منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عوائق التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة وسبل تجاوزها

د. الجيلالي سبيع

0

عوائق التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة وسبل تجاوزها

د. الجيلالي سبيع.

أستاذ التعليم العالي.

كلية الآداب، وجدة.

تقديم:

تعد قضية المرأة من القضايا الشائكة في واقعنا المعاصر، وقد جثت مظلوميتها على واقع الأمة قرونا مديدة، وغدا تشيء وضعها وصمة عار جرت معه أذيال النظر القاصر الضعيف المستضعف إلى القضية المتعددة الأبعاد المتشعبة الأطراف.

وقد غدا مطلب إنصاف المرأة وتحريرها من العزيز المرام في هذا الزمان، والتبست على طالبه السبل والآثار، لما غص به الباب من غث وسمين، فصار لزاما طلب ما فيه النجاة والهدى والفلاح.

إن المرأة المسلمة عانت وما زالت تعاني من الظلم والعسف والقهر والتهميش والتجهيل والإبعاد عن ساحة الفعل والحضور المجتمعي، واليوم وهي بين نار الدعوة التغريبية ورمضاء المخلفات الانحطاطية. ما من شكوى يبثها حال المرأة ويلغط بها دعاة (تحريرها ) أمس واليوم إلا ولها نصيب كبير من الصحة: استعباد المدنية، والمعاملة المهينة للبدوية، والأمية الأبجدية، والجهل، والأجور البئيسة، واستغلال الصبيات في المعامل، والتعدد الاعتسافي، والطلاق الجائر، وإكراه الفتيات على الزواج، والتحايل على نصيب المسلمات من الإرث. والقائمة طويلة…

تعددت المعالجات التي رافقت قضية المرأة المسلمة ومظلوميتها عبر التاريخ، غير أن قصور النظر رافق العديد منها، إما لتوجهه الإيديولوجي الخادم لأجندات غريبة عن الأمة وإما لانحباس أفق تفكيره، ليظل التجديد والاجتهاد يراوح مكانه لتظلم المظلومة مرتين ويعلق وزرها ضد مجهول عبر التاريخ.

إن الحلقة المفرغة في سبيل طلب التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة هي انعدام رؤية شمولية في الموضوع، تلم شعته وتتجاوز عوائقه، لأن الأمر تعامل مع نفس بشرية تعيش في واقع معين وتتجاذبها اهتمامات ونوازع عدة، وهاته النفس البشرية تتوق إلى الاطمئنان الفكري والتشرب التربوي الإيماني والاحتضان العاطفي، وتوفير الأجواء وإزاحة الأشواك لتطبيق ما ساق العقل البشري من أجله أقوى الحجج وأرفع البراهين فهما لمقتضيات الواقع ورسما لمنارات انطلاق قطار التجديد الذي يوفق بين مراتب الثبات والتغيير.

إن التجديدي والاجتهاد الشامل في قضية المرأة يقوم على أسس ثلاثة، فكري وتربوي وتنزيلي، يعد تظافرها قوة دفع لدحض العوائق التي حالت دون بلوغ السنة الكونية التجديدية مداها المطلوب. وعلى هذا الأساس قنا باستهلال ورقتنا البحثية بتقديم وقسمناها إلى قسمين، خصننا الأول منها للحديث عن عوائق التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة، وحصرناها في الانحباس والانكماش ثم النمطية والجمود والتبسيط ثم الارتباط بالنص وبآراء الفقهاء وشخصياتهم، ثم الاحتلال ثم بعض المبالغات.

أما القسم الثاني فخصصناه لمداخل التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة، وهي المدخل الفكري ثم التربوي ثم التنزيلي، ليتوج البحث بخاتمة جمعت أهم الخلاصات التي تستفاد من الموضوع.

 القسم الأول: عوائق التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة.

تعترض عملية الاجتهاد والتجديد في قضايا المرأة مجموعة من العوائق، لعل أهمها وأعوصها ما يلي:

1- الانحباس والانكماش:

ظل الفقه الإسلامي عدا فلتات منه لا يتمكن من تصويب سهامه إلى صلب قضية المرأة، بل انشغل بما نجم عن معضلتها من مظاهر وأرسى لها فتاوى وقراءات، وتكييفات حسب فقه الواقع المتاح في تصوره.

وربما فات ذاك الفقه أنه يؤسس لتهميش المرأة، وغيرها من طاقات المجتمع، وإبعادها عن ساحة الفعل والحضور المجمعي، وتهميش المجتمع ككل.

أنقل لتقي الدين الهلالي من فقهاء المغرب المعاصرين نصا يبرز التصور الجديد في مسألة تعليم المرأة، والانقلاب الجوهري الذي وقع في المسألة مراعات لتغير الظروف في نظر من قال بهذا الرأي، جاء فيه: “في تعليم الإناث وتربيتهن ثلاثة مذاهب متباينة. المذهب الأول: عدم تعليمهن أكثر من قراءة المصحف بدون فهم. قال أصحاب هذا المذهب: إنه أحسن المذاهب وأولاها بالصواب، وهو الذي وجدنا عليه آباءنا. وهم كانوا أحسن منا. وتعليم النساء يفسد أخلاقهن. فإن المرأة التي لا تقرأ ولا تكتب تكون بعيدة عن متناول شياطين الإنس. فإن القلم كما لا يخْفى أحد اللسانين. فبعدم معرفتها للقراءة والكتابة تأمَنُ شر اللسان الثاني فيتم لها الأمن. وكم رأينا من متعلمات لم يأتهن الشر إلا من قِبَل تعلمهن، وهذا في زمان الإسلام والعفاف والأَنفَة العربية، وأما في هذا الزمان فقد بلغ السيل الزُّبَى واتسع الخرق على الراقع. فإن معرفة الفتاة للقراءة توصل إلى ذهنها جميع ما يقع في الدنيا من الفساد والمخادنة. وتملأ فكرها بهواجس خبيثة كانت في عافية منها”[1].

إن هذا الاجتهاد نموذج من بعض الاجتهادات السائدة طوال القرون الماضية، والتي ارتأت تكييف نظرها مع تغير ظروف المرأة، ويظهر جليا للمتفصح قصور نظرها وبنائها ودلالتها ومغزاها وانحباس أفقها.

والفقه المنحبس لبوس جديد لبسه الفقه إبان انحطاط الأمة، وقد تميز في تعاطيه مع قضايا المرأة بتوسعه في استعمال سد الذرائع، فكان خوف الفتنة دافعا نحو الانكماش وإصدار فتاوى تضر بالمرأة على الخصوص.

وأنموذجا يسوق القاضي أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن في توصيفه لحالة نساء نابلس نصا ناطقا بحال المرأة في ظل سيادة الذهنية التحوطية المنحبسة، جاء فيه: “ولقد دخلت نيفا على قرية من برية فما رأيت أصون عيالا ولا أعف نساء من نساء نابلس التي رمي فيها الخليل عليه السلام في النار، فإني أقمت فيها أشهرا، فما رأيت امرأة في طريق نهارا إلا يوم الجمعة، فإنهن يخرجن عليها حتى يمتلئ المسجد بهن، فإذا قضيت الصلاة وأقبلن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدة منهن إلى الجمعة الأخرى، وسائر القرى ترى نساؤها متبرجات بزينة وعُطْلة منصرفات في كل فتن وعُضْلة. وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن فيه”[2].

فقد أصبح مكوث المرأة في بيتها معيارا لعفتها، وصار تبرج أخريات دافعا للإعجاب بذاك المكث والدعوة إليه، وهذا نموج من الفقه المنحبس الذي زاد من معاناة المرأة المسلمة، وعقد مسيرتها نحو التحرر الشامل.

تقول رقية العلواني في توصيف الحالة الاجتماعية و الأعراف المتعلقة بالمرأة في عصور التقليد المتأخرة: “وأضحى سد الذريعة سلاحا مشروعا في وجه أي دعوة لاستعادة مكانتها التي بوأها إياها الإسلام، من دعوة إلى تعليمها أو مشاركتها في الحياة العامة فالتعليم يقتضي خروج المرأة من بيتها و خروجها فتنة، فتمنع من التعليم سدا لذرائع الفساد”[3].

فهل مجد عصر الرسالة امرأة بمكثها في بيتها أم إنه انقلاب في تصور الحضور الفاعل للمرأة، ليبقى الانحباس صفة لصيقة ببعض اجتهادات التيار الإسلامي إلى وقتنا الراهن،

نعود إلى الدكتورة رقية في وصف الحالة الاجتماعية التي كانت تحكم الذهنية الفقهية آنذاك وجاء فيه: “أما على الصعيد الاجتماعي فقد برزت الذهنية التحوطية التي تتبنى مبدأ الأخذ بالأحوط، خاصة فيما يتعلق بأحكام المرأة. وتساند هذا المبدأ فكرة العمل بسد الذريعة. و سد الذريعة سلاح دفاعي يستعمل عند تغلب مظاهر الرذيلة في المجتمعات، والتخوف من الوقوع في المحظور والفتن”[4].

فما هو أثر هذا الفقه في معاناة المرأة وتهميشها؟ وما هي سبل انعتاقها المرأة المسلمة من ربقته؟

2- النمطية والجمود والتبسيط:

تميز الاجتهاد الفقهي المهتم بقضايا المرأة بنمطية محددة جمدت في كثير من الأحيان على قوالب معينة وانتهجت مسارات معروفة، وتقيدت بظواهر وأعراف ووقائع وذهنيات، فتم تكرار مواضيع بعينها، ولاكتها الألسن بنفس المحتوى والمضمون والمغزى. تقول زينب الغزالي عن هذه المواضيع: ” قتلت بحثا، وعرف بها القاصي والداني، والبعيد والقريب”[5].

 ومعلوم أن قضايا المرأة ووضعها يعرف تغيرات متعددة ومستجدات متلاحقة، ما يفرض تدخلات اجتهادية تجديدية موازية، والبحث عن حلول واقعية شمولية، وفي غياب كل ذلك تبقى جهود التجديد والاجتهاد في طلب إنصاف المرأة ضربا من الارتجال، وتولد نوعا من السآمة والضجر، يتحدث الدكتور القرضاوي عن النمطية والجمود في الكتابات والخطابات الإسلامية فيقول: ” قد شكا إلي بعض الأخوات مللهن من المحاضرات التي تلقى في المؤتمرات الإسلامية بأمريكا وأوروبا، وتدور كلها حول قضايا المرأة و حقوقها و واجباتها، و مكانتها في الإسلام، و هي قضايا تكررت حتى أصبح الحضور لسماعها كأنه عقوبة !”[6].

هذا الوصف ينبئ عن الملل والضجر الذي أصبح يصيب المرء من تكرار سماع نفس الأمور، وفي هذا إشارة إلى ضرورة تطوير الطروحات الاجتهادية التجديدية في تلك الجوانب وتسليط الضوء على أخرى أهملت أو أسقطتها نظرة جزئية إلى الأمر وشؤونه.

تقول هبة رؤوف عزت عن ما أسمته بالتاريخية و التبسيط في خطاب الإسلامين حول المرأة:” فخطاب الإسلاميين حديث الخبرة النبوية، فهي تاريخ و جذور، لكنها ليست مصدرا لتوليد تجارب جديدة تسير على نهجها و تبلور دلالتها في نماذج جديدة”[7].

3- الارتباط بالنص وبآراء الفقهاء وشخصياتهم:

النصوصيون نسبة إلى النص صفة ألصقت ببعض رواد التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة، وإذا كان اللقب يحيل إلى مزية الاستحضار المكثف للنصوص، فإنه بالمقابل يحمل مثلب التقليد والوقوف العاجز أمام النص الشرعي، هذا اللقب ولد ألقابا أخرى تصب في نفس السياق منها، الحرفيون والتراثيون والمقلدون… تقول هبة رؤوف عزت معددة سمات خطاب الاجتهاد الإسلاميين حول المرأة: “السمة الأولى: النصوصية والتقليد: فإذا كان الخطاب الإسلامي قد سعى إلى الاجتهاد في قضايا ملحة كالاقتصاد والسياسة نظرا لطبيعة علاقته بالسلطة وتطورها، إلا أنه ظل في مجال قضايا المرأة تحديدا حبيس النصوصية، والتي نعني بها رفع النص شعارا دون بذل الجهد ( الاجتهاد) في بيان كيفية وملابسات وضوابط تنزيله على الواقع، أي تجميد النص”[8].

وقد وقف الدكتور يوسف القرضاوي مع جمود النص هذا، وسمى الطائفة التي قامت به ـ حين تصنيفه لمدارس فقه المقاصد ـ بالظاهرية الجدد، ووضع تحت الاسم عنوانا فرعيا جاء فيه “فقه النصوص بمعزل عن المقاصد”[9].

ثم يعطي القرضاوي نماذج من اجتهادات هذه المدرسة تبين ما قال، ومما يعنينا في مجال بحثنا يقول: “هم في قضية المرأة يدعون إلى منعها من العمل، و إن كانت هي أو عائلتها في أمس الحاجة إليه. وهم لا يقبلون أن تشهد المرأة في الانتخابات ويكون لها صوت بالإيجاب أو بالسلب”[10].

والنموذجان يحيلان على التمسك بظاهر النصوص التي تدعو المرأة إلى القرار في بيتها وعدم صلاحيتها لتولي مناصب سياسية أو ولائية، وكل هذا نتاج إغفال النظر في المقاصد الشرعية ورفض ربط الأحكام بالحكم والمصالح التي هي أساس ومبنى الشريعة الغراء.

يصف الدكتور القرضاوي ضرر هذه الفئة بقوله:” فإنهم بجمودهم وتشددهم ـ بالرغم من إخلاصهم ـ يضرون بالإسلام ضررا بليغا و يشوهون صورته أمام مثقفي العصر… وهم يرفضون التجديد في الدين، والاجتهاد في الفقه، والابتكار في أساليب الدعوة، ويرون أن تبقى الحياة كما كانت في عصور السلف مظهرا و مخبرا “[11].

ومما يعيق في نظر البعض المسار التجديدي الاجتهادي في قضايا المرأة ارتباط البعض بآراء بعض الفقهاء وتخريجاتهم، رغم أنها فقه وفهم قد يخالفه فيه البعض ويكون ألحن بحجته منه، يقول الدكتور وائل الحلاق في هذا الصدد: “وقد يكون الإصرار على أن حجية أصول المذاهب الفقهية قد أدت وظيفة مبررة جدا في الماضي، غير أنه ما عادت تخدم الهدف اليوم. ولكن في الواقع لا زالت المرجعية والمكانة اللتين يحظى بهما الأئمة المؤسسون والمجتهدون رفيعو المستوى قائمتين ويدافع عنهما مسلمون معاصرون كثر. ويظهر ذلك جليا في المنهجيات (إذا صح التعبير) المعتمدة في إصلاح النظام الشرعي الإسلامي في مسألة الأحوال الشخصية “[12].

إن حضور آراء وشخصيات الفقهاء القدامى وبقوة في اجتهادات شؤون الأسرة والمرأة أمر لا يماري فيه أحد، إنما علينا التمييز بين الاستفادة من تلك الآراء النيرة وبين إلزام الناس بما ليس شرعا أو وجيها منها.

إن العقل قبل الشرع يدعو إلى الاستفادة من آرائهم وكتاباتهم وترجيحاتهم، وقد يكون الرأي الصادر عن أحد أولئك الأفداد رأي مبني على نص ظني دلالة أو ثبوتا، أو مبني على عرف تبدل وانمحى، أو على مقصد ولى وانحسر، آنئذ يحق للمجتهد أن يبتدع حكما آخر مدعم بالأدلة والبراهين الفهم الثاقب فيما يقول بانيا رأيه على قول أولئك السلف، علمنا هذا رأي فمن جاء بأحسن منه قبلناه.

إنما الخطأ كل الخطأ أن نجعل الزمان والمكان ذريعة إلى تبديل راجح أقوالهم أو تبديل ما بني منها على دليل قاطع أو ثابت من الدين لا يتزحزح أو عرف أو مقصد لا زال ساريا ومعتبرا أو اجتهاد وجيه معتبر.

وخلاصة القول يجب التمييز بين الشرع والفقه، فالشرع هو ما كان حكما من الله عز وجل قطعي الثبوت والدلالة لا تبديل فيه و لا تغيير، أما اجتهاد الفقهاء فهو من الفقه النسبي أحيانا والذي لا يعد حقا مطلقا، ومنه فالعيب في الارتباط بآراء الفقهاء القدامى يتأتى حين يتم الجمود على رأي يتصف بما قلنا.

4- مبالغات:

تفشى الاستناد على سد الذريعة ـ الأصل الموجهة ضد المرأة المسلمة ـ في الاجتهاد المتعلق بفقه المرأة، تبعا لمظاهر المجون التي شكل توسعها ضغطا على أفق التجديد في المسألة، وصارت خشية الناس والفقهاء على نسائهم وأعراضهم موجها رئيسا في القضية.

أما وقد سرى الخوف من الوقوع في المحظور والفتن، فإن المسكينة قدمت قربانا للحد منه، وقد أسهم الفقه المنحبس بشكل واضح في إبعاد المرأة عن ساحة الفعل في المجتمع، وكاد يخبو ذكرها في كتب الفقه وغيره من العلوم، ما عدا ما تعلق بفقه طهارتها، ونزر يسير من ثانويات شؤونها، لتظهر بالمقابل في صورة الملهمة المتغنى بها في غزل الشعراء وشطحاتهم.

وقد بلغ الأمر إلى مبالغات تدل على تناغم عوائد المجتمع مع مرجوح الاجتهادات الفقهية المتعلقة بالمرأة، وأنموذجا يقول الأستاذ إحسان حقي: “ولأخذ فكرة صحيحة عن الحجاب في باكستان قبل خمسين سنة… كان الرجل إذا أراد أن يتحدث عن زوجته لا يذكر اسمها، و لا يقول زوجتي، بل يقول(التي في داري)، و لم يكن يسمح للطبيب أن يرى المرأة إذا كانت مريضة و ليس له أن يمس جسمها، بل يربطون معصمها بحبل يمسكه الطبيب من الغرفة الثانية !! و أذكر بهذه المناسبة أن صديقا لي جاءني ذات يوم و هو مكتئب، فسألته عن سبب كآبته؟ فقال لي: ( إن أختي أصيبت بالكساح، فسألته عن السبب؟ فقال: لأنها لم تخرج من دارها منذ خلقت !! ) و يقول إن هذا الرجل حكى لي قصة أخته لأنه درس في لندن، وإلا فغيره لا يحدثون الغريب في أمور كهذه !!

و يواصل فيقول و كانت المرأة إذا أرادت الخروج من الدار لأمر لا بد منه يؤتى إليها بالتانكة وهي مركبة يجرها حصان واحد و لها مقعدان متلاصقان وجه الواحد إلى أمام المركبة، و الثاني إلى خلفها، وتلصق بباب الدار أو باب الزقاق، و يقف اثنان من محارمها يمسكان بشرشيفين يجعلانهما شبه نفق من باب دارها إلى التانكة، فتمر بينهما كالبرق هي في حجابها، ثم تلف التانكة بالشراشيف حتى لا يعرف من فيها، و يركب معها المحرمان لكي يعيدا تمثيل الرواية أمام الدار المقصودة..”[13].

إن الأمر وإن كان يتعلق بممارسات معيشة لبعض المسلمين ولا صلة له باجتهادات فقهاء التمحيص والتحقيق، فإن الأمر يدل على فهم خاطئ لحكم من أحكام الدين من قبل العامة، ما يعد ناقوس خطر دق في وجه التجديد والاجتهاد الفقهي كي يعيد ترتيب أولوياته، ويراجع أطروحاته، ويعيد النظر في أساليبه، ويبلور مقاصده ومراميه.

على أن مبالغات العامة تصير قواصم عن الخاصة، وتطفوا هنا على السطح مقولات صوت المرأة عورة، و وجهها كذلك[14]، و أنقل عن مثنى الكردستاني أنه حضر خطبة للجمعة في صنعاء و أثاره قول الخطيب في الموضوع المثار:” و لا يغرنكم قول الفاسقين الذين يقولون بجواز كشف المرأة عن وجهها”[15].

وإذا كانت هذه المبالغات تدل على انحطاط الأمة وتقهقرها، فإنه يجب أن يفهم ما آل إليه وضع المرأة المسلمة في سياقه التاريخي المجتمعي، لأن التحولات السياسة تركت بصماتها الواضحة على أحكام المرأة خاصة لتسود مجموعة من الفتاوى التي تلقي باللوم على الضحية في إشارات قوية إلى انحباس أفق الفقه وترهله وانسداد أبوابه لتتجلى الصورة بوضوح في عصور التقليد المتأخرة حسب الدكتورة رقية العلواني، حيث قالت: “وازدادت ملامح التخوف من تغلب مظاهر الفساد والمجون والفتنة في المجتمع، وساد منحى التحوط في الأحكام الاجتهادية القائمة على الحد من خروج النساء، وتقليص مشاركتهن في الحياة العامة في محاولة لإبقائها في بيئتها البيت الخاصة، بغية الحفاظ عليها وعلى تربية أولادها. وتبنى عدد من الخلفاء والعلماء ذلك التوجه التحوطي، لحماية المجتمع من مزيد من الانحلال والانهيار”[16].

5 – الاحتلال:

سلط الاحتلال والتغريب والعولمة، سهامهم المسمومة ضد المرأة المسلمة ومعقلها، وهو ما يصدح به الواقع المعيش تصريحا وتلميحا، ويسلح وكلاؤه اليوم هجمة شرسة على ثغرها يحشدون خيل الغواية ورجل التطورية ليجهزوا على ما تبقى من حصونه.

وأعظم خطب في الهجمة الاستعمارية المسلطة على الأمة والمرأة، تربصها بالنفس المسلمة وترصدها إصابتها، لأنها تعلم عمق دورها في التحول السلبي، كما نعلم نحن دورها في التغير الإيجابي للفرد والأمة.

وقد فاقم عمق مأساة المرأة المسلمة إصابتها في عقيدتها، وزعزعتها عن تصورها الحق، لتصير معجبة بفكر دخيل هجين، قوي الأثر، وطبعا سيعمل الاحتلال لأجل بلوغ أهدافه بكل متاح محبب للنفس غايته تبرر وسيلته، ولا خطوط حمراء تردعه وتكبح جموحه.

يقول قاسم أمين أنموذجا: “هذا هو الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه، و ليس له من دواء إلا أن نربي أولادنا على أن يعرفوا شؤون المدنية الغربية ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها.

إذا أتى هذا الحين، ونرجو ألا يكون بعيدا، انجلت الحقيقة أمام أعيننا ساطعة سطوع الشمس، وعرفنا قيمة التمدن الغربي، وتيقنا أنه من المستحيل أن يتم إصلاح ما في أحوالنا إذا لم يكن مؤسسا على العلوم العصرية الحديثة… هذا هو الذي جعلنا نضرب الأمثال بالأوروبيين ونشيد بتقليدهم، وحملنا على أن نستلفت الأنظار إلى المرأة الأوروبية”[17].

فإعجاب قاسم بالحضارة الغربية باد، غير أنه تطور إلى إيمان باستحالة التطور والتغيير من داخل منظومة الشرع الإسلامي، وعجزها عن الوفاء بذلك، ولذلك يكون تمثل عادات الغرب وفهوماتهم سبيل ذاك التطور.

لكن هل حلل قاسم ومن نحى نحوه المنهج الغربي، وقاس مدى نجاعته في جلب التقدم المنشود؟ أم أن الأمر إعجاب بالمظاهر البراقة – كمظهر المرأة الأوربية المتحررة – ولا أساس يستند عليه، سوى فهم سطحي لا ينفذ إلى جذور المسألة فيعالجها.

إن الغطاء الفكري الذي توفره بعض الأطروحات مكن للفكر الغربي الاستعماري من غزو بلادنا، ومن دهاء تلك التصورات الهدامة اتخاذها مظلومية المرأة وغيرها من قضايا الأمة كلمة حق يراد بها باطل.

واليوم أصبحت معاناة المرأة مضاعفة، فهي تعيش ممزقة بين الواقع التعس الذي فرضه عليها الظلم الذكوري المحلي والنموذج الغربي المغري بحريته الظاهرية، يقول مصطفى الولي: “إنه لم يسبق للمرأة أن كانت مسحوقة ومنهارة ومستعمرة وخامدة مثلما هي عليه الآن…حقيقة إن المرأة باتت ضحية للعالم التكنولوجي الجديد المجرد من الإنسانية…ومع التحولات التي يشهدها عالم ما بعد الحداثة، لا يبدو أن تطورا ثوريا سيحصل في المدى المنظور في مجال الحقوق السياسية والاجتماعية للمرأة، الأمر الذي يعيد الاعتبار لمراجعة كل الأطروحات الحداثوية التي ظهرت منذ التنوير وإلى اليوم”[18].

إن الاحتلال جرح غائر في جسد الأمة، وقد فاقم من مشاكلها وزادها ترهلا – وقضية المرأة تبع في ذلك – فبقي المسلمون يعانون من النزيف في الفكر والعواطف منذئذ، ويؤدون إتاوات باهظة لما ضعُف من قدتهم على ركوب طوق النجاة والإبحار إلى بر الأمان.

فما السبيل إلى خلاص المرأة؟ وما هي مداخل تحررها وقد ازدادت مأساتها تعقيدا؟

القسم الثاني: مداخل التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة.

لا بد للاجتهاد والتجديد في قضايا المرأة من رؤية شمولية تأتي على الداء من قواعده، وتستجيب لتطلعات المرأة الإنسان النفسية والعاطفية والمادية والتربوية والاجتماعية والتنظيمية والاقتصادية وغير ذلك مما يحتاجه الإنسان حتى تنصلح حياته في العاجل والآجل.

ولا مناص أيضا من سعى الرؤية التجديدية الاجتهادية في قضايا المرأة إلى تقديم منحى عملي إجرائي يطلب الإنسان ليوضح له الطريق ويحفزه للعمل، ويطلب العمل ليبرمجه ويمرحله، ويطلب الواقع ليصلحه ويزيل منه أشواك الصد عن سبيل الهدى والرشاد.

وفي سبيل بلورة حلول واقعية فعالة لأجل إزاحة عوائق التجديد والاجتهاد في قضا المرأة، نرى أن مداخلة وأسس تكمن في:

1 – التجديد والاجتهاد الفكري في قضايا المرأة.

يستجيب التجديد والاجتهاد الفكري لمتطلبات العقل التي تفرض التخطيط والتنظير المسبق لأي عمل يقدم عليه ألوا الألباب قبل تنفيذه، لأن العلم إمام العمل، وحظ العقل جزء من حظوظ الجسد،

وحين نتحدث عن تجديد يعيد للمرأة مكانتها ودورها الذي غابت أو غُيبت عنه، فإننا نتحدث فعلا عن فشل وإفشال للمرأة وقتل لإرادتها إذا تفحصنا حالها في القرون التي أعقبت تحريرها في عصر الرسالة، ونستعرض مع أبي شقة مشاهد من حياة الصحابيات رضوان الله تعالى عليهن تجلي الفرق الواضح بين العهدين، يقول: “كانت المرأة المسلمة في العهد النبوي واعية لشخصيتها التي قرر الإسلام الحنيف معالمها، ثم إنها مارست نشاطاتها مستقلة في مختلف مجالات الحياة، حيث إنها وانطلاقا من هذا الوعي، شاركت المرأة في النشاط الاجتماعي والسياسي والعمل المهني حسب ظروف الحياة وحاجياتها في عصر الرسالة.. ميدان التثقيف والتعليم وميدان البر والخدمات الاجتماعية وميدان الترويح الطاهر.. وحملت عقيدة تخالف عقيدة المجتمع والسلطة الحاكمة وواجهت الاضطهاد والتعذيب ثم هاجرت في سبيل عقيدتها.. وشاركت في المعارضة السياسية في بعض الأحيان.. وعملت في الرعي والزراعة والصناعات.. كان من ثمرات هذه المشاركة نمو وعي المرأة وبلوغها درجات عالية من النضج”[19].

لاشك أن السر وراء ما سماه أبو شقة وعيا للمرأة يكمن في البنية النفسية للمرأة المسلمة التي صنعت على عين القرآن وضخت فيها النبوة المربية الحانية صنوفا من المعاني القلبية الإحسانية العالية.

على أن استعراض هذه المشاهد الرائعة الناضجة يرسخ لدى المرأة القناعة بأن التجديد المنشود في قضيتها لن يتحقق إلا بالاقتداء بالنموذج الرسالي والصحابي، والتلمذة تحت أعتاب النبوة والنماذج الخالدة.

كما يعد تعليم المرأة العلم النافع بابا من أبواب التحرر من الانحباس الفقهي الذي جثم على صدرها قرونا مديدة، لأن في حبس المرأة طمس لقدراتها وإدخالها في غياهب الجهل، ولذلك اتجهت الضعيفة المجَهَّلة المستضعفة إلى ممارسات مشينة من قبل السحر والشعوذة والدجل، ليأتي الفقه المنحبس بعد ذلك فيحاسبها أقسى حساب، وماذا ينتظر ممن جُهِّل وفقر واستضعف واستخف، ولم يخضع لتربية علومية تنتشله من براثن الجهل.

فالأمة الإسلامية ما زالت حية ولن تموت، والنساء فيها طاقة خامدة تنتظر التخصيب، وما نملكه من مقومات كفيل بإنجاح مشروع التجديد والاجتهاد الشامل، يقول الدكتور مسفر القحطاني: “أعتقد أن دور المرأة في المرحلة الراهنة قد تقزم و انكمش نحو الخوف على الهوية والذوبان في الآخر، ما حجم دورها وأضعف إمكانياتها التي لا توجد في كثير من المجتمعات. إن ما نملكه من قيم إسلامية ومقاصد شرعية ومنهج رباني يكفل للمرأة قدرا من التأثير ودورا في الإصلاح”[20].

على أن المرأة ومعها الأمة الإسلامية؛ الكل مطالب بتفحص فقهها الموروث، لا نتنكر والعياد بالله لجهود فقهائنا الأجلاء رضي الله تعالى عنهم ولا لفقهنا الإسلامي العريق الحصيف، وإنما نسائله ونعرضه على المحك النبوي لنعرف الأصل من الفرع، والراجح من المرجوح، والشاذ من القاعدة، مستثمرين النصوص الصحيحة بفهم ثاقب عميق ينهل من درر الماضي ويستنير بأضواء المستقبل ومستجداته، يراعي الأولويات ويطلع على الواقع، ويتفقه في الموازنات، برؤية مقاصدية تعرف متى تنزل الحكم ومتى تؤجله أو تغيره، مراعية فيه منازل الثبات والتغير، حتى يوافق قصد المكلف قصد الشارع الحكيم.

2 – التجديد والاجتهاد التربوي في قضايا المرأة.

إن معالجة القصور الذي شاب عملية التجديد والاجتهاد في قضية المرأة تتجاوز المعالجة الفكرية ـ وإن كان مهمة ولا ينتقص من قدرها ـ، لكنها تبقى قاصرة إن اعتمد عليها بشكل كامل لتتحول القضية إلى تسطيح فكري وتناطح ثقافي لا يثمر عملا.

ومعلوم أن البناء النفسي للمرأة المسلمة يتم عن طريق التربية الإسلامية، والتربية الروحية والسلوكية سبيل بناء التغيير لأجل إقامة الدين، وتغيير النفوس والأوضاع، والخروج من الورطة التي بدا جليا تعقدها وتركيبها.

وقد خان التقدير مجموعة من الحركات والدعوات الإصلاحية التجديدية في شأن المرأة، لما قصرت تصور خلاصها في الجانب الفكري الذي ينير طريقها، ويبين لها الحق من الباطل، وفاتها أن العقل البشري طلما توقف عن تنفيذ ما ساق من أجله أرفع الحجج وأقوى البراهين، لأن النفس البشرية قد تعيش انفصاما بين العقل والإرادة، واللذان لا يوحد قصدهما إلا فهم خاضع لجلال الله، تشرب تربية تعرفه قيمة المقت الذي ينجم عن قول المرء ما لا يفعل.

يقول أحمد الخمليشي: “القانون عنصر أساسي في إصلاح أي مجال من مجالات الحياة الاجتماعية، ولكن إلى جانبه يتعين تغيير ثقافة الفرد ـ رجلا أو امرأة ـ الذي استبدت به حياة الأنانية، وحياة اللهو والاستهلاك وضعفت إرادته أمام تحمل المسؤولية وتلاشت لديه صفات التضامن والايثار و التضحية والتحمل (بمفهومه الواسع )…”[21]

إن تجديد الهمم والبواعث أمر مفصلي في سيرورة علية التجديد والاجتهاد، إذ التجديد لوعة في الفؤاد وطاقة تنبعث في نفس المجدد قبل أن يُرى للتجديد أثر على وجه الأرض، تلك الطاقة وتلك الهمة تعد الدافع والمحرك الأساسي لعملية التجديد التي غالبا ما تعترضها عقبات لا يقوي على اقتحامها إلا أصحاب الهمم العالية والعزائم الشامخة.

أما في حال فتور الهمم و ضعف الوازع، فإن التجديد ينقلب إلى تجدد ـ ويغيب الفعل الإنساني ليتجدد الوضع انطلاقا من سنة الله الجارفة في التجدد، والتي لا تحابي أحدا، إذ لا فائدة من طرق الحديد البارد، ولهذا قال عز من قائل: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”[22].

إن أهمية المدخل التربوي في سيرورة التجديد والاجتهاد المتعلق بقضايا المرأة تنبع من تصور الإسلام للفرد الذي يقيده ضميره و خوفه من الله عزو جل قبل أي ضوابط و زواجر قانونية أو تعزيرية، يقول الأستاذ محمود الجوهري: ” والإسلام عندما يعتمد على التشريع في إرساء قواعد الأسرة ومجتمعه الإنساني، فإنه يعتمد في المقام الأول على استجاشة الضمير الذي اعتنى به تربية وتهذيبا، بهذه الوسيلة المزدوجة نجح في حماية الأسرة من كل عوامل التفكك والتصدع “[23].

إن المدخل التربوي أساس أي إصلاح في منظومة التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة، إذ للقيم الأخلاقية خضور قوي في المسألة تضخ من خلالها روح الحياة في القوالب الفكرية المسطرة كي تتقبل النفس االبشرية تنفيذها وتقمها، يقول طه عبد الرحمان: ” أولا:… بل ليس في جوانب هذه الحياة الإنسانية جانب واحد، دقَّ شأنه أو جلَّ، لا تتلبس به القيم الأخلاقية، إن مباشرة أو بواسطة، حتى إن هذا الجانب لا يكون له من الإنسانية إلا على قدر ما يقوم به من الأخلاقية…”[24].

3 – التجديد والاجتهاد التنزيلي في قضايا المرأة.

حث الإسلام على إتباع القول بالعمل، وجعل ذلك برهان صدق القول والطلب، وهو ما جسده صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أرض الواقع تجسيدا في رسالة تعليمية قوية قرع سمعها قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ”[25].

ومما لاشك فيه أن أي حديث عن التجديد والاجتهاد يبقى ثرفا فكريا إذا لم يتبعه عمل وخصوصا في مجال حيوي مصيري استعجالي مثل قضايا المرأة، يقول الإمام الشاطبي: “العلم الذي هو العلم المعتبر شرعا أعني الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق هو العلم الباعث على العمل”[26].

إن شمولية وتكامل أي مشروع تغييري نهضوي تأتي من تكامل أركانه وجمعه بين التنظير والتطبيق والتنزيل، وذلك بغية تقديم إجراءات عملية للخروج من الورطة التي تكابدها المرأة اليوم.

إن التجديد لما كان سنة متجددة في الزمان والمكان تجتهد وفقها أجيال الإيمان لإعادة عز الإسلام المستقبلي وهو ما تساهم فيه المرأة، فإن الأمة إن وقفت مع فقه تفاعل في زمَنه وفي حدود مراميه ومساحة مسؤولياته، فإن الواقع المتحرك الصاروخي لن يقف، وسيسير بأفكار أخرى ولأهداف غير مقاصد الإسلام.

وقد راعى الفقه الإسلامي مستلهما من النبع القرآني والهدي النبوي واقع تنزيل الأحكام كي لا يلزم المكلفين فوق طاقتهم ولا تجذف أشرعتهم عكس التيار، فتوفر جهودهم وتقصد أعمالهم، لأنهم في نهاية المطاف إناء ينضح بما رشح فيه وتربى عليه.

ومعلوم أن لكل مجتمع نظامه الخاص، وسيرورته المستمدة والمتناغمة مع قوانينه وأعرافه ومنطلقاته وتصوراته وإكراهاته، وهي ملابسات تؤثر في تصوره للحياة وقضاياها الكبرى، الأمر الذي يجب مراعاته عقلا وشرعا إبان تنزيل أي حكم من الأحكام، لإزالة ما يواجهها من عقبات، وهو ما تمدنا السنة المشرفة منهج خير الأنام بومضات مضيئة مشرقة فيه.

ومما أثل في المجال ضرورة توفير الأجواء الاجتماعية التي تتيح تمثل عملية الاجتهاد وممارستها واقعا بعد الاقتناع بها فكرا وتنظيرا، وهي خطوة ذات دلالة على نضج ذاك الطريق المتبع الذي فهم وتفهم واقع المكلفين والعقبات التي حالت دون موافقة قصدهم وعملهم لقصد الشارع.

 فتكوين المجتمع الفاضل الصادق تنظيم نبوي فطن إليه الرسول صلى الله عليه وسلم منذ بدايات دعوته، لأنه لبنة أساس لتعزيز آليات التغيير والتجديد والاجتهاد واكتسابها، فكون الجماعة المؤمنة الصادقة بدار الأرقم بن أبي الأرقم، وأمر بالهجرة إلى الحبشة دار الصدق، ليستقر قرارها ويستوي عودها بالمدينة المنورة محصن الصدق والإيمان والعزة والمنعة.

ويبقى تكاثف جهود الصادقين ورص صفهم وتوحيد تصورهم وشد بعضهم إصر بعض مظنة ترسيخ ملكة الاجتهاد والتجديد في قضايا المرأة وغيرها من قضايا المجتمع، فإذا كان الباطل لوبيا تداعى أطرافه على الأمة فإن التآم شمل الصادقين أدعى وألح في المرحلة المقبلة، وجميل أن ترى الأمة اجتهادات في ذلك، من قبل جمعيات واتحادات وفدراليات…وما شابه ذلك من الأشكال التي يلتفت إلى روحها ومخبرها لا إلى مظهرها ورسمها.

إن التدرج تربية بالأساس وتغيير للبواعث والمعتقدات، فإن صلحت سهل التنزيل والتنفيذ، يقول يوسف القرضاوي: “لا يتحقق المجتمع الإسلامي بجرة قلم، إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج، أعني بالإعداد والتربية والتكوين، والتهيئة الفكرية والنفسية والأخلاقية، وإيجاد البدائل الشرعية للأوضاع المحرمة التي قامت عليها مؤسسات عدة لأزمنة طويلة”[27].

ولهذا وجب تكييف تنزيل مشروع التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة مع ظروف الزمان والمكان، مع أن غياب المرأة عن ساحة الحضور المجتمعي، والتأثير العلمي والتربوي يعد من أكبر العقبات التي حالت دون تبلور اجتهاد وتجديد رصين في المسألة، وازداد الأمر فداحة عندما غابت حتى عن ساحتها الخاصة، فأصبح الفقهاء ـ و لا عيب ـ يفتون في أمر طهارتها ولباسها و زينتها و كثير من خصوصياتها، و هنا تلام حتى هي، يقول زكي الميلاد: “ومن جانب آخر، قد لا يتوجه النقد هنا بالضرورة إلى الرجل الذي عبر عن رأيه و باهتمام في موضوع المرأة، بقدر ما يتوجه النقد إلى المرأة ذاتها التي لم تتول قضاياها بالقدر الكافي، أو باهتمام يفوق اهتمام الرجل”[28].

ويقول خالد العسري: “إن انسحاب المرأة من الحياة العامة كان نتيجة عرف تراكم حتى صار حجابا عن قراءة النص القرآني و السيرة النبوية في شأنها… فعلى المؤمنة اليوم مهمات التحرر من قيود التاريخ و من قيود تقليد نحلة الغالبين، وما ذلك إلا بالمزاوجة بين فقه النص وفقه واقع المرأة في كل الميادين.”[29].

إن لمرأة طالبة التجديد يجب أن تجد محضنا تأوي إليه في ظل الشرود الذي تكابده الكثير من الصادقات جراء الفصل النكد بين توعيات ثقافية إسلامية غاية في الإقحام وواقع عفن لا ترجمة فيه لما ساق العقل الإسلامي المثقف من أجله أرفع الحجج وأقوى البراهين.

وقد نكص عقب الكثير من الدعوات الإصلاحية التجديدية لما لم تجد بيئة نقية صافية صادقة تحتضنها وتوفر لها أجواء تطبيق منهجها، ولهذا صار لزاما التتلمذ بين يدي الوحي والسيرة العطرة لسيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام لنقتفي أثره في هجرة معنوية بالنساء والأمة طلبا لبيئة صالحة تصير شوكة تلوذ بها المرأة في خضم العالم الموار الذي تعيش فيه وتكتوي بلظاه وتسعى إلى تجديد وضعها فيه والاجتهاد في نوازله.

 خاتمة

من خلال سبر معوقات التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة وسبل تجاوزها نخلص إلى نتائج مفصلية وخلاصات كبرى من أهمها:

  • تعترض عملية التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة عوائق متعددة وجب فحصها وتعميق النظر فيها، حتى يتسنى تجاوزها والتخلص من عبئها المثبط لعملية التجديد لمنشودة في القضية.
  • تقوم الرؤية المقدمة في البحث عن سبل تجاوز عوائق التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة على أسس ثلاثة؛ أساس فكري تصبو المرأة وطالب الاجتهاد من خلاله إلى امتلاك أدوات الفهم والتحليل الصحيح قصد بلوغ الكمال العلمي في القضية، وأساس تربوي يوطن النفس على اقتحام العقبة وطلب استقامة النفس الأمارة بالسوء ويتدرج بها من حال إلى حال بقصد التخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل في تغيير فردي تنصاع مع النفوس إلى شرع ربها، وأساس تنزلي تتبع فيه الأقوال بالأفعال ويقدم إجراءات عملية تخطيطية تدرك من خلالها حكمة التنزيل وسداد التوقيع.
  • إن الطرح المقدم سعى إلى سبر قضية التجديد والاجتهاد المتعلقة بالمرأة انطلاقا من نظرة شمولية سعت إلى التعرف على مكامن الضعف والداء حتى تُقترح مداخل التغيير الحقة، التي تنور الفكر وتطلب كماله، وتزكي النفس وتطلب استقامتها على الأمر والنهي، وتتبع الكلام عملا متدرجا حانيا بانيا معبأ جماعيا متشوفا إلى صبح قريب تتنفس معه المرأة والأمة عبير الفعل والبناء والتميز.

إن رسول هذه الأمة صلى الله عليه وسلم حَرَّج[30] عليها حق المرأة، التي لا يكرمها إلا كريم ولا يهينها إلا لئيم عار عن الدين والمروءة، وهو تصور فشا إبان خير القرون، وترهل في عصور تلت ذاك التحرر، فقيض الله عزل وجل للأمة دعاة صادقين مجددين، لإخراج الأمة أفرادا وجماعات، ذكورا وإناثا من الحرج والضيق، الذي يصير بإذن الله سعة وفسحة، لا يخلف سبحانه وتعالى وعده.

والحمد لله رب العالمين.


لائحة المصار والمراحع:

القرآن الكريم برواية الإمام ورش عن نافع.

  • أثر العرف في فهم النصوص، قضايا المرأة نموذجا، د. رقية طه جابر العلواني، ط 1، 1424هـ – 2003م.
  • أحكام القرآن، ابن العربي أبو بكر محمد بن عبد الله، تحقيق رضى فرج الهمامي، بيروت، المكتبة العصرية، ط 1، 1424 هـ – 2003 م.
  • الأخوات المسلمات و بناء الأسرة القرآنية، محمود محمد الجوهري، ط 2، 1409 هـ – 1989 م، دار الوفاء للطباعة والنشر.
  • آراء في محاضرات، إحسان حقي، ص 121، ط 1985م، مؤسسة الرسالة، بيروت.
  • أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، 1992م.
  • تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام، مقدمة في أصول الفقه السني، د. وائل الحلاق، ترجمة د. أحمد موصللي، مراجعة د. فهد الحمودي، ط 1، يونيو 2007، دار المدار الإسلامي.
  • تجديد التفكير الديني في مسألة المرأة، الميلاد زكي، الإسلام و المرأة، ط 1، سلسلة الدراسات الحضارية 24، عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت 2008م.
  • تحرير المرأة في عصر الرسالة: دراسة جامعة لنصوص القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم، د. عبد الحليم أبو شقة، ط 5، 1999م، دار القلم، الكويت.
  • حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر، دراسة نقدية إسلامية، مثنى أمين الكردستاني، ط 1، 1425هـ – 2004م.
  • السنن الكبرى، النسائي، تحقيق حسن عبد المنعم شلبي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1421 هـ – 2001م.
  • السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة و مقاصدها، د. يوسف القرضاوي، ط 1، 1422هـ – 2001م، مؤسسة الرسالة.
  • مجلة البلاغ، العدد 20، أكتوبر 1991 م، صنعاء.
  • مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، ص الدورة الربيعية لسنة 2001 م.
  • ملتقى جسور النساء المغربيات، دون ذكر التاريخ ورقم الطبعة.
  • منار الهدى، ص 11 و 14، العدد 11، ربيع 2008م.
  • المسند، أحمد ابن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرون تحت إشراف د عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1421هـ – 2001م.
  • من حقوق المرأة و واجباتها في الإسلام، ط وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، المغرب، 1420هـ – 1999م.
  • تقي الدين الهلالي،
  • الموافقات في أصول الشريعة، الشاطبي، تحقيق عبد الله دراز، بيروت، دار المعرفة.
  • الوعي المقاصدي، قراءة معاصرة للعمل بمقاصد الشريعة في مناحي الحياة، مسفر بن علي القحطاني، ط 1، 2008 م الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت.

فهرس الموضوعات:

تقديم: 1

الفصل الأول: عوائق التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة. 3

1- الانحباس والانكماش: 3

2- النمطية والجمود والتبسيط: 4

3- الارتباط بالنص وبآراء الفقهاء وشخصياتهم: 5

4- مبالغات… 6

5 – الاحتلال: 8

الفصل الثاني: مداخل التجديد والاجتهاد في قضايا المرأة. 10

1 – التجديد والاجتهاد الفكري في قضايا المرأة. 10

2 – التجديد والاجتهاد التربوي في قضايا المرأة. 11

3 – التجديد والاجتهاد التنزيلي في قضايا المرأة. 12

خاتمة.. 15

لائحة المصار والمراحع: 16

فهرس الموضوعات: 17


[1] – تعليم الإناث وتربيتهن، من المكتبة المقروءة لتقي الدين الهلالي، www.alhilali.net.

[2] – أحكام القرآن، ابن العربي أبو بكر محمد بن عبد الله، تحقيق رضى فرج الهمامي، بيروت، المكتبة العصرية، ط 1، 1424 هـ – 2003 م، 3/460. وقد قال رحمه الله هذا الكلام في تفسيره لقوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) من سورة الأحزاب.

[3] – تقصد السيدة رقية بعصور التقليد المتأخرة الفترة المنحصرة بين بدايات العهد العثماني إلى العصر الحاضر، والمصدر هو: أثر العرف في فهم النصوص، قضايا المرأة نموذجا، د. رقية طه جابر العلواني، ص 143، ط 1، 1424هـ – 2003م ،

[4] –  المصدر ذانه، ص 136.

[5] – من الكلمة التي ألقتها زينب الغزالي في الندوة التي عقدت بالقاهرة في 19 و 20 أغسطس بالقاهرة حول موضوع:” وضع المرأة في العالم الإسلامي” ، مجلة البلاغ، ص 56 العدد 20، أكتوبر 1991 م، صنعاء .

[6] – أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، يوسف القرضاوي، ص 66، مكتبة وهبة، القاهرة، 1992م .

[7] – “المرأة و الاجتهاد: نحو خطاب إسلامي جديد” هبة رؤوف عزت، شاركت به في جامعة الصحوة الإسلامية، الدورة الخامسة 8-9 رجب 1419 هـ- 29 – 30 أكتوبر 1998 م. من حقوق المرأة و واجباتها في الإسلام، ص55/3، ط  وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، المغرب، 1420هـ – 1999 م .

[8] – مقال ” المرأة والاجتهاد” مقال هبة رؤوف عزت السابق، ص 55 .

[9] – السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة و مقاصدها، يوسف القرضاوي، ص 214، ط 1، 1422هـ – 2001م، مؤسسة الرسالة .

[10] – المصدر ذاته، ص 214 .

[11] – المصدر ذاته، ص 214 و 215 .

[12] – تاريخ النظريات الفقهية في الإسلام، مقدمة في أصول الفقه السني، وائل الحلاق، ترجمة د. أحمد موصللي، مراجعة فهد الحمودي، ص 272، ط 1، يونيو 2007، دار المدار الإسلامي .

[13] – آراء في محاضرات، إحسان حقي، ص 121، ط 1985م، مؤسسة الرسالة، بيروت.

[14] – وقد أطال وأجاد محمد الغزالي الكلام حول هذه الإشاعات كما سماها في كتابه قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة .

[15] – حركات تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر، دراسة نقدية إسلامية، مثنى أمين الكردستاني، ص 442، ط 1، 1425هـ – 2004م، دار القلم القاهرة .و يقول إنه حضر لهذه الخطبة بنفسه في مسجد في صنعاء سنة 1994م .

[16] – أثر العرف في فهم النصوص، قضايا المرأة نموذجا، ، ص 137.

[17] – قاسم أمين، المرأة الجديدة، الدار العربية للكتاب، ط 1991م، ص 109.

[18] – الولي مصطفى، مقال “المرأة من الاضطهاد إلى الاستيلاب”، ضمن كتاب المرأة وقضاياها، دراسات مقارنة بين النزعة النسوية والرؤية الإسلامية، مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي، سلسلة الدراسات الحضارية 9، ط 1، 2008م، ص 183 و184 و185 .

[19] – تحرير المرأة في عصر الرسالة: دراسة جامعة لنصوص القرآن الكريم وصحيحي البخاري ومسلم، د. عبد الحليم أبو شقة، تقديم د. يوسف القرضاوي  والشيخ محمد الغزالي، الكويت، دار القلم، ط 5، 1999م، ص 45 و46.

[20] – الوعي المقاصدي، قراءة معاصرة للعمل بمقاصد الشريعة في مناحي الحياة، مسفر بن علي القحطاني، ط 1، 2008م، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ص 171.

[21] – “منهجية الاجتهاد في الإسلام ” مساهمة للدكتور أحمد الخمليشي في ملتقى جسور النساء المغربيات، ص 101، د ت.

[22] – سورة الأنفال، الآية 53 .

[23] – الأخوات المسلمات وبناء الأسرة القرآنية، محمود محمد الجوهري، ص 32، ط 2، 1409 هـ – 1989 م، دار الوفاء للطباعة والنشر .

[24] – “ما بعد الأسرة وما بعد الأخلاق، انقلاب في قيم الحداثة”، مساهمة طه عبد الرحمن في مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، ص 311، الدورة الربيعية لسنة 2001 م.

[25] – سورة الصف، الآية: 2 و3.

[26] – الموافقات في أصول الشريعة، الشاطبي، تحقيق عبد الله دراز، بيروت، دار المعرفة، 1/69.

[27] – القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة و مقاصدها، ص 306، ط 1، 1422هـ – 2001م، مؤسسة الرسالة.

[28] – تجديد التفكير الديني في مسألة المرأة، الميلاد زكي، الإسلام و المرأة،  ط 1، سلسلة الدراسات الحضارية 24، عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت 2008م، ص 26 .

[29] – مقال: “قراءة هادئة في موضوع المرأة الساخن”، خالد العسري، ضمن مجلة منار الهدى، المغرب، العدد 11، ربيع 2008م، ص 20.

[30] – عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة “أخرجه الإمام أحمد في مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة رضي الله عنه، تحت رقم: 9666، والنسائي في كتاب عشرة النساء، باب حق المرأة على زوجها، تحت رقم: 9104.

النسائي، أبو عبد الرحمن الخراساني، السنن الكبرى، تحقيق حسن عبد المنعم شلبي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1421 هـ – 2001م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.