اللحظات، لا يسمع سوى همسات الرياح وزقزقة العصافير التي تجوب السماء الزرقاء الصافية.

ترعرع حسن في بيت جبلي، في كنف أسرة صغيرة تعيش حياة بسيطة تتناغم مع جمال الطبيعة المحيطة. كان هو أصغر أطفالها الثلاثة، كأنما وُلد ليكون الزهرة التي تتفتح بين البراعم الأخرى. لم يشتد عظم حسن بحليب أمه كما يحدث مع سائر الأطفال؛ بل كان يعتمد على حليب معزة رومية، تلك المعزة التي أصبحت أسطورة في عائلته.

تروي والدته بفخر عن تلك المعزة الحمراء ذات الشعر الكثيف، والتي كانت تلد مرتين في السنة، تُعد من أجمل ما تربى في بيتهم من المواشي. كانت تُشبه زهرة حمراء تتلألأ بين الأعشاب، وكانت تمتلئ بالحيوية والنشاط، كما كانت تعطي حليبًا درارًا يُعتبر من أرقى ما يُمكن أن يُقدّم لطفل.

كانت تلك اللحظات تُشكّل عالماً خاصاً لحسن، مليئاً بالحب والرعاية، على الرغم من بساطة الحياة. في كنف هذه الأسرة، بدأ يستكشف العالم من حوله، حيث كانت الطبيعة تفتح له أبوابها وتدعوه ليكون جزءًا من سحرها.

لم تخلُ سنوات حسن القصيرة بين هذه الجبال من لحظات حافلة، وكأن تلك الطبيعة الهادئة أرادت أن تترك بصمتها في ذاكرته الطرية. فلا يزال يتذكر ذاك اليوم وهو في الرابعة من عمره، حين كان يركض مع أصدقائه الصغار على حافة وادٍ عميق، قلوبهم خفيفة كنسيم الجبل، وضحكاتهم تتناثر في الهواء. لكن في لحظة خاطفة، تلاشت ضحكاته ووجد نفسه في قاع الوادي، جسده الصغير مشدوهًا بالألم، وبطنه مفتوحة أمامه، لا يعرف سوى شعور الذهول والخوف.

وحين بدا وكأن العالم حوله أصبح باهتًا، ظهرت جدته، كأنها حارسة الجبل، تتجه نحوه بخطوات سريعة وجازمة، متجاهلة الشوك والأحجار. تلك المرأة التي يرى فيها حسن رمزا للصمود والكفاح، امرأة قاومت قسوة الحياة كمن يتحدى الجبال نفسها. بيدين لا تعرفان إلا الشجاعة، حملته من بين الأشواك وعادت به إلى البيت، لا إلى مستشفى بعيد لا يصل إليه إلا من يمتلك عجائب الطرق.

هناك، في البيت الذي يعرف دفء يديها، جلست الجدة تعالج جرحه، بلطف وخبرة. اندمل الجرح بعد أيام، لكن ظل أثره المادي والمعنوي يرافق حسن حتى اللحظة.

قد يكون الجرح عميقًا، لكن اليد التي تضمّدُه بحب تمنحنا شجاعةً تعيش معنا عمرًا كاملاً

وفي صباح آخر غارقا في برد شتاء قاس، كان حسن ذو الخمس سنوات ينظر بعينيه الصغيرتان من خلف نافذة مغطاة بالغبار، إلى أكوام الثلج التي تتراكم في الفناء شيئا فشيئا وبرتابة هادئة. فقد الثلج في الخارج يتساقط بغزارة، يغطي كل شيء بلونه الأبيض الناصع، لكن قلب حسن الصغير لم يكن يشعر بالبرودة بقدر ما كان مثقلاً بمرارة الفراق. في تلك اللحظات، كان العالم من حوله يتحول بطريقة لم يفهمها بعد. والده ووالدته، السندين اللذين كان يتشبث بهما كطفل في حضن العالم، انقطع بينهما الحبل الذي يربطهما. ووسط هذا الانفصال، وجد نفسه في قلب عاصفة لم يكن يدرك عمقها.

في ذلك اليوم، خرج حسن من بيت جده، مرتدياً حذاءه المطاطي الصغير، الذي بالكاد يحمي قدميه من برودة الثلج الذي كان يعانده في كل خطوة. يتذكر بوضوح إحساس الثلج وهو يعيق رجليه، كما لو كان يحاول منعه من الهروب. من كان معه؟ لا يستطيع أن يتذكر، فالوجوه طمستها سحابة الفراق.

 

كل ما كان يدفعه هو رغبته في البحث عن أمه، التي غادرت إثر خصام بينها وبين والده. كان يسير بخطواته الصغيرة وسط العالم الكبير والمثلج، كمن يبحث عن شاطئ في بحر من الضياع.

كان الثلج يلتصق بحذاء حسن الصغير، يثقل خطواته ويزيد من إحساسه بالضياع، لكنه واصل السير كمن يسابق الريح نحو حلم لم تكتمل ملامحه بعد. وما إن وصل إلى بيت جدته لأمه حتى لمح باباً موارباً، ينفتح على رائحة تختلط فيها الذكريات بدخان المدفأة ‘تشيميليا” التي لم تكن تخلو من أي بين في الشتاء. دخل ببطء، يتعقب الصوت الخافت المتقطع في الغرفة المجاورة، وعندما اقترب رأى أمه تجلس على الأرض، غارقة في دموعها، وصوت بكائها الخافت يتردد في جدران الغرفة الشاحبة. جلس إلى جوارها بصمت، وقد عقد الحيرة لسانه، ولم يجرؤ على طرح أسئلة كانت تختمر في قلبه الصغير.

لم يكن يفهم شيئاً مما يجري حوله. سمع كلمات متفرقة: “طلاق… الرحيل… الأولاد…”، لكنها كانت كلمات ثقيلة على سمعه، بعيدة عن عالم طفولته الذي لا زال ينمو. كل ما عرفه هو أن أمه، تلك المرأة التي تحمل في عينيها دفء العائلة الذي فقده، بدت كمن تذوب أمامه كثلج هذا الشتاء القاسي.

بعد أيام قليلة، وجد نفسه محمولاً على ظهرها وهي تشق طريقها وسط جبال وعرة، قدماه تتدليان وتلامسان أطراف الأشجار التي تزدحم على جانبي الطريق. كان الهواء بارداً، لكنه شعر بدفء قربها، رغم نظراتها الشاردة وصمتها الثقيل. تعلقت يداه الصغيرتان حول عنقها، كأنه يحاول الاحتفاظ بما تبقى له من أمان.

وصلوا إلى الطريق الوطني البعيد، ووقفت هي هناك، تنظر نحو الأفق، ترقب قدوم أول حافلة متوجهة نحو شرق البلاد، وكأنها تنتظر قدراً محتوماً. جلسا على جانب الطريق، وحسن يحدق في السيارات التي تمر، يرقب عالماً لا يعرفه، وحافلات تروح وتجيء، تحمل أناساً غرباء. كانت أول مرة يشعر فيها برهبة العالم الواسع.

مرت الأيام، وحسن يجد نفسه وقد نقلته والدته إلى مدينة بعيدة، بعيداً عن الجبال التي كان يعشقها، وبعيداً عن الوجوه التي ألفها. علّها تجد له فيها ما حُرِم منه إخوته الأكبر منه سنًا، الذين ضاعت آمالهم على طرقات موحشة لا تعرف الرحمة. تلك المنطقة الجبلية التي وُلد فيها، كانت رغم جمالها طبيعتها أشبه بقفص حجري لا نافذة فيه نحو الغد؛ فلا طرق معبدة تصل بينه وبين العالم، ولا كهرباء تضيء لهم حتى بقايا الأمل، ولا وسيلة مواصلات تنقذهم من عزلة فرضتها الطبيعة القاسية. والمدرسة الوحيدة هناك، أشبه بسراب، تفصلها عن بيت حسن وديان عميقة وطرقات ملتوية، كأنما وُجدت لتكون حاجزًا لا يُعبر، وجدارًا بين الطفولة والعلم. لكن في تلك المدينة الجديدة، كان في قلب الأم رجاء خفي، أملاً بأن تنجلي تلك الغمامة، وأن تنفتح أمام حسن أبواب العلم، بعدما أُغلقت بوجه إخوته في تلك الجبال التي لا ترحم.

المدينة كانت للطفل حسن عالم جديد، غريب ومليء بالأسئلة التي لم تكن تجيبها سوى مشاعر متناقضة تعصف بقلبه. لقد شعر وكأنه ولد من جديد، لكن هذه الولادة لم تكن كتلك التي تمنح الأمان، بل كانت مليئة بالتحديات. كان يرى الأطفال الآخرين من حوله يعيشون حياة مليئة بالاستقرار والطمأنينة، بينما هو يحاول أن يفهم كيف انقلبت حياته رأسًا على عقب.

. الطفل الذي يواجه الفراق في سن مبكرة، ينضج سريعًا، ولكن نضجه يكون مثقلًا بالهموم.”

استقر حسن في بيت أحد أقاربه، ولا تزال تلك اللحظة محفورة في ذاكرته، حين ودّع أمه. في صبيحة ذلك اليوم، جثا على ركبتيه، يعفرهما بالتراب، وعيناه غارقتان في الدموع. كان الفراق يمزق قلبه الصغير، وكأن الهواء يهرب من رئتيه مع كل تنهيدة. لم يكن مجرد وداع عادي، بل كان وداعًا للحياة التي كان يعرفها، تلك التي كان يعتقد أنها ستظل ثابتة، ولكنها تفككت أمام عينيه مثل الثلج الذي يذوب تحت أشعة الشمس.

مع مرور الوقت، تعلم حسن درسًا لم يكن على الأطفال في مثل سنه أن يتعلموه بهذه القسوة: أن الحياة لا تعد بالأمان، وأن الفراق جزء من النسيج الذي تشكله. هكذا أدرك حسن، “أن القوة الحقيقية لا تكمن في من نحبهم ونعتقد أنهم سيكونون بجانبنا للأبد، بل في قدرتنا على الصمود حين يسلبنا الفراق منهم، ويتركنا وحدنا في مواجهة العالم.

 الفصل الثاني: بوابة الأمل: التحدي الأول في عالم التعليم

في عمر السادسة، كان حسن يقف لأول مرة أمام بوابة المدرسة، ليس بملامح الحماس المعتادة على وجوه الأطفال، بل بنظرة تختلط فيها الوحدة والترقب. المدرسة التي كانت للبعض مكانًا مليئًا بالألعاب والرفاق، بدت له بوابة إلى عالم غريب، عالم يحتاج فيه إلى إثبات وجوده وسط ضجيج الآخرين.

كان يومه الأول في المدرسة يحمل له خليطًا من الترقب والخوف؛ رائحة القاعات، أصوات الأقدام الصغيرة تركض بين الأروقة، والأطفال يحملون دفاترهم بشغف بريء. دخل حسن برفقة أحد أقربائه، وعيناه تبحثان عن أمان مفقود، يشعر كأن هذا اليوم سيكون بداية جديدة، ورغم الصمت الذي يرافقه، كان الأمل يتراقص في قلبه الصغير. عندما جاء دوره، وقف أمام مكتب مديرة المدرسة، قدم لها القريب أوراق التسجيل.

رفعت المديرة رأسها ونظرت إلى حسن بنظرة ثابتة، تتفحصه كأنها تقيس ما إذا كان يستحق أن يكون واحدًا من تلاميذ هذه المؤسسة. قلبت الأوراق ببطء، حتى وقعت عينها على نقص وثيقة الحالة المدنية. ساد صمتٌ ثقيل وهي ترفع حاجبها بنبرة صارمة وقالت: “أين وثيقة الحالة المدنية؟ لا نستطيع تسجيله من دونها.”

بقي حسن صامتًا، لا يعرف ما الذي تعنيه تلك الورقة، لكنه فهم أنها تنتمي إلى عالم الكبار الذي لم يفهمه يومًا. عالم مزق عائلته، وألقى به في تيه بين الأقارب والمنازل. شعر بارتباك يتسلل إلى قلبه، وقف عاجزًا عن الرد؛ فقد كان بالكاد يعي أن الطلاق قد أخذ منه أبويه، والآن يدرك أن هذا الفراق قد انتزع منه أيضًا حقه في أن يكون تلميذا مثل الآخرين. بدا وكأن تلك الورقة، المفقودة في خضم صراعات لم يكن له يد فيها، وقفت كعقبة جديدة بينه وبين حلمه البسيط بالدراسة.

كانت المديرة تنظر إليه بملامح حازمة، ربما لم تدرك أن كلماتها كانت أثقل من أن يحملها قلبٌ صغير، أو أن عينيه العالقتين على الورقة المفقودة كانتا تنطقان بنداء صامت: نداء يقول لها إنه يحتاج إلى فرصة، يحتاج إلى نافذة يرى منها عالمًا مختلفًا عن ذاك الذي عرفه في طفولته الممزقة. ومع ذلك، أشاحت بصرها، وعادت إلى دفاترها وكأنها لم ترَ شيئًا.

في تلك اللحظة، شعر حسن بثقلٍ لا يوصف. رأى في عينيها حكمًا ظالمًا، كأنما ترفضه لا بسبب ورقة، بل بسبب حياته كلها. كانت الكلمات محبوسة في حلقه، والخجل يطوق صدره، تمنى لو أخبرها عن تلك الليالي التي قضاها منتظرًا أن يلتئم جرح الفراق، عن أحلامه البسيطة في أن يكون له مكان مثل الجميع. لكن، كيف له أن يخبرها؟ لم يتعلم بعد لغة الكبار، ولم يعرف كيف يفسر لها أنَّ وجوده في المدرسة هو الملاذ الوحيد الذي يأمله.

تركها حسن وقد ملأت كلمتها أعماقه بحزنٍ صامت، لكنها لم تزد عينيه إلا إصرارًا على المضي قُدمًا.

عاد حسن في صباح اليوم الموالي برفقة قريبه، يحملان ورقة “التلقيح” كآخر محاولة لدخول ذلك العالم الغريب المسمى “المدرسة”. كان قلب حسن مليئًا بالأمل، يأمل أن تلك الورقة البسيطة قد تشفع له بدخول المدرسة، حيث تخيل أن الصفوف ستفتح أبوابها أمامه، وأن الأحلام التي نسجها طوال الصيف ستتحقق. صعد ببطء درجات السلم، مستجمعًا شجاعته البريئة، حتى وصل إلى باب المكتب الذي وقفت المديرة عنده بالأمس كنذير يغلق عليه الأبواب.

بمجرد أن وقفا أمام المديرة، بسط قريبه ورقة التلقيح أمامها بتردد، يراقب ملامح وجهها الحازم وهي تتفحصها بعينٍ من لا يكترث. رفعت رأسها بحركة حادة ونظرت إليهما بفتور قائلة: “هذه ليست وثيقة الحالة المدنية، لا يمكننا قبولها.”

شعر حسن أن الأحلام قد انهارت في قلبه، وكأن الحياة تتحداه مرة أخرى. كان على وشك الخروج، مطأطئ الرأس وقد تكوَّم الحزن في عينيه الصغيرتين، لكن فجأة، انفتح الباب ودخل رجل طويل القامة، ممتلأ البدن، ملامحه رقيقة وبشوشة، تنبض بالحياة. كان المعلم “الطيبي” الطيب.

لم يلبث المعلم حتى لاحظ المشهد، ورأى في ملامح حسن انعكاسًا للحزن الممزوج بالأمل المكبوت. اتجه إلى المديرة، وتحدث بنبرة رقيقة، موجهًا حديثه إليها كما لو كان يزيل عنها طبقة الصرامة الباردة: “أختي، أليس من حق كل طفل أن ينال فرصة للتعليم؟ هذا الصغير لا ذنب له إن كانت أوراقه ناقصة. لنخدمه بحب؛ لعل في تعليمه خيرًا عظيمًا.”

ترددت المديرة للحظة، كانت تتفحص تعابير المعلم الطيبي كأنها تبحث عن ثغرة، لكنها أدركت صدق كلماته، وفي لحظةٍ من الليونة النادرة، وافقت على تسجيل حسن. نظر حسن إلى المعلم نظرة امتنان، كأنما قد جاء له هذا الرجل كالملاك، مُنقذًا له من ضياع أحلامه الصغيرة.

ومع بداية الدراسة، كان حسن ضمن فصل المعلم الطيبي، وكأنه كان قدرًا يوجهه إلى طريق محفوف بالحب والرعاية. كان المعلم يرحب به كل صباح بلقبٍ خاص: “لزعر الجميل”. لم يكن مجرد لقب عابر، بل كان عنوانًا لبداية حياة جديدة لحسن، كل صباح يستقبله المعلم بقبلة على جبينه وسؤال عن حاله، وكأنما يحاول أن يملأ فراغ الأبوة التي كان حسن يفتقدها.

ومع مرور الأيام، بدأت الوحدة التي كانت ثقيلة عليه تتحول إلى شيء آخر. لم تعد مجرد شعور بالانفصال عن الآخرين، بل أصبحت درسًا جديدًا. “ربما كانت الوحدة مدرسة أخرى، تعلّم الإنسان كيف يصبح صديقه الأول.” لم يكن حسن يبحث عن رفقة يكمل بها فراغاته، بل كان يجد نفسه في رحلة داخلية، يكتشف فيها معاني أكبر مما كان يتوقع. في الفصل الدراسي، لم يكن مجرد تلميذ يتعلم الأبجدية، بل كان يتعلم كيف يقرأ الحياة نفسها. بين الدروس والكتب، كان يتلقى درسًا أعظم: درس الاعتماد على الذات والتوكل على الله في كل خطوة.

الوحدة قد تكون أصعب أنواع الصداقة، لكنها الصداقة الوحيدة التي تُعلِّم الإنسان كيف يعتمد على نفسه.”

كانت تلك هي الحكمة التي ترسخت في نفسه. حسن لم يكن يشارك في الألعاب الصاخبة مثل بقية الأطفال، لكنه كان يتعلم لعبة أكبر: كيف يصبح قويًا في عالم لا يرحم، وكيف يجد الأمل في قلب التحديات.

 الفصل الثالث: بيت الغرباء: وطن مؤقت في حضن العائلة

مع تعاقب السنين، كان حسن ينتقل بين البيوت وكأنه ضيف عابر في حياة الآخرين. البداية كانت في بيت عم والدته، الرجل الطيب الذي كان يستقبل حسن بابتسامة ودعاء بالخير. هناك، بين زوجته وأبنائه، عاش حسن لفترة قصيرة من الهدوء النسبي، وكأن حياته أخذت استراحة من دوامة الفراق المستمرة. كان ذلك البيت يحتضنه لا لكونه بيته الحقيقي، بل لأنه وُجدت فيه قلوب رحيمة. “في أحيان كثيرة، نجد الأمان في القلوب الرحيمة، وليس في البيوت التي نسكنها.”

على الرغم من صغر سنه، كان حسن محبوبًا بين أفراد تلك المنزال والجيران. وجهه الطفولي وبسمته البريئة كانا يجعلان الجميع يميلون إليه. لم يكن يمرّ في زقاق إلا وتوقفت الأيدي على رأسه للمسح أو على جيوبه الصغيرة لوضع قطعة نقدية أو حلوى. وكان حسن بدوره يرد الجميل بطريقة بسيطة، فقد عُرف في الحي بأنه لا يرد طلبًا للعجائز خاصة، يخدمهم بابتسامة صافية، حتى وإن حملت تلك الخدمة عبئًا على كتفيه النحيلين. “في بعض الأحيان، يجد الإنسان الراحة في القلوب الطيبة، حتى وإن لم تكن من دمه.”

في أحد صباحات العطلة الصيفية الأولى لحسن في هذه المدينة والبيت الجديدين، كان حسن يجلس على سجادة صغيرة في زاوية مسجد الإمام مالك الذي كان يتردد عليه صيفا لحفظ وتعلم القرآن، عاقدًا رجليه القرفصاء أمام المصحف، ينغمس في ترديد الآيات بصوت خافت ونفس عميق، كما لو كان يقتبس نورًا من كلمات الله ليضيء قلبه الصغير. كان هذا المسجد ملاذه صيفا وهو في سن السابعة من عمره، ومدرسته الأولى في تعلُّم القرآن، حيث وجد حسن السعادة الغامرة كلما استظهر على “لفقيه” بعض الآيات بإتقانٍ، ليحظى بتلك النظرة الراضية التي تشعره بقيمة سعيه.

وذات يوم، وفي في خضم هذا السكون الطاهر، انفتح باب المسجد ودخل رجل طويل، يعلو رأسه “طربوش” أحمر، وله لحية بيضاء خفيفة تزيد من وقار مظهره، لكنه كان يحمل شيئًا ثقيلًا في هيبته لا يرحم. تقدم بخطوات ثابتة إلى “لفقيه”، يتحدث معه بصوت منخفض، ثم أشار “لفقيه” بيده إلى طفل بين الحاضرين، استدعاه الرجل الطويل بنظرة آمرة لا تحتمل التردد، وبدأ يستفسره عن أمر ما.

أحنى الطفل رأسه نحو الرجل، ثم رفع يده الصغيرة بحركة عفوية، محاولاً أن يشرح أو يبرر ما استفسر عنه، لكن قبل أن تسنح له فرصة الكلام، كانت يد الرجل ترتفع في الهواء بقسوةٍ حادة، ثم هوت بقوة مروعة على وجه الطفل مباشرة، فاختل توازن الصغير أمام رهبة الضربة، وانكفأ بارتجافة صامتة.

شعر حسن حينها بانقباض عميق، كأنما شيء انكسر في داخله، وتبددت كلمات القرآن التي كان يرددها قبل لحظات. كان المكان، الذي طالما وجده ملاذًا للسكينة، قد انقلب فجأة إلى مصدرٍ للرعب، وتسللت إليه رهبة لم يختبرها من قبل. منذ ذلك اليوم، تجنّب حسن العودة إلى هذه المدرسة القرآنية، وغدت صورتها كمنارة يخبو نورها في ذاكرته. ومرت الأيام ليعلم أن صاحب الطربوش الأحمر ذاك كان (الدكتور والداعية) المشرف على المدرسة، غير أن ذلك لم يكن كافيًا ليعيد الأمان إلى قلب حسن الصغير الذي تشرَّب الخوف في ذلك اليوم.

بعد فترة قضاها في منزل عمّ والدته، حان موعد انتقال حسن مجددًا، وهذه المرة إلى بيت خاله، الذي كان حديث الزواج. استقبله خاله بحفاوة، وكأنّ البيت الصغير قد توسّع فجأة ليتّسع لطفولة حسن ولأحلامه البسيطة. لم يكن حسن غريبًا عن الحياة الصعبة، بل بدا كما لو أنه اعتاد أن يُبقي قدمه على عتبة كل بيت يمرّ به، مكتسبًا من كل محطة شيئًا جديدًا يضيفه إلى عالمه.

في الصباح، كان يستيقظ مبكرًا استعدادًا للمدرسة، يسير بخطى واثقة على الطريق الترابية، يحلم بمستقبل لم تتضح معالمه بعد، لكنه كان يراه واضحًا في ذهنه الصغير. ومع انتهاء يومه الدراسي، يعود مسرعًا إلى خاله، ليعينه في عمله ببيع المحروقات على جنبات الطريق الوطنية. هناك، وسط هدير السيارات والمارة الذين يعبرون دون توقف، كان حسن يتعرف على أنواع مختلفة من الناس، يرى في وجوههم حكايات ترسم صورة واسعة لعالم لم يكن بعد قد اختبره.

وفي أيام العطلة التي كون نهاية الأسبوع، كانت وجهة حسن تختلف؛ إذ ينطلق مع بعض أصدقائه نحو الحقول الزراعية الواسعة، حاملين سلالًا صغيرة، يبحثون عن نبتة “السكوم” التي كانت لذتها تعوّضهم عن تعب البحث. أحيانًا يجمعونها للبيع، وأحيانًا أخرى يحتفظون بها ليتناولها أهل البيت كوجبة تزيح عنهم تعب الأيام. أما في الشتاء، فكان مسعاهم يتحول نحو جمع حيوان الحلزون، “الببوش”، الذي يظهر حين تكسو البرودة الأرض. كانوا يجمعونه بتأنٍّ، كأنهم يجمعون حبات من اللؤلؤ، استعدادًا لإعداده كطعام يشتهر به الناس في تلك المواسم.

هكذا عاش حسن بين رحى الحياة في هذا البيت الجديد؛ يوازن بين واجباته المدرسية ومساعدته لخاله، وبين خوضه لعالم الطريق والعمل المبكر، وبين انطلاقه إلى الحقول حيث تنبض الطبيعة بدروسها الصامتة. وفي تلك البيئة، انصهرت شخصيته؛ طفل يقاوم بعزيمةٍ تختبئ خلف جسده النحيل، ويغزل من تجاربه المبكرة دروسًا رصينة ترسخ في ذاكرته، ليغدو، مع مرور الأيام، شابًا يحمل إرثًا من البساطة والشجاعة.

مع بداية مرحلة الإعدادية من مسار دراسته، عاد حسن للانتقال مجددًا، وهذه المرة إلى بيت جدته. في هذا البيت، وجد نفسه بين أحضان أمه وجدته مرة ثانية، بعد أن طالت غربته عنهما. رغم قصر اللحظات التي جمعته بهما، كانت تلك الأيام عميقة في أثرها، مرت كالسراب الذي يظهر للحظة ثم يتوارى، لكنها كانت لحظة كافية لتغرس في قلب حسن أعمق المعاني.

كان يرى في والدته وجدته معاني الكفاح الصامت، كأنهما تحملان أعباء الزمن على أكتافهما بعزيمة لا تخبو، معطيات بلا شروط، تُحيطانه بمحبة هي أقرب إلى طوق نجاة من قسوة الحياة. ربّتاه على إقامة الصلاة في مواعيدها، فكانتا تعكسان له صورة الإيمان الصامد، وحثتاه على التحلّي بالأخلاق الكريمة، فغرسوا فيه بذور التواضع والصبر، تعليمهما كان دائمًا يأتي عبر القدوة الصامتة.

مع كل كلمة كانت تنبث من شفتيهما، تعلّم حسن الاعتماد على نفسه، وأدرك أن الطريق إلى العزيمة والشموخ يمرّ عبر التمسك بما هو حق وخيّر. نما حسن في هذه البيئة رغم قصرها، يحمل بين جوانحه قيمًا صلبة، ووجد في والدته وجدته ملهماتٍ صامداتٍ، ليظل أثر هذه الأيام في نفسه، يشكل جزءًا أساسيًا من منظوره حول الكفاح، العفّة، وحقيقة الاعتماد على الله قبل الاعتماد على النفس.

مع أوّل سنة دراسية في مرحلة الثانوي استقر حسن وحيدا في بيت جدته العتيق بعد أن عادته هي ووالدته إلى تلك القرية الجبلية. كان بيت الجدة مختلفًا عن كل ما سبقه. ذلك البيت ذو الجدران الحجرية والسقف الخشبي المتآكل، بوسطه شجرة ليمون قديمة ترمي بظلالها على الفناء. لكن تحت تلك الظلال، كانت تظهر بعض التفاصيل المخيفة: حشرات ضخمة وأفاعٍ تتسلل إلى البيت بين الحين والآخر، وكأنها تقول له: “الحياة هنا ليست كلها أمانًا، مثلما هي الدنيا نفسها.”

يتذكر حسن ذلك الفجر البارد، عندما استيقظ على برد الأرضية يتسلل إلى جسده النحيل. كان الفراش بسيطًا، ومجاورًا له مصحف قديم كان يقرأ منه قبل النوم. نهض بهدوء ليتوضأ بالماء البارد الذي أنعش جسده، وأيقظه تمامًا من سباته. خرج بخطوات بطيئة نحو المسجد القريب، كانت شوارع الحي كأنها مهجورة، لا يسمع إلا صوت خطواته الممزوجة بصمت الفجر. وصل إلى المسجد،

ليجد الإمام وحده، كما هو الحال في أغلب الأوقات، فلم يكن يأتي لصلاة الصبح في ذلك الحي إلا حسن والإمام وشخصين على الأكثر طيلة السنتين الأخيرتين اللتين أمضاهما حسن في هذا المكان.

بينما كانا يصليان الفجر، شعر حسن بسلام داخلي يملأ قلبه، وكأن هذا الهدوء يغسل همومه. لكنه لم يكن يعلم أن هذا الفجر يحمل له شيئًا مختلفًا عن باقي الأيام السابقة.

بعد الصلاة، عاد إلى البيت، ذلك البيت العتيق الذي لم يتبدل فيه شيء سوى أنفاسه المتسارعة من البرد. وحين اقترب من فراشه ليأخذ قسطًا من الراحة، فوجئ بمنظر غريب: أفعى ملتفة بجانب فراشه، رأسها مرفوع باتجاه المصحف، وكأنها مأخوذة بنوع من السحر. تجمد حسن في مكانه، لا يستطيع التحرك، عيناه مركزة على الأفعى التي لم تتحرك، وكأن الزمن توقف للحظات.

كانت تلك اللحظة مزيجًا من الهدوء والرعب، لحظة سيظل يتذكرها كفجر مختلف، حيث تجسد الخوف والتأمل في كائن غريب، يذكره بأن الحياة لا تتوقف عن تقديم المفاجآت. لكنها كانت أيضًا درسًا لحسن؛ إذ أدرك أن الحياة في قسوتها تدعوه إلى بناء قوة داخلية، جدرانًا متينة لا تهزها المخاوف الخارجية.

عندما تكون الجدران حولك ضعيفة، فإنما يدعوك الله إلى بناء جدران أقوى في داخلك.”

ومع مرور الوقت، كان حسن يشيد هذه الجدران، كل تجربة تُعلِّمه درسًا في الصمود. تلك المواقف التي كانت تبدو عادية أو حتى قاسية في وقتها، كانت تمهد له ليصبح ذلك الشخص القادر على مواجهة العالم وحيدًا، بصلابة لم يكن يتوقعها.

 الفصل الرابع: في قلب العتمة: حكايات الصمود والصمت

كان حسن دائم السعي وراء العلم، لكن في قلبه كانت تنمو ندوب صامتة، ندوب حفرها الزمان على صفحة حياته المبكرة. خلال مسيرته الدراسية، لطالما أحس بشيءٍ من الحرج يتسلل إلى صدره كلما سأله المعلمين عن مهنة والده. لم يكن يعرف الكثير عنه، فقد انقطعت الأوصال بينهما منذ أن افترقا حين كان في الخامسة من عمره. لم يلتقِ بوالده مجددًا حتى وصل إلى مرحلة التعليم الإعدادي، في لقاءات عابرة خفيفة كالظل، وكأنَّ اللقاء مع هذا الماضي كان لقاءً مع فراغٍ داخل قلبه، فراغ لا يملؤه سوى حوار صامت مع النفس، “أحيانًا، يحمل الإنسان فراغًا في داخله لا يسده إلا لقاء الذات أو مواجهة الماضي الذي يهرب منه.”

لم يكن حسن كغيره من الصغار الذين يطلبون بلا تردد، يسيرون ببراءة نحو أهلهم طالبين القليل لشراء ما تسعد به قلوبهم الصغيرة. بل كان يكتفي بأن يغرق في تأمل تلك الأشياء التي تُبعد عنه كلما اقترب، وكأنها نجوم بعيدة تلمع في السماء ولا يمكنه الوصول إليها. كانت نظرته إلى العالم مختلفة؛ فالسكوت والتأمل كانا ملجأه الآمن، وسلاحه في مواجهة حياةٍ لم تعرف الترف ولا الرفاهية.

كان قلبه يحمل أسئلةً بلا أجوبة، ونفسه تميل إلى اكتشاف معنى الرضا وسط الحرمان. الأشجار التي يراها، أصوات الشارع، وجوه الناس؛ كل ذلك كان يشكل لوحة مليئة بالتفاصيل التي لم تكن تمر مرورًا عابرًا أمامه. كل شيء كان يستحق التأمل.

يتذكر حسن بوضوح الأيام التي كانت طفولته فيها ممزوجة بالكفاح. لم يكن له وقت للعب، فالحياة أخذته إلى سوق الشغل منذ نعومة أظفاره. في تلك الأيام، بينما كان أطفال الحي يقضون أوقاتهم بين اللهو والدراسة، كان حسن يخرج مبكرًا في صبيحة السوق الأسبوعي، يحمل بيده أكياسًا بلاستيكية سوداء. كانت تلك الأكياس بالنسبة له أشبه بمفاتيح لعالم الكبار. كان يقف وسط الزحام، حيث تعج الحركة وتختلط الأصوات، الباعة ينادون، المشترون يساومون، وهو بصوت طفولي مشرق يسأل: “عمي، خاصك ميكة؟”

لم تكن تلك الأكياس مجرد وسيلة لكسب قوت يومه؛ بل كانت مدخلًا إلى عالم من التفاعل البشري. كل ابتسامة، كل نظرة، كل قطعة نقدية كانت تتحدث بصوت خفي عن تضامن غير معلن، وكأن المارة يرون في وجهه البريء صورة لطفولتهم الخاصة. كان بعضهم يقدم له المال دون أن يأخذ شيئًا، وكأنهم يسددون دينًا قديمًا لابتسامة صغيرة ذات يوم.

ومع نموه الجسدي، نمت معه التحديات. وجد نفسه على حافة الطريق الوطنية، يبيع المحروقات المهربة بين الحدود المغربية الجزائرية، للسيارات المتجهة إلى شاطئ البحر، فقد تعلم ذلك وهو صغير في بيت خاله.

الزبائن كانوا يأتون على عجل، متطلعين إلى صيفهم المشرق، بينما حسن يرى في كل سيارة محطة عابرة في حياته الطويلة. كان الطريق الوطني يعكس خطوط رحلته الشخصية، حيث تُرسم الآثار على الرمال ثم تتلاشى، كما تتلاشى بعض الآمال الصغيرة.

كانت الشمس تميل نحو الغروب، وظل المنزل العتيق يتلاشى تدريجياً على الطريق الوطنية الهادئة. هناك، على جانب الطريق، كان منزل جدته الذي استقر به حسن، منزل قديم بجدران متصدعة وسقف خشبي يئن تحت وطأة السنين. أمام هذا البيت المتواضع، وُضع صندوق خشبي مهترئ عليه قنينة بلاستيكية حمراء يتصل بها أنبوب رفيع يسمى “المحكن”، إشارة لبيع البنزين.

في ذلك اليوم الذي لم يغادر ذاكرة حسن، جاءت سيارة “إيسباص” مسرعة، كأن السائق يهرب من ظلال تلاحقه. توقفت السيارة أمام الصندوق، ونزل منها رجل مهرب، عرف حسن أنّه “كلعي”، يحمل ملامح قلق وسرعة. اقترب من حسن بطلب مستعجل: “بيدو مازوط” (أي ثلاثين لتراً) بسرعة!

بلمحة عين، شرع حسن في ملء خزان السيارة بالبنزين. لكن قبل أن ينتهي، لمع في الأفق ضوء سيارة الدرك “الجندارم”، تسير بسرعة نحو “الكلعي”. ما إن لمح المهرب السيارة قادمة، حتى ارتعد وسارع بالهرب، آخذا معه “المحكن” الذي بقي عالقا في سيارته، وتاركًا ثمن البنزين دون أن يلتفت. وقف حسن مذهولاً، يتابع مشهد الهروب. ظن أنه خسر ثمن “بيدو مازوط”، وضاع معه “المحكن”، تنهد قائلاً بهدوء: “يخلف الله.”

مرت الأيام، وكاد حسن ينسى القصة. لكن بعد ثلاثة أشهر، ظهرت سيارة أخرى عند صندوقه. نزل منها رجل غريب يحمل “المحكن”، ملامحه تحمل شيئًا من التعرف الغامض. ألقى الرجل التحية وسأل حسن بابتسامة: “هل عرفتني؟”

ابتسم حسن قليلاً وحاول تذكره، لكنه لم يستطع: “فالحقيقة معرفتكش.”

أجاب الرجل وهو ينظر في عيني حسن مباشرة: “أنا المهرب الذي كانت تلاحقه الدرك في ذلك اليوم. قبضوا عليّ وسُجنت لشهرين ونصف. وها أنا قد جئتك ب”المحكن” وثمن “البيدو.”

ابتسم حسن، والسعادة تملأ محياه وقلبه، ليس فقط لاستعادة المحكن أو الحصول على المال المفقود، بل لصنيع الرجل الذي عاد وقدَّم ما عليه معتذرا بعد كل ما مر به. تبادلا بعض الكلمات الودودة، ضحكا معًا، ثم انصرف الرجل بهدوء، تاركًا وراءه درساً لحسن عن الأمانة والوفاء، حتى في أحلك الظروف.

بعد أن أُغلقت الحدود بين المغرب والجزائر، انطفأت شعلة التجارة المهربة التي كانت شريان الحياة لسكان تلك المناطق الحدودية. البنزين الذي كان يتاجر فيه حسن لم يعد يتدفق عبر الطرق السرية كما كان من قبل، تاركًا فراغًا كبيرًا في حياة أولئك الذين كانوا يعتمدون عليه. في تلك الفترة من الركود، وجد حسن نفسه بين رفوف دكان ليبيع اللوازم المدرسية، حيث كانت الأقلام والدفاتر تحيط به كما تحيط أحلام المستقبل بصغار التلاميذ الذين يأتون بجيوب صغيرة وأعين واسعة، مليئة بالتطلع والأمل.

لكن بالنسبة لحسن، ذلك الدكان لم يكن مجرد مكان عمل. كان مدرسة غير مرئية، فصلها مفتوح على الحياة. هناك، تعلم فنوناً لم يتلقاها في قاعات الدرس. تعلم قراءة الوجوه بصمت، اكتشاف ما يخفيه زبائنه من أفراح أو آلام، من دون أن يتحدثوا. مع كل ابتسامة طفيفة أو نظرة عابرة، كان يقرأ قصة، كأنه يغوص في أعماق قلوبهم من خلال بساطة طلباتهم.

بين رفوف الدفاتر والأقلام، كانت تلك الأوراق البيضاء تملأه بالتساؤلات. الأطفال الذين يشترونها يرسمون على صفحاتها ملامح مستقبلهم البريء، يخطون أولى كلماتهم، يعبرون عن أحلامهم التي لم تتشكل بعد. أما حسن، فقد كان يرسم مستقبله بين رفوف الدكان. مع كل تعامل، مع كل زبون يدخل ويخرج، كان يشعر بأنه يتعلم درساً جديداً في الحياة: الصبر، التفاهم، القدرة على التكيف مع تغيرات الزمن.

كانت المعاملات البسيطة في نظر الآخرين هي امتحانات يومية بالنسبة له، تمرنه على الصمود والتعامل مع تقلبات الأقدار. وفي كل مرة كان يدرك شيئًا جديدًا عن نفسه وعن الحياة، وكأن الدكان بات مرآة لعالم أكبر، يختبئ خلف التفاصيل الصغيرة، لينعكس فيه مستقبله الذي لم يكن قد اكتمل رسمه بعد، لكنه كان يتشكل بخطوات واثقة، بين رفوف الأقلام والدفاتر.

في أيام الصيف القائظة، حيث كانت الشمس تتربع على عرش السماء وتسكب وهجها على كل شيء، وقف حسن حاملاً فرشاة الصباغة بيد وآلة حادة في اليد الأخرى، يزيل بعناية الحبات الإسمنتية العالقة على الجدران. والجدران من حوله تتغير ألوانها تحت ضربات فرشته المتكررة، كأنها صفحات بيضاء تستعد لاستقبال لون جديد، لون يليق بمرحلة مختلفة من حياتها. كان حسن يعمل مساعدًا لصباغ في عطلة الصيف.

كان حسن في تلك اللحظات يسرح بفكره بعيدًا، مع كل ضربة فرشاة يرى أحلامه تتغير كما يتغير اللون على الحائط. لم يكن مجرد جدار يُصبغ، بل كان كأنه يمحو كل ما التصق بماضيه من ظلال باهتة، ويعيد رسم ملامح مستقبله بخطوط زاهية. كأن لكل جدار قصة، ولكل لون معنى. كان يُنهي جدارًا ليبدأ بآخر، تمامًا كما كان يُغلق بابًا من حياته ليُفتح أمامه باب جديد.

كل ضربة فرشاة كانت تمنحه مساحة جديدة ليعيد تشكيل ذاته. في صوت الاحتكاك بين الفرشاة والجدار، كان يسمع همسات مستقبله، وكانت الألوان التي ينثرها بأصابع مرهقة تحمل معه رؤى لأيام لم تأتِ بعد. في كل جدار ينتهي من صباغته، كان يرى جزءًا من نفسه يتكامل، وكأن الأحلام التي كانت عالقة بين الماضي والحاضر بدأت تأخذ شكلها بوضوح أكثر.

بالرغم من الحر والعرق الذي يتصبب على جبينه، كان يشعر برضا داخلي، كأنه في رحلة طويلة نحو ذاته. الجدران التي يصبغها ويحكها لم تكن مجرد جدران، بل كانت مرايا تعكس أحلامه، تلمّع رغباته، وتُظهر له الطريق إلى ما يسعى لتحقيقه.

ومع كل هذه التجارب، كان هناك مبدأ واحد لم يتغير: لم يسأل حسن يومًا أحدًا حاجته، رغم شدة الفاقة. منذ صغره، تعلم أن الكرامة أثمن من أي شيء آخر. “لقد علمني الله الصبر والكفاح، ولم أكن بحاجة إلى شيء سوى الاعتماد عليه.”

 الفصل الخامس: أفق النقاء: بداية التحول

حين بلغ حسن سن التعليم الثانوي، كان ذلك الفصل الأهم في حياته. بدا وكأن الزمن توقّف للحظة، وسمح له بأن ينظر إلى الوراء بتأملٍ هادئ. في ذلك الوقت، كان محاطًا برفاقٍ قديمين، أبناء الحي والعمر، الذين شكلوا عالمه في السنوات الماضية. كانوا يجتمعون تحت أشجار المدينة أو عند زوايا الشوارع، يتبادلون الأحاديث عن أشياء صغيرة بلا طموح ولا هدف. غرق حسن في ذلك العالم، لكنه كان دائمًا يشعر بشيء ينقصه. شيء أعمق من مجرد الوجود بين أصدقاء كُثر، لكنه كان في ذلك الحين عاجزًا عن تحديده.

لكن مع دخوله إلى التعليم الثانوي، بدأ يتحسس التغيير داخله. كانت الثانوية بالنسبة لحسن بداية جديدة، مرحلة محفوفة بالأسئلة والتحديات، لكنها أيضًا وعود لمستقبل يختلف عن ماضيه. شيئًا فشيئًا، بدأ يرى العالم من حوله بمنظور آخر. لم يعد يهتم بأحاديث الرفاق السطحية أو تصرفاتهم الطائشة. كانوا يلهون دون هدف، يعيشون لأجل اللحظة، بينما كان حسن يلاحظ أن قلبه يتوق لأكثر من ذلك. بدأ يدرك أن هؤلاء الرفقاء الذين كانوا جزءًا من حياته لسنوات، ليسوا سوى عقبات في طريقه إلى شيء أسمى.

وجاء اليوم الذي قرر فيه القطع النهائي مع ذلك العالم. لم يكن القرار سهلاً، فقد كان هناك ألف حبل يربطه بتلك المجموعة، لكنها كانت خطوة ضرورية. في تلك اللحظة، شعر بشيء يشبه التحرر، كأن القيود التي كانت تكبّله قد انكسرت. التفت إلى المستقبل بعين جديدة، وقطع علاقته برفقاء السوء بصرامة لا تعرف التراجع. شعر أن العالم ينتظره خارج تلك الحدود الضيقة التي وضع نفسه فيها.

لم ينسى حسن في بداية هذه التحول، تلك الليلة التي تسللت فيها الرؤيا إلى عالمه النائم -فناذرة هي الرؤيا في حياة حسن-، كما لو كانت رسالة من عالم آخر، عالم يفوق الحدود البشرية. كان الظلام يسود، والكون يغرق في سكونه العميق، حينما رأى ذلك الشيخ “السوسي” يخطو نحوه من بين السراب، شيخ نحيل الجسد، تكسوه لحية بيضاء مثل نور القمر، وعيناه تحملان أسرارًا لا يعلمها سوى من قضى عمره في عبادة خالصة. كان الرجل يبتسم، ابتسامة لم يعرف حسن مثلها من قبل، ابتسامة تحمل طمأنينة ووعودًا لا تنطق بها الكلمات.

اقترب الشيخ من حسن، وكأن الأرض تفسح له الطريق، وقال بصوت ملائكي هادئ: “سأزوجك.” وقفت الكلمات في حلق حسن، تردد في صوته واستنكر بعينين واسعتين كيف لشاب بلا مال، بلا بيت، بلا عمل، أن يتزوج؟ سأل بحيرة، وكأن السؤال جاء من أعماق روحه المليئة بالشكوك: “كيف لي أن أتزوج وأنا لا أملك شيئًا؟”

ابتسم الشيخ مرة أخرى، وكان في ابتسامته هذه المرة سرٌ أعمق، كأنها نافذة إلى عالم لا يراه سوى من آمن بالغيب. قال الشيخ بنبرة هادئة: “غي شوف واش انت موافق… أنا سأتكلف.”

كانت الكلمات مثل وعد غير منظور، مثل قدر ينتظره. لم تكن الجملة مجرد حديث عابر، بل كانت أشبه بإشارة إلى عالم لا يمكن للعقل أن يفهمه كله في تلك اللحظة. انتهت الرؤيا بموافقة حسن، كأن الموافقة جاءت من مكان داخلي أعمق من إرادته، وكأنها كانت قرارًا مكتوبًا قبل أن يولد.

استيقظ حسن من نومه، والليل لا يزال يلف المكان بهدوئه، غير أنّ قلبه كان ممتلئًا بالدهشة. ظل يتساءل عن معنى تلك الرؤيا، عن الشيخ الذي لم يلتقي به يوما إلا عبر ما وصلت إليه يديه من كتابات قليلة. لم يجد تفسيرًا في بادئ الأمر، لكن مع مرور الأيام، بدأ يدرك أن ذلك الشيخ قد يكون رمزًا لرعاية الله التي كانت ترافقه في حياته، تبارك خطواته وتمنحه السكينة وسط زحام الحياة.

ربما كان ذلك الزواج الذي تحدث عنه الشيخ ليس زواجًا كما يعرفه الناس، بل كان زواجًا من الحياة ذاتها، من صراعاتها وأسرارها وصحبتة أهلها، وأن الله هو من سيتكفل بأن ييسر له السبل، ويضيء له الطريق في كل خطوة.

رغم العزلة والبعد عن العائلة، ظل حسن بعيدًا عن أي سلوك منحرف أو إدمان، وكأنه كان يحوي في داخله حكمة رجل ناضج في جسد فتى صغير. “القوة الحقيقية ليست في محاربة العالم الخارجي، بل في القدرة على مواجهة شياطين النفس.”

سنوات النضال الطويلة قادته في النهاية إلى النجاح، بدءا بحصوله على شهادة البكالوريا، لم تكن تلك الشهادة مجرد ورقة؛ كانت دليلًا حيًّا على انتصار حسن على الظروف القاسية التي حاولت كسره مرارًا. بالنسبة له، العلم لم يكن وسيلة مهنية فقط، بل كان بوابة لفهم أعمق للحياة.

العلم ليس مجرد نور يضيء الطريق، بل هو مرآة تعكس ضعف الإنسان وحاجته إلى الله.”

هكذا كان يرى حسن مسيرته التعليمية، فكل درجة علمية كانت بمثابة خطوة جديدة نحو اكتشاف ذاته وفهم العالم من حوله.

 الفصل السادس: صوت المعرفة: بين العلم والمشاركة الفعّالة

في ظلال الفقر الذي رافق حسن كظلٍّ ملازم، بدأ رحلة حياة مليئة بالتحديات، إلا أن قسوة تلك الظروف لم تكن سوى درس عظيم. كان يردد في نفسه: “الثراء الحقيقي ليس فيما تمتلكه من مال، بل فيما تمتلكه من قوة داخلية.” كان هذا المبدأ دليله في عالم لم يكن فيه شيء مجاني، حيث كان عليه أن يسعى بجد ليؤمّن قوت يومه ويعتمد على نفسه منذ نعومة أظفاره.

لم تكن حياة حسن مقتصرة على الجهد الأكاديمي فحسب. منذ سن مبكرة، انخرط في العمل الدعوي والثقافي داخل مجتمعه، يجوب الأزقة والأسواق حاملاً معه أحلامًا كبيرة وإرادة لا تنكسر. كانت يديه تعمل في آن واحد على بناء علمه ومساعدة الآخرين، وكأنه كان يسعى إلى تغيير العالم من خلال كل ابتسامة يزرعها في قلوب من حوله.

“العلم لا يكتمل إلا إذا كان في خدمة الآخرين، والعمل الصالح هو ميراث لا يندثر.”

كانت شهادة البكالوريا بابًا فتح لحسن عالماً جديدًا لم يكن له أن يتخيله إلا من خلال الأحاديث التي كانت تتردد هنا وهناك عن الجامعة. في يومه الأول، توجه حسن للتسجيل في هذه المؤسسة العريقة، وكان في قلبه خليط من الترقب والقلق. لم يكن يعرف أحداً هناك، فأخذ معه أحد الأصدقاء القدامى الذي كان قد سبق له الدراسة في الجامعة، ليخفف من وطأة ذلك العالم المهيب عليه.

جالا معاً بين أروقة الجامعة، وحسن يتأمل الأبنية الضخمة، والوجوه الجديدة، وأصوات الطلبة المفعمة بالنشاط. كانت تلك الأجواء خليطاً من الحماسة والحيرة؛ شعورٌ غريب بالانبهار الممزوج بالتردد. وبينما كان يتجه نحو قسم التسجيل، أخذته الحيرة بين شُعب القانون والأدب، لكنه في نهاية المطاف، وبعد تفكير عميق، اختار أن يلتحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، لعلها تكون ملاذًا لروحه المتطلعة إلى فهم أعمق للعالم.

لم يكن يملك حسن حينها أية مصادر للدخل، ولم يتلق دعماً مادياً يساعده على تغطية نفقات الإقامة والكتب، اللهم تلك المنحة الجامعية الهزيلة التي تأتي بعد طول انتظار، فخطط في البداية أن يكتفي بالتسجيل والعودة إلى مدينته للعمل، مكتفياً بزيارة الجامعة فقط لاجتياز الامتحانات. كانت خطة بسيطة، واقعية، تتناسب مع محدودية الإمكانيات التي تعود عليها منذ نعومة أظفاره. غير أن القدر كان يُخبئ له ما هو أبعد من مجرد الخطة.

في نفس اليوم، وبينما كان يتجول مع صديقه في ساحة الجامعة، التقى ببعض الطلبة، وكان حديثهم عن طموحاتهم ومعاناتهم ينسج من حوله جوًا مفعمًا بالتحدي والإلهام. سردوا عليه قصصهم عن الدراسة والعمل، عن التضحيات التي يقدمونها للحفاظ على استمراريتهم هنا، وعن الأحلام التي تلوح لهم في أفق بعيد، لكنها تبرر كل الجهود. كان لهذا اللقاء أثر عميق في نفسه، فقرر على إثره أن يستقر في الجامعة، جامعاً بين الدراسة والعمل كلما سنحت له الفرص، متحملاً مشقة التوفيق بين الأمرين في سبيل تحقيق طموحه.

وهكذا، بدأت رحلته الجامعية على أسس جديدة من التصميم والمثابرة، مؤمناً بأن هذا الطريق، رغم صعوبته، يحمل له وعداً ببناء حياة تختلف عن كل ما عرفه، حياة من صنعه هو، ومن عمق سعيه الصادق ورغبته في خلق مصير أفضل.

بين أروقة الجامعة، حيث تتلاقى العقول وتتفتح الآفاق، كان حسن منذ سنته الأولى قبلة للطلاب على اختلاف تخصصاتهم. كان كالنجم الساطع وسط الظلام، لا يرد طلبًا ولا يسد بابًا. طيلة ثلاث سنوات من الدراسة، كان يحمل هموم الآخرين كما يحمل همومه، ويحاول بجد أن يكون مرشدًا وصديقًا لهم في معترك الحياة الجامعية. ورغم شبابه المندفع وإغراءات الحياة الجامعية، استطاع أن يقاوم العواصف الفكرية والأخلاقية التي كانت تسعى للإيقاع به في دوامة الانحراف. كانت الجامعة بالنسبة له أرضًا خصبة للعلم والتكوين، لا شيء آخر.

كان حسن مثالاً للسمو والوقار حتى بين من يختلفون معه فكرًا وتربية. كان يجتمع بالأمازيغي المتعصب فيرد له التحية، ويرى في عينيه احتراما يتجاوز الاختلافات. المتعصب نفسه، الذي تفوح من فمه رائحة الخمر، يعتذر له في حياء غريب، وكأنه يخشى أن يخدش نقاء اللحظة. ويمر حسن على اليساري المتطرف، الذي كان يمارس انحرافاته الفكرية والعملية دون خجل، فيلقي التحية بحركة رأس خفيفة، وكأن العالمين المختلفين بينهما قد تلاقت أرواحهما على أرضية من الاحترام الصامت الذي تفرضه شخصية حسن.

في الجامعة، كان حسن معروفًا بسيرته، لا بين الطلبة فقط، بل بين الإدارة والموظفين والمستخدمين. الجميع يراه مثالا للجدية والانضباط. لم يكن مجرد طالب عادي، بل كان شعلة من النشاط والإخلاص في طلب العلم، وسمو الأخلاق التي كانت تعلو على كل الخلافات والصراعات الفكرية التي تموج بها الساحة الجامعية. وكأن معونة الشيخ الذي رآه في منامه ترافقه.

ووسط هذه الحياة المليئة بالتحديات، يتذكر حسن أيامًا لا تُنسى، تلك الأيام الصعبة التي عاشها مع اثنين من أصدقائه المقربين. كان البيت الصغير الذي يكترونه بمثابة ملاذٍ يجمع أرواحهم المتعطشة للعلم، على الرغم من فقرهم. كانوا يعيشون على وجبتين في اليوم، إحداهما في الصباح والأخرى بعد العصر. ورغم بساطة الحال، كان كل يوم جمعة يوم عيد، حين يأتي أحدهم بقصعة كسكس، فيلتف الثلاثة حولها وكأنها وليمة ملوك. في تلك اللحظات، كان حسن يشعر بأنه محاط بصحبة رائعة، تحمل في طياتها صدقاً وإخلاصاً يعجز عن وصفه.

كانوا ثلاثتهم كالعائلة، وكان حسن بينهم كمن يلبي دعوة خفية، دعوة جاءت من ذلك الشيخ السوسي الذي رآه في المنام، الرجل الذي وعده برعاية لا تنقطع، وزواج من حياةٍ ملؤها التحديات، لكنها مغلفة بعناية إلهية. كان يوقن في قرارة نفسه أن هذه الصحبة، وهذه اللحظات الصعبة التي جمعتهم في بيتهم الصغير، كانت جزءًا من تلك الرعاية التي وُعِد بها، رعاية لم تكن تقتصر على المال أو الجاه، بل على النعمة التي تكمن في القلوب الصافية والأرواح المخلصة.

أما في أوساط المجتمع، فقد كان حسن يعمل بلا كلل، يسعى ليس فقط لتثقيف نفسه، بل ليكون عونًا للآخرين. كان يرى أن العلم والوعي هما السلاح الحقيقي لمواجهة تحديات العصر. في الندوات الثقافية والنشاطات الاجتماعية، يسعى لزرع بذور الأمل في نفوس من حوله، مؤمنًا أن العمل الجماعي هو مفتاح التغيير الإيجابي.

خطواته في الحياة كأشعة الشمس تخترق ضباب الظلام، تضيء الدروب وتنشر الدفء. وعلى الرغم من كل المعوقات، لم ينسَ حسن أبدًا أهمية الانتماء لأرضه ولمجتمعه، بل عَزَّزَ هذا الانتماء من خلال عمله الدؤوب وإيمانه العميق بأن كل جهد صغير يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا.

فكانت كل تجربة يخوضها، وكل خطوة يخطوها، تُقربه من تحقيق رؤاه، وتمنحه القوة للاستمرار في مواجهة الفقر والجهل، صامدًا كالجبل في وجه العواصف، مخلصًا لمبادئه ورافعًا راية العلم والعمل من أجل التغيير. واستمرت رحلته العلمية عبر سنوات من الصبر والاجتهاد؛ إذ حصل على شهادة الإجازة بتميز، وتلتها شهادة الماجستير، ثم الدكتوراه، وكل منها في موعدها، كل إنجاز منها محفوف بالجدارة والإصرار.

 الفصل السابع: شوق الحنين: حلم اللقاء المفقود

لطالما كانت أحلام حسن تتراقص أمام ناظريه كظلال باهتة، تتأرجح بين الرغبة والواقع، حيث كان يأمل في يومٍ يجمع شمل عائلته تحت سقفٍ واحد. كان حلمه يحاكي جمال اللحظات السعيدة التي لم يعشها، لكن هذا الحلم تبخر كندف الثلج تحت أشعة الشمس الحارقة مع وفاة والده، بينما كان هو في أوج سعيه نحو نيل درجة الماجستير. “ليس كل حلم يتحقق، لكن الأحلام التي لا تتحقق هي التي تجعلنا نبحث عن معنى آخر للحياة.” كان هذا الدرس العميق هو ما حصّله حسن من تلك التجربة المريرة التي أدت إلى شقائه.

وبعد أن ضاع حلم الاجتماع الأول بوفاة الأب، تحول شغف حسن إلى حلم آخر: العيش بجوار والدته، تلك السيدة التي كانت تشكل له رمز الأمل والحنان. فقد كانت بعيدة عنه جسديًا منذ طفولته، لكنها قريبة من قلبه في كل صلواتها ودعواتها التي تلازم مسيرته. لم يكن حُرم فقط من عيش حياة طبيعية بجانبها، بل كانت المسافة الجغرافية تقف حاجزًا أمام تلك المشاعر العميقة التي لا يمكن للفراق أن يمحوها. “بعض الأحلام تُكتب لتظل قيد الانتظار، لكنها تظل حية ما دامت الرغبة في تحقيقها قائمة.” كان هذا ما يسكن أعماق حسن، تلك الرغبة المستمرة في تحقيق حلم اللقاء، حتى وإن كانت الأحلام ترفرف بعيدًا.

رغم كل تلك الصعوبات والآلام، لم يفقد حسن الأمل في لم شمل العائلة يومًا ما. كانت حياته مليئة بالتحديات، ومع ذلك، استمر في مقاومة قسوة الأيام، باحثًا عن الفرصة التي تتيح له العيش قريبًا من أمه، على الرغم من أن تحقيق ذلك الحلم قد يتأخر.

مع كل تلك المعاناة، كان له هدف آخر في قلبه: أن يصبح شخصية محترمة في المجتمع. لذا، قرر الالتحاق بأوساط المثقفين والسياسيين، وبدأ يبني شبكته الخاصة من العلاقات مع النخبة. كانت تلك الفترة بمثابة نقطة تحول في حياته، حيث اكتشف أن القوة ليست في جمع الألقاب، بل في الأثر الذي يتركه الإنسان في الآخرين. وعندما بدأ حسن يتفاعل مع هؤلاء المثقفين، أدرك أن المعرفة ليست مجرد دروس تُحفظ، بل هي سلاحٌ يمكن أن يستخدمه لصنع التغيير.

بهذه الروح، سار حسن نحو أهدافه، رغم كل ما واجهته من صعوبات، يتطلع إلى يوم يجمع فيه شمل عائلته تحت سقف واحد، محملًا بآماله وأحلامه.

 الفصل الأخير: أصداء الزمن: دروس من رحلة الحياة

في نهاية رحلة غامرة بالتحديات والمحن، وقف حسن متأملًا تلك الدروس العميقة التي اكتسبها من تجربته. أدرك أن القوة الحقيقية لا تُقاس بعدد الانتصارات التي يحققها الإنسان، بل في قدرته على النهوض مجددًا بعد كل سقوط. “الحياة ليست معركة للفوز بالمال أو الشهرة، بل هي معركة للنضال من أجل الأمل والإيمان.” كانت هذه الكلمات بمثابة شعار يُضيء له طريقه، يُشجعه على مواجهة المجهول.

تغيرت رؤيته للحياة مع كل تجربة مر بها، فغدت هدفه الأكبر هو ترك بصمة طيبة في نفوس الأجيال القادمة. لم يكن سعيه نحو النجاح الشخصي وحده، بل كان يسعى لتقديم علم يُنتفع به، وذكريات تُحفر في القلوب. كان حسن مؤمنًا بأن الأثر الذي يتركه الإنسان خلفه هو ما يبقى، بينما تفنى الأجساد وتزول الأموال. “قد لا تملك كل شيء، لكنك تستطيع أن تترك علمًا ينتفع به، وذكرى طيبة تُحفر في القلوب.” كانت هذه العبارة تسكن أعماق قلبه، تدفعه إلى الأمام.

وفي كل مرة كان يشعر فيها بالوحدة، كانت يد الله تمد له العون، ترشده نحو المسار الصحيح.

“كانت تلك اليد هي القوة الحقيقية التي لم أكن أراها، لكنها كانت حاضرة في كل لحظة.”

تعلم حسن أن الله، مهما بدا الطريق مظلمًا، لن يتخلى عنا ما دمنا نؤمن به، وكان إيمانه بمثابة المنارة التي تُضيء عتمة الطريق.

هكذا، انتهت رحلة حسن، لكن النهاية كانت في الحقيقة بداية جديدة. كانت تلك بداية رحلة المعرفة والحكمة، التي ستظل تُضيء دروب الذين لم تبتسم لهم الحياة، والباحثين عن نور الحق. ووسط الأمواج المتلاطمة، كان حسن يُبث الأمل في قلوب من حوله، مؤمنًا بأن كل تحدٍ هو فرصة، وكل محنة تحمل في طياتها دروسًا لا تُنسى.

في ختام هذه الرحلة، لم يكن حسن مجرد شخص عادي، بل كان رمزًا للإرادة والصمود، يُحاكي الطموح والإيمان، مُدركًا أن الحياة ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي كتابٌ مفتوحٌ مليء بالعبر، يُعلمنا كيف نُواجه مصاعبنا، وكيف نترك أثرًا يُخلدنا في قلوب الآخرين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.