منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قضايا الوحدة المغاربية (دراسة تحليلية من خلال إشكالية العلاقات المغربية الجزائرية)

الدكتور حــسـن عنقــوري

0

قضايا الوحدة المغاربية

(دراسة تحليلية من خلال إشكالية العلاقات المغربية الجزائرية)

الدكتور حــسـن عنقــوري

باحث جامعي[1]

مقدمـة:

بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدِنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

يعتبر موضوع الوحدة المغاربية منْ أهمّ القضايا الشائكة التي تقتضي الإلمام بالقضية والإشكالية في آن واحد، نظرا لأهمية الوحدة المغاربية لدى العديد من شعوب المنطقة، فقد عرفت هذه الوحدة خيباتِ أمل كان لها أثرٌ عميق على الشعوب المغاربية التي طالما حلُمت وما زالت تحلمُ بقيام وحدة مغاربية تزيل العراقيل والقيود وتفتح عهدا جديدا لمغرب عربي متكامل وموحد، إزاء ذلك كانت هناك محاولات عديدة قصد تحقيق هدف الوحدة المنشود، إلا أنّ الامبريالية الغربية تقف حجر عقبة في إجهاض كل محاولة، ويبدوا هذا الوضع شبيها بالعهد الطائفي الذي عرفته المنطقة الأندلسية، وبتدخل الملثّمين المرابطين من صحراء المغرب توحدت البلاد وتم إجلاء العدو وتحرير المسلمين هناك فشهدت إثر ذلك معركة مصيرية بسهل الزلاقة عام479هــــ، ولم يتعظ ملوك الطوائف بما حل بهم وما جروه على بلاد الأندلس، فقضى عليهم ووحد البلاد الأندلسية.

تعيش الأمة المغاربية في المرحلة الراهنة مرحلة الجزر والتي ما فتئت كانت جسما واحدا موحدا وكتلة واحدة، وقد امتد الصراع المصطنع بين بلدان المعمور خلال انعقاد مؤتمر هرتزل عام1897م، حيث استهدف غزو الدول العربية قاطبة، وسقوط الدولة العثمانية، وأثناء ذلك فترة الاحتلال الفرنسي لبلاد المغرب العربي، بقيَ المشكل عالقا بعد انسحاب القوات العسكرية الإمبريالية بشكل مباشر، لكن بشكل غير مباشر، ظلّت قوى الاستعمار تشكل تبعية على مستويات عدة.

إشكاليات الدراسة:

وقبل الشروع في هذه الدراسة لا بدّ من طرح بعض الإشكاليات التي يتمحور حولها موضوع قضايا الوحدة المغاربية من خلال دراسة إشكالية العلاقات المغربية الجزائرية.

ما هي الأسباب الحقيقية والخلفيات والدوافع التي حالت دون تحقيق وحدة مغاربية حقيقية لبناء المشروع الاقتصادي في المنطقة المغاربية، لماذا لم تتحقق هذه الوحدة المنشودة، على الرغم من توفر العديد من الشروط الموضوعية الكفيلة لقيامها، ومن ذلك المقومات الأساس المشتركة بين دول المغرب العربي التي تجمع بينهم جميعا في إطار المقوّم الديني واللّغوي والثقافي؟

ما هو المشكل الحقيقي الذي يقف خلف القضية المغاربية، وما هي العوائق والعراقيل المسببة في إجهاض كل محاولة تسعى لتحقيق أهداف الوحدة المشترك؟

ما هي آفاق الاتحاد المغاربي في الوقت الراهن، في ظل ما تعيشه البلدان المغاربية من مشكلات سياسية اقتصادية، وخلافات سياسية تاريخية بين المغرب والجزائر تحديدا، بسببِ قضايا الصحراء المغربية التي شكّلت نزاعا مفتعلا وزاد من تأزم الأوضاع في المنطقة؟

بعد هذه الإشكاليات المطروحة، والتي ستكون موضوع هذه الدراسة، معتمدا على بعض المصادر والوقائع التاريخية في الشأن المغاربي.

مفاتيح الدراسة:

قضايا: باعتباره مفهوم يحدد موضوع هذا البحث، -قضايا- ومعلوم أنَّ القضيةَ، هي الشيء المركّب التام الذي يصحُّ أنْ نصِفهُ بالصدقِ أو الكذب، ومدلول قضية أو قضايا، مكوَّنٌ منْ موضوعٍ يحتمل الصِّدق والكذب لذاتِه، ويصحُّ أَنْ يكونَ قائما على الدليلِ والبرهان، ومنْ تلك القضايا المشتملةَ على معلومات ذات مسائل ومشاكل متوقّعَة، وباعتبار لفظ قضايا يدلُّ على مسألةٍ معقدة مطروحة تحتاجُ إِلى حلولٍ عقلانية وواقعية.

الوحدة المغاربية: وهما مفهومان يجسد كل واحد منهما الآخر، حقيقة وأسلوبا، والمقصود بــ: المغاربية، بدل استعمال مفهوم الغربية، لأنّ القرآن الكريم استعمل مصطلح المشرق والمغرب، لقوله تعالى: )وللهِ المَشْرِقٌ وَالمَغْرِبُۖۖ فَأيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ اللهِۖ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمۖ( [البقرة: 115]

إشكالية العلاقات المغربية الجزائرية: وهذه العبارة جوابا على مفهوم قضايا ومدلوله، وتنحصر هذه القضايا في تحديد إشكالية العلاقات المغربية الجزائرية، وهذه الاشكالية توضح مستوى هذه العلاقات، هل هي علاقة تكامل أم صراع، وهل هي علاقة توافق أم لا؟

وبالتالي فكل هذه الاشكاليات عموما نسميها قضايا فهي بحاجة الى دراسة موضوعية وتحليلية للخروج بمجموع النتائج والتوصيات.

لمْحَة تاريخية عن العلاقات المغربية الجزائرية

إنّ من تداعيات الاستقلال المشروط والمتأخر لعددٍ من دول القارة السّمراء أو الجنوب المتوسطي، حيث تشكلت خلفه تناقضات ومشاكل سّوسيو اقتصادية، التي لازمت هذه الدول بعد استقلالها، وإنْ كان من المفروض أنْ تعمل الأنظمة السياسية الإفريقية جاهدة من أجل التنمية الاقتصادية، نظرا لمعاناة شعوبها من أزمات اقتصادية ومشاكل اجتماعية جراء التخلف الذي تجذّر في هذه البلدان الافريقية أنذاك، في وقتٍ كان من الواجب رصُّ الصفوف والتوحد، لمجابهة جشع القوى الأجنبية الرامي إلى استغلال واستنزاف ثروات القارة الإفريقية واستعباد الإنسان الإفريقي، و خيْر دليل على ما تعانيه منطقتنا المغاربية، التي أضحت موضوع جدل في المحافل الدولية جراء حلّ مشاكل موروثة من قبَلِ المستعمر، والنموذج على ذلك العلاقات المغربية الجزائرية، التي لم تشفع لها مجموعة من القواسم المشتركة المتمثلة في الدين واللغة والجوار إضافة إلى النضال المشترك ضد المحتل الفرنسي، هذا الأخير التي انتهز فرصة انهيار الإمبراطورية العثمانية: “فقام باحتلال الجزائر سنة1830م، وفي 1844م شكّلت إحدى مظاهر التعاون بين البلديْن، حيث كان الإلتزام المغربي بشأن مساعدة الثورة الجزائرية الذي شكّل أبعاد خطيرة على مستقبل المغرب، إذ أنّ الهزيمة في معركة إسلي 14غشت 1844م، هذه المعركة التي لمْ تدُمْ سوى يوم واحد والتي يعتبرها البعض أمّ الأزمات، كوْنها كشفت للرأي العام الأوربي المتربص بالمغرب وظهر على أنه ليس بتلك القوة التي تصوّرَها الأوربيين، حيث فرضت عليه اتفاقية للاّ مَغْنِيّة بتاريخ: 18مارس1845م، وكان الهدف منها وضع حدود فاصلة بين المغرب والجزائر وإجبار المغرب لكفّ مساعدته للجزائر، وهي المعاهدة التي أدّت إلى انتقاص من التراب المغربي ليضاف إلى التراب الجزائري.”[2]

وهكذا استطاعت فرنسا المنتصرة أن تجعل منْ اتفاقية للاّ مَغْنِيّة الضابط للحدود التي لمْ تنسجم مع المصالح الفرنسية، وبهذا كانت الحدود في المناطق الجنوبية دون تحديد، غيرَ أنَّ هذه اتفاقية في شرْطها الرابع تضمنت أنّ الصحراء لا أحد فيها بين الجانبين لكونِها لا تُحرث ولا تقدم شيئا لساكنيها، وإنما هي مرعى فقط لعرب الأيالتين التي تنزل فيها وتنتفع منْ خيراتها، والمغرب الذي احتفظ على استقلاله منَ الإمبراطورية العثمانية، بكونه دولة قائمة بذاتها، حيث أصبح في وضع لا يُحسد عليه، فبدأت أطماع الدول الأوربية خاصة فرنسا التي استغلت ثغرات بعض المعاهدات السابقة والتي تجلّت أساسا في عدم رسم الحدود بين المغرب والجزائر الخاضعة وقتئذ لاحتلالها، فاستولت جيوشها على بقيّة إقليم التراب، ومع وصول الاحتلال الفرنسي لمدينة وجدة في 29مارس1907م، نتيجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي كان يعاني منها الشعب المغربي، هذا بالإضافة الى الثورات التي واكبت الأوضاع السياسية المأساوية الداخلية، ما هي إلا مقدمات وممهدات مصطنعة من المستعمِر، وقد تقرّر ذلك منذ المؤتمر الصهيوني[3]-هرتزل ثْيُدّر-عام1897م، حُيال تلك الأوضاع كان المغرب يمرُّ بأزمات اقتصادية أيضا من جرّاء تزايد حدّة الجفاف، وشهدت حينها ثورات أبرزها ثورة بوحمارة، وخلال الفترة قامت فرنسا بالسيطرة على أغلب المناطق المغربية إلا المنطقة الجنوبية فقد تركتها من نصيب إسبانيا، وعند حصول المغرب على استقلاله المبرم من خلال الاتفاقيات السّرية واتفاقية إكس ليبان من فرنسا في 2 مارس1956م، حيث أصبح قاعدة انطلاق المقاومة الجزائرية، وظلت مشكلة الحدود مطروحة بين المغرب المستقل والجزائر المستعمرة، لكنها حتى لا تعتبر طعنا للثورة الجزائرية، حيث رفض السلطان محمد الخامس العروض الفرنسية وتوقيع المغرب أنّ التسوية بشأنِ الحدود السياسة الوهمية الموروثة من الاستعمار الغاشم ستكون أحسن في حالة استقلال الجزائر أيضا الذي صار زمام الأمور فيه داخل قصر المرادية، فليس للشعب الجزائري خيار أو بديل سياسي يخدم منطقة الشعوب أو الطموح في اتحاد مغاربي حقيقي. إنّ استقلال الجزائر في 2جويلية 1962م كان بمثابة بداية الأزمة بين البلدين، كما يمكن اعتبار النزاع الحدودي بين المغرب والجزائر النموذج الأمثل لظاهرة الصراعات المغاربية فيما بينها، على اعتبار الأزمة بين البلدين ظهرت حين بدأت الجزائر تدافع على حدودها كما تركها الاستعمار الفرنسي، والمغرب يطالب بالحدود كما كان الأمر بداية الاستعمار، فقد تولَّد عنه الصراع حول منطقة –تندوف- واعتبِرت هذه الأخيرة بؤرة توتّر بين المغرب والجزائر، وعكّرت صفْو العلاقات بين البلدين خاصة وأنّ رسم الحدود تمّ بطريقة لمْ تراعي خصوصيات المنطقة، ممّا نتج عن ذلك التساؤل حول تبعية منطقة تندوف، في هذا المضمار يمكن طرح استفسار مفاده هل هي أرض مغربية أم أرض جزائرية أم هي أرض منفصلة؟

ولحل الخلافات حول الحدود المغربية الجزائرية، تقدمت فرنسا باقتراحين:

الأول: يقضي قيّام دولة صحراوية في المنطقة الممتدّة من المحيط الأطلسي حتى تندوف، وقد رفضه المغرب بعد أنْ رأى فيه مسّا بوحدته الترابية.

الثاني: يقوم على منح سكان المنطقة حق تقرير المصير الذي رفضته جبهة التحرير الوطنية الجزائرية، وقد عبّر رفض الاقتراحين عن وجود خلافات جوهرية اقنعت قادة البلدين بضرورة الدخول في مفاوضات لحلّ المشكل المطروح وذلك عبر مرحلتين:

الأولى: ابتدأت بعد استقلال المغرب إلى غاية1962م، أيْ تاريخ استقلال الجزائر.

الثانية: فقد انطلقت مباشرة بعد وقْف إطلاق النار إثر اندلاع حرب الرمال1963م وتجدر الإشارة إلى أنّ المغرب، قد رفض إثارة مشكلة الحدود وأجّلَ النظر فيها الى حصول الجزائر على استقلالها وترتيب أوراقها كبادرة حُسْن النيّة، ومن جانب آخر أنّ قادة الثورة الجزائرية أكدوا أنهم سيعالجون موضوع الحدود في إطار أخويٍّ. لكن بعد المواجهات العسكرية بين البلدين في شهر أكتوبر عام1963م، نتيجة تصاعد الأحداث الحدودية طيلة شهر يوليوز من نفس السنة، حيث تقدم المغرب نحو منطقة تندوف وفشلت المفاوضات التي تمّت بين المغرب والجزائر، وحضرها آنذاك عبد العزيز بوتفليقة الرئيس السابق للجزائر، وقد دامت عدّة شهور هذه الحرب وامتدت إلى منطقة -حاسي بيضة- ثم انتشرت إلى تفكيكها، وتوقفت المعارك في 5 نوفمبر حيث انتهت بوساطة الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية بإرسال اتفاقية لوقف نهائي لإطلاق النار بتاريخ: 2 فبراير1964م في مدينة –باماكو- عاصمة دولة – مالي- ولكنها خلّفت توترا متزامنا مع العلاقات المغربية الجزائرية حيث امتدت بذلك إلى حدود اللحظة.[4]

هذا بالإضافة إلى أنّ إعلان إسبانيا نهاية احتلالها لإقليم الصحراء عام1975م، وما كانت المسيرة الخضراء تتوقف في السادس من نوفمبر سنة 1975م عن الانطلاق حتى استفاق المغاربة على اندلاع الحرب بين جبهة -البوليساريو- المدعومة من الجزائر ضد سياسة المغرب، وهذه الحرب التي لمْ يُخفف من حدتها إلا تبني المغرب حقّ تقرير المصير والذي يؤول هو الآخر سوى لهذا الطريق: “وهكذا ظلت العلاقات المغربية الجزائرية محكومة بخلافات حول الصحراء، مذْ منتصف السبعينيات إلى الآن، حيث عرف شتاء1976م حربا جديدة في – أمغالا- وذلك نتيجة طبيعية دخول البلدين في سياسة تباعد وعداء، فقد اصطدم تقدم القوات المسلحة الملكية بالقوات الجزائرية التي كانت تتمركز في التخوم الشرقية للصحراء المغربية إثر الانسحاب الإسباني.”[5]

المغرب والجزائر أيّ علاقة

وبعد أنْ حصل المغرب على الاستقلال في 2 مارس1956م من الاستعمار الفرنسي[6] بقيتْ عدة أجزاء من ترابه تحت الاحتلال الاسباني، ومن بينها الجزر الجعفرية وبالخصوص منطقة الصحراء، مما أدى إلى بلورة شعار استكمال الوحدة الترابية من طرف مختلف القوى الوطنية آنذاك، لقد تلى هذا الشعار مجموعة من المنظمات المغربية، مُعلنة المطالبة بالحقوق التاريخية في منطقة الصحراء، وصولا الى 16 أكتوبر 1975م، وهو اليوم الذي وجه فيه الملك الحسن الثاني خطابا، أعلن فيه عن تنظيم المسيرة الخضراء، التي كللت بالنجاح، حيث سارعت إسبانيا إلى تسليم موريطانيا، لكن المغرب وجد نفسه في صراع مع الجزائر التي اعتبرت استرجاع المغرب الصحراء توسُّعٌ على حسابها، مما دفعها إلى جعل هوية انفصالية في المنطقة وهذه الخطوة مبنية على أساس الحصول على منفذ يوصلها إلى المحيط الأطلسي لتصدر منه معدن الحديد المستخرج من منطقة تندوف إضافة إلى سعيها لكسب موقع الزعامة في المنطقة، فقد لجأت إلى تبني فكرة الدولة الصحراوية وروجت لشعار حق تقرير الشعب الصحراوي مصيره. لذلك يمكن الجواب على السؤال المطروح أنّ علاقة المغرب والجزائر هي علاقة افتعالٍ واضطراب، طالما أنّ القرار في يدِ القوى الاستعمارية التي تخطّط منْ أجل تفريقِ المنطقة المغاربية عموما، وليس الاستعمار وحده هو السبب، الحكام أنفسهم كذلك.

  • الموقف الجزائري من الصحراء

بالرجوع إلى الصِّراع المغربي الجزائري منذ انطلاقه إزاء ملف الصحراء المُفتعل، وبالضبط عند اتخاذ منحى تصاعدي، وذلك بعد اعتراف الجزائر بفكرة الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، سنة1976م ممّا تولّد عنه قطْع العلاقات المغربية الجزائرية، وذلك في7 مارس1976م، حيث أعلنت الحكومة المغربية في بلاغ لها عن قطْع العلاقة الدبلوماسية الجزائرية، التي يقودها الجيش أو الجنرالات الفرنسية، في التصريح لِمَا أذاعته وزارة الخارجية في6 مارس1976م، أنّها تعترف بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وبناءً على ذلك قرّرت الحكومة المغربية على قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، إذْ لا يمكن أنْ تستمر في الحفاظ بعلاقاتها مع دولة تمسّ بوحدها الترابية. فقد بدأ الصراع الدبلوماسي الجزائري أثناء انعقاد الدورة السادسة والعشرين لمجلس وزارة منظمة الوحدة الإفريقية في -أديس أباب- مع تقديم تقرير لجنة التحرير المناقشة والمصادقة، كان هذا التقرير يحتوي على فقرة يوصي فيها مجلس الوزراء بالاعتراف بجبهة -البوليساريو- وجاء في هذه الفقرة: “ولمّا كانت جبهة -البوليساريو- تشكّل حركة التحرير الوحيدة في الصحراء المدعوة بالاسبانية والتي تكافح من أجل استقلال هذا الإقليم، فإنّ اللّجنة قررت أنْ توصي للدورة القادمة لمجلس الوزراء باعتراف منظّمة الوحدة الإفريقية بحركة -البوليساريو- فهناك أسبابٌ سياسية واقتصادية دفعت الجزائر إلى الاعتراف بجبهة -البوليساريو- حيث عرفت الجزائر سنة1970م البدئ في تطبيق التصميم الرباعي أي مخطط [1970م-1973م] الذي أطلق عليه مخطط التصنيع حيث كانت السلطة الجزائرية في عهد الرئيس الهواري بومدين تطمح إلى بناء بابين في إفريقيا، واكتسبت هذا الطموح من الشرعية التاريخية التي حققتها بثورتها – ثورة مليون ونصف شهيد- والإمكانات المتوفرة من عائدات الغاز والنفط وما أنْتَجَتْه من آفاق لبناء صناعات ثقيلة، ممّا أدى بهذه الطموحات إلى اتباع سياسة ترمي لإضعافِ قوة جيرانها، من أجل تحقيق الوصول للهيمنة الاقتصادية والسياسية في المنطقة، حيث استخدام ملف الصحراء من طرف الدولة الجزائرية، فهو بمثابة هدف جوهري، يتمثل في إضعاف المغرب أو على الأقل استمرار التوتر الدائم مع المغرب، واستنزاف قدراته وبالتالي إظهاره بمظهر ضعيف أمام دول العالم وأمام دول إفريقيا على الخصوص.”[7]

وإلى حدود عام1981م كانت القيادة الجزائرية تشدد على ضرورة إجراء استفتاء في المنطقة لتقرير المصير، باعتباره هو الحل القائم على الاستشارة الشعبية للسُّكان، لكن قبول المغرب لمبدأ إجراء استفتاء في الأقاليم الصحراوية بدأ يفقد فعاليته في الدعاية الجزائرية.[8]

إنّ الشعار الذي أخذت الجزائر تزرعه في الحديث عن الاحتلال، هو مقاومة الشعب الصحراوي، باعتبار ذلك: “أنّ الشعب الصحراوي يقاوم المحتلين وأنّ الجدار الأمني، وهو مثل الجدار الذي أقامته إسرائيل في الضفة الغربية، وأنّ مجلس الأمن مطالَبٌ بأنْ يكون صارما مع المغرب.”[9]

لذلك فإنّ السياسة الخارجية للجزائر أصبحت تركز على إبقاء ملف الصحراء مفتوحا، وذلك قدْر الممكن وبأساليب مختلفة ومن بينها عرقلة الحلّ السياسي الذي يمكن أنْ يخرِج قضية الصحراء منْ دائرة النزاع في حين أنّ المغرب يرغب في إغلاق الملف باعتباره ملف ثقيل عليه، وذلك بطرح حلول سياسة ذات استراتيجية تهدف إلى استكمال التراب الوطني.

رؤية تاريخية حول العلاقات المغربية الإسبانية والكشف عن حقيقة استقلال المغرب

تتميز العلاقات المغربية الأوربية عموما بهيمنة العلاقات مع فرنسا وإسبانيا على المغرب، كونهما يُجسدان الاستعمار للمغرب واستغلال خيراته والتحكم في قراراته الداخلية والخارجية هذا بحكم قوانين السياسة التي تفرض من جهة متطلبات الجوار، كون المغرب يقع جغرافيا على بوابة أوربا، وقد خلّف هذا المستعمر وهو من جنسين لا تكاد تختلف مصالح كل منهما في المغرب، وهذا الى الجانب الموقع الجغرافي الاستراتيجي، والروابط التاريخية: “التي ما فتئت تتقوّى منذ استقلال المغرب، وقد استمرت وتنامت بالرغم من لحظات القطيعة وبروز من تصرفات سياسية مختلفة، وعلى خلاف العلاقات مع فرنسا التي استطاعت أنْ تُكرّس حضورَها وتتنامى بشكل إيجابي فإنّ العلاقات مع إسبانيا ما زالت تخضع لحالة من المدّ والجزْر كما تؤشر لذلك الأزمة الحالية بين الطرفين.”[10]

وخلال حصول المغرب على استقلاله في مارس1956م أجبرت إسبانيا على توقيع اتفاقية مع المغرب في أبريل1956م، فقد تضمنت إلغاء المعاهدة الإسبانية الفرنسية الخاصة بتقسيم المغرب بينهما واحترام إسبانيا للوحدة الترابية المغربية: “ومما يستشف من هذه المعاهدة أنّ المغرب خضع لنظالم استعمار قائم على تقنيته بين الدول المستعمرة (إسبانيا- فرنسا)، فكان قبل هذا المغرب شمالا وجنوبا خاضعا لإسبانيا وكذلك سيدي إفني وطرفاية، لكن إبّانَ استقلال المغرب سارعت إسبانيا إلى تعزيز وجودها في الاقاليم الصحراوية، ومع استقلال المغرب عام1956، حرصت إسبانيا على تعزيز وجودها في الأقاليم الصحراوية، فبعد أنْ أرجعت منطقة طرفاية إلى المغرب أعادت التقسيم الإداري للأقاليم، ووضعت مخططا لتهجير الإسبان على نطاق واسع إلى الصحراء لتذويب ثقافات الإقليم وقيمه، وتبعا لذلك وضع اليد على الثروات الطبيعية في المنطقة وتعزيز الوجود السياسي بوجود عسكري بلغ في مجمله ضعف عدد السكان المدنيين أنذاك.”[11]

وبالتالي فإنّ حصول المغرب على الاستقلال لم يكن بشكل تامّ وفعلي، بل تمّ بطريقة جزئية وشكلية، أي مجرد انسحاب القوات العسكرية الاستعمارية، فقد بقيت عدة أجزاء من التراب المغربي تحت الإحتلال الإسباني، من بينها أقاليم الصحراء المغربية والجزُر الجعفرية، هذا ما جعل القوى الوطنية تلتفّ حول شعار استكمال الوحدة الترابية، وعند قيام الملك محمد الخامس بزيارة -أكادير- قرب الحدود سنحت له الفرصة بالتقاء مع ممثلي الصحراء الذين وافدوا بهذه المناسبة بهذه المدينة: “ولعل هذا الحدث هو الذي شجع المغرب على إثارة القضية للمرة الأولى في الجمعية العامة عند انعقادها في الدورة العشرين سنتي1965-1966م.”[12]؛إلى جانب التفاف القوى الوطنية على استرجاع الأراضي التي لا زالت مستعمَرة من قِبَل إسبانيا فقد لقيَ هذا الموضوع إجماع عربي، حيث ساندت جميع الدول العربية المغرب مبدئيا في استرجاع أقاليمه المحتلة، لكنّ المغرب لم يكنْ قادرا على الدخول في مواجهة عسكرية مع إسبانيا، فهو غير مستعد لا ماديا ولا عسكريا، بل كان كل رهانه على إمكانية التأثير الدبلوماسي والسياسي، هذا ما جعل قضية الصحراء تدخل منعرجا فاصلا بين خطاب الملك الحسن الثاني الذي يحث على ضرورة استرجاع الصحراء من الاستعمار الإسباني، وفي17 سبتمبر1974م عقد الملك ندوة صحفية أعلن فيها عن عزْم المغرب عرضَ القضية على أنظار محكمة العدل الدولية لتعطي رأيها الاستشاري في الموضوع، فتمّ طرح المشكل خلال الدورة التاسعة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة ووافقت دون أيّ صوت معارض على طلب المغرب بعرض هذه القضية على أنظار محكمة العدل الدولية، مبرزاً المغرب حقّه في استكمال ترابه الوطني وهو حق مشروع تاريخيا، فيما اعتبرت إسبانيا أراضي الصحراء قبْل استعمارها مجرد أراضي خلاء، وهذا ما فنّذه المغرب بمعطياتٍ ووثائق تاريخية بظهائر سلطانية، والتي كانت تهمّ تعيين العمال والقواد والقضاة، لتأكيد عزْم المغرب على استرجاع إقليم الصحراء ودفع إسبانيا إلى التفاوض معه بقصْد الانسحاب من هذه الأراضي: “حيث أعلن الملك الحسن الثاني في خطابه الموجه إلى الشعب المغربي في أكتوبر1975م عن تنظيم المسيرة الخضراء باتجاه إقليم الصحراء في نوفمبر 1975م، ولم يبادر مجلس الأمن الدولي في قراراته إلى إدانة عملية رغم رفض المغرب الاستجابة لنداء رئيس مجلس الأمن بإيقافها، كما أنّ قرارات مجلس الأمن كانت ترتكز على دعوة جميع الأطراف إلى ضبط النفس والتعاون مع الأمين العام الأمم المتحدة.”[13]

وجاءت هذه المسيرة أعقاب ما طرحته محكمة العدل الدولية، حيث اعتبرت أنّ الصحراء عندما تمّ استعمارها من طرف إسبانيا لم تكن أرض بدون سيّد، بل كانت منطقة مأهولة من طرف مجموعة من السكان، وبالتالي فإنّ السيادة لم تكن منعدمة لسكان الصحراء، ولكنها كانت ثابتة لقبائل مستقلة تتمتع بتنظيم، فتزامنت المسيرة الخضراء مع اليوم الذي صدر فيه الرأي الاستشاري للمحكمة الدولية واحتضار الملك فرانكو ممّا حتّم على حكومة –مدريد- أنْ تنهي نزاع الصحراء بحلٍّ يواكب أهداف السياسة المغربية: “وهكذا بدلاً من استجابة رأي الجمعية العامة للأمم المتحذة قامت إسبانيا بالمسارعة إلى تسليمها قبل الموعد المحدد والذي كان في27 فبراير1976م، وهو نفس الحكم الذي حكمت به محكمة العدل الدولية في رسالتها الشهيرة لصالح المغرب الذي رضيَ بأنْ يقتسمَ الصحراء مع موريتانيا.”[14]

لقد انسحبت إسبانيا من الأقاليم الجنوبية في28 فبراير1976م، إذْ لا زال الشعب المغربي يحتفل بهذا اليوم التاريخي، لِمَا يحمل في طياته من دلالات على شرعية الارتباط التاريخي بين الشمال والجنوب، وبعد خروج الاحتلال الاسباني من الصحراء المغربية، أصبح المغرب يتطلع إلى علاقات جيدة مع إسبانيا خاصة وأنها البوابة الرئيسية له مع الاتحاد الأوربي، لكن هذه العلاقات التي يسعى إليها كلاَ البلدين تصطدم بين الفينة والأخرى ببعض الإكراهات والعراقيل، وأهمّ المشاكل التي تواجه الدولتين نجد مشكلة الأراضي المحتلة من طرف إسبانيا، والذي يذكر أنها احتلت سنة1487م بالنسبة لمدينة مليلية سنة1640م بالنسبة لسبتة التي كانت محتلة من طرف البرتغال، وبادس التي احتلت سنة1546م، وحجر النكور سنة1640م، وهذه المناطق محصورة في التراب المغربي وتشكل جزءا لا يتجزأ منه، ففي الوقت الذي يؤكد المغرب على مغربية المدينتين، فإنّ إسبانيا مازالت تُصِرّ على سيادتها عليهما وترفض أيّ تفاوض في هذا الإطار، وتسند إسبانيا في رفضها الحوار على هذه الثغور المحتلة إلى اعتبارات ترتبط الأولى بموازينَ القوى، وذلك بإدراك إسبانيا أنّ المغرب لنْ يلجأ إلى القوة لاسترجاع هذه المناطق، وبالإضافة الى استمرار قضية الصحراء التي مازالت إسبانيا تلعب فيها دورا غير مباشر، ويمكن لإسبانيا أن تستغل مطالبة المغرب لهذه الثغور كقوة ضاغطة من خلال مساندتها للانفصاليين والتنسيق مع الجزائر.[15]

ورغم هذه الخلافات في جزْر العلاقات التي طبعت بين إسبانيا والمغرب، إلا أنه هناك مدٌّ ظهر في مراحل معينة منَ التاريخ وبين الفينة والأخرى والتي تفرض على كلاَ الجانبين بفعل الجوار الجغرافي والمصالح الاقتصادية التي تفرضها الظرفية، فالعلاقات الاقتصادية ما فتئت في السنوات الأخيرة تتنامى، كما يدل على ذلك نسبة الاستثمارات الإسبانية في المغرب، والتي تتواجد في قطاعات مهمة، كما هو الأمر بالنسبة للاتصالات، وبصفة عامة فإنّ عدد الشركات الإسبانية يتجاوز الألف، وتأكيدا لأهمية المغرب في السياسة الإسبانية: “فقد دأب الوزراء الإسبان بمجرد تسليمهم السلطة على تخصيصِ أول زيارة للمغرب، كما أنّ السفارة الإسبانية في المغرب تعتبر منْ أهم السفارات، على اعتبار أنّ هناك ارتباطات خاصة بين العائلتين الملكيتين في البلدين مما مكّن سابقا منْ تجاوز الكثير منَ الإشكالات التي اعترضت العلاقات بين الطرفين.”[16]؛إلى جانب ذلك بلغ التقارب بين البلدين أوجه بتوقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون في يونيو1991م، والتي سمحت بفتح قنوات الاتصال المستمر وتنظيم لقاءات دورية للتشاور والتنسيق لبلوغ مستوى الحوار السياسي، ولم تقتصر فوائد هذا الإطار على تعزيز العلاقات المتبادلة ودعم الشراكة والتعاون في المجال الاقتصادي والتجاري، والوصول إلى حلول موضوعية متفق عليها بشأنِ القضايا التي تهمّ البلدين، مثل الهجرة ومكافحة المخذرات والارهاب، وكذا الجريمة المنظمة واتفاقات الصيد البحري وتنافس المنتوجات الزراعية للبلدين على السّوق الأوربية: “بل إنّه سمح أيضا في مناسبات عديدة بتلطيف الأجواء وتيسير التعامل الهادئ مع ملفات حساسة كالخلاف حول سبتة ومليلية والتنقيب عن النفط قبالة سواحل المغرب وجزُر الكناري، فضلا عنِ المواقف من تطورات قضية الصحراء.[17]

وهكذا يمكن القول أنّ الجوار المغربي الإسباني يعتبر مصدر توتّر أكثر ممّا يعتبر مصدر تكامل، كونه يرتبط بالقضايا الترابية وبالقضايا الاقتصادية والاجتماعية، زِدْ عن ذلك مشكلة الثغور التي مازالت تحت الاحتلال الاسباني والتي دمجتها إسبانيا في نفوذها، رغم كونها توجد داخل التراب المغربي، مستغلة بذلك ضعف القوة العسكرية المغربية، إضافة إلى استغلالها لقضية الصحراء التي تحاول من خلالها إسبانيا ما أمكن من تعقيدها وتشعيبها، باعتبار ذلك طرف غير مباشر فيها. لا شك أنّ الخلافات المغربية الإسبانية منذ عام1885م، حيث بات الموقع الجغرافي للمغرب في الشمال الإفريقي الغربي من جهة، والموقع الاسباني في شبه الجزيرة الإيبيرية من جهة ثانية، مما جعل البلدين يعرفان تقاربا جغرافيا، حيث لا تفصلهما ببعض مدن المتوسط إلى بعض عشرات الكيلومترات: “فقديما كانت العلاقات بين البلدين تارة تطغى عليها الحروب والصراعات، وتارة أخرى فصْل الهيمنة والوصاية حيث وصلت إلى حدِّ إلغاء الوجود خاصة في التاريخ القديم، التاريخ الذي كان فيه صوت القوة يعلو ولا يعلى عليه، أما اليوم فقد طغت عليها المصالح الاستراتيجية الكبرى.”[18]

وعلى الرغم من احتلال إسبانيا لبعض المناطق الشمالية للمغرب، إذا لم يمنع من تطوير علاقات دبلوماسية وقانونية خلال القرن توّجت بإبرام اتفاقيتين: “فقد كانت أهم مضامينها تدور حول تحديد مركز للصيد وتوسيع حدود سبتة ومليلية والنكور وبادس وكان ذلك سنة1767م و1799م.”[19]

فكان من الطبيعي أنْ تبحث إسبانيا عن نصيبها من المغرب الذي تربطها به علاقات جوار وتاريخ ومصالح، ممّا تظافرت العوامل من قِبل حرب تطوان وأبرِمَت اتفاقية 1859م المستوحاة بعض مضامينها من اتفاقيتين سابقتين، حيث اعتمد لتحديد مطالبها التي أصبحت تسميها -حقوق تاريخية- لها بالمغرب، وكون تلك الاتفاقية أنها تشمل ستة فصول نصَّ رابعها منها على إنشاء منطقة محايدة، بينما تعرض الفصل السادس منها لجزيرة بادس وجُزر النكّور بالحسيمة، وقد شرعت إسبانيا في خرق العهود من خلال بناءِ حصون منَ الطرف الخارجي للرقعة المسموح بها لرعي الماشية. الأمر الذي أثار أهل قبيلة –أنجوى- المجاورة فأقدموا على هدْم تلك الحصون، حيث اغتنمت إسبانيا هذه الفرصة معاقبة المواطنين، إضافة إلى مطالب أخرى، ولما أحسّ الإسبان أنّ السلطان أذعن لبعض مطالبهم آملا منه في تجنّب بلاده أضرارَ حرب لا فائدة تُرجى منها بالمغرب، تقدّم بمطلب جديد هو ضمّ -جبل بليونش- إلى مدينة سبتة الأمر الذي رفضه السلطان محمد بن عبد الرحمان فتجدّد الصّدام بين المغاربة وإسبانيا في ربيع الأول 1276هـ/أكتوبر1859م، واندلعت بسبب ذلك حرب تطوان والتي أدّت إلى محاصرة – طنجة- وقصْف – العرائش- واحتلال–تطوان- في فبراير1860م مِنْ قِبَل المارشال، واشترط أداء عشرين مليون ريال لإخلاء المدينة.[20]

وكان من المتوقع أيضا نتيجة ما حصلت عليه إسبانيا منْ مكتسبات خلال حرب –تطوان- أنْ يتقوى نفوذها بالمغرب: “سيما وأنها احتضنت مؤتمرين هامين كانا وراء تدويل قضية المغرب وهما مؤتمر مدريد سنة1880م، ومؤتمر الجزيرة الخضراء سنة1906م، إلا أنها اضطرت لقبول الحصة التي خصصت لها من طرف فرنسا وبريطانيا بعد اتفاقهما الوِدّي في شهر أبريل1904م.”[21]

وقد انتهت حرب –تطوان- بانهزام المغرب أمام إسبانيا بسبب عدة ظروف منها ضعف التنظيم العسكري المغربي وتدخُّل– بريطانيا- وسيط لتوقيف الحرب لصالح -إسبانيا- وترتّب عن ذلك احتلال –تطوان- وإبرام معاهدة هدنة حملتها مجموعة منَ الشروط التي اعتُبِرت منْ أقصى الشروط المفروضة على المغرب خلال القرنِ التاسع عشر، ولعلّ أخطر الشروط التي فرضتها إسبانيا في المعاهدة، هو ذلك الشرْط المتعلق بحصولها على صفة -الدولة ذات الخطوة- مما ترتّب عن هذا الشرط أنْ تتمتع حاضرا ومستقبلا بكلّ الامتيازات أيْ التنازلات التي ستمنح لأيّ دولة أخرى.[22]

تعدّ اتفاقية – مدريد- تمهيدا لاحتلال المغرب، حيث عقد حُيالها مؤتمر مدريد الذي استدعت فيه إسبانيا جلّ الدول الأوربية إضافة إلى المفوّض من الولايات المتحدة الأمريكية: “وانعقد المؤتمر اجتماعا تمهيديا بقصر رئاسة الحكومة في مدريد بتاريخ: 16ماي1880م، كما كان مقرّرا بحضور ممثلي جميع الدول التي قبلت حضوره.”[23]

إنّ الإيديولوجية الاستعمارية حاولت في نهاية ق19م، ردّ الاعتبار لنفسها بعد فقدان المستعمرات في آسيا وأمريكا بالعمل على التوسع في المغرب انطلاقا منَ الثّغور المحتلة، فقد رأت من بعض القطاعات فرصة لتعويض الخسائر الناجمة عن فقدان المستعمرات واستثمار الأموال العائدة منَ المستعمرات، فتبنّت إيديولوجية استعمارية استهدفت بذلك غزو المغرب الكائن على القُرب من حيث الموقع الجغرافي، هذا الى جانب الخلفية التاريخية المتمثلة في الإرث الحضاري الذي تقوم به إسبانيا في المغرب، واستمرار الاستغلال لخيرات المنطِقة وعنصرها البشري، وامتداده الاستعمار بكل مظاهره وغايته السياسية والاقتصادية. هذا إلى جانب اتفاقيات الدول الامبريالية فهو ما قامت به إسبانيا خاصة عند عقدها اتفاقيات بين سنة [1973م-1883م]، وفي سنة1883م، حيث قامت إسبانيا بتشكيل الشركة التجارية الإسبانية الخاصة بإفريقيا والمستعمرات برئاسة الجنرال مانويل كاسولا بهدف تنمية العلاقات التجارية الإسبانية مع إفريقيا وإنشاء مراكز تجارية وتنظيم خدمات القوات العاملة في المنطقة، وكان وراء تأسيس هذه الشركة عددٌ كبيرٌ منْ رجال الأعمال الذين كانت تدفعهم إلى تلك الرغبة في الحصول على الرّبح التجاري من وراء توسيع النفوذ الإسباني في إفريقيا: “حيث قامت هذه الشركة تُقدِّمُ جسْرا عائما في خليج – وادي الذهب- مع بداية عام 1884م، و -كدى- في30 مارس1884م، حيث عقدت الشركة الإسبانية أول اجتماع لها، فقد ساهم الملك الإسباني ألفونسو السابع في الشركة بمساهمة قدرها300 ألف بسِّيتا مع دخول يونيو1884م، ذلك أنّ الشركة بعثت ملتمسا لمجلس النواب الإسباني –الكورتس- تدعوه إلى العمل على انتهاج سياسة استعمارية أكثر دينامية في إفريقيا.”[24]

 قضية الاستعمار ومشكلة رسم الحدود

الناظر الى تاريخ العلاقات المغربية الاسبانية، يجد أنها قد ظلت هذه الأخيرة –إسبانيا- تتقوى سيادتها مع نزول وحدة عسكرية في الداخلة: “ممّا تعرّضت هذه الوحدة العسكرية لبعض الهجومات من طرف الصحراويين سنة1885م، وفي شهريْ مارس وأبريل من عام1886م قام الرحالة الإسباني بلانكو دي كاراي برحلة استكشافية لمنطقة الساحل الصحراوي الواقع بين- وادي درْعة- في الشمال ورأس– بوجدور- في الجنوب، حيث وقّع مع بعض زعماء القبائل الصحراوية اتفاقية بموجبها أنْ تصبحَ المنطِقة تحت حماية الشركة الإسبانية.”[25]

ممّا أدّى هذا التفوّق الاسباني ببدئِ المفاوضات بين فرنسا وإسبانيا لرسمِ الحدود بين مستعمراتهما في إفريقيا، الشيءُ الذي أدى إلى عقد اتفاقية باريس بين إسبانيا وفرنسا التي بموجبها أصرتْ على رسم الحدود الشرقية والجنوبية لمنطقة وادي الذهب: “مما أدى إلى هجوم الصحراويين على الحامية الفرنسية سنة1905م، لقد كللت هجمات المقاومين الصحراويين بالنجاح خاصة في السنتين 1908م-1909م، حيث كان النصر للصحراويين كبيرا وتمّ الاحتفال في منطقة – تيرس- أدى ذلك إلى عقد اتفاق بين الاسبان وفرنسا، وذلك سنة1912م، تمّ فيها وضع حدود الصحراء الغربية، على الرغم من ذلك ظلت الهجمات الصحراوية قائمة ومستمرة، ففي سنة1913م هاجم المقاومون حامية –لبيرات- الفرنسية مما أدى مقتل 55 جندي فرنسي وغَنَم 105 بنادق و2000 صندوق من الذخيرة، كما استشهد 14 مقاوما.”[26]

بالرغم من الهجومات المتتالية للمقاومين ظلت إسبانيا وفرنسا متشبثتين بموقفهما لبلوغ السيطرة على جميع الأقاليم الصحراوية وخير دليل على ذلك هو سيطرة وتطويق مدينة –الداخلة- بإنشاء مركز صحي إسباني بها، وبصفة عامة يمكنُ القول أنّ المغرب في القرن19م ومع بداية القرن العشرين كان ضعيفا على جميع المستويات الشيء الذي جعله في منأى عن الردّ إيجابيا على التحديات الخارجية، وهذا لا يعني أنّ السلطة المركزية ظلت مكتوفة الأيادي أمام الأخطار المحدقة بالمعمور: “لقد كانت محاولات إصلاحية لكنها غير كافية، بحيث نجد أنّ هذه الاصلاحات لم تكنْ مرفقَة بأيّ تجديد في الفكر والثقافة، وبعبارة أخرى كانت هذه الإصلاحات تفتقد للمناخ الفكري الضروري لغرس جذورها في المجتمع وضمان نموها وتطورها.”[27]

اعتبار عامل الجوار الجغرافي بين العلاقات المغربية الاسبانية

يسود العلاقات المغربية الاسبانية عامل الجوار الذي يمثل بالنسبة لهما معا، نوعا من القدْر الذي ينبغي التفاعل معه، وتدبيرٌ بما يخدم مصالح البلدين، كما يقول نابليون: “فإنّ الجغرافية هي العنصر الدائم والثابت في السياسة، هكذا فإنّ الجوار الجغرافي يمكن أن يكون عنصر تواصل ووئام، كما أنه قد ينطوي على توتر ونزاع في العلاقات، كما تتميز العلاقات المغربية الأوربية بهيمنة العلاقات مع فرنسا وإسبانيا، وقد فرضتها متطلبات الجوار، ومخلفات الحِقبة الاستعمارية ودعمتها الروابط التي ما فتئت تتقوى، منذ استقلال المغرب.”[28]

فقد استمرت هذه العلاقات وتنامت على الرغم من طبيعتها بين المد والجزر، وذلك ببروز بعض الملفات الحساسة ذات الصلة بمصالح المستعمر الذي يدغدغ المغرب بسياسته الاقتصادية في كل مرة، وعلى خلاف العلاقات مع فرنسا التي استطاعت أنْ تكرس حضورها وتتنامى بشكل ايجابي وأحيانا عكس ذلك، وإنّ العلاقات مع إسبانيا مازالت تخضع لحالة من المدِّ والجزْر كما تؤشّر لذلك المرحلة بين الطرفين. هذا إلى جانب متطلبات الجوار والتي تفرض علاقات اقتصادية بين المغرب وإسبانيا، التي أخذت منحى التنامي، وهذا ما تدل عليه الاستثمارات الإسبانية بالمغرب والتي تتوزع في مجموعة منَ القطاعات، كما أنّ العلاقات السياسية التي تربط المغرب بإسبانيا جدّ متقدمة رغم ما أسلفنا ذكره، حيث تُعتبر السّفارة الاسبانية منْ أهم السّفارات بالمغرب، لقد كان الوزراء الأولون الإسبان بمجرد تسليمهم السلطة يتجهون الى المغرب، نظرا للعلاقة الموجودة بين العائلتين في البلدين، لذلك فإنّ الملاحظ في العلاقات المغربية الإسبانية، باعتبارها تعكس تطورات مهمة وحتمية، أسفرت عن أحداث بارزة حددت تلك العلاقات وماتزال إلى حدود اللحظة، وكذلك بالنظر إلى أهم الخلافات المغربية الاسبانية مذْ سنة 1885م، إلى جانب المطلب الأخير لدى الموقف الإسباني من قضية الصحراء ودورها في هذه الأخيرة.

موقف إسبانيا من قضية الصحراء

إلى جانب الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، من بين الدول التي تتقلد مكانة خاصة في قضية الصحراء، إسبانيا التي لها صوت خاص ذائع الصيت في حلّ النزاع، وذلك راجعٌ إلى الارتباط الأمني والتاريخي لها بوصفها تجسّد قوَى استعمارية سابقة للمنطقة، وإنّ هذا يمكِّن إسبانيا أنْ تمتلك مفاتيح الحلّ، وتاريخيا أعطت إسبانيا مواقف مختلفة منْ قضية الصحراء، إنّ المواقف التي رفعتها بخصوص قضية الصحراء متباينة نوعا ما، وهذا راجع إلى القوى السياسية والمسؤولين في الدولة الاسبانية، حيث اختلف رأي التوجهات السياسية بخصوص قضية الصحراء، ممّا جعل موقفها مرتبط بالقادة السياسيين والحكومات المتعاقبة على الحكم: “ومن بين هذه المواقف التي رفعت موقف العداء المطلق للمغرب، والذي يعتبر امتدادا للفكر الديني المسيحي الذي أرست قواعده –إيزابيلا- الكاثوليكية وهو موقف اعتبر المغرب مصدر خطر على الأمن القومي في إسبانيا، بل وطالب نتيجة لهذا الرأي إلى حصر وتجميد دور المغرب الاستراتيجي منْ خلال حرمانه من استعادة صحراءه، وذلك ببناء تحالف متين مع الجزائر، كما أنّ إسبانيا تربطها بالمغرب- معاهدة مدريد- التي وقّعها البلَدان عام1975م، والتي تمّ بموجبها استرجاع الأقاليم الصحراوية، وعلى الرغم منْ أنّ هذه المعاهدة مسجّلة في الأمم المتحدة كوثيقة رسمية فإنّ الحكومات الإسبانية تجاهلت هذه المعاهدات، وبعد وصول الحزب الاشتراكي إلى الحكم ظهر أنّ إسبانيا تضع رِجْلاً في الجزائر وأخرى في المغرب، فالتصريحات الأخيرة للمسؤولين الإسبان ترضي البلدين كل على حِدَة، ولكنْ ليس فيها منطق واحد واضح وحاسم، باعتبار أنّ المجتمع المدني الإسباني يدعم طرح جبهة -البوليساريو-“[29]

وهذا ما يتضح على خلفية الأحداث التي عاشتها مدينة العيون، والتي صرّح على إثرها الحزب الشعبي بتضامنه مع خصوم الوحدة الترابية والمسوّقين لإشكالية الجمهورية المزعومة مما رفق ذلك من تصريحات لوزير الاتصال المغربي خالد الناصري وهو المدين لهذه التصريحات التي كشفت عن اتجاه نحو توتر العلاقات بين البلدين، وتعدُّ الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة الإسبانية خوسيه لويس ساباتيرو إلى المغرب من أنجع الزيارات التي قام بها مذ وصوله إلى رئاسة الحكومة الإسبانية عام2004م، حيث انعقدت الدورة الثامنة للجنة العليا المشتركة بين البلدين، والتي توّجت بتوقيع ستّ اتفاقيات تعاون تتصل بمحطات الطاقة والتشغيل والهجرة، غير أنّ أهمّ ما يميّز هذه الزيارة هو الموقف الجديد الذي عبّر عنه رئيس الحكومة الإسبانية إزاء النزاع في الصحراء، والذي رحّب فيه بمشروع الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، والذي تقدّم به المغرب كخيَار بديل لحلِّ النزاع، وهو ما اعتبِر تحولا كبيرا في الموقف الاسباني الذي ظَلَّ متشبثا لسنوات بمبدأ حق تقرير المصير.[30]

لم تكنْ الزيارة الأخيرة إلا تتويجا لزيارة سابقة قام بها هذا الأخير والتي لمْ تعطي أكلَها كهذه الأخيرة، وفي الواقع لم تؤدي الزيارة التي قام بها الكاتب العام للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني -خوسيه لويس سباتيرو في دسمبر2001م إلى إعادة تطبيع العلاقات بالرغم منَ الاستقبال الذي حضيَ به من طرف الملك محمد السادس والإشارة التي ما فتئ المغرب يوجهها، وكذلك معاهدة الصداقة والتعاون الموقعة منذ1991م، ولحدّ الآن مازالت إسبانيا تتلكأ في إعادة تنشيط الاتفاقيات والقنوات الضابطة بين الدولتين.[31]

وقد نتج عن زيارة الحكومة الإسبانية سنة2004م والموقف الجديد الذي عبّر عنه رئيس الحكومة الإسبانية إزاء النزاع في الصحراء، إلى تصويت الغرفة الدنيا في المجلس التشريعي الإسباني وبمبادرة من اليسار الموحّد على ملتمس يقضي بأنْ لا تحيد الحكومة عن دعمها التقليدي لتقرير مصير الصحراويين ولجبهة -البوليساريو- وقد كانت النتيجة أنْ صوتت جميع الأحزاب الممثلة في البرلمان بما فيها الحزب الاشتراكي لصالح هذا الملتمس، ممّا يؤثر في عدم تزحزح الموقف الإسباني من قضية الصحراء.[32]؛وبهذا يتضح أنّ القوى اليسارية في إسبانيا متشبثة بحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير: “وذلك بتأكيدهم الدعم له من خلال تعبيرهم عن التشبث بالموقف التقليدي لإسبانيا، وذلك بالرغم من موقف الملكية الاسبانية الذي يختلف بشكل ملحوظ عن سابقه، نتيجة العلاقات الوِدّية بين العائلات الملكية في البلدين، أنّ الملكية في إسبانيا تقف إلى جانب مَطالب المغرب، لكنْ المؤسسة الملكية في إسبانيا تسود ولا تحكم، كما تدخل الملكية في العلاقات مع المغرب رهينة بعدم ترخيص رئيس الوزراء بذلك، خوسيه ماريا أثنار- قزّم من دور الملك خوان كارلوس في العلاقات الإسبانية مع المغرب، وضغط على ملك إسبانيا لتبني حقّ تقرير مصير الشعب الصحراوي.”[33]؛والرئيس سباتيرو تبنّى النهج نفسه الذي راهن عليه الرئيس السابق فليبي غونتلث أيْ تمكين الملك خوان كارلوس منْ لعب دور ريادي في العلاقات الثنائية، على الرغم من كوْن المؤسستين الملكيتين تربطهما علاقات تاريخية متينة، ولكنْ في الآونة الأخيرة بدأت لهجة إسبانيا تتغيّر، بحيث أقرّت مشروع الحل الإقليمي بصفة نهائية وأصبح موراتينوس يؤكد في أكثر منْ مناسبة على دعم –إسبانيا- تقرير المصير للشعب الصحراوي، وذلك كوْن -البوليساريو- يركز على الرأي العام للضغط على حكومة إسبانيا والرأي العام في إسبانيا ضدَّ المغرب، والمؤسسة العسكرية الإسبانية تهدف إلى إضعاف المغرب، وتعتبره تاريخيا مصدر الخطر ضدّها، ومغرب ضعيف أحسن بكثير من مغرب قوي.[34]

ولقد استبعدت إسبانيا موقفها، حين تمّ الإعلان منْ قِبَل وزير الخارجية بمدريد هيجل أنخيل مارتينوس أنّ مدريد تُدعّم حقّ الصحراويين في أنْ يُمارسوا بكلّ حرية حقّهم في تقرير مصيرهم، وهو ما يفرض مفاوضات مباشرة بين الطرفين دون إبداء رأي مسبَق حول مآل هذه المفاوضات، وأوضح وزير الخارجية الإسباني أنّ المقترحَ المغربيَّ المتعلق بمنح الأقاليم الجنوبية حُكما ذاتيا يتِمّ عرضه للاستفتاء، وذكر بما ورَدَ في مبادرة الحكم الذاتي التي عُرضت على الأمم المتحدة والتي تنصّ مادّتها الثامنة على أنّ مشروع الحكم الذاتي سيعرض على السكّان المعنين قصد الاستفتاء حوله، انسجاما مع مبدأ تقرير المصير ومقتضيات ميثاق الأمم المتحدة.[35]؛كما يتعلق الأمر بملف الأراضي المحتلة المتمثل في مليلية وسبتة والجزر الجعفرية، والتي مازالت تحتلها إسبانيا، وكذلك الرأي العام الإسباني منْ جهة، والصراع الذي يتولد في حِقبة الاستعمار بين المغرب وإسبانيا إلى جانب مجموعة منَ المؤثرات التي تلقي بظلالها على موقف إسبانيا منْ قضية الصحراء، بين المد والجزر، وبالرغم من ذلك، فإنّ إسبانيا أدرى بسياسة المغرب للقضية الصحراوية، وهذا الذي أسفرت عنه المفاوضات الرسمية الأخيرة، إلى جانب الدبلوماسية الاسبانية التي تتوجه إلى الرأي العام الإسباني، للاعتراف بقرار المغرب بالحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية.

رؤية الجزائر لمقترح الحكم الذاتي

فقد أقر المغرب مشروع الحكم الذاتي لقضية الصحراء، واعتبره حلا توافقيا، فاقترحه على الأمم المتحدة، كما يعدُّ من الأحكام الدستورية المعلوم بها في الدول القريبة منَ المغرب جغرافيا وثقافيا، وهو مشروع يقوم على ضوابط ومعايير متعارفٌ عليها عالميا، -الحكم الذاتي- منْ وجهة نظر القانون الدولي، أنْ يحكم الإقليم نفسه، ويقصد به أيضا:”صيغة قانونية لمفهوم سياسي يتضمن منَ الاستقلال الذاتي للأقاليم المستعمرة، لأنها أصبحت من الوجهتين السياسية والاقتصادية جديرة بأنْ تقف وحدها، مع ممارسة الدولة المستعمرة السيادة عليها.”[36]

وقد يُطلق عليه أيضا -الحكم الذاتي الدولي- وهو ينشأ بواسطة وثيقة دولية، سواءٌ كانت معاهدة دولية تعقد بين دولتين بشأنِ إقليم خاضع لسيطرتهما، أو عن طريق اتفاقات تبرمها منظمة الأمم المتحدة وقبلها عُصبة الأمم مع الدول الأعضاء القائمة بإرادة الأقاليم الخاضعة: “أما الحكم الذاتي في إطار القانون الداخلي مرادف لنظام اللاّمركزية، التي تعمل جاهدة على ردّ الاختصاصات والصلاحيات للهيئات والمؤسسات المحلية التي استولت السلطة المركزية عليها دون وجه حق، وهو في الوقت نفسه عكس مفهوم المركزية التي تنكر سلطة تلك الهيئات الإقليمية.”[37]

أبدى المغرب منْ خلال مبادرة التفاوض بشأنِ نظام الحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية التزامَه بالعمل على إيجاد حلٍ سياسي ونهائي لهذا الملف، تلبية منه لنداء مجلس الأمن سنة2004م، الذي ما فتئ يدعو الأطراف ودول المنطقة إلى مواصلة تعاونهما التام مع الأمم المتحدة لوضع حدّ للمأزق الراهن واحراز تقدم في إيجاد حلٍّ سياسيٍّ توافقي، كما تبذل المبادرة الملكية جهودها لوضع حدٍّ وتساعد على تحقيق المصالحة حيث تضمن لكافة الصحراويين سواء الموجودين في الداخل أو في الخارج، مكانتهم اللائقة وتحُدّ دورَهم الكامل في شؤونهم بأنفسهم منْ خلال هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية، تتمتع باختصاصات حصرية إضافة إلى توفير الموارد المالية والضرورية لتنمية الجهة في كافة المجالات سواء الاقتصادية أو الاجتماعية والثقافية: “شرطَ أنْ تحتفظ الدولة المغربية باختصاصات دستورية للملك باعتباره أمير المؤمنين والضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية وللحريات الفردية والجماعية وأنْ تحترم مقومات السيادة التي تتجلى في العالم والنشيد الوطني والعملة، وتنصّ المبادرة عن أن تباشر الدولة مسؤوليتها في مجال العلاقات الخارجية بتشاور مع جهة الحكم الذاتي للصحراء، وذلك بالنسبة لكل القضايا ذات الصلة المباشرة باختصاصات هذه الجهة، كما يحقّ لهذه الأخيرة بأنّ تأذَنُ للحكومة بإقامة علاقات مع جهات أجنبية بهدف تطوير الحوار والتعاون بين الجهات.”[38]

إنّ موقف الجزائر منَ الحكم الذاتي يعكس أطماعه وتطلعاته التي قد تتلاشى بتطبيقه، وهذا ما جعل الجزائر تأخذ موقفا رافضا لهذا المقترح، إلى جانب تبريرها لهذا الموقف، بكونه يقدم مشروع الاندماج مع المغرب ولا ينسجم مع عمل الأمم المتحدة في تصفية الاستعمار وتقرير المصير وأنّه يبخس حق جبهة -البوليساريو- في الإدلاء برأيها في عملية تعيين الهيئة التنفيذية، لقد اعتبرت أنّ المشروع لا يتّسم بالمصداقية ما دام ينصّ على احترام دستور الدولة القائمة بالإدارة المغربية في الإقليم، فضلا عن الخلْط بين سكان الإقليم والشعب الصحراوي، وإعطاء الأفضلية: “وهو ما يعزّز الأطروحة الإدماجية للإقليم في المغرب، ويرسِّخ الإحتلال غير المشروع للأراضي الصحراوية، بحسبِ المذكرة الجزائرية المرسلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان يمكن الإشارة إلى أنّ جبهة -البوليساريو- بقيت متشبثة كما هو الحال بالنسبة للجزائر بإجراء الاستفتاء، وحقّ تقرير المصير للشعب الصحراوي، حيث رفضت بهذا الجبهة والجزائر الحل الثالث، وردّت عليه باعتباره انقلابا في مسيرة الأمم المتحدة وإنكارا لحقّ الشعب الصحراوي في تقرير مصيره واستقلاله على النحو الذي كرّسته قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة والشرعية الدولية، لأنّ مثل هذا الحل – بحسب الجبهة- لنْ يؤدي في نهاية المطاف إلا إلى تكريس الأمر الاستعماري الواقع في الصحراء الغربية بحُكْم أنّ الطريقة الوحيدة التي تتسم بالمصداقية وتسمح بالتوصل إلى حلٍّ دائمٍ للصراع هو تنفيذ خطة السلام على الرغم من كل الصعوبات والشكوك.”[39]

وبالتالي فقد ظل كل طرف متشبثا بالحلّ الذي يناسب مع مصالحة ويتسق معها، إذا كان المغرب يرى في الحكم الذاتي الحل الاستراتيجي لقضية الصحراء، فإنّ الجزائر ترى أنَّ الإستفتاء هو الحلُّ الكفيل الذي يمكن من خلاله فضّ النزاع المفتعل، أما غير ذلك فهو بالنسبة لها يأبد إلى القائم، أيْ أنَّ الحكم الذاتي سيبقي على الاستعمار المغربي للأراضي الصحراوية المحتلة حسب تعبيرها، ولنْ يحل النزاع بقدْر ما سيحرم الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

إشكالية الوحدة المغاربية بين الواقع وتطلعات شعوب المنطقة

لا يمكن الحديث الوحدة المغاربية الحقيقية المأمول حصولها بين دول المغرب العربي الكبير، إلا بتحديد قضايا مفادها تقصّي إشكالية الوحدة المغاربية مبرزا في أسباب إجهاض هذه الوحدة التي تتخبط فيها العلاقات المغربية الجزائرية، ويمكن أنْ نخلص الى هذه النقاط الأساسية التي تجلت في سياق الموضوع المؤثر في وقتٍ يطمح كل مواطن من دول المنطقة بالخصوص، وقد تمّت عبارات وإشارات واضحة تعبّر عن أواصر الأخوة باعتبارها لُحمة واحدة، تجمع بين شعوب المنطقة مجموعة منَ العلاقات الدينية والعرقية والاثنية والثقافية والاجتماعية والتاريخية، فقد بدا واضحا وجليا من أجلِ فتح الحدود البريّة المغلقة وفكّ العزلة على هذه المناطق الحدودية بين المغرب والجزائر تحديدا وإيجاد الحلول الايجابية المتوافق عليها بشكل تدريجي يضمن تواجد اتحاد حقيقي للمغرب العربي الكبير، يجابه اقتصادات السوق الدولية، إلا أنّ المشكلات المصطنعة تجهض كل محاولة وتحُولُ دون تحقيق الهدف المنشود وذلك راجع لأسباب متعددة، ومن ذلك[40]: “بسبب إضعاف المشروع الوحدوي لأنّها تقف متحدة أمام المخطط الإيراني في المنطقة، وبالتالي لنْ تخدم مصالح هذه الدول، ومن جهة أخرى لا يبدو أنها مجرد عاصفة في فنجان عارضة، ولا هو سحابة صيف عابرة لا يُعتد بها، بل هو حسب كل القرائن والمؤشرات، أزمة مستحكمة تكمن وراءها أسباب عميقة ولها أبعاد متعددة وقد تكون لها تداعيات كبيرة.”

ومن ذلك يمكن اختصار الأحداث التي واكبت الوضع الأزمة الليبية تمثل تطورات الأوضاع في ليبيا أحد الملفات الخلافية بين كل من المغرب والجزائر فلكل منهما رؤية مختلفة لحلها، مع مزيد منَ الخلاف الذي بات سببه اجتماعيا أكثر مما هو سياسي بحكم هجرة اللاّجئون السوريون، فقد تجددتِ الخلافات المغربية الجزائرية بشأن انتقال اللاّجئيين السوريين عبر الحدود المشتركة بين الدولتين، وهذا الى جانب ملف الإرهاب والمخذرات، حيث تختلف كل من الجزائر والمغرب بشأن جهود مكافحة الإرهاب، حيث تتبادل الدولتان الاتهامات بشأن عدم التعاون لمواجهة الإرهاب. وإشكاليات أخرى في مقدّمتها كما ذكرنا سابقا ملف الصحراء العالق، هذا بالإضافة الى ملفات خِلافية أخرى بين المغرب والجزائر، فهذا كله ينعكس سلبا على العلاقات بينهما، ومن أبرز الملفات ملف قضية الصحراء.

وخلاصة القول إنّ حدوث تقارب في العلاقات بين المغرب والجزائر مرهون بالتوصل الى تسويات في القضايا الخلافية العالقة، الأمر المتعذر حدوثه في كل الملفات، وهو ما يُلقي بتأثيراته على الملفات التي يمكن حدوث انفراج فيها، ونتيجة ذلك يتضح جليا اختلاف في وجهة نظر بين البلدين بحكم النقيض بين الطرفان، ذلك أنّ الجزائر تركز على إشراك –البوليساريو- كمفاوض أصيل في استمرار النزاع، أما المغرب يقترح ويعزم على التأكيد على تبعية الصحراء للسيادة المغربية.

العوامل التي سعتْ لإجهاض الوحدة المغاربية

كما ذكرت سابقا منْ خلال الأحداث وتحليل مضامينها في التاريخ المغاربي إزاء الوحدة المغاربية، التي ما فتئت تمرّ عبر محطاتٍ مختلفةٍ، وسرعان ما تصطدم بواقع معقَّد تتشابك أطرافه لتؤدي في النهاية إلى فشل تجربة الوحدة المغاربية، ويرجع ذلك الى عوامل سياسية بالدرجة الأولى، فقد هيمنت السياسة الامبريالية على واقع الدول المغاربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، كما أنّ السلطة المركزية الفعلية لا تزال في يد المحتل المستعمر، حيث عمل على عرقلة وإجهاض كل محاولة منْ شأنها استحالة تنفيذ مشروع الوحدة المغاربية في هذه الآونة، بالإضافة إلى رغبة بعض المسؤولين من حكّام البلدين الذين يصنفون الطبقة البورجوازية التي تسود سياسيا واقتصاديا، ليس من رغباتهم تحقق ذلك ليعود الأمر لصالح مصالح الطبقات البورجوازية، فقد ساهمت هذه الأخيرة في عرقلة كل محاولة جادّة لتفعيل قضية الاتحاد المغاربي، رغم صراحة الشعوب ورغباتهم في فتح الحدود وأيضا رغبة بعض المخلصين في إيجاد الحلول العملية ولو بشكل تدريجي لمعالجة الأزمة، والدعوة لتحقيق الوحدة المغاربية المنشودة، وقد بدا الأمر جليا من خلال تعليقاتهم وكتاباتهم وتصريحاتهم وخُطبهم المندِّدة على إيجاد الحلول الملائمة المتوافق عليها. إذا كنت اتحدّث بنيّة صادقة على التنويه لهذه المجهودات والمحاولات اليوم وفي العصر الراهن، فإني لا أجد حرجا لأنها حقيقة من الواقع، ودون أنْ أنسى ذكْر هذه المحاولات التي سجّلها التاريخ على صفحات منْ ذهبٍ وهي محاولات جادة حصلت منْ بعض الوطنين الذي كانوا في صفوف المقاومة المسلحة إلى إقامة وحدة مغاربية خاصة أثناء فترة الكفاح الوطني ضدّ الإحتلال الفرنسي وطرده من خلال توحيد الكفاح المسلح الذي ساهم بشكل كبير في ذلك، وتكوين جيش التحرير المغاربي بالموازاة مع توحيد النضال السياسي وهو ما ترجم على أرضية الواقع تجربة مكتب المغرب العربي و لجنة تحرير المغرب العربي بالقاهرة عام1947م، وكذلك مؤتمر طنجة 1958م وتجربة إنشاء جيش تحرير المغرب العربي في عام1955م واندلاع ثورة أول نوفمبر 1954م في الجزائر وما صاحبها من مواقف تضامنية مغاربية، قد أكدت تجربة رائدة في خضمّ الوحدة المغاربية، فشكلت هذه المحطات منعطفا تاريخيا في حركة التحرّر والنضال المشترك في السّعي للوحدة المغاربية على الصعيد المعنوي الباعث على الروابط الأخوية بين الدول التي سيطر عليها المستعمر الفرنسي، إلا أنّ الآليات الاستعمارية الفرنسية أجهضت كل هذه المحاولات، وحاولت إخماد روح المواطنة لإذابة الأفكار الرامية للوحدة المغاربية.

  • الإتحاد المغاربي رهين بقضية ملف الصحراء

تحتل قضية الصحراء الغربية مكانة مهمة، نظرا لتأثيرها على العلاقات بين المغرب والدول المجاورة لها، فهي لا زالت موضوع نقاش سياسي جدلي في المحكمة الدولية، وَقَدْ اختلفت الرّؤى والحلول، كما اختلفت المواقف والآراء بين الأطراف التي تؤثر فيها بشكل مباشر، وتلك التي تؤثر فيها بشكل غير مباشر أيضا، فقضية الصحراء منْ نتائج تقسيم الدول الاستعمارية للشعوب الافريقية، بعد انسحاب القوات العسكرية الاستعمارية، أو إعطاء لهذه الدول استقلالا شكليا، ما دامت العديدُ منَ المشاكل تتخبط فيها دول المنطقة المغاربية تحديدا، فقد وقّعَتا فرنسا وإسبانيا الاستعماريتين مجموعة من الاتفاقات السّرية منها وغير السّرية بين الدول المحتلة المذكورة، وقد سبّبَ هذا التقسيم الامبريالي الفرنسي الإسباني عدة مشاكل للمغرب، حيث واجهت العلاقات المغربية مع بلدان الجوار العديد من الخلافات الناتجة عن الحدود التي رسمها الاستعمار، حيث تحوّلت إلى قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أيّ لحظة بين دول الاتحاد المغاربي، بل شكلتا بدورهما عرقلة كل مجهود يرمي الى فكرة الاتحاد المغاربي المنشود الذي طالما تطمح إليه شعوب دول المعمور، وباعتبار الجزائر دولة جوار مع المغرب، إلا أنّ التقسيم الامبريالي لم يحدد الحدود في الأقاليم الجنوبية للمغرب مما نتج عنه خلاف وصراع بين البلدين منذ حصول الجزائر على استقلالها منْ فرنسا، وقدْ تمّ تأسيس جبهة -البوليساريو- في تلك الأقاليم التي تزخر بالثروات الطبيعية، وإزاء هذا الملف العالق والمطروح الى الآن، فقد طرحت الأمم المتحدة عدّة حلول في إطار جهودها لتسوية النزاع بين البلدين، وما هي سوى سياسة مصطنعة هدفها- فرّق تسدْ- ما دامت القوى العظمى المتمثلة في الامبريالية العالمية المتحكمة في صناعة القرار، ولم يكنْ أي حل منها موضوع اتفاق الطرفين، وبقيَ الصراع محتدما بين المغرب وبين الجزائر وجبهة الإنفصاليون–البوليساريو- الموجودة داخل التراب الصحراوي للمنطقة المغربية، وبالتالي فالتصور المغربي لحلّ هذه القضية هو بمثابة تطوّر التصورات المتعددة، حيث انتقلت منْ منطقة الحلّ الأمني أو العسكري المبني على فرض الأمر الواقع -المغرب في صحرائه- إلى الحلّ الأمَمِي والشرعية الدوَلية في إطار مبدأ تقرير المصير، وكما أنّ إسبانيا تتقلد مكانة خاصة في النزاع القائم بين المغرب حول قضية الصحراء، إلاّ أنّ العلاقات المغربية الإسبانية يحكمها عامل الجوار، كما أنّه ظل موقفها منَ الصحراء متذبذبا يذهب حسب مصالحها السياسية والاقتصادية، والوضع يزداد تطورا في كل وهلة، ومهما تكن من اعترافات، تقتضيها المصلحة المؤقتة والحتمية السياسية.

لذلك فقد ظل موضوع قضية الصحراء موضوع نقاش سياسي حساس، كون هذا الملف رهين باتحاد المغرب العربي، كما كان الوضع جغرافيا وسياسيا في الفترات السابقة فترات المد المغاربي، فهذا الموضوع جدير بالاهتمام والدراسة، فقد كثرت حوله الكتابات والدراسات، كما تناولته عددٌ منَ المنابر الاعلامية والفكرية والسياسية، واقترحت فيه الحلول الناجعة لتجاوز المحنة المغاربية والسعيُ نحو اتحادٍ مغاربي قويّ أساسه هو مصلحة الشعوب، إلا أنّه مجرد خطاب عاطفي فقط، ما دامت شعوب المنطقة لم تحصل على إرادة قوية واتخاذ موقف تاريخي وشجاع، كفيل باتخاذ قرار حاسم، للخروج من هذه الأزمة، التي تتخبط فيه المنطقة المغاربية، سعيا الى تحقيق التكامل الاقتصادي، وفتح الحدود البريّة، وتبادل الخبرات والتعاون المشترك المثمر المبني على الأخوة الانسانية التي تجمع فيها خصال الدين واللغة والانسانية، وغيرها من الاعتبارات المادية والمعنوية، اعتبارا وتجسيدا للنص القرآني الحكيم: )إنَّ هذِهِ أمَّتَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةًۖۖوَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونۖ([الأنبياء:92]؛وقوله تعالى:)وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَىۖ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانۖ([المائدة:2 ]

وغيرها من النصوص الشرعية المستمدة من روح الشريعة الاسلامية، التي تجسد وحدة الأمة المغاربية المبنية على الوحدة والتعاون والأخوة.

  • خاتمـة:

وبناءً لِمَا سبق فإنّ ملف الصحراء يعدّ من الملفات المعقدة التي مازالت معلقة منذ الخمسينيات منَ القرن الماضي، أيْ منذُ أنْ كان النزاعُ محصورا بين طرفين أساسيين، إسبانيا والمغرب، وبعد خروج إسبانيا منْ المنطِقة لم توجد طرق لفض النزاع وطرح حلول موضوعية توافقية، وذلك بدخول الجزائر طرفا في افتعال الصراع بتقوية جبهة -البوليساريو- ومطالبتها بحقّ تقرير مصير الشعب الصحراوي، علما أنّ هذا الموقف يتناقض مع موقف الدستور الجزائري منَ الوحدة العربية، والعداوة بين الجارَيْن -الجزائر والمغرب-، ويبدوا أنّ الصراع أشبه ما يكون بؤرة توتّر لامتداده عبر التاريخ المغاربي ليكون حجر عقبة في تحقيق التكامل والوحدة لبلدان المغرب العربي، إلا أنّ كل من الجزائر وإسبانيا تستغلان ورقة الصحراء في مشروع لدى كل منهما، فالجزائر لا تريد أنْ تُنهي الصراع حول قضية الصحراء، وتريد تعميقه ليكون المغرب في حالة طيّ ملف الصحراء، كما يطالب الجزائر بمراجعة الحدود التي رسمها الاستعمار قبل انسحابه، وإسبانيا لا تريد أنْ يُسوّى النزاع لصالح المغرب حتى لا يُطالبَ باستكمال وحدته الترابية ويطالب باسترجاع سبتة ومليلية والجزر المحتلة، وإن كان الاعتراف الاسباني الأخير الذي أسفرت مفاوضاته على نتائج مرضية لصالح المغرب بمقترحه الرامي الى الحكم الذاتي مجرد صفقة سياسية وضجة إعلامية.

وفي ختام هذا البحث، نخرج بهذه النتائج، وبعض التوصيات، وهي كالآتي:

  • النتائج:
  • أنّ ملف الصحراء مرهُون بالوحدة المغاربية لكنّ القوى الإمبريالية كرّست نقط الصراع بين البلدين الجارَيْن، لإجهاض كلّ محاولة اتفاق الهادفة الى اتحاد ووحدة دول المنطقة المغاربية.
  • أن الوحدة المغاربية لا يمكن أن تتحقق، إلاّ بمعالجة قضية الصحراء، ومعالجة قضايا أخرى تتعلق بكل من دول المنطقة المغاربية، وذلك وفق المبادئ الثابتة المبنية على أسس دينية واعتبار الجوار وروابط الدم والأخوة في الاسلام.
  • إنّ تحقيق التطور الاقتصادي المنشود رهين بفعالية التكامل الاقتصادي والتعاون المشترك المثمر، الذي يحقق مصالح شعوب المنطقة وآفاقهم المستقبلية.
  • أنّ ملف الصحراء سيبقى عالقا ويزداد تعقيدا، ما لمْ تكنْ إرادة الجميع مبنيّة على أهداف مشتركة ومصيرية تجسد مستقبل الأمة الاسلامية المغاربية.

وأما التوصيات، فهي على النحو الآتي:

  • التوصيات:
  • التفكير والعمل على انخراط الجميع لإيجاد حلول كفيلة بفضّ النزاع المفتعل حول قضية الصحراء، وتجاوز هذه الخلفية وفق حلول توافقية، لبلوغ الوحدة المغاربية.
  • التأكيد على جعل المصلحة العامة فوق أيّ اعتبار، وأنّ كلُّ بلد منْ بلدان المغرب العربي بحاجة الى السعي والمضي قُدُما لتحقيق التطور في شتى أبعاده الاقتصادية والصناعية والاجتماعية والثقافية وغيرها، ولن يتحقق هذا الهدف إلا بالوحدة المغاربية المتكاملة.
  • أنْ تتشكل أرضية الحوار الحضاري المبني على أسس إنسانية ومثالية، بعيدا عن النرجسية والغوغائية، بل بحِكمة ورزانة وثقة متبادلة، لتحقيق أهداف الوحدة المغاربية المشتركة، ومن أبرزها إنشاء سوق مفتوحة ذات اقتصاد متكامل وتعاون مثمر، وفق مقاربة أمنية على مستوى حدود بلدان المغرب العربي، ومقتضى مقاربة سياسة بعقد لجان وتنظيم مؤتمرات مغاربية في ضوء أعمال المجلس المغاربي الذي يجمع بين الدول المغاربية المعنية.

المصادر والمراجع:

  1. تأثير قضية الصحراء المغربية على العلاقات المغربية مع إسبانيا والجزائر، ذ.عبد القادر لياوي، بحث جامعي، ب.ط.ت؛
  2. الصحراء الغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي، د.علي الشافعي، دار الكلمة للنشر، ط1، 1980م؛
  3. الصحراء الغربية المغربية من خلال التاريخ الدبلوماسية الحسنية، ذ.العقيد أبو العز محمد بوريالة، مكتبة الطالب وجدة، ط2002؛
  4. الصحراء المغربية، الوحدة والتجزئة في المغرب العربي، د.علال الأزهر، مطبعة فضالة، ط1، 1988م؛
  5. المغرب والجزائر هل من تغيير؟ مجلة وجهة نظر، د.محمد العربي المساري، عدد:28، ربيع 2006م؛
  6. قضية الصحراء ومفهوم الحكم الذاتي وجهة نظر مغربية، د.محمد بوبوش، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ب.ط.ت؛
  7. مشكلة الصحراء الغربية في انتظار التنازلات السياسة الدولية، د.أحمد سيد أحمد، عدد:150، 2002م؛
  8. المغرب من قضية استعمارية إلى مشكلة سياسية خطيرة بالنسبة لإسبانيا، د.بوهادي بوبكر، المغرب وإسبانيا والبرتغال، [1996- 1880]،ب.ط.ت؛
  9. الصراع المغربي الجزائري ومشكلة الصحراء، بحث جامعي، ذ.صفاء حيدر، ب.ط.ت؛
  10. السياسة الخارجية المغربية- الفاعلون والتفاعلات، د.الحسان بوقنطار، ط إلكترونية.
  11. دراسة تاريخية الحديث وأوضاعه المعاصرة، د.صلاح العقاد، المغرب العربي، مكتبة أنجلو المصرية، ط1980م؛
  12. العلاقات المغربية الإسبانية الجديدة على خلفية الحكم الذاتي للصحراء، ذ.دافيد الباردو، جريدة دفاتر سياسية، عدد:90،أبريل 2007م؛
  13. ملف الصحراء في استراتيجيات الدول الكبرى، مجلة وجهة نظر، حسين مجدوبي، عدد:28، 2006م؛
  14. الاتفاقيات المغربية الإسبانية قبل الحماية- مقاربة تاريخية قانونية، د.لبنى بورزمي، النصف الأول، عدد:1،المجلة البحثية، 2013م؛
  15. المغرب من قضية استعمارية إلى مشكلة سياسية خطيرة بالنسبة لإسبانيا، د.بوهادي بوبكر؛
  16. اتفاقية 1860 الموقعة بين المغرب وإسبانيا الشرط الثالث عشر؛
  17. مشكلة الحماية القنصلية بالمغرب من نشأتها إلى مؤتمر مدريد سنة 1880م، د.عبدالوهاب ابن منصور، الرباط: المطبعة الملكية، ط2، 1405هـ/1985م؛
  18. الموسوعة الحرة، مقال: حرب الرمال، الموقع الإلكتروني؛
  19. الاستعمار الإسباني [1883م- 1973م]، مقال، الرابط الإلكتروني؛
  20. التجديد العربي -العوامل التي جعلت من المغرب مجالا قابلا الإحتلال خلال القرن19م وبداية القرن 20م، مقال، الرابط الإلكتروني؛
  21. قراءة في الموقف الإسباني الجديد من قضية الصحراء، د.إدريس خروز، موقع مجلة مدارك، مقال، الرابط الإلكتروني؛
  22. مسيرة علاقات متقلبة تحولات المنظور الاستراتيجي، د.محمد فال ولد المجتبي، مقال، الرابط الإلكتروني؛
  23. الجزائر تنفد موقف الامم المتحدة من القضية الصحراء، موقع الجزيرة نت، مقال، الرابط الإلكتروني؛
  24. إشكالية التكامل المغاربي مبرز في ظل التهديدات الأمنية الجديدة، مقال بتاريخ: 15 نوفمبر 2017م، مقال، الموقع الإلكتروني؛

[1]– البريد الإلكتروني: Ankourichercheur@gmail.com

[2] – تأثير قضية الصحراء المغربية على العلاقات المغربية مع إسبانيا والجزائر، بحث جامعي، الطالب عبد القادر لياوي، بحث جامعي، ب.ط.ت

[3] – وهو مخطط يهودي صهيوني هدفه هو استعمار شعوب العالم العربي والاسلامي بالخصوص، والصهيونية حركة سياسية عنصرية ذات مخطط راديكالي مستمد من التلموذ المنبثق من تعاليم كتب اليهود المحرفة، وبروتوكولات حكماء صهيون، وهذه الأخيرة تمثل حركة سرية اعتمدت عليها الصهيونية من خلال مؤتمرها– بال لهرتزل- حيث برزت في القرن19م بهدف زعزعة مقومات المجتمع العالمي، ويتجه هدفها إلى إقامة دولة لليهود في فلسطين، وهذا بمقتضى وعد الوزير البريطاني بلفور عام1917م، ثم بعد ذلك لإخضاع العالم، وقد ارتبطت هذه الحركة الصهيونية باليهودية، باعتبار هذه الأخيرة ديانة، وأن الصهيونية متجذرة منها، فهي بذرة غرسها اليهود صناع القرار العالمي، لقراءة تفاصيل الموضوع، ينظر: من اليهودية إلى الصهيونية، أسعد السحمراني ؛ اليهود واليهودية والصهيونية، عبد الوهاب المسيري.

[4]– الموسوعة الحرة، مقال بعنوان، حرب الرمال، (بتصرف).

[5] – الصحراء المغربية عقدة التجزئة في المغرب العربي، د.علي الشافعي، دار الكلمة للنشر، 1980م، ط1، ص238 (بتصرف).

[6] – إن حصول كل الأنظمة المغاربية على الاستقلال، قد تم بطريقة شكلية فقط، أي بمجرد انسحاب القوات الاستعمارية، إذْ يستمر الاستغلال الاستعماري في المنطقة، والتحكم في كل شيء، باعتبار أن قوى الاستعمار لا تزال، وهي تجسد القوة العليا المهيمنة، وتمثل السلطة الفعلية، على بلدان المعمور.

[7] – الصحراء الغربية المغربية من خلال التاريخ الدبلوماسية الحسنية، ذ.العقيد أبو العز محمد بوريالة، مكتبة الطالب، وجدة، ط2002، ص60 (بتصرف).

[8] – الصحراء المغربية، الوحدة والتجزئة في المغرب العربي، د.علال الازهر، مطبعة فضالة، 1988م، ط1، ص44

[9] – المغرب والجزائر، هل من تغيير؟ د.محمد العربي المساري، مجلة وجهة نظرٍ، عدد: 28، 2006م.

[10] – السياسة الخارجية المغربية- الفاعلون والتفاعلات-، د.الحسان بوقنطار، ط إلكترونية.ص144 (بتصرف).

[11] – قضية الصحراء ومفهوم الحكم الذاتي وجهة نظر مغربية، د.محمد بوبوش، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، ب.ط.ت، ص11 (بتصرف).

[12] – المغرب العربي – دراسة تاريخية الحديث وأوضاعه المعاصرة-، د.صلاح العقاد، مكتبة أنجلو المصرية، ط 1980م، ص521 (بتصرف).

[13] – د.محمد بوبوش، السابق، ص13 (بتصرف).

[14] – العقيد أبو العز محمد بوريالة، السابق، ص60 (بتصرف).

[15] – الحسان بوقنطار، السابق، ص153- 154 (بتصرف).

[16] – الحسان بوقنطار، السابق، ص154 (بتصرف).

[17] – مسيرة علاقات متقلبة تحولات المنظور الاستراتيجي، محمد فال ولد المجتبي، مقال، بتصرف، الرابط الآتي:

www.aljazeera.net/K nowledgega/opinions/2012/8/6.

[18] – الاتفاقيات المغربية الاسبانية قبل الحماية- مقاربة تاريخية قانونية، د.لبنى بورزمي، المجلة البحثية، 2013م، النصف الأول، عدد:1 (بتصرف).

[19] – د.لبنى بورزمي، نفسه.

[20] – د.لبنى بورزمي، نفسه، ص6 (بتصرف).

[21] – المغرب من قضية استعمارية إلى مشكلة سياسية خطيرة بالنسبة لإسبانيا، د.بوهادي بوبكر، كتاب المغرب وإسبانيا والبرتغال، [1996- 1880]،ب.ط.ت، ص9

[22] – ينظر: اتفاقية 1860 الموقعة بين المغرب وإسبانيا الشرط 13، (بتصرف).

[23] – مشكلة الحماية القنصلية بالمغرب- من نشأتها إلى مؤتمر مدريد سنة 1880م، د.عبد الوهاب ابن منصور، الرباط، المطبعة الملكية، 1405هـ/1985م، ط2، ص94-95 (بتصرف).

[24] – الاستعمار الاسباني 1883- 1973، مقال موسوعة ويكيبيديا، بتصرف الرابط الآتي:

Rttps://ar.m.wikipedia.org/wiki/.com

[25] – موسوعة ويكيبيديا، السابق، (بتصرف).

[26] – موسوعة ويكيبيديا، السابق، (بتصرف).

[27] – العوامل التي جعلت من المغرب مجالا قابلا للاحتلال خلال القرن 19م وبداية القرن 20م، موقع التجديد العربي، (بتصرف) الرابط الآتي:

https://www.air brenenal.info

[28] – د.الحسان بوقنطار، السابق، ص144 (بتصرف).

[29] – د.محمد بوبوش، السابق، ص80 (بتصرف).

[30] – قراءة في الموقف الاسباني الجديد من قضية الصحراء، د.إدريس خروز، موقع مجلة مدارك، (بتصرف)، الرابط الآتي:

http:www.madarik.info/ ?refID=categorie of categorie=25of article=463 26/04/2007

[31] – د.حسان بوقنطار، السابق، ص165 (بتصرف).

[32] – العلاقات المغربية الاسبانية الجديدة على خلفية الحكم الذاتي للصحراء دافيد ألباردو، جريدة دفاتر سياسية، أبريل 2007، عدد: 90، ص14 (بتصرف).

[33] – ملف الصحراء في استراتيجيات الدول الكبرى، د.حسين مجدوبي، مجلة وجهة نظر، عدد: 28، 2006، ص19 (بتصرف).

[34] – د.حسن مجدوبي، السابق، ص20 (بتصرف).

[35] – د.محمد بوبوش، السابق، ص82 (بتصرف).

[36] – د.محمد بوبوش- السابق، ص30

[37] – السابق، ص36 (بتصرف).

[38] – الصراع المغربي الجزائري ومشكلة الصحراء، بحث جامعي، ذ.صفاء حيدر، ب.ط.ت.

[39] – د.محمد بوبوش، السابق، (بتصرف).

[40]– إشكالية التكامل المغاربي مبرز في ظل التهديدات الأمنية الجديدة، مقال بتاريخ: 15 نوفمبر 2017م، بتصرف، الموقع الآتي:

www.sasapost.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.