منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقومات الأسرة المسلمة

عبد الكريم بوداود

0

مقومات الأسرة المسلمة

عبد الكريم بوداود

 

مقدمة

الأُسرة هي اللبِنة الأولى والأساسيّة لبناء المجتمع، وإحدى مؤسساته المركزية، وهي الحاضنة الاجتماعيّة المهمّة للفرد؛ حيثُ ينشأ مع والديه وإخوتِه، ويشعر بالسلام خلال وجوده بينهم، ويكتسب من أسرته القيم، والمفاهيم، وأساليب الحياة. وقد منح الدين الإسلامي الأسرة أهميّة كبيرة، وأولاها عناية خاصة، واتخذ أسباباً ومعايير لحفظ تماسكها ودوامها واستمرارها، فالأُسرة الصالحة هي التي تُنشئ أبناءها على مخافة الله والسير على منهجه. وبيّنت الشريعة الإسلامية في منهجها، وثنايا نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، مقوّمات وأسس إنشاء أسرة مسلمة متبعة لمنهج الله تعالى، في تأسيس حياة أفرادها على التقوى والصلاح، ثم تحقيق السعادة في الدارين وفق ذلك.

الأسرة هي الدِّعامة الأساسية في صرح الأمة، فعلى قدر قوة هذه اللبنة يكون البناء راسخًا منيعًا، وكلما كانت ضعيفة كان البناء واهيًا، آيلاً للانهيار والتصدع؛ وعليه سنلقي نظرة على الموضوع من خلال الهيكلة الآتي:

مقدمة

المحور الأول: مفهوم مؤسسة الأسرة ومكانتها في الإسلام.

المحور الثاني: أسس ولبنات الأسرة المسلمة.

المحور الثالث: القوامة والحافظية وأثرهما في استقرار الأسرة.

خاتمة: مفاتيح من أجل أسرة ناجحة.

 المحور الأول: مفهوم مؤسسة الأسرة ومكانتها في الإسلام.

مصطلح الأسرة ينحدر من الجذر اللغوي “أسر”، ويدل على الإمساك والقيد، وأسره يأسره أسرا وإسارة، شده بالإسار، والإسار ما شد به وهو القيد، ومنه الأسير. وفي القرآن الكريم: {نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ} (الإنسان، 28) أي شددنا خلقهم؛ وأسرة الرجل: عشيرته ورهطه الأدنون لأنه يتقوى بهم، والأسرة أيضا الدرع الحصينة.[1]

تُعرَّف الأسرة في الإسلام بأنها اجتماع الرجل والمرأة في إطار شرعي وهو الزواج، وقد جاء في مدونة الأسرة أن الزواج “هو ميثاق تراضٍ وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرّة برعاية الزوجين”[2]. ورغم أن مصطلح الأسرة لم يذكر في القرآن الكريم، إلا أن التشريع الرباني أعطى له أولوية واهتماما بالغا؛ ويتجلى ذلك في عنايته بنظام هذه العلاقة وفق منظور تشريعي مقاصدي؛ فنص على حقوق وواجبات تلزم أطراف هذه المؤسسة مع بيان القيم التي ينبغي الانضباط لها.

قال سبحانه وتعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(سورة الذاريات:56)؛ فهذه الآية الكريمة تحدد وظيفة الإنسان وغاية خلقه؛ وتسهيلا لهذه المهمة يسر له الله تعالى أسباب الاستقرار والطمأنينة، فأوجده تعالى في كون غاية في التوازن والإبداع، أودع فيه كل حاجياته، وسخّره له تسخيرا.

ومع الاستقرار المادي يسر سبحانه أسباب الاستقرار النفسي من خلال زواج الرجل والمرأة تحقيقا لعمارة الأرض باستمرار النسل البشري والسكينة النفسية التي هي قوام أي إنجاز أو عمل. والزواج سنة نبوية أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ورغب ذا الباءة فيها تحصينا للمجتمع من الانحراف وتحقيقا للتوازن النفسي للرجل كما للمرأة، يقول تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها}.(سورة الأعراف:189).

للزواج إذا غاية ومقصد هو السكينة أي الطمأنينة والأمن الوجداني الذي يتأسس على الحب والحنو وبالتعبير القرآني المودة والرحمة التي جعلها الله تعالى بين الزوجين: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآياتٍ لقوم يتفكرون}.(الروم:20).

هكذا يعتبر الزواج مجالا تعبديا، منه يكسب الزوجان الثواب العظيم والأجر الجزيل على قدر وفائهما بمتطلبات الزواج وواجباته، وتعاونهما على طلب وجه الله الكريم من خلال نكران كل طرف منهما للذات والتضحية لإسعاد الآخر.

المحور الثاني: أسس ولبنات الأسرة المسلمة.

معلوم أن لكل بناء أساس، وقوة البناء من قوة أساسه، فكلما كان الأساس قويا متينا راسخا، كان البناء صلبا عاليا شامخا، والعكس بالعكس، ومن ثمة اعتبرت الأسرة في الإسلام وحدةً اجتماعية لها أثر كبير في بناء المجتمع، فإذا تمت العناية بالأسرة وتوفرت الظروف المناسبة لتكوينها وتطويرها، فإن ذلك سيسهم في بناء مجتمع قوي ومستقر ومزدهر من الناحية الروحية التربوية والنفسية والاجتماعية.

فما هي أسس هذا البناء؟.

  1. المحبة:

الأساس المتين الذي تنبني عليه الأسرة وترتقي وتسمو وتدوم عشرتها وتبقى، والمحبة في أحلى صورها تكون بالله وفي الله، “فرباط الأخوة والتحاب في الله هو الطاقة التي لا تغلب. وعلى جدار المحبة تتكسر المشاكل، ومن دفئها تتذلل الصعاب، ويغدو للحياة معنى عميقا؛ وإنما المحبة الخالصة هي التي يُرجَى لها أن تنمو بعد الزواج فتلتحم بلحام الرحمة والمودة والمخالقة والصبر”[3]. فهي ليست نزوة عابرة، أو رغبة جامحة.

ويرشد الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله المرأة المؤمنة إلى بذل المحبة إذ يقول: “تنفق المؤمنة من كنوز المحبة، واحتياطي المداراة، وملطفات الأجواء بالخدمة واللياقة واللباقة، ومنْجِدات التحمل والصبر. وصْلُ ما أمر الله به أن يوصل من عُرى القرابة إصلاحٌ في الأرض، وإصلاحٌ للعمل. لا تأْلو المؤمنة جُهداً في تلافي ما يفصل ويقطع ويوحش”.[4]

وكما هي ناظمة من النواظم الثلاث في العمل التنظيمي للجماعة، وسلمه إلى جانب الطاعة والنصيحة والشورى، يسعى بها الزوجان في خضم الحياة زادا تتقوى به علاقتهما ويشع منهما نورها يحضن الأولاد والأقارب والأباعد. يقول الإمام ياسين رحمه الله: “وفي الأسرة ينسجم الدين والخلق والسلطة الأبوية الأمومية في حضن المحبة لتتألف عناصر التربية المتكاملة”.[5]

  1. الرفق والرحمة

من الأسس العظيمة لبناء أسرة مستقرة الرفق والرحمة، بما يكفلانه من تجانس وانسجام بين أفراد الأسرة بنوعيها الطينية والدعوية، لأن تأسيس الأجيال يتطلب التربية على قيم الخير ومكارم الأخلاق، ونحن كما نعلم نعيش في عالم مليء بالفتن والأهوال والاضطرابات لا يكاد ينجو من وطأتها أحد، وللأم خاصة هذه المزية داخل الأسرة، يقول الإمام المجدد رحمه الله: “القلب الرحيم لا شك، وحس المؤمنة المجبولة على تعهد الحياة وبناء الإنسان محمولا في البطن، وموجعا من أجله في الوضع، ومُرْضَعا مَحْنُوّاً عليه، ومفطوما مفصولا برقة، وصبيا يلعب في الحجر، وغلاما مشاكسا، ويافعا ثائرا، وزوجا بعد وأبا. كل ذلك يطلب من المعاناة والصبر واللين والحب والرفق ما تقدُره المرأة حق قدره، فتسمعه من الوحي، وتخزنه لنا ذاكرتها. فللمؤمنة في فقه التغيير وتفقيه الرجال بأسلوبه المرتبة الأولى. وكم أمامها من معاناة لتقنع الشباب المتحمس أن إكراه المتبرجات على ستر شعرهن إنما يبلد الشعور وينفر القلوب”[6]. وهي في ذلك تستحضر قوله تعالى: {فَبما رحمة من الله لِنْت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاوِرْهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}(آل عمران، 159).

وكذلك الشأن بالنسبة لكل حاضن وحاضنة في باب الأسرة أو الدعوة، يحتاجان إلى الرفق والرحمة وحسن الإنصات للغير والسعي لتفهمه وتفهم ما يحيط به من العقبات والصعاب. فالرفق والرأفة والرحمة تمثلت عند القائد النبي الأمين تسري إلى القلوب وتتألفها وتحبب إليها الإيمان، مصداقا لقول الله عز وجل: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة، 129). وروي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يحب الرفق في الأمر كله”[7]. وفي رواية للبخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: “يا عائشة! عليك بالرفق، وإياك والعُنفَ والفُحشَ”[8]. وعنها أيضًا رضي الله عنها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ الرِّفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه”[9]، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أعطي حظه من الرِّفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرِّفق حرم حظه من الخير”[10].

وعكس الرفق العنف وقانا الله منه، لا يأتي بخير أبدا بل هو باب مشرع على الشرور وسبيل خطير للآفات، ومدعاة للعداوة والبغضاء والإقصاء. الرفق بناء وصلاح والعنف هدم وتدمير. وفي الصحيح: “يؤتي الله على الرفق ما لا يؤتي على العنف”[11].

  1. المساندة والإحسان في العشرة.

تأسس البيت النبوي على التعاون والمساندة والإحسان في العشرة لإرساء الرسالة المحمدية، ولتبليغ دعوة الله تعالى للعالمين. فكان نموذجا حيا يبشر بالبيت الإسلامي المنشود تأسيسه، تعايشا ومعاشرة تربية ودعوة. فكان صلى الله عليه وسلم خيرا لأهله: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي”[12]. عن أنس رضي الله عنه قال: “خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍّ قَطُّ، وما قال لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَ تركته”[13]. كما كان مثالا يحتذى في رفقه بزوجاته وأهل بيته وصحبه، بل بخصمه، إنها همة الرسول الرؤوف الرحيم بالإنس والجن والحيوان والطير، فبه نقتدي ونتأسى، ومنه نتعلم ونتربى.

وتتكامل همة الرجل مع همة المرأة لضمان الاستقرار الأسري والدعوي، فقد كانت همة المرأة وثباتها وعطاؤها الأساس الخلقي والمعنوي الذي ركز عليه الإسلام. ولنا في أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها المثال الأسمى في همة المرأة وصبرها وتحملها وإحاطتها رسول الله بعنايتها، قبل وبعد البعثة المحمدية، تزوجت، وأنفقت، وزوّدته لغار حراء، وكانت أول من آمن به وصدقه وثبته، وواسته لما عاد إليها من الغار يرجُف من رؤية الملك الذي جاءه بالوحي، فقالت له وقد بث إليها أنه خشي على نفسه: “كلا! أبشر! فوالله لا يخزيك الله أبدا! إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمِل الكَلَّ، وتكسِبُ المعدوم، وتَقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق”[14]. يقول الإمام رحمه الله: “قمة الكمال وكمال المثال في خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها التي نصدُق إن قلنا إنها نهض بها الإسلام كما نصدق إن قلنا إنها نهضت بالإسلام. ويجيئها وسام الشرف من رب العالمين. مثال وخيال عند القوم المجرمين، وعندنا نحن حق اليقين. روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتْ ومعها إناء فيه إدام -أو طعام أو شراب- فإذا أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني. وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب”[15][16]. كما أن المؤمنة الصالحة كانت تقف إلى جنب الرجل لكي يسمو بنفسه فلا يتدحرج ولا يتقهقر ولا يزيغ عن الجادة. فكانت الواحدة منهن تخاف الله فتقول: يا أبا فلان! أطعمنا حلالا، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار وغضب الجبار. يقول الإمام رحمه الله: “مساندات كن ومانعات للرجل عن التدحرج. بل ومنهن من تقتحم العقبة لا تنتظر الرجل أن يسحبها معه كما يُسحب التابع. كم من صحابية أسلمت وتخلت عن المشرك الزوج، والمشرك الأب، والمشركة الأم، والمشركين العشيرة والقوم والحماية والرزق. كم منهن هاجرن إلى الله ورسوله ابتداء من ذاتهن وهمتهن ومبادرتهن”[17].

  1. التعاون على طاعة الله تعالى.

إن اجتماع الزوجين على ما يرضي الله تعالى هو أعظم أساس لبناء السعادة في الأسرة المسلمة، فالله وحده تعالى هو الذي يؤلف بين القلوب ويجمع بينها، وطاعته لها أثر كبير في سيادة الألفة والمحبة والتوافق بين الزوجين، والتأمل في الصورة الرائعة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم تبين حلاوة هذه العلاقة: “رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت فإن أبت رش في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى فإن أبى رشت في وجهه الماء”[18]، كما حث صلى الله عليه وسلم على اتخاذ الزوجة الصالحة التي تتعاون مع زوجها على البر والخير في قوله: “ليتخذ أحدكم قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر الآخرة”[19]، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على أهمية بدء الحياة الزوجية بطلب التوفيق والسعادة من الله بالدعاء الذي علمه لمن أراد الدخول على أهله: “اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه”[20].

المحور الثالث: القوامة والحافظية وأثرهما في استقرار الأسرة.

جمع الله عز وجل وظيفة الزوج ووظيفة الزوجة في قوله جل ذكره: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم. فالصالحات فاتنات حافظات للغيب بما حفظ الله} (النساء، 34). والذي يقرأ بقية الآية الكريمة يدرك أن القوامة المذكورة هي للرجل في بيته، وداخل أسرته، فجعل الله القوامة للرجل والحافظية للمرأة، “على الزوج القِوامة، وهي حماية الزوجة وصيانتها وجلب المصالح إليها. وعليها هي الحافظية، تحفظه في نفسها وبيتها وولده وماله”[21]. فالقوامة ليست سلطة مطلقة وفرض وصاية على المرأة، وإنما أعطى الله حق القوامة للرجل لقدرته على تحمل أعباء الحياة، ويكون في بيته كما أمره الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. إن القوامة التي فرضها الله على الزوج هي أخت الحافظية التي فرضها الله على المرأة الزوجة، بحيث: “لا تنازع الحافظية القِوامةَ، بل يعيش بعضهما في كنَف بعض”[22]. كما أنه “إذا كان للرجل فضل القوامة وشرفها، فإن للمرأة فضل السكن وشرف الأمومة”[23]. وقد جُعلت المرأةُ الصالحة خير متاع الدنيا، ودليله رواية مسلم عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة”[24].

وأعطى الأستاذ عبد السلام ياسين لمفهوم الحافظية بعدا شموليا، فقال: “حافظية الصالحات القانتات في المجتمع المسلم لا تقتصر على شُغل بيوتهن وإرضاء أزواجهن، بل تنطلق أولا من إرضاء الله عز وجل وترجع إليه”[25].

يقول الإمام محمد عبده في المراد بـ”القيام” في قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} “هو الرياسة التي يتصرف بها المرؤوس بإرادته واختياره، وليس معناها أن يكون المرؤوس مقهورا مسلوب الإرادة، لا يعمل عملا إلا ما يوجهه إليه رئيسه… والمراد بتفضيل بعضهم على بعض تفضيل الرجال على النساء، ولو قال: “بما فضلهم عليهن” أو قال: “بتفضيلهم عليهن” لكان أخصر وأظهر فيما قلنا إنه المراد، وإنما الحكمة في هذا التعبير هي عين الحكمة في قوله تعالى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا(النساء، 32) وهي إفادة أن المرأة من الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن الشخص الواحد، فالرجل بمنزلة الرأس، والمرأة بمنزلة البدن”[26].

“إن تشبيه المرأة بالجسد والرجل بالرأس فيه نوع من التجحيف لحق المرأة، لأن الجسد بدون الرأس مشلول لا يقوى على فعل شيء دون إعطاء إشارات من الرأس، ولو أن الإمام محمد عبده أشار إلى أن الرجل هو ربان السفينة والمرأة طاقمها بحيث يتشاركان في اتخاذ القرار وتنفيذه لكان التشبيه أبلغ”[27]، وهذا ما أشار إليه الأستاذ عبد السلام ياسين في قوله: “البيت المسلم الذي يمارس فيه الزوج «درجة» قائد السفينة، هو هناك مع خرائطه، ومخططات الإبحار، ومواجهة أهوال الموج، وهي حافظة لما به تتغذى السفينة وتتحرك من دواليب خفية ووَقود وصيانة. تطيع الربان إذا أمرها، وتحفظ غيبه في نفسها وماله”[28]. كما “أن الرئاسة في الأسرة ليست استبدادية، بل هي شورية، لأن الشورى خلق المسلم في كل شؤونه”[29].

إن كمال أداء مسؤولية القوامة لا بد له من التعاون بين الزوجين، والذي يتمثل في طاعة المرأة لزوجها بحيث “تكون نابعة من القلب مع الرضا والحب، وأن تكون في حدود المعروف لا تتعداه. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف”[30][31]. عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود أنها قالت لزوجها: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم”[32].

وتتمثل أيضا في التشاور بين الزوجين في القضايا التي تهم الأسرة، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}(الشورى،38)، فعن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج أم سلمة وأصبحت عنده قال لها: “ليس بك على أهلك هوان، إن شئت سبعتُ عندك، وإن شئت ثلثُ، ثم درتُ، قالت ثلثْ”[33]. وفي نيابة المرأة عن زوجها في إدارة شؤون الأسرة حال سفره، عن عبد الله بن سلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “خير النساء من تسرك إذا أبصرت وتطيعك إذا أمرت وتحفظ غيبتك في نفسها ومالها”[34].

خاتمة: مفاتيح من أجل أسرة ناجحة.

كيف يعيش الزوجان في حب متجدد؟ كيف ينميان المودة والرحمة بينهما؟ كيف يحاربان التشنجات وأشكال الكدر؟ أسئلة نستمد أجوبتها مما سبق في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة.

من مفاتيح السعادة الزوجية:

– الاحترام والتوقير المتبادل: شعورا وأفكارا ومزاجا.

– المسارعة للخدمة وتحمل الأعباء: فالتضحية عربون المحبة، وفي الحديث: “وأنا أنفعكم لأهلي”[35].

– المناداة بأحب الأسماء: أدب نبوي رفيع أولى بين الزوجين لدوام العشرة وطول الرفقة.

– الاعتراف بالجميل والتنويه بأي جهد: فالنفس البشرية تحب الثناء، فكيف إذا بذلت مجهودا. وما أكثر من لا يكلف نفسه – والرجال خاصة – عناء جملة: بارك الله فيك، يكافئ بها عن ساعات عمل، تُشعر براحة نفسية وسعادة غامرة تُحفز على المزيد من العطاء.

– استحضار المناسبات السعيدة وتوظيفها تنمية للحب: ذكرى الزواج مثلا..

– الإحسان إلى ذوي الطرف الثاني وخدمتهم.

– التهادي: سنة نبوية تنمي التحاب عموما وبين الأزواج خاصة، وفي الحديث: “تهادوا تحابوا”[36].

– الإفصاح عن مشاعر الود: فكثير من الأزواج – رجلا وامرأة – يئدون الحب بينهما بالانشغال بتربية الولد أو غير ذلك من الأهداف المادية كبناء المسكن أو تنمية المال، ويتنبهان بعد ردح من الزمن أن جذوة الحب قد خَبَتْ.

– أخذ الزينة والتجديد مظهرا ومخبرا: ورضي الله تعالى عن ابن عباس لما قال: “أحب أن أتزين لأهلي، كما أحب أن تتزين لي”[37]. وهذا باب قد تؤتى منه العلاقات الزوجية.

– الدعـاء والتضرع للباري: طلبا لدوام المودة بين الزوجين، يقول سبحانه: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} (سورة الفرقان،74).

هذه بعض معالم طريق السعادة الزوجية بها ينمى رصيدُ المودة والمحبة التي أودعها الله تعالى في قلوب الأزواج، تعاونا على أعباء الحياة، وتحقيقا للغاية التي من أجلها كان خلق الإنسان: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات، 56) صدق الله العظيم، والحمد لله رب العالمين.


[1] ابن منظور، لسان العرب (أسر)، الطبعة: الثالثة – 1414 هـ، دار صادر – بيروت، ج4 ص19. الراغب الأصبهاني، المفردات في القرآن، مادة (أسر).

[2] المادة 4 من مدوّنة الأُسْرَة المغربية الصادرة في 05 فبراير 2004،

[3] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات، ج 2، ص 173.

[4] المصدر نفسه، ص 235.

[5] نفسه، ص 256.

[6] ياسين عبد السلام، تنوير المومنات، ج 1، ص 72.

[7] نص الحديث: “- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: «اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ. قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ” أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، . كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي ولم يصرح، رقم الحديث (6927).

[8] أخرجه البخاري في الجامع الصحيح،  كتاب الأدب، باب لم يكن النبي ﷺ فاحشا ولا متفحشا، رقم الحديث (6030).

[9] رواه مسلم. في الصحيح، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، رقم الحديث (2594).

[10] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب الرفق، رقم الحديث (464).

[11] رواه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب  باب فضل الرفق، رقم الحديث (2593).

[12] أخرجه الإمام السيوطي، الجامع الكبير، القسم الأول: الأقوال  “حرف الخاء”، مختار إبراهيم الهائج – عبد الحميد محمد ندا – حسن عيسى عبد الظاهر،  الطبعة: الثانية 2005م، الأزهر الشريف، القاهرة، ج4ص775.

[13] رواه الترمذي في السنن، أبواب البر والصلة ، باب ما جاء في خلق النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث رقم(2015).

[14] رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنه، أخرجه البخاري في صحيحه، سورة اقرأ باسم ربك الذي خلق، باب حدثنا يحيى بن بكير، الحديث رقم (4953)،  وأخرجه مسلم في الجامع، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، رقم الحديث (160).

[15] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي ﷺ خديجة، رقم الحديث (3820)، و مسلم، كتاب فضائل الصحابة  باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، رقم الحديث (2432).

[16]  ياسين عبد السلام، تنوير المومنات، ج 1، ص 78.

[17]  المصدر نفسه، ج 1، ص 79

[18] أخرجه ابن ماجة في سننه، أبواب إقامة الصلوات والسنة فيها، باب في حسن الصوت بالقرآن، الحديث رقم(1336)، وأخرجه أَبُو داود،  بإِسنادِ صحيحٍ.

[19] أخرجه ابن ماجه في السنن، أبواب النكاح، باب أفضل النساء، رقم الحديث (1856)، بإِسنادِ صحيحٍ.

[20]أخرجه ابن ماجه في السنن، كتاب النكاح، باب ما يقول الرجل إذا دخلت عليه أهله، رقم الحديث(1918)، أخرجه أبو داود.

[21] عبد السلام ياسين، العدل ص294.

[22] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات، ج 2ص 271.

[23] كتاب تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج5 ص 100.

[24] رواه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع  باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، رقم الحديث (715).

[25] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات.، ج 2 ص 82.

[26] محمد عبده، تفسير المنار، الجزء5 الصفحة 56.

[27] حول مفاهيم القوامة والدرجة والولاية، هيئة التحرير21 دجنبر، 2021، الجماعة نت.

[28] عبد السلام ياسين، تنوير المومنات ج2 ص83.

[29] عبد الحليم أبو شقة، تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج5 ص 100.

[30] رواه البخاري في صحيحه، كتاب أخبار الآحاد  باب ما جاء في إجازة خبر الواحد، رقم الحديث(7257).

[31] عبد الحليم أبو شقة، تحرير المرأة في عصر الرسالة، ج5 ص 103.

[32]رواه البخاري في الجامع، كتاب الزكاة  باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر، رقم الحديث (1466).

[33] رواه مسلم في الصحيح، كتاب الرضاع  باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف رقم الحديث(1460).

[34] أخرجه الطبراني في  المعجم الكبير، عبد الله بن سلام رضي الله عنه، رقم الحديث(4969).

[35] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، حسن الخلق  فصل في التواضع وترك الزهو والصلف والخيلاء والفخر والمدح، رقم الحديث (8200).

[36] أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب قبول الهدية، رقم الحديث (594).

[37] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف في الأحاديث والآثار، كتاب الطلاق  ما قالوا في قوله وللرجال عليهن درجة، رقم الحديث(9263). والبيهقي في سننه الكبرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.