منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة أصولية لحديث «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين..»

عبد الحليم زوبير-مراكش

0

قراءة أصولية لحديث “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين..”
 بقلم: عبد الحليم زوبير-مراكش

 

تمهيد:

  • شكل عهد الخلفاء الراشدين مرحلة الاختبار لقدرة الأمة على استئناف النظر الشرعي في غياب الشخص الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بينت طبيعة الأحداث التي ظهرت في هذه المرحلة أن الأمة في حاجة إلى نظر أصولي لبناء أحكام جديدة، حاجتها إلى المحافظة على الأحكام العملية التي مثلت سيرة رسول الله بين ظهراني الصحابة، وتميز فهم الخلفاء بالوعي المبكر بأن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم من العلم ليس مجرد نصوص وأحداث وأحكام فرعية تحفظ ولا يقاس عليها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ترك في طيات النصوص والأحداث التي عاصرها الصحابة منهج نظر واستدلال على ما يستجد في حياة الأمة من النوازل إلى يوم القيامة.
    وقد جاء حديث العرباض بن سارية “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجد..” لينبه الأمة إلى أن تحذو حذو الخلفاء –لا في المحافظة على الرسوم الشريفة للسنة المطهرة وحسب- ولكن أيضا وبصورة أولى في نشاطهم الاستدلالي ومناهجهم في النظر، وانفتاحهم على الواقع المستجد بسبب الفتوحات الإسلامية وتوسع الرقعة الجغرافية للأمة من جهة، وتحديات الردة والعصبيات التي أطلت بقرن فتنتها، لتضع الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء في وضعيات اختبارية، استحقوا بها أن يكونوا راشدين حقا، بعد أن تصدوا لتلك الأحداث بعزائم الأثر والاستدلال معا.
    والحديث يثير إشكالات عدة أوردها الطاعنون في صحته من وجهات نظر مختلفة، لكن تركيز هذه الورقة سيتناول الإشكال الأصولي في هذا الحديث وهو المتعلق بسنة الراشدين وعلاقتها بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والإشكال الذي يطرحه فهم الحديث من هذه الناحية المذكورة هو: هل سنة الخلفاء الواردة في هذا الحديث غير سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ باعتبار العطف يقتضي المغايرة؟ أم هي نفسها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم باعتبار العطف للبيان؟ وحينها يبقى السؤال عن معنى إضافة السنة للخلفاء إذا كانت السنة النبوية كافية في الإتباع؟ وقد وصل سوء الفهم لهذا الحديث أن يتخذه قوم مقمعة ضد المذاهب والآراء الفقهية التي تنتهي جذورها لما أثله الخلفاء وصغار الصحابة والتابعين.
    والفرضية التي ستحكم تناولي مفهوم سنة الخلفاء الراشدين تتجلى في ثلاثة ضوابط:

الأول: إن مفهوم السنة في الحديث بمعنى المنهج وطريقة الفهم والاستدلال. الثاني: لا توجد سنتان إحداهما نبوية وأخرى راشدية. الثالث: إن الحديث دعوة صريحة لمتابعة النظر والاجتهاد بناء –لا تقليدا- على عمل الخلفاء الراشدين. ولعلنا نستطيع الإلمام بهذه الإشكاليات إذا قمنا بعمليات ثلاثة كل منها في محور:

المحور الأول: القيمة الاستدلالية للحديث، وذلك بوضع إطار أصولي للحديث، وبيان قيمته الاحتجاجية من حيث سنده ومتنه، فالمشكل يكون حادا كلما كان النص أصلح للاحتجاج، فلو كان الحديث –مثلا- موضوعا لما كانت لإشكالاته أية قيمة.
المحور الثاني: ضبط العلاقة بين العاطف والمعطوف عليه في الحديث، سنة رسول الله صلى الله وسلم وسنة الخلفاء، هل العلاقة مغايرة أم بيان؟
المحور الثالث: علاقة علم الأصول بمسالك الصحابة في الاجتهاد، هل استوفى طرائقهم في الاستدلال أم بقي منها شيء لم يقعده الشافعي ومن بعده؟

المحور الأول: القيمة الاستدلالية للحديث:

إن الحديث عن القيمة الاستدلالية لهذا الحديث لا علاقة له بما يمكن أن يتوهمه متوهم من تقويم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسواء صح الحديث أو لم يصح فإن مقام الاستدلال لا يراعي مجرد الصحة والضعف، بل هما وصفان من مجموع أوصاف يجب أن تتوفر في النص قبل ترجيح الاستدلال به على نص آخر، ذلك أن الحجج المستدل بها على المقصود الشرعي تتفاوت رتبتها، ولا يصار إلى الاستدلال بالصحيح مع وجود الأصح منه، فضلا عن الاستدلال بالضعيف مع وجود الصحيح، ما لم يرجحه مرجح آخر أقوى باعتبار آخر، ولا يخفى أن حجية القرآن أقوى من حجية السنة، كما أن حجية السنة المتواترة أقوى من سنة الآحاد، وتختلف سنة الآحاد حسب عوامل الصحة والضعف..
وقد ميز الدكتور محمد الروكي بين مستويات خمسة من مستويات الاستدلال الشرعي هي: الأصول الشرعية ثم النصوص الشرعية ثم النظرية الفقهية ثم القواعد الأصولية ثم القواعد الفقهية ثم الضوابط الفقهية ، ومع ذلك فهذا الترتيب –ما عدا المستوى الأول منه- ترتيب نظري اعتباري لا علاقة له بتطبيق الاستدلال، لأن الاستدلال لا تتحكم فيه الحجج وحسب، بل يتحكم فيه وبدرجة قوية جدا محل الاستدلال، وهو مصالح المكلف ومفاسده، فما يكون أقوى حجة قد لا يصار إليه بسبب ما يؤدي إليه من عنت المكلفين وإحراجهم.
وحيث استثنينا المستوى الأول فلأن مصالح المكلف ومفاسده لا تخرج عن تلك الدوائر الكبرى للشريعة، والتي سماها الروكي أصولا أو قواعد شرعية، فهي مرعية دائما في المقام الأول، لأن “الأصول الشرعية هي القواعد الكلية التي تستفاد من جملة نصوص الشرع عن طريق الاستقراء والتتبع أو تعلم من الدين بالضرورة، وذلك كحلية الطيبات وحرمة الخبائث، ورفع الحرج في الدين ومراعاة مقاصد المكلفين، وغير ذلك من القواعد الشرعية” . وهو مضمون قول الإمام الشاطبي: “إن أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية، والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة وما كان كذلك فهو قطعي” .
تساعدنا هذه الفدلكة في وضع إطار مناسب لحديث الباب، لننظر هل هذا الحديث واحد من الأحاديث الكثيرة التي تفتل القواعد الشرعية وأصول الفقه، أم هو حديث يدل على قصور العلماء فيما قعدوه من أصول اعتبروها الطريق الوحيد لفهم كلام الله وكلام رسوله؟ هل الحديث يؤكد ما صار معروفا في علم أصول الفقه بالضرورة من مباحث الإجماع ومذهب الصحابي؟ أم يتضمن أصلا آخر يمكن تسميته سنة الخلفاء؟ ولكي نتمكن من ذلك يجب توثيق الحديث من مصادره لمعرفة مستوى ثبوته أولا، ثم نتأمل مضمونه وموضوعه وسياق انتشاره لنعرف مستوى دلالته ثانيا.

أولا: مستوى ثبوت الحديث:

أخرج الحاكم في المستدرك قال: “حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن محمد الدوري، ثنا أبو عاصم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض بن سارية، قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن أمر عليكم عبد حبشي، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة.”
قال أبو عبد الله الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة، وقد احتج البخاري بعبد الرحمن بن عمرو، وثور بن يزيد، وروي هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسنة، والذي عندي أنهما رحمهما الله توهما أنه ليس له راو عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد، وقد رواه محمد بن إبراهيم بن الحارث المخرج حديثه في الصحيحين عن خالد بن معدان” .
ورواه الإمام أحمد في مسند الشاميين من حديث العرباض بن سارية حديث رقم: 16692، كما رواه أبو داوود في كتاب السنة باب لزوم السنة حديث رقم 4607، والترمذي في السنن كتاب العلم باب الأخذ بالسنة حديث رقم: 2676، وابن ماجه في السنن كتاب المقدمة باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين حديث رقم: 44، والدارمي في السنن أيضا كتاب المقدمة باب اتباع السنة حديث رقم 95. وجميعهم رووا الحديث بألفاظ متقاربة مع زيادات عند بعضهم، كالزيادة التي انفرد بها الإمام أحمد وابن ماجه وهي: “فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد اقتاد”.
ولم يعلق عليه الحافظ بن حجر في التلخيص الحبير واكتفى بإيراد رأي بعض العلماء قال: ” قال البزار:” هو أصح سندا من حديث حذيفة، قال ابن عبد البر: هو كما قال، وطرقه عند الحاكم في العلم من مستدركه، وقال: قد استقصيت في تصحيح هذا الحديث بعض الاستقصاء” .
وقد تعقب ابن رجب الحاكم في ادعاءه أن الشيخين خرجا لعبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر الكلاعي فقال: “ليس الأمر كما ظنه، وليس الحديث على شرطهما؛ فإنهما لم يُخرِّجا لعبد الرحمن بن عمرو السلمي، ولا لحجر الكلاعي شيئًا، وليسا ممن اشتُهر بالعلم والرواية، وأيضًا فقد اختُلف فيه على خالد بن معدان؛ فرُوي عنه كما تقدم، ورُوي عنه عن ابن أبي بلال عن العرباض، وخرجه الإمام أحمد من هذا الوجه أيضًا، وروي أيضًا عن ضمرة بن حبيب، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض، خرجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه، وزاد في حديثه: «فقد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»، وزاد في آخر الحديث: «فإنما المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قِيد انقاد»؛ وقد أنكر طائفة من الحفاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مدرجة فيه، وليست منه، قاله أحمد بن صالح المصري وغيره، وقد خرجه الحاكم، وقال في حديثه: وكان أسد بن وداعة يزيد في هذا الحديث: فإن المؤمن كالجمل الأنف، حيثما قيد انقاد، وقد روي عن العرباض من وجوه أخر، وروي من حديث بريدة عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، إلا أن إسناد حديث بريدة لا يثبت، والله أعلم”.
قال ابن القطان: “ذكر من طريق أبي داود عن العرباض بن سارية: صلى بنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة… وسكت عنه، وليس بصحيح، فإن أبا داود ساقه هكذا: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد، حدثنا خالد بن معدان، قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي، وحجر بن حجر، قالا: أتينا العرباض بن سارية فذكره. وحُجْر بن حُجْر هذا لا يُعرف، ولا أعلم أحدًا ذكره .
فالحديث إذا ليس متواترا ولا متفقا عليه بين الشيخين ولا انفرد به أحد الصحيحين، قال الحافظ ابن عبد البر بعد حديثه عن مسألة اجتماع العيد والجمعة والأحاديث الواردة في ذلك: “ولم يخرج البخاري ولا مسلم بن الحجاج منها حديثا واحدا، وحسبك بذلك ضعفا لها” .
لكنه وارد في الدواوين المعتبرة بأسانيد معتبرة، فحيث إنه ليس بالحديث القوي جدا يلزمنا أن نستدل به في سياق الأدلة الأخرى الأقوى منه، وحيث إنه وارد في تلك الدواوين المعتبرة بتلك الأسانيد المختلف فيها يلزمنا أن نوليه حقه من النقاش، ونتفهم الإشكال الذي يورده على بعض أهل العلم، والذي أدى بهم للحديث ضمنا عن مصدر ثالث غير الكتاب والسنة هو: سنة الخلفاء الراشدين.

ثانيا: مستوى علاقة الحديث بأصول الفقه:

نطرح هنا سؤال العلاقة بين هذا الحديث وموضوع أصول الفقه، لأننا نعتقد أن هذا الحديث ينتمي لمجالات رئيسة وأخرى ثانوية، والقيمة الاستدلالية للنص لا تتجلى فقط في درجة ثبوته وإسناده، بل أيضا في مدى علاقته بأصول الفقه التي تستبد –دون سائر العلوم- بترتيب أدلة الأحكام الفقهية.
ولذا لزم السؤال عن علاقة هذا الحديث بأصول الاستدلال، قال الإمام الشاطبي رحمه الله في المقدمة الرابعة: “كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية، والذي يوضح ذلك أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدا له، ومحققا للاجتهاد فيه، فإذا لم يفد ذلك فليس بأصل له” .
لأنه –على سبيل الفرض- لو تأكدنا من أن الحديث موضوع البحث مجاله العقيدة فقط فهذا يستلزم ألا يثير خلافا كبيرا بين أبناء الطائفة الواحدة، التي تجمعها عقيدة واحدة، ويكون الاستدلال به في الفقه إقحام لا صلة له بالعلم، ولكي نصل إلى نتيجة أن هذا الحديث لا علاقة له بتاتا بأصول الفقه فيجب أن نلم بموضوعه وسياقه لنقدر درجة العلاقة مع الفقه وأصوله، ومن ثم نقيم –نعطي القيمة- الحديث أصوليا.
إن اختلاف العلماء في صحة سند هذا الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخفي أمرا آخر غاية في الأهمية، هو أن الذين صححوه لم يقصدوا العمل به في سياق أصول الفقه، فلئن احتمل سنده الصحة فإن متنه يبعد أن يكون صالحا للاستدلال به لحكم شرعي عملي، وهذا ما نجده واضحا عند تتبع مجالات ورود الحديث والاحتجاج به عند العلماء الذي لم يطعنوا في صحته، ويبدو أن الحديث ارتبط موضوعه بثلاثة موضوعات هي: موضوع الإمامة وموضوع العقائد وموضوع مصطلح الحديث.

1-الحديث في سياق الإمامة:

إن متن الحديث يشير بوضوح إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم –إن صح نسبة الحديث إليه- يرشد الأمة إلى التزام الجماعة وترك الفرقة والاقتتال على منصب الإمامة، وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم بمثال ترفضه الثقافة العربية الجاهلية المشبعة بالعصبية، فأمر الأمة بطاعة ولي الأمر وإن كان عبدا حبشيا، كما يشير إلى صحة خلافة الأربعة وهو المجال الذي تردد فيه الاستدلال بالحديث حقيقة، سيما وأنه دليل واضح لأهل السنة والجماعة في مواجهة سائر الفرق التي تجادلت حول موضوع الإمامة، كالرافضة الذين يبطلون خلافة الثلاثة، والناصبة الذين يبطلون خلافة علي، والخوارج الذين طعنوا في خلافة عثمان وعلي، والواقفة الذين توقفوا في خلافة علي لافتراق الناس عليه .
قال ابن تيمية: “اعتمد عليه الإمام أحمد وغيره على تقرير خلافة الراشدين الأربعة، وثبته أحمد واستدل به على من توقف في خلافة علي من أجل افتراق الناس عليه، حتى قال أحمد: من لم يربع بعلي في الخلافة فهو أضل من حمار أهله، ونهى عن مناكحته، وهو متفق عليه بين الفقهاء وعلماء السنة وأهل المعرفة والتصوف وهو مذهب العامة” .
واستدل به لمعتقد أهل السنة في الإمامة علماء العقائد، واعتبروا أفضلية الخلفاء مرتبة حسب خلافتهم، قال ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية: “وترتيب الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين في الفضل بترتيبهم في الخلافة، ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما من المزية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين ولم يأمرنا في الاقتداء في الأفعال إلا بأبي بكر وعمر، فقال: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر”

2-الحديث في سياق العقائد:

يحتج بالحديث -موضوع البحث أيضا- في مجال العقيدة للرد على أصحاب الأهواء والفلسفات المادية المحدثة، وذلك بربط الفكر الإسلامي بعصر النقاء الفكري عصر الخلافة الراشدة، وقد اشتهرت قصة الإمام أحمد حين امتحن في قضية خلق القرآن فسأل ممتحنه: هل هذا شيء علمه رسول الله وأبو بكر وعمر؟ أم شيء يجهلونه؟.. وواضح لازم كل جواب.. فلازم لا هو الاكتفاء بما علِمه رسول الله وكبار أصحابه، ولازم نعم أنهم عرفوه وسكتوا عن تبليغه فيسع غيرَهم ما وسعهم. ما يدل على أن عمل الخلفاء كان موجها عاما للتفكير الإسلامي وليس أصلا مختلفا من أصول الفقه التي قعدها الإمام الشافعي وأطبقت الأمة على الاقتداء به.
قال الشيخ رشيد رضا وهو يعالج التحولات الفلسفية التي طغت على التفكير العربي في العصر الحديث عند تفسير قول الله تعالى في سورة الأعراف: (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا..) وهو يعدد أنواع الظلم قال: “والظالمون بالابتداع يبغونها عوجا بما يزيدون في الدين من البدع والمحدثات التي لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولا سنة الخلفاء الراشدين وجمهور الصحابة، ومستندهم في هذه البدع النظريات الفكرية والتأويلات الجدلية، ومحاولة التوفيق بين الدين والفلسفة العقلية” .
ويندرج ضمن هذا السياق موضوع السنة مقابل البدعة، وهو مبحث عقدي تحول في البعض إلى الهيمنة على سائر الحقول المعرفية، حتى إنه لا يوجد بين المسلمين إلا سني وبدعي، وارتفع الكلام عن الفاسق والمذنب والمخطئ والذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، وحديث عهد بالدين، والثقة العاجز/ وارتفعت الأحكام الخمسة، والأوصاف الشرعية من مراتب الدين.
ومن الشواهد العلمية على أن هذا الحديث يتناول السنة والبدعة بنفس عقدي ما ورد عند الإمام الشاطبي في الاعتصام وهو يشرح قول عمر بن عبد العزيز: “سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في شيء خالفه، من عمل بها مهتد، ومن انتصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا” قال: “ومنها ما سنه ولاة الأمر من بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهو سنة لا بدعة فيه البتة، وإن لم يعلم في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم نص عليه على الخصوص فقد جاء ما يدل عليه في الجملة، وذلك نص حديث العرباض بن سارية..” .

3-سياق مصطلح الحديث:

ومن السياقات العلمية المناسبة التي ورد فيها الاستدلال بحديث العرباض بن سارية هذا موضوع مصطلح الحديث، عند تحرير مفهوم السنة والحديث المرفوع من ذلك والموقوف والمقطوع، قال العراقي في ألفيته: “قلت من السنة عنه نقلوا**تصحيح وقفه..” قال السخاوي شارحا: “اختلف الحكم فيها بأن (يرفع الحديث) تصريح بالرفع.. بخلاف من السنة فيطرقها احتمال إرادة سنة الراشدين” . وقال العراقي في شرح ألفيته التبصرة والتذكرة: “إذا قال التابعي من السنة كذا فهل هو موقوف متصل أم مرفوع مرسل؟.. الشافعي كان يرى في القديم أنه مرفوع إذا صدر من الصحابي أو التابعي ثم رجع لأنهم قد يطلقونه ويريدون سنة البلد” .
والناظر في تراجم الأبواب التي ورد فيها هذا الحديث يقطع أن الحديث بعيد عن أصول الفقه المبنية على نصوص قطعية وأصول كلية، فقد ترجم الترمذي الباب الذي ورد فيه الحديث قائلا: باب اتباع السنة، وترجم أبو داوود: باب لزوم السنة، والدارمي: باب اتباع السنة.. وما ورد من الأحاديث في تلك الأبواب يدل على أن قصدهم تثبيت مسألة الاتباع في أمور العقائد والموقف من الصحابة والخلفاء خاصة.
فالحديث إذا إن سلمنا بصحة سنده تقديرا للأئمة الذين صححوه،كالإمام أحمد والحاكم والترمذي والذهبي وغيرهم، فهو غير مسلم للاستدلال به في الحقول الفقهية والأصولية، ذلك أن هذا المجال صيغت أصوله بتواطؤ نادر من سواد الأمة، التي قررت أن ما قرره الشافعي في الرسالة هو السبيل الوحيد لفهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فيما يتصل بالأحكام العملية والآداب الشرعية ولا يوجد أصل خاص بالصحابة أو غيرهم، إلا ما كان من فضل الصحبة والسابقة والقرب من معدن الوحي وعصر النبوة، مما يفيد أن اجتهادهم أحق بالصواب من اجتهاد من بعدهم.
أما استجلاب هذا الحديث وأمثاله في الاستدلال الفقهي فهو -فضلا عن ضعف القيمة الاستدلالية به في مجال أصول الفقه كما سلف- يؤدي لإشكالات تنسف ما اجتمعت عليه الأمة في مصادر التشريع واختصاص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بالعصمة دون سواهما من كلام البشر، كما أنه يورط القائلين بعصمة سنة الخلفاء فيما أنكروه على الشيعة من القول بعصمة الأئمة، فما هي الاشكالات الأصولية لهذا الحديث؟ وما مفهوم سنة الراشدين؟ وأين هي سنة الراشدين من علم أصول الفقه؟

المحور الثاني: سنة الراشدين بين الاتباع والاجتهاد:

إن القول بسنة الراشدين في مجال الفقه والأصول -غير ما قرره العلماء في موضوع الإجماع ومذهب الصحابي- جزء من إشكال عويص تعاني منه بعض التوجهات الفقهية المعاصرة، لكنه للأسف ينسب للمسلمين كافة أو لأهل السنة على الخصوص، والفقه الإسلامي والسني منه على الخصوص بريء من هذه الأصول الضعيفة التي تتناقض مع أصول الدين فضلا عن أصول الفقه والأحكام العملية، وهو إشكال بسطته في مشاركة متواضعة ضمن كتاب جماعي سيصدر قريبا بالكلية المتعددة التخصصات بالناضور بعنوان “فقه المقاصد بين أصول الاستدلال وضوابط التنزيل” وعنوان تلك المساهمة هو “اعتبار الجزئيات في سياق الكليات وآثاره الاستدلالية”، ذلك أن الإغراق في تقرير جزئيات الفقه في غفلة عن الكليات قد يؤدي إلى نسف الكليات التي هي أساس التشريع.
والذين يستدلون بهذا الحديث في بعض الأبواب الفقهية لا يتجه غرضهم قصدا إلى نسف تلك الكليات، وإنما غرضهم التشغيب بوجود مذهب للسلف يمكن الاستغناء به عن المذاهب الفقهية وأصولها، فحيث يجادلون في بعض الأمور التي يحدثها الناس لملاحظ حسنة، كقراءة القرآن جماعة والاحتفال بذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم.. يرددون مضمون كلمة الإمام أحمد: هل هذا شيء علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء…؟ وقد تقدم أن سياق موقف الإمام أحمد في تلك المسألة سياق عقدي والأصل فيه التسليم والنقل، بينما القضايا المختلف فيها حاليا قضايا فقهية أغلبها يتعلق بأصل المصالح المرسلة التي عمل بها الخلفاء، لكنهم لما أحرجوا بوجود مثل هذه الاجتهادات لدا الخلفاء وإمعانا في الخلاف قرروا أن الخلفاء في هذه الأمور شأنهم مختلف لحديث: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء… وهذا الفهم الخطير لهذا الحديث أدى بهم من حيث لا يشعرون إلى مناهضة كليات مجمع عليها، ويمكننا حصر تلك

الكليات التي ينسفها القول بسنة الراشدين جنبا إلى جنب مع سنة النبي صلى الله عليه وسلم في أربع كليات:

  • الكلية الأولى: لا عصمة لغير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

إن القول بوجود أصل للتشريع ملزم تحت مسمى “سنة الراشدين” يقتضي عصمة الخلفاء، وهو أمر خلاف الإجماع، فمذهب أهل السنة أن لا أحد معصوم من الخطإ، إلا صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، أو ما ورد عنه من عصمة مجموع الأمة، فالخلفاء إن وافقهم الصحابة في الاجتهاد “الذي سنوه للمسلمين ولم ينقل أن أحدا من الصحابة خالفهم فهذا لا ريب أنه حجة بل إجماع” وأما أن يكون رأيهم معصوما فهذا لم يقل به أحد لأن “العصمة للأمة لا للبعض ولا للمكان، قال: (قائل) يمتنع الجم الغفير من أهل الاجتهاد على الخطإ عادة، قلنا: باقي الأمة أكثر، فالتمسك بهذا في حقهم أولى” . وقد نسب للفاروق قوله بعد أن استدركت عليه امرأة: “أصابت امرأة وأخطأ عمر”وقول أبي بكر في الكلالة: “أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان.” وهو شرف يحاول بعض الرافضة الحاقدين تميله ما لا يحتمل.

  • الكلية الثانية: منصب الخلافة اجتهاد أمة لا مقتضى نص:

يؤدي القول بسنة الخلفاء كما ورد في هذا الحديث إلى أن يكون الخلفاء معروفين سلفا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نص عليهم، وهو خلاف رأي الجمهور من أهل السنة الذين يرون أن منصب الخلافة اجتهادي لا نص فيه، ولو كان لدى الصحابة نص على الخلفاء لما اختلفوا، وقد علموا من نصوص أخرى فضل أبي بكر وعمر، كقوله صلى الله عليه وسلم السالف: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر . لكن أحدا من الصحابة ومن جاء بعدهم لم يفهم من هذه الأحاديث تنصيصا على خلافة الأربعة أو غيرهم، وهذا أمر مبسوط في كتب الملل والنحل ولا يحتاج إلى تكرار.

  • الكلية الثالثة: الخلفاء مجتهدون

حيث إن الخلفاء غير معصومين، وحيث إن إمامتهم جاءت بتوافق المسلمين بعد اختلاف وتبادل للحجج، فإن هذا يستدعى أصلا آخر مقررا هو أن الخلفاء رؤوس الاجتهاد، وأول من سن سنن الاجتهاد، وأنهم لم يقولوا للناس سنتنا تكفيكم لا داعي للاجتهاد، بل جمع عمر مشيخة بدر للاستشارة قبل الحكم، وأعلن أهم خصيصة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهي انقطاع الوحي وابتداء مرحلة الاجتهاد بقوله ” إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة. ” .
وروى الشافعي رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه “كان يقضي بين المهاجرين والأنصار أن الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا، حتى أخبره أو كتب إليه الضحاك بن سفيان: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه: أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع إليه عمر وتركه. وفي هذا دلالة على أن حاكمهم كان بحكم برأيه فيما فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة ولم يعلمها، ولم يعلمها أكثرهم” . لذا فهم أول من ” مثلوا الوقائع بنظائرها، وشبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها، وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد، ونهجوا لهم طريقه، وبينوا لهم سبيله” .

  • الكلية الرابعة: وقوع الاختلاف بين الخلفاء الأربعة:

إن اعتبار سنة الخلفاء مصدرا خاصا للتشريع كالكتاب والسنة والإجماع يؤدي بنا إلى إنكار واقع الاختلاف بين الخلفاء أنفسهم، وأول ما اختلفوا فيه أمر الخلافة نفسها، ولو قال قائل: بأن اختلافهم وقع قبل الخلافة فقد اختلفوا أيضا في مسائل تتعلق بأمور الخلافة كما في العطاء، فقد “قسم أبو بكر حتى لقي الله فسوى بين الحر والعبد، ولم يفضل أحدا بسابقة ولا نسب، ثم قسم عمر فألغى العبيد وفضل بالنسب والسابقة، ثم قسم علي فألغى العبيد وسوى بين الناس، وهذا أعظم ما يلي الخلفاء وأعمه وأولى ألا يختلفوا فيه..”
فلو كانت سنتهم تشريعية لما جاز الاختلاف بينهم، وإلا أدى إلى إقرار أعداء الدين على القول باضطراب مصادر التشريع الإسلامي، ناهيك عما تقرر من نصوص متواترة تدل على أن الخلفاء ليسوا في مقام واحد في العلم والفراسة، ولكل منهم مناقب مختلفة، وفي حديث مسروق رضي الله عنه: ” جالست أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا كالأخاذ، الأخاذ يروي الراكب، والأخاذ يروي الراكبين، والأخاذ يروي العشرة..”
كما أنه قدر ورد ما يشبه سنة الخلفاء في حق صحابة آخرين، يقتضي هذا الفهم أن نضيف إلى سنة الخلفاء سنة بعض الصحابة الآخرين، ك”هدي عمار وابن مسعود”، فقد ورد عن حذيفة رضي الله عنه قال ” كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه ” .
ولا شك أن ما سلف من هذه الكليات الأربع تعتبر من بديهيات الشريعة التي لا ينبغي الاشتغال بها عن قضايا حارقة تنتظر من الفقه الإسلامي البث فيها، لكن “ماذا تفعل بمن جاء يجر إليك الكثير من هذه البديهيات بعد أن قلبها إلى قضايا جدلية تحتمل الدرس والبحث، ثم فرضها فرضا ووضعها عقبة في سبيل معالجة الأمر الخطير الذي أنت فيه” .
لذا نرى أن معالجة سوء فهم سنة الخفاء كما ورد في الحديث موضوع البحث هذا يحتاج الفصل في أمرين: أحدهما: مفهوم سنة الخلفاء الوارد في الحديث على فرض صحة الحديث، وما علاقة سنة الخلفاء وعملهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: أين يمكن إدراج سنة الخلفاء الراشدين من بين الأصول المقررة من لدن الشافعي رضي الله عنه؟

أولا: مفهوم سنة الراشدين وعلاقتها بسنة النبي صلى الله عليه وسلم:

نقف الآن بين فرضيتين: إما أن نجد مفهوما لسنة الخلفاء الواردة في الحديث يتناسب مع الأصول القطعية المقررة من سواد الأمة، فنكون قد وفقنا بين هذه الأصول من جهة، وبين مضمون هذا الحديث الذي يوهم لفظه أن هناك سنة أخرى متبعة غير سنة رسول الله وآله وصحبه، وإما أن نحكم على الحديث من خلال سنده ومتنه بالبطلان ونتركه رأسا.
غير أن هذا الفرضية الثانية لن تشفي من يتمسك بصحة الحديث وقوفا عندما قرره بعض العلماء في حق هذا الحديث، لذا توجب فهم الحديث في سياق القواعد العامة للشريعة، وذلك بالتركيز على معنى سنة الراشدين لغة وشرعا، ذلك أن سنة الراشدين في الحديث قد يكون مفهوما لغويا فقط وهو الطريق، وحينها يكون طريق الخلفاء هو طريق الصحابة وسائر العلماء وأئمة المذاهب، وهو الأمر الذي لم يخالف فيه أحد من سواد الأمة، وليس في الأمر خصوصية، فكل عالم من الصحابة فمن بعدهم له سنة يلزم طلبته اتباعها، وهذا إطلاق مفهوم من تنكير السنة في قوله صلى الله عليه وسلم: “من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها..” فالسنن الحسنة بهذا المعنى لا تنتهي، لكن الخلفاء لهم فضل خصوصية الصحبة والقرب ومعالجة الاجتهاد الفقهي في أفضل العصور بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذا وجب تمييز اجتهادهم بما يتناسب مع أقدارهم الرفيعة.
ولعل ذلك يتأتى من خلال فهم سنة الراشدين من جانبين متكاملين لا متقابلين، الأول: فهم سنة الراشدين على أنها تنفيذ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون السنة هنا بمعنى الاتباع في أكمل وجوهه. الثاني: فهم سنة الراشدين على أنها الفهم الأمثل والشرح الأكمل لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون السنة هنا بمعنى الاجتهاد، قال الإمام الشاطبي في الاعتصام: “لأنهم رضي الله عنهم فيما سنوه إما متبعون لسنة نبيهم عليه السلام نفسها، وإما متبعون لما فهموا من سنته صلى الله عليه وسلم في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله، لا زائد على ذلك” . فلنتوقف ولو قليلا عند سنة الخلفاء في الاتباع، وسنة الخلفاء الاجتهاد:

1-سنة الخلفاء في الاتباع:

لا شك أن امتثال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر تتفاوت فيه الهمم والنفوس، فهو صلى الله عليه وسلم النموذج الأكمل، لذا كان من رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته قوله: “إذا نهيتكم عن شيء فاتركوه، وإذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم” . وهو توضيح قول الله تعالى: “فاتقوا الله ما استطعتم” التغابن:16.
و فضل الخلفاء وحرصهم على الامتثال، متواتر معنويا لا يحتاج إلى التذكير به فضلا عن التفصيل فيه، فسنتهم من هذا الجانب هي نفسها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحينها أمكن القول بوجوب اتباع سنة الخلفاء، لأن اتباعهم هو اتباع لرسول الله صلى الله عليه نفسه، وهذا هو مسلك العلماء الذين صححوا الحديث في فهمهم له. قال ابن حزم: “سنة الخلفاء رضي الله عنهم هي اتباع سنته عليه السلام، وأما ما عملوه باجتهاد فلا يجب اتباع اجتهادهم في ذلك” . وفي تحفة الأحوذي: “فالإضافة إليهم إما لعملهم بها أو لاستنباطهم واختيارهم إياها.. فكأنه قال: إلزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين، وقد كانت طريقتهم هي نفس طريقته” .

2-سنة الخلفاء الاجتهادية:

إن أحسن ما ميز عصر الخلفاء هو تصديهم للنوازل بحدي النص والاجتهاد، فكل الثروة الفقهية التي أثلها العلماء عبر العصور ترجع أصولها إلى ما تردد في مجالس الصحابة في عصر الخلفاء من تعظيم للنص أولا، وعناية بالاجماع، واستنباط بالقياس ورعاية المصالح وغيرها، وأعلم علماء الصحابة هم الخلفاء، فهم أحق بالاجتهاد، فكان حقا على الأمة أن تقتفي سنة الراشدين وتنهج نهجهم، فقد كان عصرهم على قصره أغنى العصور بالعلم والاجتهاد والثراء الفقهي المتميز، مع تنوع المصادر وأساليب الاستدلال؛ حتى قال العلامة سيدي سعيد رمضان البوطي عن حق: “إن السلف تطوروا في عهدهم القصير أكثر مما تطور الخلف في عصورهم الطويلة” .
ولا يعني اتباع سنتهم بهذا المفهوم تقليدهم في جميع تفاصيل الاجتهاد التي رأوها، لأن هذا ردة إلى تقليد يليق بالعامة لكنه غير لائق بالمجتهدين، الذين يطلب منهم اتباع سنة الراشدين في طريقة استنباطهم، ولو أدى ذلك لمخالفتهم في نتائج الاستنباط، بل مخالفتهم –عند قيام الداعي- هي من صميم سنتهم، فهم من علم الناس تغيير الفتوى وآراء من سبق حين يستجد دليل يقضي بذلك التغيير.
قال الدكتور سعيد رمضان البوطي: “اتباع السلف لا يكون في الانحباس في حرفية الكلمات التي نطقوا بها، أو المواقف الجزئية التي اتخذوها، لأنهم هم أنفسهم لم يفعلوا ذلك، وإنما يكون بالرجوع إلى ما احتكموا إليه من قواعد تفسير النصوص وتأويلها وأصول الاجتهاد والنظر في المبادئ والأحكام” لأن سوى ذلك يعني جمود الشريعة وتطاول الأعداء وذووا الأهواء عليها، بل كثير من مظاهر التطاول على الدين كان وراءها هذا الفهم المنحبس للاجتهاد الفقهي وأصول النظر الشرعي.
لكن يبقى السؤال: هل استوعب علم الأصول فهم الصحابة وطرائقهم في الاستدلال بحيث لا حاجة لاستدعاء هذا الحديث وأمثاله عند الخلاف الفقهي، وإنما يكتفى باستعمال الآلة الأصولية التي تأسست مع الشافعي وسمت لتصبح بناء نظريا متكاملا مع الشاطبي؟

ثانيا: التقعيد الأصولي لسنة الخلفاء وفهم السلف:

ما الذي كان الإمام الشافعي يحاوله عندما وضع الرسالة؟ وهل تم له ما أراد؟ إن الإجابة عن هذين السؤالين تفضيان بنا إلى صلب الإشكال في قضية سنة الراشدين؛ ذلك أن جمهور العلماء وجدوا فيما كتبه الشافعي ومن بعده، الجواب الكافي والممكن، عن سؤال الأمة: كيف كان الصحابة يجتهدون بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم كما تقرر بالإجماع لم يكونوا معصومين؟ كيف تمكنوا من تجاوز فتن التفرقة بأدلة تشفي الجميع؟ هل هناك سر يتعلق بقواعد الاجتهاد اختصهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم يوجد كتاب يضبط قواعد الاجتهاد في عصر الصحابة لم يصل إلى من بعدهم؟ والسؤال بالتعبير المعاصر: أين نجد فهم السلف للكتاب والسنة؟ هل فهم السلف وحي خاص؟ أم قواعد اختصوا بها؟ أم هو إلهام لدني يوهب لبعض الناس ولا يتمكن منه آخرون؟
إننا إزاء الجواب عن هذه الأسئلة أمام فرضيتين، إحداهما: أن الشافعي رضي الله عنه كان هو أول من شغلته هذه الأسئلة، وهو الأمر الذي أدى به لوضع الرسالة، وتحرير فهم السلف في إطار قواعد تطورت بعهده تطورها المعروف. والفرضية الثانية: أن الشافعي وغيره من علماء الأصول لم يقدموا سوى فهمهم الخاص للشريعة، ولا علاقة لما فعلوه بفهم السلف الذي يجب تحريه في غير كتب أصول الفقه.. إن الفرضية الثانية تبدو باهتة جدا لأنها تشكك في سواد الأمة وجهود علمائها الأفذاذ، وهو أمر لا يجرؤ عليه أحد. لكن الحقيقة الصعبة التي يجب أن نقبلها هي: أن جزءا كبيرا من الجهود والأموال والوقت ضاع بحثا عن فهم واحد للسلف بعد ثلاثة عشر قرنا على عهد السلف والخلفاء، بعدما تم الطعن فيما ما قرره الشافعي في القرن الثاني للهجري وما أدراك ما الشافعي؟ وما القرن الثاني؟
فإذا انطلقنا من الفرضية الأولى وهي التي تمثل موقف الأمة بكل مذاهبها وطوائفها فإننا بصدد تقرير المقرر وتحصيل حاصل، لكن توددا لمن فرقت بيننا وبينهم أوهام الثنائيات الممزقة للأمة من قبيل: السنة مقابل البدعة والسلف مقابل الخلف والمنهج مقابل المذاهب، نذكر بأن الإمام الشافعي لمن قرأ رسالته لم يشغل باله سوى هذا السؤال؟ ولعله بدرجة أكبر تناسب درجته في العلم وإمامة الدين، والذي يتبادر إلى قارئ الرسالة أن الشافعي لم يكن يقصد لتأصيل التراث الفقهي الذي سبقه، بل كان يريد العثور على الينابيع التي تتنزل منها فيوضات الفقه لدا الصحابة والتابعين، ما الذي يجمعهم وما الذي يخص كلا منهم؟ وكيف يمكن تقرير منازعهم في الاستدلال حتى لا تضيع مع الزمن الذي يتحول بسرعة؟
لقد بدأ الشافعي رحلته في البحث عن مصادر الاستدلال عند الصحابة منطلقا من مبدأين: الأول: أن الصحابة ليسوا معصومين فيما وصلوه من العلم والفهم، الثاني: أن قواعد ذلك الفهم مبثوثة في الكتاب والسنة، ولذلك بدأ رسالته بشرح معنى البيان، وأن الأصل في الشريعة أن تبين عن مقصود الشرع، وليست طلاسم يحتاج فكها لكاهن مختلف الطبيعة عن سائر البشر، وبدأ بتفصيل مستويات البيان في القرآن الكريم والسنة النبوية، ذلك البيان الذي يختلف باختلاف درجات الناس، ففيه البيان المباشر الذي لا يحتمل الخلاف بين عموم المخاطبين، وفيه البيان الذي يحتاج بعض الشرح تتكلف به السنة المطهرة، ثم البيان الذي لم يرد في القرآن وورد في السنة، ثم بيان الإجماع الذي تتواطأ على قبوله أفهام الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخيرا بيان الاستنباط بالقياس.
وقد استقرأ الشافعي مظان الأمر بالاجتهاد في الشريعة، ليصل إلى نتيجة مفادها أن الله تعالى لم يكلف المسلمين بالتكاليف المباشرة فقط، كالوضوء والصلاة وغيرها، بل كلفهم بالبحث عن أمور خفية عن البداهة، لكن الطريق إليها ممهد، فقرر أن الاجتهاد -باعتبار التكليف بتلك الأمور- واجب على الأمة بمجموعها، كما تجب الصلاة والزكاة والصوم على أعيانها، أي أن الشافعي بنى وجوب الاجتهاد الخاص على وجوب الاجتهاد العام الذي ورد به القرآن الكريم، ومثل لذلك بثلاثة نماذج: مسألة التوجه إلى القبلة، ومسألة العدالة في الشاهد، ومسألة المثلية في جزاء الصيد، فالأمر في هذه الثلاثة ليس مباشرا بل يحتاج إلى وسائل.
فالتوجه إلى القبلة هو توجه إلى الجهة لا إلى العين، “فدلهم جل ثناؤه إذا غابوا عن عين المسجد الحرام على صواب الاجتهاد، مما فرض عليهم منه، بالعقول التي ركب فيهم، المميزة بين الأشياء، وأضدادها، والعلامات التي نصب لهم دون عين المسجد الحرام الذي أمرهم بالتوجه شطره” فدل على أن الله أمر المسلمين بتحري الحق، وإن كان القصور واردا.
فما بين الاجتهاد في الوصول إلى الحق، وبين الحق المطلق الذي لا يعرف إلا بالوحي تكمن وظيفة الاجتهاد، وهو مصداق قول الله تعالى: “وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج” الحج 78. هذه الآية لم يوردها الشافعي لكنه دار حول معناها كثيرا، فأول الآية يشعرك بالعجز، كيف يمكن للإنسان أن يجاهد حق الجهاد وفعله متصف بالقصور؟ لكن عجز الآية قد رفع الحرج وبقي الغرض هو بذل الجهد واستفراغ الوسع في الوصول إلى الحق، وليس عين الوصول إلى الحق.
قال رحمه الله معبرا عن هذا النوع من البيان الذي يلزم الأمة البحث فيه: “ومنه: ما فرض الله على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم. فإنه يقول تبارك وتعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين، ونبلو أخباركم) محمد 31 وقال: (وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم آل عمران 154 وقال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم، ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون؟) (الأعراف 129.” .
أما أفهام الصحابة عند الشافعي كما عند السواد الأعظم من الأمة فلها ميزة عن سائر الأفهام، لكنهم رضي الله عنهم لا يحق لهم القول في دين الله بغير حجة من كتاب أو سنة أو قياس، وقد استنبط من الأمثلة الثلاثة السابقة التي تتبعها أن “ليس لأحد دون رسول الله أن يقول إلا بالاستدلال بما وصفت في هذا، وفي العدل، وفي جزاء الصيد، ولا يقول بما استحسن، فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سبق، فأمرهم أن يشهدوا ذوي عدل، والعدل: أن يعمل بطاعة الله، فكان لهم السبيل إلى علم العدل والذي يخالفه.”
لكن حجية قول الصحابة ليس صورة واحدة بل توجد ثلاث صور على الأقل، الصورة الأولى: صورة الإجماع، وذلك إذا أجمعوا على أمر معين يعرفه الجميع وهو الذي سماه العلماء بعد ذلك الإجماع الصريح، والصورة الثانية: أن يوجد رأي لصحابي لا يعرف له مخالف، وهذا هو الاجماع الضمني كما سماه العلماء بعد الشافعي، والصورة الثالثة أن يختلف الصحابة وهو أيضا على صورتين: أن يكون مع أحدهما دليل راجح من الكتاب أو السنة فهو أحق بالاتباع، قال الشافعي: ” أرأيت أقاويل أصحاب رسول الله إذا تفرقوا فيها؟ فقلت: نصير منها إلى ما وافق الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو كان أصح في القياس” .
والصورة الثانية: أن يتساوى الرأيان فاختار الشافعي بناء على عمل من قبله اختيار رأي أحدهم. “قال: أفرأيت إذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة ولا خلافا؛ أتجد لك حجة باتباعه في كتاب أو سنة أو أمر أحمع الناس عليه؟ فيكون من الأسباب التي قلت بها خبرا؟ قلت له: ما وجدنا في هذا كتابا ولا سنة ثابتة، ولقد وجدنا أهل العلم يأخذون بقول واحدهم مرة، ويتركونه أخرى، ويتفرقوا في بعض ما أخذوا به منهم. قال: فإلى أي شيء صرت من هذا؟ قلت: إلى اتباع قول واحد، إذا لم أجد كتابا ولا سنة ولا إجماعا ولا شيئا في معناه يحكم له بحكمه، أو وجد معه قياس” .
يلاحظ أن الشافعي رضي الله عنه لم يخصص الخلفاء الأربعة بشيء يمنحهم الحق في تشريع أمر ليس لهم فيه شاهد من الكتاب أو السنة أو موافقة الصحابة ليصير إجماعا، ولكن يبقى أنه عند الاختيار بين أحد من الخلفاء الأربعة وغيره من الصحابة في أمر اجتهادي في الصورة الثانية السالفة الذكر، فرأي الخلفاء أولى بالاختيار، وهذا غاية ما يمكن أن يخصص به الخلفاء؛ أما اعتبار سنتهم تشريعية لازمة الاتباع، بغض النظر عن موافقة الصحابة لهم أو عدم موافقة، فهذا مخالف لأصول الشرع.
على أنه في حقيقة الأمر، من يدعي وجود سنة للخلفاء لا يجد مثالا واحدا لرأي خليفة من الخلفاء الأربعة اعتمد عليه العلماء، بعدما تأكدوا مخالفة الصحابة لهم، وذلك أن الخلفاء رضي الله عنهم لم يكونوا يستبدون بالرأي دون سائر الصحابة، فيبعد أن يوجد في اجتهادهم مثال كهذا، نعم عند الاختلاف يتخذون الرأي الحاسم، وهو الذي قرره العلماء لاحقا بقاعدة “رأي الحاكم يرفع الخلاف” وهذا في الأمور الخلافية سائغ حتى اليوم.
ولا حاجة بنا لأن نسود الصحف لرد ما ادعاه رجل بعيد عن المعاني الأصولية، في رسالته المسماة “هل المسلم ملزم باتباع مذهب من المذاهب الأربعة” فهذا الرجل كتب رسالته تلك كأن رسالة الشافعي غير موجودة، وكأنه لا يوجد علم اسمه أصول الفقه، ولا مضى في التاريخ رجال كالشافعي، كفوه مؤنة ما تكلفه غير موفق؛ بل استعان بالكذب الصريح؛ لكن رسالته لقيت رواجا عند من يعتقد أن الرجل طرق بابا لم يطرقه أحد بعد السلف الأول؛ لسنا بحاجة لعرض تلك التخبطات فقد كفانا العلامة الدكتور سعيد رمضان البوطي كلفة الرد في كتابه الدقيق “اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة”.
لكن بعيدا عن ردود الفعل يبقى هنا سؤال وجيه يجب طرحه.. ومحاولة الإجابة عنه؛ السؤال هو: هل استوعب علم أصول الفقه سائر المسالك التي سلكها الصحابة في الاجتهاد؟ ألا يمكن عقلا أن يخفى على الشافعي وغيره بعض المسالك؟ ألا يكون الشافعي قد اعتمد على ما بلغه؟ ولا شك أن أخبارا من السنة فضلا عن مسالك الاجتهاد تفوت العلماء؟ وإذا فاتت الشافعي بعض مسالك اجتهاد السلف، وطرائق فهمهم للكتاب والسنة، فكيف يلزم المسلمون بما قرره الشافعي وغيره من علماء الأصول؟ ألا يكون الأمر إلزاما بما أنكرناه سلفا، من أن العصمة لم تثبت لغير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الناس؟

المحور الثالث: علاقة علم الأصول بمسالك الصحابة في الاجتهاد

الحقيقة أن الذين يتجاهلون أصول الفقه، ويحاولون الاتصال بالسلف بغير أسانيد الخلف، كان بإمكانهم أن يطرحوا هذه الأسئلة؛ وسيكون لهذه الأسئلة معنى كبيرا؛ ولعل من أفضل من عبر عن هذا الأسئلة، التي تحل هما ثقيلا الإمام الشاطبي، ولعل هذه الأسئلة كانت وقودا لإنضاج كتابه الموافقات؛ قال رحمه الله تعالى ورضي عنه: “أما بعد؛ أيها الباحث عن حقائق أعلى العلوم، الطالب لأسنى نتائج الحلوم، المتعطش إلى أحلى موارد الفهوم، الحائم حول حمى ظاهر المرسوم؛ طمعا في إدراك باطنه المرقوم، معاني مرتوقة في فتق تلك الرسوم؛ فإنه قد آن لك أن تصغي إلى من وافق هواك هواه، وأن تطارح الشجى من ملكه -مثلك- شجاه، وتعود -إذ شاركته في جواه- محل نجواه؛ حتى يبث إليك شكواه، لتجري معه في هذا الطريق من حيث جرى، وتسري في غبشه الممتزج ضوءه بالظلمة كما سرى، وعند الصباح تحمد إن شاء الله عاقبة السرى”
لا شك أن الشافعي قرر ما وصل إليه باستقرائه، واستمر علماء الأصول يضيفون -بناء لا نقضا- لما أثله الشافعي، فوجدنا الحنفية بعد تتبع فقه أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وابن أبي ليلى وزفر من أوائل المذهب قد خالفوا الشافعي في أمور، وكان هذا الخلاف خلاف ثراء لا خلاف نقض، وهذا دليل على أن الشافعي لم يستوعب كل طرق السلف في فهم الكتاب والسنة، لكنه قدم ما يمكن أن يقدمه عالم نذر حياته لذلك الأمر الجلل، ولو استوعب الشافعي كل مناهج السلف لوجدنا الأمة كلها على مذهب الشافعي، ولكن الأعلام في عصر الشافعي كان لهم نصيب من تتبع مناهج السلف؛ في الاستدلال لذلك كانت المذاهب الأخرى.
لقد أصبح الاجتهاد المطلق وبلوغ مدارك الخلفاء في الفهم ناذرا جدا، ويبدو أن الأمر محصور في أئمة المذاهب الأربعة وفئة قليلة كالأئمة: جعفر الصادق والأوزاعي والليث بن سعد وابن جرير الطبري على اختلاف في بعضهم، حتى إن كثيرا من الأعلام الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية لم يرفضوا الانضواء تحت المذهب، وإن كانت لهم اجتهاداتهم الخاصة، ذلك أن الشأن هنا ليس في التعرف على حكم معين ومخالفة إمام المذهب في منزعه فهذا أمر متيسر لعموم المجتهدين، لكن درك الأصول بعمومها يصعب أن تجد غير ما تقرر في أصول المذاهب الفقهية، قال ولي الله الدهلوي: “وبالجملة فالتمذهب سر ألهمه الله تعالى العلماء، وتبعهم عليه من حيث يشعرون أو لا يشعرون” .
لقد أدى العلماء واجب الاجتهاد في ضبط أصول الاستدلال بقدر وسعهم، ولم يزل ذلك الوسع يتقلص كلما ابتعد الناس عن عهد الخلفاء حتى أصبح من المجمع عليه استحالة وجود منازع للاستدلال غير ما تقرر سلفا، وذلك أنه “كان للسلف طرق في تحصيل ذلك الواجب، ثم انسدت تلك الطرق إلا طريقا واحدا، فوجب ذلك الطريق بخصوصه، وكان السلف لا يكتبون الحديث ثم صار في يومنا هذا كتابة الحديث واجبة” .
وليس صعبا على المنصف أن يلاحظ الفرق بين منهج صاحب الرسالة السالفة “هل المسلم ملزم باتباع المذاهب الأربعة” مع أتباعه من العاطلين الذي يسهل عليهم تجاوز العلماء، بسذاجة تقترب من الحماقة ورعونة نفس، وبين رجل من المتأخرين قرر أن يراجع أصول الاستدلال في الشريعة كلها، لكنه لم ينزع جلباب المذهب المالكي أولا، ولم يدع أنه ومالك سواء، ومن جهة أخرى اطلع على كل التراث الأصولي ونقد ووافق وخالف حتى خرج للأمة بأعظم سفر في موضوع الأصول في القرون المتأخرة.
إن الحديث هنا عن الإمام أبي إسحاق الشاطبي، الذي صرح بالألم الطويل الذي عانى منه وكدر عليه عيشه فترة طويلة من الزمن قال يعبر عن ألم الرغبة في فهم ما وراء الرسوم من أسرار الشريعة: “فلقد قطع في طلب هذا المقصود مهامه فيحا، وكابد من طوارق طريقه حسنا وقبيحا، ولاقى من وجوهه المعترضة جهما وصبيحا، وعانى من راكبته المختلفة مانعا ومبيحا، فإن شئت ألفيته لتعب السير طليحا، أو لما حالف من العناء طريحا، أو لمحاربة العوارض الصادة جريحا؛ فلا عيش هنيئا، ولا موت مريحا” .
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت من مرادها الأجسام
لكن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، فلقد فتح الله للشاطبي ولمن بعده على يده ذلك الفتح المبين كما عبر عنه: “إلى أن من الرب الكريم، البر الرحيم، الهادي من يشاء إلى صراط مستقيم؛ فبعثت له أرواح تلك الجسوم، وظهرت حقائق تلك الرسوم، وبدت مسميات تلك الوسوم؛ فلاح في أكنافها الحق واستبان، وتجلى من تحت سحابها شمس الفرقان وبان، وقويت النفس الضعيفة…. فأورد من أحاديثه الصحاح الحسان، وفوائده الغريبة البرهان، وبدائعه الباهرة للأذهان؛ ما يعجز عن تفصيل بعض أسراره العقل، ويقصر عن بث معشاره اللسان، إيرادا يميز المشهور من الشاذ، ويحقق مراتب العوام والخواص والجماهير والأفذاذ، ويوفي حق المقلد والمجتهد والسالك والمربي والتلميذ والأستاذ، على مقاديرهم في الغباوة والذكاء والتواني والاجتهاد والقصور والنفاذ، وينزل كلا منهم منزلته حيث حل، ويبصره في مقامه الخاص به بما دق وجل، ويحمله فيه على الوسط الذي هو مجال العدل والاعتدال، ويأخذ بالمختلفين على طريق مستقيم بين الاستصعاد والاستنزال؛ ليخرجوا من انحرافي التشدد والانحلال، وطرفي التناقض والمحال؛ فله الحمد كما يجب لجلاله، وله الشكر على جميل إنعامه وجزيل إفضاله” .

وخلاصة القول في هذا المحور أن التقيد بما قعده الأصوليون أملته ضرورات أربع هي:

– أولا: تكاثر تراث المتقدمين، ولا يمكن لطالب الاجتهاد أن يقفز لمنازعة السلف دون الوقوف على ما وصل إليه من قبله، وهو تراث تنقطع دون استقصائه الأعمار، وهو أمر يزداد كلفة كلما تقدم الزمن، وكان العالم في العصور الأولى لا يجد عناء كبيرا في مراجعة تراث من سبقوه لقلة ذلك وتفرغه للأمر.
– ثانيا: تشعب التخصصات العلمية، فالذي يريد الحصول على ما كان عليه السلف يجد نفسه في مفترق طرق يحتاج كل طريق لعمر كامل، فتراث الحديث والتفسير والفقه واللغة والأصول أصبح هائلا لا يقوم به شخص واحد، وهو أمر ازداد تشعبا بعد الأئمة الأربعة وحال دون بلوغ مراتبهم في الاجتهاد.
– ثالثا: كثرة الحوادث التي تلح على العالم في عصره تنتظر جوابا سريعا، ولو انتظر حتى يفرغ من ذلك التراث بكل شعبه المختلفة لما كان لعلمه أي أثر في عصره، وبين أهل زمانه، وقد يأثم بترك أمر الناس سدى إذا تعين القول في حقه.
-رابعا: غلبة العجمة، فالعلم الشرعي مبناه أساسا على اللغة العربية الفصيحة، وهي اليوم صناعة تكتسب ولم تعد سليقة، ولا توجد بوادي يمكن للعالم الهجرة إليها ليكون عربيا على فطرة الأعراب في اللغة .
لكل هذا يبقى التمسك بما ترك الشافعي وغيره من علماء الأصول فرضا، إلا أن يكون العالم في همة الشاطبي وصدق طلبه فإننا لا نتألى على الله ألا ينعم على أحد كما أنعم على الشافعي والشاطبي وغيرهم، ولله در سيدي سعيد المرغيتي السوسي في مقدمة نظم المقنع:
لكن سر الله في صدق الطلب كم ريء في أصحابه من العجب
وأحسن منه قول الله تعالى: “ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده”(فاطر:2).

خاتمة:

نخلص إذا من كل ما سبق إلى أن حديث العرباض بن سارية عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجد.. ليس بالخبر القوي الذي يستحق أن يشكك بسببه في الأصول القطعية للفقه الإسلامي سندا ومتنا؛ فأما علة سنده، فانفراد ثور بن يزيد به عن خالد بن معدان؛ وقد تكلم فيه العلماء؛ وأما متنه فصلته بالأصول ضعيفة، وإنما علاقته بالإمامة والحض على لزوم الجماعة والتحذير من الفتن، التي طرأت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما أن الواقع الذي لا يختلف فيه مسلمان فضلا عن العلماء أن الخلفاء الأربعة على جلالة قدرهم ليسو معصومين، لتكون سنتهم متبعة كسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فلزم الأمر حمل الحديث –إن فرضنا صحته- على ما لا يتناقض مع الأصول الكلية المجمع عليها، لتكون سنة الخلفاء المذكورة محصورة في نوعين: سنة الاتباع وذلك بالاقتداء بهم في حرصهم على تقديم كتاب الله وسنة رسوله على آرائهم، وسنة الاجتهاد والاستنباط بسلوك مناهجهم في فهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وبذل أنفس الأعمار والأوقات في تجلية ذلك.
على أن علماء الأصول قد كفوا عامتنا الخوض في مناهج السلف وصاغوا تلك المناهج والفهوم في قواعد دقيقة يترقى منها الطالب لمشارفة أفهام السلف، وتجاهل هذا الأمر جرأة على الدين وأعلام الأمة لا تليق بمن يمني نفسه شرف اتباع السنة النبوية.

ولكي تتعافى الأمة من فتنة المقابلة بين السلف والخلف وكأن هناك انقطاعا للصلة بين الأجيال نوصي بما يلي:

-أولا: الاهتمام بتنشئة الطلبة على الثقافة الأصولية والمعرفة المعللة المقعدة بدلا من المعرفة التجزيئية، وذلك عبر إدراج مادة القواعد الأصولية والفقهية ضمن المقررات الدراسية ابتداء من السلك الإعدادي، وعبر مسابقات علمية لمختلف المستويات تروم تحقيق هذا الغرض.
-ثانيا: إعادة الاعتبار لعلم الكلام والمنطق ودرك الصلة بين علم الأصول والفقه من جهة وعلم الكلام والمنطق من جهة أخرى، لأن المعاصرين اليوم هو لماذا وليس ماذا؟
ولا يزال البحث مفتوحا للباحثين لمعالجة هذه العقليات النصوصية التي تستهين بتكامل العلوم الإسلامية التي جرت كثيرا من الشباب للعزوف عن الثقافة الإسلامية، وأزعم أن كثيرا من حالات الإلحاد والتحلل الأخلاقي راجعة لهذه العقلية التي تنتظر من الناس الامتثال لمعرفة سطحية متناقضة هائجة، لمجرد أن العنوان هو الكتاب والسنة.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل


لائحة المصادر والمراجع

1- -الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف: أحمد بن عبد الرحيم بن الشهيد وجيه الدين بن معظم بن منصور الشاه ولي الله الدهلوي المحقق: عبد الفتاح أبو غدة الناشر: دار النفائس الطبعة: الثانية، 1404 – بيروت.
2- -أعلام الموقعين عن رب العالمين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم الناشر: دار الكتب العلمية الطبعة: الأولى، 1411هـ – 1991م – ييروت
3- بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام علي بن محمد بن عبد الملك الكتامي الحميري الفاسيلابن القطان الفاسي تحقيق الحسين أيت سعيد دار طيبة الطبعة الأولى 1997 الرياض.
4- جامع العلوم والحكم لابن رجب مؤسسة الرسالة طبعة 2001.
5- -هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية المحقق: محمد أحمد الحاج الناشر: دار القلم- دار الشامية، الطبعة: الأولى، 1416هـ – 1996م جدة – السعودية
6- -اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة سعيد رمضان البوطي دار الفرابي للمعارف طبعة 2005 دمشق.
7- – الموافقات في أصول الشريعة أبو إسحاق الشاطبي تحقيق عبد الله دراز دار الكتب العلمية الطبعة الأولى 2004م بيروت.
8- -المصنف في الأحاديث والآثار أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي المحقق: كمال يوسف الحوت الناشر: مكتبة الرشد الطبعة: الأولى، 1409 ه – الرياض
9- -المحلى بالآثار لابن حزم بو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري الناشر: دار الفكر – بيروت بدون ذكر الطبعة وتاريخ الطبع.
10- نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء محمد الروكي منشورات كلية الآداب جامعة محمد الخامس مطبعة النجاح الدار البيضاء الطبعة الأولى 1994.
11- -شرح مختصر الروضة سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين المحقق: عبد الله بن عبد المحسن التركي الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، 1407 هـ / 1987 م
12- -شرح التبصرة والتذكرة أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي المحقق: عبد اللطيف الهميم – ماهر ياسين فحل الناشر: دار الكتب العلمية، لبنان الطبعة: الأولى، 1423 هـ – 2002 بيروت.
13- التلخيص الحبير في تخريح أحاديث الرافعي الكبير الحافظ ابن حجر العسقلاني مؤسسة قرطبة الطبعة الأولى 1995.
14- -التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي محمد عبد الكبير البكري منشورات وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية 1387 ه – المغرب.
15- -تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي المؤلف: أبو العلا محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت.
16- تفسير المنار محمد رشيد رضا الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة النشر: 1990 م
17- اختلاف الحديث أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي الناشر: دار المعرفة – سنة النشر: 1410هـ/1990م بيروت
18- الرسالة للشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي المحقق: أحمد شاكر الناشر: مكتبه الحلبي الطبعة: الأولى، 1358هـ/1940م، مصر.
19- -السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي سعيد رمضان البوطي دار الفكر الطبعة الأولى 1988. سورية.
20- – الاعتصام إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشاطبي تحقيق ودراسة د. محمد بن عبد الرحمن الشقير د سعد بن عبد الله آل حميد د هشام بن إسماعيل الصيني الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، 1429 هـ – 2008 مالمملكة العربية السعودية
21- -فتح المغيث بشرح الفية الحديث للعراقي شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي المحقق: علي حسين علي الناشر: مكتبة السنة الطبعة: الأولى، 1424هـ / 2003م – مصر
22- -فتاوى ابن تيمية تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، عام النشر: 1416هـ/1995م المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية
23- -صحيح البخاري الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه – محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر الناشر: دار طوق النجاة الطبعة: الأولى، 1422هـ
24- -صحيح مسلم المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.