إشكالية المنهج في علوم الحديث عند بعض المعاصرين وقفات تحليلية نقدية
د. عمر بن صالح كنـيش – الجزائر
إشكالية المنهج في علوم الحديث عند بعض المعاصرين
وقفات تحليلية نقدية
د. عمر بن صالح كنـيش – الجزائر
مقدّمة:
لعل من أبرز القضايا الإشكالية المحتفة بالسنة النبوية، ما يتعلق بآليات نقلها التاريخية كمسائل السَّند ورجاله، وقواعد التصحيح والتضعيف والجرح والتَّعديل، ومباحث العرض على القرآن ونحوها.
ومن الواضح أن تخطي هذه الإشكاليات عبر إجابات نمطية أضحى يشكّل تحديا جوهريا للعقل التراثي، لاسيما مع ثورة الاتصال الحديثة وتطور المناهج في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية والتاريخية.
لم يعد الأمر قاصرا لدى بعضهم على ردّ رواية صحيحة بحال من التعارض مع القرآن الكريم ومحكمات العقل الفطري، أو نقدا جزئيا لشرائط الرواية داخليا وخارجيا مع واقع التسليم المنهجي لطرائق المحدثين النظرية والتطبيقية؛ بل أضحى عملية تفكيكية- ابستمولوجية كما يقولون تتجاوز الأطر القديمة إلى “مراجعة جذرية لمنهج المحدثين ولأدواتهم المفهومية والمعايير التي صاغوا في ضوئها مبادئ القبول والرفض للروايات المنسوبة إلى النبي”([1])، وأيضا دعوة إلى مقاربة تجريبية شاملة تقوم على محاكمة المتن إلى القرآن والتاريخ والعقل الكلي([2]). يقول بعضهم: “معايير السَّند… مسألة ليست علمية، وليست مجردة عن الأهواء والأخطاء والعصبيات، ومن جهة أخرى لا يفيدنا الآن أيُّ بحث بها، لأن مادة أي بحث هي ما وصلنا عن رؤى لبعض السابقين عن غيرهم، ونحن لا نستطيع أن نعيد الزمن للوراء لنتحقق من صحة أي مقدّمة، ولكننا نستطيع أن نضع متون الرِّوايات في معيار كتاب الله تعالى، لنعرفَ من خلال هذا المعيار الموضوع منها“([3]).
بل زعم بعضهم أن “هذا المنهج الذي نهجه المحدثون كان في أساس العقلية النقلية – إذا جاز التعبير – التي هيمنت على المجتمع الإسلامي وشلت ملكات الإبداع والأصالة“([4]).
في الطرف الآخر يوجد من يتمسك بمقاربات المحدثين النقدية، ويرى أن “علم الحديث قريب من العلوم الرياضية“([5])، وأن المحدثين لم يلتزموا المنهج العلمي والأخلاقي فحسب، “بل ساروا أمام المنهج العلمي وسبقوه، وهيهات أن تدرك مناهجُ البحث الحديثة شأوهم في ذلك”([6]).
بل جعل الأستاذ خلدون الأحدب الإعراض عن منهج المحدثين من أسباب الخلل الراهن في الأفكار والتصورات والأحكام والمواقف والأولويات، وسبب لضعف الأمة وعجزها وافتقارها وتخلفها([7]).
إشكالية البحث: تتلخص إشكالية البحث في الأسئلة الآتية:
- هل علوم الحديث ككليات منهجية وأدوات معرفية، يتساوق والمنهج العلمي الموصل إلى المعرفة التي يمكن التحقق من نتائجها؟
- وإلى أي مدى تلتبس المدونة الحديثية فعليا بالتاريخ كفعل ورد فعل كما يدعي خصومه؟
- هل صحيح أن معايير السَّند ليست علمية بإطلاق زيادة على ضعف أداء المحدثين فيها ذاتها([8])؟
- ما هي مستويات المعيارية والموضوعية التي تتضمنها مباحث علوم الحديث، وهل هناك من آفاق للتجديد فيه على الأقل بالتحول من نقد السَّند إلى نقد المتن – كما يقول بعضهم -([9])؟
أهداف البحث:
- الوقوف على مسالك بعض المعاصرين تجاه التراث الحديثي وبيان مواقفهم وأحكامهم القيمية، ومقاربة خلفياتهم الأيديولوجية التي يسوقونها، وخاصة ما يجترونه تقليدا عن مديات تأثير السياق الاجتماعي والتاريخي فيه([10]).
أولا: إشكالية إسناد الصفة العلمية لهذا العلم
هناك توجه لدى بعض الدارسين المحدَثين لوصم علوم الحديث بالعلم الزائف، مع السعي لنزع الصفة العلمية عن قواعده ومبانيه وتقويض أسسه التي يستندُ إليها؛ باعتباره حسبهم لا يقدم تصورا موضوعيا للرواية الحديثية في واقعها التاريخي، ولا يشكل أي معيارية لمقاربة الموروث الروائي في ثاني أسمى مصادره أعني السنة النبوية، لأن السَّند القرآني -باعتقادهم- هو البديل المطلق للمصطلحات الرجالية ومحض آراء الرجال في الرجال؛ بل جعل بعضهم السنة المحفوظة هي القرآن نفسه، ولا تقوم على “اجتهادات البشر المذهبية ومدارسهم في التصحيح والتضعيف”([11]).
- وفي هذا السياق يرى علي أكبر النجفي أنه لا ينبغي لعلم الرجال أن يكون في عداد العلوم، لأنه يبحث فيه عن المصَاديق والجزئيات الشَّخصية من الرواة، والعلوم الحقيقية هي ما يستفاد منها قواعد كلية يُقتدر بها على معرفة الجزئيات غير المحصورة وتحتاج إلى النظر وإعمال القوة، وليس علم الرجال بهذه المثابة([12]).
- ونقل طه جابر العلواني كلام النجفيّ كالمقر له في موضعين من كتابه (إشكالية التعامل مع السنة النبوية)، وذلك بعد ذكره لخوارم المنهجية في علم الرجال([13])!
- ويقول إسماعيل منصور: “لا يجوز القول قواعد علم الحديث للإشارة إلى الضوابط التي وضعها المحدثون، بل نقول آراء رجال الحديث، وأن لا نقول علم مصطلح الحديث، ولكن نظريات قبول الحديث، لأنه ليس علما يعتمدُ على منهج، كعلم التاريخ أو المنطق أو اللغة”([14]).
- أما بعض مؤلفي الشيعة، فيرون “أنّ علمي الدراية والرجال على ما فيهما من فائدة، لا ينفعان في أن يغدوا معيارا، بل المعيار هو العرض على الكتاب”([15]).
- ويتحدث عدنان الرِّفاعي عن الاختلاف الشديد في مقاربات المحدثين ويخلص إلى “أن ما يسمى بعلم الحديث لا يتجاوز كونه مقاربات تاريخية…”([16])، وأن “المصطلحات والمعايير والقواعد والشروط والتأويلات التي وضعت في عُلوم الحديث، لا يمكن أن تتصف بصفة العلم الذي يعني الوقوف على حقيقة الأمور والأشياء…كل ذلك يؤكد أن الحديث وعلومه أقرب إلى التاريخ منهما إلى المنهج“([17]).
- والسبب حسبه أن “معظم الاهتمام كان بالسَّند الذي هو في النهاية مسألة تاريخية تؤخذُ بالمقاربة، ولا يمكنها أن تصل إلى مرتبة العلم الذي يعني الوقوف على حقائق الأشياء“([18]).
- أما علي بن محمد الحمد فبعد حديثه عن المنهج العلمي وأساسياته وأشباه العلوم، يقرر أن العلوم الشرعية ومنها علوم الحديث لم تتطور منهجيا، ولم يستطع روادها تبني المنهج العلمي التجريبي وتطبيقه على نظرياتها([19])، ثم يضرب المثل بعلم الحديث والرجال ويرى أن أساليب التحقق فيهما منحصرة بتقليد علماء الجرح والتَّعديل، أو مقارنة المرويات بالنصوص الأخرى المثبتة بنفس الطريقة، والنتيجة أن يبقى جميع ذلك في إطار الظن، ويستطرد قائلا: “فالمعتمد (العلمي) الوحيد بناء على علمي الحديث والرجال، هو الأخذ برأي فلان حول فلان؛ لأن فلان (موثوق)، أو الأخذ بنقل فلان عن فلان؛ لأن فلان (موثوق)، وهو ما استطاعت المنهجية العلمية إبطاله منذ عدة قرون، حيث قامت بفصل موثوقية الأشخاص عن صوابهم، رواية أو دراية، بل إن المحاولات المتعددة للخروج من تلك الهيمنة اللامنهجية لواضعي نظريات علمي الحديث والرجال لم تلاق قبولا وترحيبا بين رواد تلك العلوم”([20]).
ثانيا: إشكالية بعض المصطلحات والمفاهيم (السنة، الحديث، الرواية)
يأتي في عرض هذه الدّعوى ما يعتقد أن التباسًا مفهوميًا شديدا قد عرض َلبعض المصطلحات الحديثية بحيث نُقلت دلالة مصطلح تاريخي حادث وهو الرواية أو الحديث ليحل محل مصطلح السنة أو الحكمة، يقول عبد الجواد ياسين: “نحن نزعم أن المنهج التقليدي لعلم الحديث بطابعه الكمي وأدواته الإسنادية قد سمح للكثير من الأقاويل والأفعال التي لم تصدر يقينا عن النّبي g أن تدخل في نطاق السنّة التي صارت مصطلحًا مرادفًا للأحاديث المجموعة في الكتب، وتكمن المشكلة في أنّ هذه الأقاويل والأفعال اكتسبت بدخولها في هذا النطاق وتدوينها في تلك الكتب، حصانة مكافئة لحصانة المصطلح، مصطلح السنة، بحيث أضحى من الخطر تناولها على وجه النّقد أو التقييم، مهما كان مبلغ تناقضها مع الحقائق الثابتة بالحس، أو مطلق العقل، أو شواهد التاريخ، أو في كثير من الأحيان بصريح النصّ القرآنيّ ذاته”([21]).
ويقول السعيد مشتهري: “لقد أدى الخلطُ بين الحديث النبوي الذي لا وجود له إلا في حياة النبي وبين الرواية المنسوبة إلى النبي التي تناقلتها ألسن الرواة، ثم دونت بعد ما لا يقل عن قرن ونصف قرن من وفاة النبي، أدى هذا الخلط إلى مصائب جمة، وعلى رأسها: إطلاق مصطلحي الحديث النبوي والسنة النبوية، على هذه المرويات لإضفاء الشرعية عليها، ولإيهام أتباع الفرق المختلفة أنهم يعيشون مع رسول الله يسمعون منه كلامه، أي حديثه، ويرون بأعينهم ما يفعله، أي سنته!!”([22]).
ويصرح سامر إسلامبولي بأن الخلط المتعمد بين مصطلحي السنة والحديث هدفه تمرير بعض الأفكار التي “تخدم السلطة الاستبدادية، وتكرس الاستعباد”([23]).
وفي واقع الأمر فالقائلون بالتفريق بين هذه المصطلحات كثر، وعلى رأسهم المستشرقون([24])، لكنهم يختلفون في ترجمته على المدونات الحديثية، فهناك من يسعى به إلى تضييق الاحتجاج بالسنة النبوية، وهناك من يرتب عليه رد كثير من الروايات فحسب، وهناك من يكتفي بإطلاق الفرق بينهما تنبيها إلى حصول خلل منهجي في بعض المفاهيم الحديثية.
ومن هؤلاء الشيخ رشيد رضا الذي حمل على بعض المحدثين واصفا عدم تفريقهم بين السنة والحديث بالغباء([25])، وأبو رية الذي يرى إطلاق السنة على الحديث مجرد اصطلاح حادث([26])، وجمال البنا الذي يرى أن كلمة: “السنة إنما تعني عملا وفعلا، وهي بهذا المعنى بعيدة عن كلمة حديث بعد الفعل عن القول، وبهذا المعنى فهمها الصحابة والخلفاء الراشدون… ولو أخذ بهذا لفصل ما بين السنة والحديث... “([27])، ثم يشير إلى أن التفرقة بين المصطلحين لم تكن خافية على بعض المتقدمين.
ويذهبُ إبراهيم فوزي إلى أن “رجال الفقه الإسلامي عرّفوا السنة بكل ما صدر عن النبي (ص) من قول أو فعل أو تقرير، مما يصلح لأن يكون دليلا لحكم شرعي، وهذا التعريف لا ينطبق على مئات الأحاديث المدونة والخالية من السنة“([28]).
أما مشتهري فيذهب إلى التفريق بين الحديث والرواية، ويفصل فيه، فيرى أن حديث النبي لا وجود له ولا حجية له إلا في حياته g، وأنّ ما نقل عنه ونسب إليه بعد وفاته يسمى رواية لا حديثا، والفرق ُبينهما كبير، ويقول: “استخدام علماء السلف مصطلح الحديث النبوي استخدام غير صحيح، لأنه في حقيقة الأمر ليس بالحديث الذي خرج على لسان النبي كلمة كلمة، وإنما هو رواية منسوبة إلى النبي والفرق شاسع”([29]).
والاعتبار في ذلك عنده هو عامل النقل بالمعنى وشروط النقل المختلفة وعدم تدوين السنة وعوامل أخرى ثقافية وفكرية، تنفي عن الرواية صفة اليقين، ويفصل ذلك بالقول: “فإذا تحدث [أ] حديثا ونقله عنه [ب] بأسلوب ولفظ [ب] فإن الكلام المنقول يصبح رواية [ب] لحديث [أ] وليس حديث [أ] على وجه القطع واليقين، وذلك لدخول عوامل نفسية وفكرية…أما إذا كان حديث [أ] مسجّلا بكلماته وحروفه، وبآلية يستحيل معها تبديله أو تحريفه، فإن أي إنسان يقرأه، أو يسمعه، ولو بعد حين فإنه يقرأ ويسمع حديث [أ] على وجه اليقين”([30]).
ويعيب ُعلى علماء السلف تساهلهم في إطلاق لفظ الحديث أو السنة على تلك المرويات، ويقول: “لقد أدى الخلطُ بين الحديث النبوي الذي لا وجود له إلا في حياة النبي وبين الرواية المنسوبة إلى النبي التي تناقلتها ألسن الرواة، ثم دونت بعد ما لا يقل عن قرن ونصف قرن من وفاة النبي، أدى هذا الخلط إلى مصائب جمة، وعلى رأسها: إطلاق مصطلحي الحديث النبوي والسنة النبوية، على هذه المرويات لإضفاء الشرعية عليها، ولإيهام أتباع الفرق المختلفة أنهم يعيشون مع رسول الله يسمعون منه كلامه، أي حديثه، ويرون بأعينهم ما يفعله، أي سنته!!”([31]).
ويخلص إلى أن إنكار رواية ما لا يعني بالضرورة إنكار الحديث النبوي فضلا عن إنكار السنة النبوية([32])، ويصرّح قائلا: “إن إنكار المرويات المنسوبة إلى النبي – عليه السلام –ليس إنكارا للحديث النبوي ولا للسنة النبوية، وإنما هو إنكارٌ لاجتهادات المحدثين والفقهاء وعلماء الجرح والتَّعديل، كل حسب توجهه العقدي المذهبي”([33]).
وكما هو ملاحظ عند مشتهري فالفرق واسع ٌجدا بين الرواية من جهة والحديث والسنة من جهة أخرى، والمرادفة أو الخلط بين هذه المصطلحات أوقع في آثار خطيرة عبر التاريخ.
ولا يختلف رأي طه جابر العلواني عن رأي مشتهري، بل إنه يعد آراءه في السنة ذات قيمة ويحيل إليها([34])، ويرى أن المرادفة بين الحديث والسنة تطور حادث في تاريخ الرواية عند المسلمين([35]).
ويفصّل الفرق باعتبار أن الحديث إخبار عن السنة ودال عليها، وقد يكون مجرد فهم للرواة، وليس هو عين السنة ويقول في ذلك: “أما الحديث فهو شيءٌ آخر طرأ عندما بدأ الناس رواية سنن رسول الله g إلى غيرهم، فهو حديث عن السنة، بهدف بيانها إلى من لم يشهدها ولم يرَ رسول الله g يمارسها، فهو إخبار بالسنة أو عنها وليست السنة ذاتها“([36]).
ولا يختلف رأي بعض الباحثين من الإباضية تقريرا لمذهبهم في التفريق بين السنة والحديث، فيجعلون َالسنة تعبيرا عن الجانب التشريعي المتيقن عن الرسول g، بينما الحديث تعبيرٌ عن وقائع متفرقة من حياة النبي g أو بعض الصحابة، ينفرد به الآحاد من الرواة([37]).
وبعبارة أخرى فالسنة تمثل الممارسة العملية المجتمع عليها بين المسلمين، ولا تخرج ضرورة عن قواعد القرآن وأصوله التشريعية([38])، بخلاف الحديث، وهو ما يفهم من الأمثلة التي ساقوها([39])، ثم “انحرف هذا المفهوم (مفهوم السنة كعمل بالقرآن) وتوسع وتمدد ليشمل كل ما أثر عن النبي g من قول أو فعل أو تقرير…”([40]).
ثالثا: من الإشكاليات الحافة بعلم الجرح والتَّعديل
كنتيجة للطعن في علوم الحديث بحيثية الاعتبار العلمي والمنهجي، يأتي القدح في علم الجرح والتَّعديل وعلم الرجال في عمق هذا المدعى، فنجد من الاعتراضات عليه:
- اعتماد النص القرآني لنفي اليقين عنه وتثبيت الاستحالة لمباحثه.
- إشكالية التقليد وتقويم المتأخر للمتقدم.
- اختلاف النقاد في جزئياته نظريا وتطبيقيا.
- التأثيرات السياسية والمذهبية.
ففيما يتعلق بالاعتراض الأول، فقد ادعي انطلاقا من الآيات القرآنية التي تشير إلى أن النبي g لم يكن يعلم بعض أهل النفاق في زمانه، مع الآيات التي تنهى عن تزكية النفس لأنه لا يحيط بالقلوب إلا الله تعالى (ينظر:[النجم:32]،[النساء:49-50]،[التوبة:101]).
فكيف يعلم رجالات الجرح والتَّعديل بعده حال الرواة فيعدلون ويجرحون، وكيف يتم الجزم بعدالة جميع الصحابة والقرآن يرده؟ إن القطع بذلك حسب بعضهم لا يعد من التحكم فحسب بل من التألي على الله تعالى([41]).
أما الاعتراض الثاني، فملخصه أن الحكم على الرواة جرحا وتعديلا مع عدم المعاصرة متجه، فكيف يمكن للناقد الحكم عليهم وهو لم يعاصرهم فضلا عن أن يكون قريبا منهم؟
يقول إسماعيل منصور: علماء الحديث “مع أنهم وضعوا ضوابط الجرح والتَّعديل إلا أن هذا إنما ينطبق على الطبقة الأخيرة من الرواة الذين عاصروهم أو تلقوا عنهم، أما شأن الرواة السابقين عليهم فقد ظل بعيدا عن متناول أيديهم (على ما هو عليه) دون مقدرة من المحدثين على إصلاحه، لأنهم أقاموا نقدهم للرواة السابقين بناء على رأي التابعين – رضي الله عنهم – فيهم، ولم يمكنهم أن يتحققوا هم من ذلك بأنفسهم… وهذا الاتجاه يمكن وصفه بأنه: إثبات الحكم على الرجال بأقوال الرجال، أو بمعنى آخر: إقرار أحكام الدين وفق آراء الرجال، وهذا متجه”([42]).
وأشار محمد عبده إلى اختلال منهج المحدثين بسبب من التقليد المتوارث فقال: “ما قيمة سند لا أعرف بنفسي رجاله، ولا أحوالهم ولا مكانهم من الثقة والضبط، وإنما هي أسماء تتلقفها المشايخ بأوصاف تقلدهم فيها ولا سبيل لنا إلى البحث فيما يقولون…”([43]).
أما عدنان الرِّفاعي فيتساءل: “كيف يسمح بعض اللاحقين لأنفسهم أن يجزموا بعد قرون من الزمن بما لم يستطع النبي g ذاته أن يجزم به في عصره”([44]).
وهو رأي يوسف البحراني من علماء الشيعة([45]).
أما مشتهري فيذهب بعيدا فيقول: “لقد انشغل علماء الجرح والتَّعديل بعد الفتن الكبرى بتجريح وتعديل آلاف (الأموات) من الرواة، ورد شهاداتهم، وتركوا وراء ظهورهم الشهادة الكبرى، و(السنة النبوية) العظمى، سنة (الشهادة) على الناس!! فأي تعديل هذا، وأي تجريح هذا، الذي شغل العلماء به أنفسهم، ودونوا فيه مئات الكتب لنصرة مذاهبهم”([46])، إن التوثيق الصحيح يكون “للرواة الذين عاصرهم علماء الجرح والتَّعديل، وشهدوا بعدالتهم وضبطهم، أما باقي الرواة الذين لم يدركهم علماء الجرح والتَّعديل، وصولا إلى طبقة الصحابة، فقد وثقوهم بناء على توثيق علماء السلف، أتباع المذهب!!“([47]).
أما الاعتراض الثالث، فافترض بعضهم أن اختلاف المحدثين في الحكم على الرجال وتناقضهم، واختلاف أقوال الناقد الواحد تجريحا وتعديلا، يشي بالمنهجية الهشة لبنية هذا العلم، بحيث لا يصلح في أن يغدو معيارا لقبول الروايات وردها؛ لأن العلوم المعيارية تتضمن الاتفاق والموضوعية والثبات وهو مفقود في هذا العلم نظريا وتطبيقيا!!
فيقرر بعض الشيعة بناء على هذا التأرجح أن بنية هذا العلم وأساسياته غير واضحة ولا تتسم بالحسم، فلا يمكن الوثوق بنتائجه([48]).
في حين يذهب بعضهم إلى أنه “لا يوجدُ إجماعٌ ولا على جزئية واحدة من المقاربات التاريخية التي اعتبروها علما…لا توجدُ جزئية من مقدمات ما يعتبرونه علما إلا وفيها اختلاف يدور من النقيض إلى نقيضه…”([49])، ويردف قائلا: “فهذه الجزئيات (مقدّمات ما يُسمى بعلوم الحديث) فضلا عن الاختلاف الشَّاسع بينها، نرى أن العمل بها على أرض الواقع لتزكية الرجال ولفرزهم وفق أيّ جزئية من هذه الجزئيات المتناقضة أصلاً، لا يمكن تجريده عن الأهواء والعَصبيات، فلا يمكن الوصول إلى إجماع حقيقي في تطبيق جزئية واحدة على رجلٍ واحد، فكيف َإذا يكون الأمر حينما تكون للجزئية الواحدة احتمالات تدور من النَّقيض إلى نقيضه”([50]).
ويرتب على هذا الاختلاف نتيجة في غاية الخطورة فيقول: “وبناء على ما رأينا …من اختلاف لم تنج منه جزئية واحدة من مقدمات ما يسمونه بعلوم الحديث، هل يبقى هناك فارق كبير بين الرواية الصحيحة (حسب معاييرهم المبنية على هذه الجزئيات)، وبين الرواية غير الصحيحة ؟!!!”([51]).
وفي الاعتراض الرابع، فُرض ما يعتقد أن تأثيرا أيديولوجيا ذاتيا، أو بتوجيه سلطة سياسية ما قد حكم مفردات الجرح والتَّعديل، وقيد رؤية النقاد اتجاه الرواة والمرويات، وبه يأتي الطعن بالبدع، أو فساد المذهب، والانحراف عن الصحابة ونحوه، وبه وقع الانحياز وترك الرواية عن بعض الأعلام، مما يدل على” أنّ مرادهم من الرمي بالضعف في اصطلاح الجرح هو الضعف في المذهب لا في السلوك واللهجة”([52]).
وتقريرا لذلك يرى بعضهم أن علم الرجال مثال ناجز لعلم إيديولوجي– مذهبي، فيقول:”إن علم الرجال هو من أكذب العلوم، أو بالأحرى من أكثرها عدم مطابقة لموضوعه، فعلم الرجال ليس علما بالرجال وبتصنيفهم إلى ثقات أو ضعفاء أو كذابين بما هم كذلك، بل هو بمعنى من المعاني علم إسقاطي: فهو ينسبهم إلى الصِّدق أو الكذب ليس تبعا لصدقهم أو كذبهم فيما يروونه من روايات، بل تبعا لمطابقة مضمون هذه الرِّوايات أو عدم مطابقتها للمذهب الذي ينتمي إليه مصنِّف طبقاتهم…إن علم الرِّجال هو مثال ناجز لعلم إيديولوجيّ بقدر ما يصح تعريف الإيديولوجيا بأنها وعيٌ غير مطابق لواقعه”([53]).
ويؤكد مشتهري أنّ: “علم الجرح والتَّعديل …قام على شروط مذهبية، وتوجهات عقدية وتشريعية، استخدمها المحدثون سلاحا يحاربون به مخالفيهم…“([54])، وبذلك فقد “أصبح الحكم على الرواة حكما طائفيا“([55]).
وتقدم في كلام بعضهم عن هذه الآليات أنها محض معايير بشرية، مدخولة بالأهواء والعصبيات ويصرح بأنها “تحكمات فُرضت بقوة الإلزام الجبري على أنها علوم لا يأتيها الباطل لا من بين أيديها ولا من خلفها.. وفرض على الأمة ما نتج عنها من روايات…”([56]).
ويشير بعضهم إلى أن انتشار النظريات الحديثية كان “بفعل الدعم السياسي لها من قبل السلطات الحاكمة عبر التاريخ (الأموية، العباسية، العثمانية)، (و) العجز السياسي والعلمي للمدارس الإسلامية الأخرى، التي أقصيت من الساحة السياسية بدعوى أنها من الفرق المبتدعة”([57]).
هذه أبرز الاستشكالات وأدلة قائليها ومقدماتهم لها، قد عرضنا لها بحروفهم، ودون تصرف منا، وفيما يلي مواقف تحليلية نقدية لأبرز ما تضمنته من أفكار.
المبحث الثاني: وقفاتٌ تَحليلية نقديّة
وقفنا على بعض الإشكاليات المثارة حول طبيعة المنهج في علوم الحديث، وأبرزنا مجمل الأفكار التي تدعو إلى مراجعة المسالك النقدية للمحدثين النقاد، ونصل الآن إلى التذييل بمجموعة من التعقيبات على هذا الخطاب والتعليق على مقاييسه المنهجية والمعرفية وتقويم هذه المواقف.
- أولا: أجوبةُ الاعتراضات على نفي الصّفة العلمية
نفي الصفة العلمية عن علوم الحديث وغيره من فنون المعرفة الإنسانية والاجتماعية، وعده مجرد مقاربات تاريخية، يأتي في سياقين متلازمين:
الأول: شيوع الفلسفة الوضعية التَّجريبية([58])، وانتشار نظرية المادية التاريخيّة التي تسعى إلى الوصول إلى حقائق وقوانين صحيحة وثابتة للتطور التاريخي، بمعنى أن المبالغة المبسطة بمقدرة العلوم التَّجريبية على اكتشاف أسرار الكون، والاعتقاد بحتمية انطباق القوانين الطبيعية المكتشفة على الإنسان والمجتمع في حاضره وماضيه؛ أثار موجة من الاعتراضات على إسناد صفة (العلم) إلى البحث التَّاريخي، وذلك انطلاقا من استحالة إخضاع وقائع الماضي التي لا نملك عنها الكثير للاختبار والتجربة والمعاينة([59]).
والثاني: مسألة انتفاء اليقين في مثل هذه البحوث.
والحقيقة أن العلوم التَّجريبية قد يقع فيها ما يقع في العلوم الإنسانية والاجتماعية، فهي ليست معصومة من الأخطاء.
وعليه يؤكد بعضهم على ظاهرية العلم التجريبي أيضا وأنه “ليس علما ينفذ إلى جوهر أو حقيقة الأشياء، بل هو علم قائم على دراسة واستغلال القوانين التي تتحرك بها الأشياء أو تسلكها ظاهريا، وهذه القوانين معرضة للخطأ في الأبعاد الثلاثة: في الفرض وفي الموضوع وفي القياس؛ فقد يتغير الفرض مرارا ولا ينطبق على موضوعه، وقد يتغير الموضوع والفرض سوىً، وأما القياس فالخطأ فيه محتوم ودائم ويلاحق الفرض والموضوع، وربما اجتمع الخطأ في الثلاثة جميعا حول ظاهرة معينة”([60]).
فأما انتفاء اليقين، فلا ينفي الصفة العلمية، لأن حصول اليقين لا يكون فقط بحسب الاختبار كما في القضايا التَّجريبية، فالسؤال الذي ينبغي أن يطرح “هل يجب أن تكون المعرفة مختبرة أو أن الواجب هو أن تكون مستدلة؟ هل يجب اختبار العلم تجريبيا أو يجب إقامة هذا العلم على معطيات موضوعية مبرهنة سابقا تبرر حصوله حتى لو لم يمكن في بعض الأحيان اختباره حسيا؟ وما الدليل على بطلان أي علم لم نتمكن من اختباره؟ نحن لا نوافق على أصل هذه المصادرة التي لم تثبت بنفسها بالاختبار”([61]).
“إن جميع العلوم التي تؤخذ من خارج الوحي هي علوم استقرائية وتجريبية لا تصل إلى حد اليقين، لأنها علوم تكشف عن الظواهر الطبيعية وعلاقاتها الظاهرية”([62]).
إذن ينبغي التسليم ابتداء وبوجه عام أن معنى العلم هو “ما يقبل اختبار صحته بين من يستخدم نفس المناهج والأدوات”([63])، أي ما ينتج الاتفاق ” فإذا كان العلم؛ طبيعيا كان أو إنسانيا، هو ما يتيح الاتفاق في وجهات النظر إلى موضوع الدراسة عن طريق الاتفاق فيما يؤديه الباحثون المختلفون، المتباعدون في الزمان والمكان، من إجراءات، فإن المسألة الجوهرية هي مسألة تتعلق بالمنهج أو المناهج التي ينبغي لها أن تكون على مستوى الظاهرة ونوعيتها، فمطلب العلم إذا هو الاتفاق، وهو الموضوعية بعبارة أخرى… والاتفاق المنشود هو اتفاق منهجي يكون مقياسه الوحيد – مهما تختلف المناهج والنظريات – إمكان رد المناهج وقابليتها للترجمة إلى خطوات وإجراءات يمكن أن يؤديها أي باحث، سواء أنكر النظرية التي تقترح تلك المناهج أو أقرها”([64]).
فهل كانت مقاييس المحدثين تجريدية بعيدة عن مثل هذه الخطوة الموضوعية أي بعيدة عن مفهوم (الاتفاق) في النظرية والتطبيق؟
الجواب كلا، فالقواعد الأساسية للنقد الحديثي متفق عليها، ومن أمثلته ما حدث مع أبي حاتم الرازي عندما عرضت عليه أحاديث، فميزها، واتفق تمييز أحكامها بتمامه مع قول أبي زرعة الرازي، قال أبو حاتم معقبا: “ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون من كلام النبوة، ويعلم سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته بروايته”([65]).
ومنه أيضا ما حدث مع أبي زرعة الرازي وقد سئل عن الحجة في تعليل الأخبار، فأشار إلى مسألة الاتفاق بينه وبين غيره، وقال: “فإن وجدتَ بيننا خلافاً في علته، فاعلم أن كلاً منّا تكلّم على مراده، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم”([66]).
يضاف إلى ذلك أن علماء الحديث ونقاده لم يتكلموا عن أوصاف الرواة بطريقة سردية أو بمعزل عن القواعد المنهجية في ذلك، فقد دونوا أحكامهم، وفسروها أو عللوها، وبعضها مجرد ترجمة عامة أو ذكر لوقائع حدثت للرواة، أو اختبار لهم أو مجلس حديث أو مذاكرة، أو مفاضلة، يتكلم الناقد في الراوي ويتغير اجتهاده، ويتكلم غيره من غير سابق اتفاق، فتتواطأ آراؤهم، وتتعانق كلماتهم، وتتصل مذاهبهم، أو تتخالف، لكنها قل أن تتناقض “فلا يَجتمِعُ اثنانِ عَلَى توثيقِ ضعيف، ولا عَلَى تضعيفِ ثقة. وإنما يقعُ اختلافُهم في مراتبِ القُوَّةِ أو مراتبِ الضعف”([67]).
والمهم في جميع ذلك هو ملاحظة القواعد الفكرية الضابطة لعملهم، حتى إذا أخطأ أحدهم في التطبيق أو خالف، أو تشدد؛ رُدّ من كلامهم على كلامه جرحا أو تعديلا، أو طلب تفسيره على الوجه اللائق به، كما قال الذهبي: “ينبغي أن تُتَفَقَّدَ حالُ الجارح مع مَن تَكلَّم فيه باعتبار الأهواء؛ فإن لاحَ لك انحرافُ الجارح، ووجدتَ توثيقَ المجروح من جهةٍ أخرى، فلا تَحفِل بالمنحرِف وبغَمزِه المبهَم، وإن لم تجد توثيقَ المغموز، فتأَنَّ وترفَّق”([68]).
وإذا كان الباحث في عصرنا لا يستطيع الكلام على الرواة من حيث الأوصاف أو المراتب، فإنه يستطيع تتبعهم بأثر تلك القواعد النظرية نقدا وتحقيقا، كما يستطيع تتبع (منهجية وعقلانية) القواعد نفسها وما إذا كانت قاصرة أو غير شاملة، موضوعية أم شخصية، وتلك حقيقة هذا العلم.
يقول الأستاذ صبحي الصالح – رحمه الله – :”وليت القارئ الكريم يعود مرة أخرى إلى مبحث (شروط الراوي)، ويقرأه بتدبر وتعمق، ليرى رأي العين أن تشدد النقاد في شروط الراوي ليس إلا وسيلة لتزكية الخبر المروي، ولقد استوجب هذا التشدد أن تقاس تلك الشروط بمقاييس إنسانية مشتركة، تصلح لأن تأخذ بها كل أمة في القديم والحديث، لأنها صادرة في أغلب صورها عن منهج موضوعي يتعالى عن الأشخاص، وعن كل ما تفرضه قدسية بعض الأشخاص من التملق والنفاق”([69]).
أما إذا رجعنا إلى القواعد المنهجية التي أوجدتها المدرسة الوضعانية التاريخية على يد شارل لانجلو وسينوبوس (لم يحتل التاريخ صفة علمية ومؤسسية إلا من خلال هذه المدرسة)، فسنجدها تشبه فعلا القواعد التي أوجدها علم الحديث الإسلامي وعلم أصول الفقه، لناحية الاهتمام بنقد الرواية والجرح والتَّعديل، الأمر الذي جعل مؤرخا مشهورا وهو أسد رستم يتحمس لهذا التشبيه وهذه المقارنة([70])، ويقرر “أن الحديث دراية ورواية، وبعض القواعد التي وضعها الأئمة منذ قرون عديدة للتوصل إلى الحقيقة في الحديث، تتفق في جوهرها، وبعض الأنظمة التي أقرها علماء أوربا فيما بعد، في بناء علم المثودولوجية، ولو أن مؤرخي أوربا في العصور الحديثة اطلعوا على مصنفات الأئمة المحدثين لما تأخروا في تأسيس علم المثودولوجية، حتّى أواخر القرن الماضي”([71]).
بل إن ريتشارد سيمون واسبينوزا ورينان يعترفون بأنهم تعلموا نقد النّصوص من علم الحديث عند المسلمين([72]).
والذي نخلص إليه أن علمية التاريخ – لو سلمنا بأن علم الحديث مجرد مقاربات تاريخية –”لا تفترض تماثلا كاملا في المنهج والتعميم مع العلوم الطبيعية كي يبرز إسناد صفة العلم إلى البحث التاريخي، فالتاريخ ليس علم تجربة واختبار ومعاينة، كما هي حقيقة العلوم الطبيعية، إنه وكما يقول معظم المؤرخين المعاصرين علم نقد وتحقيق، لا يهدفُ اكتشاف قوانين ثابتة، وإنما ترجيح احتمالات في عملية السعي للاقتراب من الحقيقة التاريخية”([73]).
يقول ابن خلدون: “وفي باطنه (التاريخ) نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيّات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعدّ في علومها وخليق“([74]).
ويرى لانجلو وسينوبوس أن التاريخ علم ما في ذلك ريب، ويدخل في عداد العلوم الوصفية التي تختلف بدورها عن العلوم الأخرى، وتبريره أنه يمكننا أن نطلق كلمة علم على كل مجموعة من المعارف المحصَّلة عن طريق منهج وثيق للبحث في نوع معين من الوقائع([75]).
وحتى كارل بوبر الذي يعد التاريخ من العلوم الزائفة، يرى أن المؤرخ إذا انطلق من مشكلة نظرية، ويسعى لطرح حلول وتأويلات ملائمة لها وللوثائق المرتبطة بها، ويقوم باختبار تأويلاته المتعددة واستبعاد الضعيف منها، واعتماد وجهة نظر تستطيع تجاوز النقد والاختبار وتقدم تحليلا وافيا للمشكلة ولأسبابها وما أدت إليه…إن اتباع المؤرخ لهذا المنهج – حسب بوبر-يجعل من مادته التاريخية في مستوى مماثل لعلم الطبيعة([76]).
ويؤكد بوبر أن المؤرخ إذا كان “يستند إلى عناصر الواقعة التاريخية وإلى كيفية تطورها، وأسبابها، ونتائجها، فضلا عن حدسه العقلي وافتراضاته المتعددة، فإن كل ذلك يؤهل هذا المنهج لمقاربة منهج العلوم الطبيعية، ويمنح المؤرخ دراسة موضوعية صحيحة“([77]).
ونحن إذ نقرر هذا فإنما نجاري هؤلاء في قياسهم علوم الحديث وعلم الجرح والتَّعديل بالتاريخ، وإلا فإن علوم الحديث ومنه الجرح والتَّعديل مفارق للمعرفة التاريخية من وجوه كثيرة، أهمها ما يتعلق بموضوع كل منهما، وإذا كان هناك من شبه منهجي بين العلمين، كدلالة الزمان والفردية ومبدأ الشك([78])، فلا يعني ذلك “تماثل المنهجين أو تطابقهما إلى حد أن يمكن أن يُردَّ التاريخ والحديث إلى منهج واحد، وليس الفارق بينهما مجرد فارق بين الرواية والتدوين، وإنما يفترق العلمان لأن الحديث بعد نقد السند ونقد المتن قد بلغ نقطة الوصول، أما المؤرخ فالشوط أمامه طويل، وليست مرحلتا النقد الخارجي والنقد الداخلي إلا منتصف الطريق، إنهما يشكلان المرحلة التحليلية في المنهج التاريخي تعقبهما مرحلة تركيبية، ذلك أن التاريخ ليس مجرد أقوال وأفعال لشخصيات صنعت حوادثه ويراد استعادتها وتصورها كما وقعت كما هو الحال في الحديث…”([79]).
ولقد ميز المحدثون أنفسهم بين الخبر التاريخي والخبر الذي هو حديث النبي g أو عنه، واعتبروا الأخير دينا، وأحوجوه إلى التدقيق من جميع جوانبه كطلب الإسناد فيه، بينما الكتب التاريخية و”أَخبار الصَّالِحِينَ وَحكايَات الزُّهَّادِ والمتَعَبدين وَمَوَاعِظ البُلغاء وحكم الأُدباء، فالأَسَانِيدُ زِينة لَهَا وليست شَرطًا فِي تَأدِيَتِها”([80])، وتشددوا في ذلك غاية التشدد، حتى قال ابن القطان الفاسي: “وأهل هذه الصناعة – أعني المحدثين – بنوا على الاحتياط، حتى صدق ما قيل فيهم: لا تخف على المحدّث أن يقبل الضعيف، وخف عليه أن يترك من الصّحيح“([81]).
إن كل المعطيات النظرية والتطبيقية من واقع نقد الحديث، وعلم الجرح والتَّعديل وجهود علمائه، تجعل كل من نظر بعين الإنصاف والموضوعية يُقر بحصول الاختلاف والمفارقة بين علوم الحديث وعلم التاريخ، فضلا عن إقراره أوليا بعلمية هذا العلم وموضوعية منهجه.
- ثانيا: السنَّة، الحديث والرواية، حدود الاتصال والانفصال
في الواقع لم يهمل خطاب النقاد ومؤرخو تاريخ المصطلح الحديثي الإشارة إلى هذه المصطلحات ومحاولة ضبط العلاقة التي تربط بينها.
- فهناك من يرى أن الحديث أعم من السنَّة، ذكر ذلك السّخاوي([82])، قال عبد الرحمن بن مهدي: “لم أرَ أحدا قط أعلم بالسنَّة، ولا بالحديث الذي يدخل في السنَّة من حماد بن زيد”([83]).
وعنه أيضا: “سفيان الثوري إمام في السنَّة إمام ٌ في الحديث([84])، وشعبة بن الحجاج إمام في الحديث وليس بإمام في السنَّة”([85])، عقّب عليه محمد بن مسلم بقوله: “يعني أنه كان لا يخوض في مثل هذا”([86])، يقصد أنه كان لا يدخل في الكلام والبدعة ولا يخوض فيهما كما هو السياق العام لهذا الكلام.
ويظهر أن البخاري ممن يرى القول بأن الحديث عام في مقابل السنَّة، حيث سمى جامعه الصحيح (الجامع الصّحيح المسند من حديث رسول الله g وسننه وأيامه)([87])، فعطف السنن على الحديث، وهو من عطف الخاص على العام.
ووقع في كلام ابن تيمية ما يفهم أن الحديث دال على السنَّة؛ من جهة أنه عام وهي دونه، لكنه عموم يقترب فيه من معنى المرادفة، حيث يقول: “الحدِيثُ النَّبوي هو عند الإِطلَاقِ ينصرفُ إلَى مَا حُدِّثَ بِهِ عَنهُ بعد النُّبُوَّة: مِن قولِه وفعله وَإِقرَاره؛ فَإِنَّ سُنَّتَهُ ثَبَتَت من هذه الوُجوه الثَّلَاثَة…والمقصُود: أَنَّ حَدِيثَ الرَّسُولِgإذَا أطُلِقَ دَخَل فيه ذِكرُ مَا قَالَهُ بَعد النُّبُوَّة وَذِكرُ ما فَعله…إلَى أَمْثَال ذلك فهذَا كُلُّه يَدخُلُ فِي مُسَمَّى الحديثِ وهو المقصُودُ بِعِلمِ الحدِيثِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَطلُب مَا يُستَدَلُّ بِه عَلَى الدِّين وَذلك إنَّمَا يَكُونُ بِقَوْلِهِ أَو فِعلِهِ أَو إقرَارِه…وَكُتُب الحدِيث هِي مَا كَانَ بَعدَ النُّبُوَّةِ أَخَصُّ وَإِن كان فِيهَا أُمُورٌ جَرَت قَبل النُّبُوَّة؛ فَإِنَّ تِلكَ لَا تُذكَرُ لتُؤخَذَ وَتَشرَعَ فِعلَهُ قَبلَ النُّبُوَّةِ بَل قد أَجمعَ المسلمونَ عَلَى أَنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ الإِيمَانَ به والعمل هو ما جَاءَ به بعد النُّبُوَّة”([88]).
ويقول أيضا: “بل الأحاديثُ المشهورة عنه تُبين أنّ سُنَّتَهُ إنما هي قصد توجيه بطن اليد إلى السماء دون ظهرها إذا قصد أحدهما… فبهذا تآلَفُ الأحاديث ويَظهر السنَّة وتبيَّنُ المعاني المتناسبة”([89]).
وفي موضع آخر: “وإِذَا كَان عِند بعضهم مِن الحَدِيثِ مَا لَيسَ عِند بعض بَلَّغَهُ هَؤُلَاءِ لِأُولَئِك؛ وَلِهَذَا كَان الخلَفَاءُ يَسأَلُونَ الصَّحَابَةَ فِي بَعض الأُمُور: هَل عِندَكُم عِلمٌ عن النَّبِيِّ g؟ فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُم سُنَّةُ الرَّسُولgحَكَمُوا بِهَا…”([90]).
والرأي ذاته عند همّام سعيد، فالحديث عنده “أعم من السنَّة، فكل سنة حديث، وليس كل حديث سنة، والسنَّة هي غاية الحديث وثمرته”([91]).
- وهناك من عكس الأمر فجعل السنَّة أعم من الحديث، قال التهانوي: “والمفهوم من التلويح([92]) أنّ السنَّة أعم من الحديث حيث قال: السنَّة ما صدر عن النبي عليه السلام غير القرآن من قول، ويسمّى الحديث، أو فعل أو تقرير”([93]).
- وهناك من يرادف بينهما، وقد نسبه السّخاوي إلى كثير من أهل الحديث دون أن يسمي قائليه([94]).
وقال التّهانوي: “وكثيرا ما يقع في كلام أهل الحديث، ومنهم العراقي ما يدل على ترادفهما”([95]).
وعلى الترادف مشى بعض المتأخرين، كصبحي الصالح، وعمر فلاتة، وجعلاه رأي غالب المحدثين والأصوليين([96]).
لكن بعضهم يراه أشبه بمذهب المحدثين([97])، ويرى الدكتور نور الدين عتر أن المحدثين أكثر ما يستعملون لفظ الحديث وقلما يستخدمون لفظ السنَّة، وعلماء الأصول أكثر ما يستعملون لفظ السنَّة([98])، وعلى هذا فمن فرق بينهما اعتبر الاستعمال التشريعي لدلالة الرواية، أي ما يؤخذ منه التشريع وما لا يؤخذ.
والذي يظهر لنا أن المصطلحين متقاربان، وأن الحديث أعم من السنَّة وهو دال عليها إذا كان صحيحا.
أما ما يتعلق بمصطلح الرواية فإنه يستعمل في عرف المحدثين للدلالة على الحديث يسوقه الراوي بالمعنى في الطبقات المتأخرة خاصة، ويختلف به عن غيره زيادة أو نقصا، ولذلك فهو على العموم يرادف مصطلح (الحديث)، وقد يخصص بعضهم – كالبخاري في صحيحه عموما-هذا الأخير برواية الصحابي أو التابعي، فيكثر في كلامه قوله (وفي حديث عائشة، حديث أبي هريرة…)، وقد يضاف الحديث إلى مضمونه فيقال (حديث الشفاعة، حديث الإفك، حديث الغار…).
وعلى سبيل المثال فقد استعمل الإمام مسلم في صحيحه الرواية بمعنى الحديث عند الكلام على الاختلاف بين الرواة، وليس بالضرورة أن يكون أحدهم أصاب عين حديث النبي g:
- يقول الإمام مسلم: “…وَفِي رِوَايَةِ أبِي مُعاويةَ: (نَعَم على حال سَاعَتِكَ من الكِبَرِ)، وَفِي حَدِيثِ عِيسَى: (فَإِن كَلَّفَهُ مَا يَغلبُهُ فَليبعهُ)، وَفِي حَدِيثِ زُهَير: (فَليُعنهُ عليه)، وَلَيسَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: (فَليَبِعهُ)، وَلَا (فَليُعِنهُ)، انتَهَى عِندَ قَولِهِ: (وَلَا يُكَلِّفهُ مَا يَغلِبُه)”([99]).
فعبر ابتداء ً بالرواية (وفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ)، ثم عدل إلى لفظ الحديث: (وَلَيس فِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ)، وهو دليل على أنهما بمعنىً([100]).
وهذا السياق من مسلم يشعر بأنهما سواء في الاستعمال، ويعبر بأحدهما عن الآخر.
كما ذهب بعض المستشرقين إلى المرادفة بينهما([101])، وهو الظاهر والله أعلم.
ومهما كان التوصيف بمصطلح (الرواية) أو (الحديث) بجهة تكريس (التاريخية) ومن ثمة تضعيف الاستناد إليه، إلا أن النقل – مهما كان الاصطلاح – يظل من الوسائل المعتبرة لنقل العلوم وتلقيها، سيما بشروط المحدثين النقاد، أما ضعف بعض المرويات أو اختلافها، أو تساهل البعض في جعلها عين السنَّة النبوية، ودخول العوامل النفسية والفكرية في توصيف الحدث، فمما لا ينهض دليلا تاما على رد المنقول ورد اعتباره من السنَّة النبوية بإطلاق، سيما وقد استصحبت الكتابة الرواية في الجملة، وشاعت السنَّة بين الناس وتلقوها بالقبول تلقي القرآن، وبعد ذلك ما علم من اجتهاد علماء الحديث وتشددهم واحتياطهم “حتى أن أحدهم لو سئل عن عدد الأحرف في السنن لكل سنة منها عدها عدا، ولو زيد فيها (ألف) أو (واو) لأخرجها طوعا ولأظهرها ديانة”([102])، ورحم الله القائل: “لا تخف على المحدّث أن يقبل الضّعيف، وخف عليه أن يترك من الصّحيح”([103]).
ولو سلمنا أن بين السنَّة والحديث والرواية نوع تمايز منهجي ومعرفي، فغير المسلم به أن يكون ذلك مطية نحو نفي حجية السنَّة النبوية بإطلاق أو سبيلا إلى تضييق مساحة الاحتجاج بها على الأحكام الشرعية.
- ثالثا: من أجوبة الاعتراضات على علم الجرح والتَّعديل
فأما الاعتراض الأول، فيمكن أن نسجل الملاحظات الآتية:
- هناك خلط بين العدالة التي يمكن أن يطلع المتحرّي من أئمة الجرح والتَّعديل عليها فيحكم على الشخص بكونه مستقيم السيرة حسن السلوك، مرضي الرواية؛ وهي العدالة الظاهرة الممكنة بنصوص القرآن الكريم والسنَّة النبوية ودلالة العرف والعقل الفطري “الجرح والتَّعديل…يهتم بالقوادح الظاهرة كالضعف والجهالة والغفلة وكثرة الخطأ والفسق”([104])، والعدالة الباطنة المتعلقة بالقلوب، فهذه لا يعلمها إلا ربُّ العالمين، فهو العليم بذات الصدور، يعلمُ السرَّ وأخفى، ولا شك أنَّ بعض آيات العلم والتزكية تتنزل على ذلك.
ولو رجعنا إلى مفهوم (العدالة) وتطبيقاته المختلفة، فإننا نجده إنما يرصد حال الرواة فيما تحملوه وأدوه من الروايات، وليس هو حكم عليهم كأشخاص ولا بحثٌ في صفاتهم الباطنة، فالجرح هو: “وصف الرَّاوي بما يقتضي ردّ روايته“([105])، والتَّعديل: “وصف الرَّاوي بما يقتضي قبول روايته“([106]).
أي أن العدالة المبحوث عنها لدى الأئمة هي العدالة المقيدة بالرِّواية أو الشهادة، وليس مطلق العدالة التي يتحدث هؤلاء عنها.
ومن ثم فالحديث عن الاستحالة – على ما وصفنا من مفهوم المصطلح وحدوده – مندفعٌ بأصله، والاستدلال له بآيات التزكية في غاية البعد، يقول الجديع: “والإنسانُ يُذكر بالخير والشرّ بحسب ما يبدو منه، والسَّرائر موكولة إلى الله، فليس اعتبارها والبحث عنها مطلوبا لإثبات العدالة“([107]).
- ومن جهة أخرى فقد شرط القرآن الكريم العدالة في الأخبار والشهادات عندما أوجب التوقف في خبر الفاسق، ولو لم يكن ذلك ممكنا لما حمّلنا مضمون خطابه (بالتبين)،ففي أمر الطلاق قال:{وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ}[الطلاق:2]، وفي قصة يوسف: {وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ٨١وَسَۡٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ}[يوسف:81-82]، وقال تعالى:{حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ}[التوبة:43]، وغيرها من الآيات.
فالعلم بالعدالة، وتعرف الصَّادق من الكاذب ممكن، بل هو مطلوب ٌشرعًا، ونفي المعرفة بها باسم التزكية للتقوى استدلال لا يتم، لأنه استدلال ببعض الكتاب دون بعض.
قال ابن عاشور: “لا يدخل في هذا النَّهي (التزكية) الإخبار عن أحوال النَّاس بما يعلم منهم وجُرِّبوا فيه من ثقة وعدالة في الشَّهادة والرِّواية وقد يُعبَّر عن التَّعديل بالتزكية وهو لفظ لا يراد به مثل ما أريد من قوله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ}، بل هو لفظ اصطلح عليه النَّاس بعد نزول القرآن ومرادهم منه واضح“([108]).
- فأما الاستدلال بالقرآن، وأن النَّبي g لم يكن يعلم بعض المنافقين فمردودٌ بكونه استدلال خارج محل النزاع؛ فالنبي g لم يكن يعلم بنفاق هؤلاء -وهم قلّة- على مستوى الاعتقاد وما يضمرونه في قلوبهم من الشر، فهو بشر لا يعلمُ الغيب، ولكنه كان يعلم عامتهم بكشف الله له عن تصرفاتهم، بل”كان الْمُسْلِمُونَ يَعرِفُونَ مِنهُم مَن تَكَرَّرَت بَوَادِرُ أَحوَالِهِ، وَفَلَتَاتُ مَقَالِهِ”([109])، وقال الله لنبيه: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ}[التوبة:73]،وقال أيضا: {هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ}[المنافقون:4]، فكيف يجاهدهم أو يحذرهم وهو يجهلهم؟
ولكن لو فرض أنه gانتصب لما يرويه هؤلاء من القرآن أو ينقلونه من سنته، ويتحرّى أقوالهم وأفعالهم، ويبلوا أخبارهم عن جميع ذلك، كان بمحل أن يعرفَ جرح عمومهم بلا ريب، فقد قال الله تعالى: {إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ}[التوبة:67]، وقال أيضا:{حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ}[التوبة:43]؛فنبأ الفاسق مطلوب التبيّن فيه، ولو لم يكن ذلك بمحل الإمكان، أو هو مما استأثر الله بعلمه بإطلاق لم يكن لهذا الخطاب محل.
على أنّ الآية الكريمة التي تشير إلى عدم علمه e ببعضهم، تتحدث عما استأثر الله بعلمه عن هؤلاء ولم يكشفهم لرسوله، لقلة الفائدة في علمه بهم([110]).
وأما الاعتراض الثاني: وهو المتعلق بعدم معاصرة بعض النقاد للرواة الذين تكلموا فيهم، فمندفع بما يلي:
أ – منهج المعاينة:
وفي ذلك يقول الإمام الذّهبي: “فإنِّ أولئك الأئمة – كالبخاريّ وأبي حاتم وأبي داود- عايَنُوا الأصول، وعَرَفوا عِلَلَها“([111]).
ومن الأمثلة على ذلك:
- معاينة الكتب والنسخ والأصول: فهذا علي بن المديني عاين كتاب محمد بن سيرين عن أبي هريرة([112]).
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: “نظر ابن المبارك في كتبي، فقال: ما رأيت أحسن من كتبك؟”([113]).
وقال ابن نمير عن قيس بن الربيع: “نظر أصحاب الحديث في كتبه، فأنكروا حديثه…”([114]).
- الرحلة والتردد إلى الرواة:
قال يَحْيَى بن سعيد الْقَطَّان: “أوثق أصحاب الأعمش: حفص بن غياث، فأنكرت ذلك (علي بن المديني)، ثُمَّ قدمت الكوفة بأخرة، فأخرج إلي عُمَر بن حفص كتاب أبيه عَنِ الأعمش، فجعلت أترحم على يَحْيَى”([115]).
وقَالَ ابن المديني: “كَانَ عَبْد الرَّحْمَنِ بن مَهْدِيّ يطعن على روح بن عبادة وَينكر عَلَيْهِ أحاديث ابن أَبِي ذئب، عَنِ الزُّهْرِيِّ مسائل كانت عنده، قَالَ علي: فلما قدمت على معن بن عيسى بالمدينة سألته أن يخرجها لي – يعني أحاديث ابن أَبِي ذئب عَنِ الزُّهرِيِّ هذه المسائل-“([116]).
وعن الإمام أحمد: “كنا نختلف إلى بهز بن أسد أنا ويحيى بن معين وعلي بن المديني…”([117]).
وقال عَمْرُو بنُ عَلِيٍّ: “فَاختَلَفتُ إِلَى أَزهَرَ قَرِيبًا مِن شَهرين لَيَنظُرَ فِيه، فَنَظَرَ فِي كِتَابِهِ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لم أَجده إِلَّا عن عُبَيدَة…”([118]).
يقول ابن حبان: “وَهَذَا شيخ لَيسَ يعرفهُ كل إِنسَان إِلَّا من تتبع حَدِيثه، وَلم يكن لنا همة فِي رحلتنا إِلَّا تتبع الضُّعفاء والتنقير عَن أنبائهم وَكِتَابَة حَدِيثهم للمعرفة والسبر“([119]).
ب – النقل الصَّحيح عن الأئمة المتقدمين مع اعتبار أحوال الرواة:
أي النقل عمن عاصر أولئك الرواة وخبرهم، وعاين الروايات والكتب ونظر فيها واعتبرها([120]).
ج-الاعتبار المجرد لأحوال الرواة ومروياتهم:
“وذلك بأن يتتبع أحاديث الراوي ويعتبرها، فيجد لها أو لأكثرها متابعات ثابتة وشواهد صحيحة، وإن لم يجد للقليل منها متابعة ولو شاهدا خاصا وجد لها شواهد عامة بمطابقتها بالقواعد الشرعية وموافقة للقياسات الجلية، فيغلب على ظنه أن ذلك الراوي صدوق في الحديث ضابط له”([121]).
وعلى سبيل المثال فالإمام مسلم (ت261ه) بينه وبين جعفر بن بُرقان (154ه) أكثر من قرن من الزمان، يجد في الاعتبار وسيلة لتمييز حديثه وشيوخه، ويقول في ذلك: “ولو ذهبت تزن جعفرا فِي غير مَيمُون وابن الأصم وَتعتَبر حَدِيثه عَن غَيرهمَا، كالزهري وَعَمرو بن دِينَار وَسَائِر الرِّجَال لوجدته ضَعِيفا رَدِيء الضَّبط وَالرِّوَايَة عنهُم”([122]).
وابن حبان (ت 354ه) بينه وبين قيس بن الربيع (ت168ه) أكثر من قرنين من الزمان، لا يجد من وسيلة لتمييز أحاديثه بعد النقل عن الأئمة إلا السّبر والاعتبار([123]).
والنهج ذاته عند ابن عدي حيث ينظر في الروايات ويعتبرها قبل أن يصدر حكمه على الراوي([124]).
فإذا انعدمت وسيلة التحقق من الرواة جرحا أو تعديلا، صرح الناقدُ بأنه لا يعرف هذا الراوي، أو لا يعرف حديثه، أو هو مجهول عنده، أو ليس لديه خبر عنه.
وبناء على ما تقدم وغيره يرى الشريف حاتم العوني أن احتمال الخطأ في الحكم على عدالة الرواة في غاية الضعف، ليس مستحيلا لكنه في غاية البعد، وذكر من الأسباب لذلك:
- دقة المحدثين في البحث عن الرواة، وشواهده أكثر من أن تعد في مدونات الجرح والتَّعديل وعلل الحديث.
- تنوع الوسائل وتعددها، ومنها الاختبار، والمراقبة، والسؤال عن صحة السّماع، وإلزام الرواة بإخراج الأصول المكتوبة…
- كثرة نقاد الحديث وتوالي الاجتهادات حتى بعد وفاتهم([125]).
أما الاعتراض الثالث: أي ما يتعلق باختلاف المحدثين في الحكم على رجال الحديث، فهناك تهويل متعمد وقصد سيء في سوق هذه المسألة وتصوير طبيعة الاختلاف بينهم.
إن الاختلاف ليس مرادفا بالضرورة للتناقض والتضاد، فحكم المحدثين قد يقع على أمر مخصوص فيكون كلامهم بنحو الوصف النّسبي الذي لا ينبغي فهمه وحمله على الإطلاق، أو يكون نتيجة تغير الاجتهاد، أو لتحول في ضبط الرواة وعدالتهم، أو تشدد وتساهل، أو سياق تفاضل، أو تعليق على رواية خاصة، أو جرح أقران، أو لتصرف في عبارة من الناقلين عنهم ونحو ذلك، مما يقطع للناظر المتعمق في عباراتهم أنهم – مع استبعاد تلك الأسباب ونظيراتها – أقرب إلى الاتفاق والانسجام والإنصاف، وفي نحو ذلك يقول الإمام أبو الوليد الباجي: “وَاعلم أَنه قد يَقُول المعدل فلَان ثِقَة وَلَا يُرِيد بِهِ أَنه مِمَّن يحتَج بحَديثه، وَيَقُول فلَان لَا بَأس بِهِ وَيُرِيد أَنه يحتَج بحَديثه، وَإِنَّمَا ذَلِك على حسب مَا هُوَ فِيهِ وَوجه السُّؤَال لَهُ؛ فقد يُسأَل عَن الرجل الفَاضِل فِي دينه المتَوَسّط حَدِيثه فيقرن بالضُّعفاء فَيُقَال: مَا تَقول فِي فلَان وَفُلَان فَيَقُول: فلَان ثِقَة، يُرِيد أَنه لَيس من نمط من قرن بِهِ وَأَنه ثِقَة بِالإِضَافَة إِلَى غَيره، وَقد يُسأَل عَنهُ على غير هَذَا الوَجه فَيَقُول لا بَأس به، فَإِذا قيل أهوَ ثِقَة، قَال الثِّقَة غير هَذَا… فعلى هَذَا يحمل أَلْفَاظ الْجرح وَالتَّعديل من فهم أَقوَالهم وأغراضهم وَلَا يكون ذلك إِلَّا لمن كان من أهل الصِّنَاعَة وَالْعلم بِهَذَا الشَّأن”([126]).
ولعل من المؤلفات التي اختصت بإبراز هذه الجوانب كتاب ابن شاهين (ت 385ه) بعنوان: (ذكر من اختلف العلمَاء ونقاد الحَدِيث فِيهِ فمنهم من وَثَّقَهُ وَمِنهُم من ضعفه ومن قيل فِيهِ قَولَان).
ولابن حبان (354ه) كتاب (الفضل من النقلة)، ذكر فيه كل شيخ اختلف فيه الأئمة توثيقا وتضعيفا([127]).
وللذّهبي (748ه) كتاب (من تكلم فيه وهو موثق) يمكن أن يدرج في هذا الاتجاه.
وفي كتب الجرح والتَّعديل نصوص كثيرة تجلّي هذه المسألة وتحررها، فبعض اختلافهم من نمط اختلاف “سائر أهل العلم في علومهم”([128]).
ولقد حدد الإمام الذَّهبي بدقة طبيعة الاختلاف حول الرواة، وأنه واقع في مراتب القوة أو مراتب الضعف بحسب الاجتهاد، فقال: “فلا يَجتمِعُ اثنانِ عَلَى توثيقِ ضعيف، ولا عَلَى تضعيفِ ثقة، وإنما يقعُ اختلافُهم في مراتبِ القُوَّةِ أو مراتب الضعف، والحَاكمُ مِنهم يَتكلَّمُ بحسبِ اجتهادِهِ، وقُوَّةِ مَعارِفِه؛ فإن قُدِّرَ خطؤه في نقده، فله أجرٌ واحدٌ، والله الموفق”([129]).
أما ابن القيم فقد حرر المسألة إلى الغاية فقال: “وَرُبمَا يظنّ الغالط الَّذِي لَيس لَهُ ذوق الْقَوم ونقدهم أَن هَذَا تنَاقض مِنهُم فَإِنَّهُم يحتجون بِالرجل ويوثقونه فِي مَوضِع ثمَّ يضعفونه بِعَينِه وَلَا يحتجون بِهِ فِي مَوضِع آخر وَيَقُولُونَ إِن كَانَ ثِقَة وَجب قبُول رِوَايَته جملَة وَإِن لم يكن ثِقَة وَجب ترك الِاحْتِجَاج بِهِ جملَة، وهَذِه طَريقَة قاصري العلم وَهِي طَريقَة فَاسِدَة مجمع بَين أهل الحَدِيث على فَسَادهَا، فَإِنَّهُم يحتجون من حَدِيث الرجل بِمَا تَابعه غَيره عَلَيْهِ وَقَامَت شُهُوده من طرق ومتون أُخرَى، ويتركون حَدِيثه بِعَينِه إِذا روى مَا يُخَالف النَّاس أَو انفَرد عَنهُم بِمَا لَا يتابعونه عَلَيه؛ إِذ الغَلَط فِي مَوضِع لَا يُوجب الغَلَط فِي كل مَوضِع، والإصابة فِي بعض الحَدِيث أوفي غالبه لَا توجب الْعِصمَة من الْخَطَأ فِي بعضه…”([130]).
ولقد قام بعض الباحثين باستقراء مادة الاختلاف واختبارها لدى الناقد الواحد، في ثلاثة آلاف راو، فتحصل لديه أن المخالفة حقيقة في ما نسبته 0،03 بالمائة فحسب، “يعود السَّببُ في بعضها إلى تغير حال الراوي، وفي بعضها الآخر إلى تغير اجتهاد الناقد”([131]).
وحرر بعضهم بتدقيق أكثر أسباب الاختلاف بين النُّقاد، واستفاض في ضرب الأمثلة من كتب الجرح والتَّعديل، وخلص إلى نتائج في غاية الأهمية منها: أنه لا يصح نسبة كل ما ينقل عن النقاد في ذلك، فلا بد من تيقن النقل وصحته ليتحقق التعارض فعلا، وأن بعض ما ثبت عنهم غير مؤثر كنحو جرح الأقران والتحامل المذهبي، وأن من الاختلاف ما يعود إلى مسألة تقدير الاعتبار الذي يصح به حديث الراوي، ومنه ما يعود إلى بعض موجبات الطعن، أو لاختيارات اصطلاحية تخالف مشهور الاستعمال لدى الإمام الواحد، أو جمهور النقاد وغير ذلك([132]).
وفي الواقع فإطلاق الرد لكلام المحدث الناقد لمجرد الاختلاف دون التأمل في مرجعيته لا يستقيم، وتقدير عدم الفرق بين الحديث الصحيح والضعيف بحسبه وهم شديد يدل على ضعف الإلمام بمناهج المحدثين وفقه عباراتهم، ومن ادعى هشاشة هذا النوع من المعرفة بناء على مثل هذه التعليلات فهو مخطئ بلا ريب.
نعم لا ننفي أن يقع التناقض في كلام الأئمة بل كلام الإمام الواحد في جزئيات الرواية، لكن مع استبعاد جملة الأسباب المتقدمة نلاحظ أن الغالب هو توافق المضامين النقدية وانسجامها، ومن ثم فالأخذ بها كنقد منهجي وموضوعي يأتي في سياق الاستناد إلى المفاهيم العلمية الضرورية لطريقة التعامل مع روافد المصادر المعرفية المعتبرة في الإسلام، واحتمال ضعف النقد في بعض جوانبه وأسبابه بحيثية التعارض خاصة – وهو نادر – لا يلغي مركزية هذه الحركة النقدية وأهميتها في التعامل مع التراث الحديثي، ولا يفرض هشاشتها أو ضعف الحسم فيها بناء على وهم قصر الجزم العلمي على ما كان تجريبيا فحسب.
أما الاعتراض الرابع: فمن المعلوم أن محاولات استدخال الغرض السياسي والمذهبي ونحوهما في خلفية الجرح والتَّعديل وممارساته والرد إليهما باستمرار يأتي في عمق الاستراتيجيات الحداثية لتكريس تاريخية هذا العلم من جهة، والسعي إلى التقليل من أهميته ودوره النقدي، كما يأتي بخلفية الصَّغار المعرفي الذي يفرضه المستشرقون حقيقة تغلف العلوم الإسلامية بصفة عامة، يقول الدكتور إبراهيم السّكران: “الأداة التفسيرية الثانية المفضلة في الخطاب الاستشراقي وشارحه الحداثي العربي هي أداة تسييس الموضوعي، بما يعني افتعال خلفيات وأغراض سياسية خلف العلوم الإسلامية التي فرضتها المعطيات الموضوعية في التراث الإسلامي”([133]).
إننا لا ننفي حصول تحيزات سياسية ومذهبية خلال مسيرة النقد الحديثي، ولا ننكر انخراط بعض الرواة المذهبيين في حركة الوضع والكذب، وتساهل بعض النقاد المتأخرين وتحاملهم بسبب من ذلك، كما قال ابن دقيق العيد: “وَإِن كَانَ تنزه عَنهُ المتقدمون -الكَلَام بِسَبَب الْهوى وَالغَرَض والتحامل-لتوفر أديانهم فقد تَأَخّر أَقوام، وَوَضَعُوا تواريخ، رُبمَا وَقع فِيهَا شَيء من ذَلِك، على أَن الفلتات من الْأَنْفس َلَا يدعى الْعِصمَة مِنهَا؛ فَإِنَّهُ رُبمَا حدث غضب لمن هم من أهل التَّقْوَى فبدرت مِنهُ بادرة لَّفْظ”([134]).
لكنها محاولات منعزلة تصدى لها النقاد المحققون كما تصدوا لكل ما يمس الرواية من دون ذلك.
يقول الإمام البيهقي: “ومن أنعم النظر في اجتهاد أهل الحفظ في معرفة أحوال الرواة، وما يقبل من الأخبار، وما يردّ علم أنهم لم يألوا جهدا في ذَلِكَ، حَتَّى كَانَ الابن يقدح في أبيه إذا عثر منه على ما يوجب ردّ خبره، والأب في ولده، والأخ في أخيه، لا تأخذه فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، ولا تمنعه في ذلك شجنة رحم ولا صلة مال، والحكايات عنهم في ذلك كثيرة”([135]).
ويقرر الشريف حاتم العوني منهج المحدثين فيما يتعلق بهذه الجزئية بعدما أفاض في سوق الأمثلة التطبيقية حولها، ويقول: “فالقدح في نقدهم بحجة أنهم قد يتكلمون في الرواة بهوى وعصبية، بعد هذا البيان الذي يثبت ندرة هذا الزلل في نقدهم، ويثبت أنهم قد وضعوا الاحتياطات الواقية من زللـه ومن الوقوع في شركه، يجعله قدحا غير علمي ولا منصفا!”([136]).
ويظهر أن عموم النظر في هذه المسألة يتعلق بثلاثة أمور: البدعة، والدخول على السَّلاطين وفي أعمالهم، وتوثيق ذوي القربى من الرواة.
- ففيما يتعلق بالبدعة – وهي عنوان واسع لمذاهب سياسية ومذهبية-نجد المحدثين النقاد قد ضربوا أروع الأمثلة على الإنصاف والاعتدال “والتوسط المنهجي، (حيث) تجنبوا المواقف المتطرفة فلم يقفوا منه (المبتدع) موقف الرافض لحديثه، فيضيع الحق الذي يحمله، ولم يقفوا منه موقف القبول المطلق لما معه؛ فيجنوا على الرواية بإدخالهم لحديث من لا يوثق بروايته، وإنما اعتمدوا منهجا متوازنا يتجاوز أثر الاختلاف في المنهج بينهم وبين الراوي، إلى الحفاظ على الرواية والسنَّة”([137]).
يقول الشريف حاتم العوني بعد استعراض جملة حسنة من أقوال المحدثين النقاد وتطبيقاتهم فيما يتعلق بالبدعة: “لقد تبين بما سبق أن موقف المحدثين من مخالفيهم في المذهب العقدي والفقهي، ومن خصومهم الشخصيين وأهل مودتهم هو من دواعي الثقة التامة بأحكام أئمة النقد، وأحد أدلة عظيم إنصافهم، وأدلة إتقان قواعد علمهم، والاطمئنان إلى عدم التباس صوابهم الكثير فيه بخطئهم النادر“([138]).
ويختم بالقول أن هذا مما “يوضح قوة منهجهم النقدي في إنصافه وبعده عن الهوى المسقط لأحقية الاعتماد على أحكامهم في الرواة؛ فهو من جهة …يبين الأسس العقلية الصحيحة التي قام عليها موقفهم من رواية المبتدع، وأنها أسس تقررها العقول، أو تجد فيها – بعد العلم بها وبمآخذها العقلية – ما يتفق مع التقرير العقلي الدقيق في إتقانه والعادل في بنيانه، وتهدي إلى المنهج القويم الذي يستحق الائتساء به، بل السير عليه، لا اتهامه بما هو براء براءة الحق من الباطل”([139]).
وفي الواقع العملي للمحدثين، كان “صدق الراوي وتثبته وصحة حديثه”([140]) هو الأساس في الجرح والتَّعديل، وليس البدعة أو المذهب أو العقيدة.
يقول الشيخ عبد الله الغماري: “الخلاف في قبول رواية المبتدع خلاف نظري، أما في التطبيق فالعمل على قبول روايته إذا كان ضابطا سواء كان داعية أم لا، ولا عبرة بمذهبه“([141]).
وهو ما نحاه الشريف العوني حيث اعتبر أن حقيقة مذهب المحدثين في هذه المسألة “منهج عملي إجماعي، فلا تؤثر في صحة إجماعهم عليه دعاوى الاختلاف والتقريرات النظرية للمتأخرين”([142]).
2 –وفيما يتعلق بالدخول على السّلاطين ورواياتهم، ورغم أنه من حيث المبدأ لا يعد من الجرح المؤثر، إلا أن المحدثين كانوا لا يرضونه كونه شبهة قد تؤثر بطريق ما على أداء الرواة.
قال الحافظ ابن حجر:”…وكَذَا عَابَ جمَاعَة من الورعين جمَاعَة دخلُوا فِي أَمر الدُّنيَا فضعفوهم لذَلِك، وَلَا أثر لذَلِك التَّضْعِيف مَعَ الصدق والضبط، وَالله الْمُوفق”([143]).
ومن الأمثلة على تحفظ المحدثين بسبب من ذلك، ما جاء عن ابن سيرين أنه كان لا يرضى حميد بن هلال لدخوله في شيء من عمل السلطان([144])- رغم أنه قد احتج به الجماعة -، وترك زائدة حميد الطويل لدخوله في شيء من أمر الخلفاء([145])، وترك وهيب عاصم بن سليمان الأحول -على جلالته- لأنه أنكر بعض سيرته([146])، وكره مالك – لو صح ذلك عنه- عبد الله بن ذكوان لشيء من ذلك([147])، وتكلم الناس في أحمد بن واقد الحراني للسبب ذاته([148])، ولم يرض يحيى القطان إبراهيم بن سعد لأنه كان على بيت المال([149])، وتكلم في عكرمة مولى ابن عباس لأخذه جوائز الأمراء([150])، بل إن بعضهم اعتبر عدم الدخول على السلطان مزية يتقدم بها الراوي على غيره، فهذا أحمد بن حنبل لما سئل عن وكيع ويزيد بن هارون، قال: “ما منهما بحمد الله إلا ثبت، قلت: فأيهما أصلح عندك في الأبدان؟ قال: ما منهما بحمد الله إلا صالح، إلا أن وكيعًا لم يتلطخ بالسلطان”([151])، وسئل عن خالد الطحان وهشيم، فقال: “خالد أحب إلينا، خالد لم يتلبس من السلطان بشيء”([152])، وفي ترجمة سليمان بن عتبة، قال أبو زرعة بعدما أثنى عليه: “لم يكن له عيب إلا لصوقه بالسلطان”([153])، وقال يحيى بن معين: “عمرو بن ميمون بن مهران: ثقة، ولكنه قد كان يكون مع السلطان”([154]).
وفي واقع الأمر، قد يبدو التحفظ عن روايات هؤلاء لو اطرد في عمل المحدثين اختلالا منهجيا كبيرا؛ إذ كيف يُستثنوا من وجهة نظر علمية بمثل تلك الأسباب؟ بل كيف يقبل صاحب البدعة وداعية الهوى من الروافض والخوارج وغيرهم بعنوان صدق اللهجة وضبط الحديث ويتوقف فيمن قد يكون أرفع منهم محلا ؟
إن تصرفات المحدثين النظرية والعملية في هذه المسألة تشهد ببعد نظرهم وقوة منهجهم، وتشعر الناظر في أصولهم بمدى إنصافهم حيث ُيديرون الأمر على القرائن من أحوال الرواة؛ فما تبرهن لهم بغالب الظن صدقه قبلوه، وما وجدوه دون ذلك ردوه بغض النظر عن التوصيفات الجزئية، وبه فلا موجب أصلا للطعن عليهم بالسبب السياسي بعد أن تبين غياب أدلته ومستنداته.
3 –أما أهل المودة من الرواة، وأقاربهم فقد جاء في منهجهم ما يدمغ كل مرتاب بأثر العوامل الوجدانية والنفسية في توجيه عبارات الجرح والتعديل.
فتكلم علي بن المديني في أبيه وضعفه([155])، وأبو داود في ابنه واتهمه بالكذب([156])!، وتكلم شعبة في هشام بن حسان وكان ختنه([157])، ونهى جرير بن عبد الحميد الضبي عن الكتابة عن أخيه أنس بن عبد الحميد([158])، وطعن زيد بن أبي أنيسة بأخيه واتهمه بالكذب([159])، وكذّب يحيى بن معين عبيد بن إسحاق العطار وكان من أصدقائه([160])، ولم يمنعه تعاهد علي بن قرين له من تكذيبه([161])، وقال أبو عروبة الحراني في الحسين بن أبي السري: “هو خال أمي وهو كذاب”([162])، ولم يرض يحيى القطان عمران القطان وكان بينهما شركة([163]).
والأمثلة على هذا كثيرة، إلا أن يقال –سفسطة – قد تعمد المغرضون روايتَه عن سلوكهم، أو أنهم في أنفسهم كانوا يتقصدون مثل ذلك لينفق ما عندهم، وهو بعيد مباعدٌ للشائع عنهم. والله الموفق.
الخاتمة:
مما تقدم ظهرت لنا النتائج الآتية:
- تبين لنا أن عمل المحدثين في التحقق من الأخبار قد اشتمل على العناصر والأدوات المنهجية التفصيلية لمعالجة قضايا الأسانيد والمتون، وأنّ استشكال منهجهم ككليات غير موضوعي وغير علمي، وينم عن حالة نفسية ناتجة عن صدمة تلقي الحداثة وفلسفات التفكيك والتأثر المباشر بالمنهج التجريبي، مع ظاهرية الفهم للمنجز الحديثي نظريا وتطبيقيا.
- كما اتضح لنا أن مقاربات المحدثين الاصطلاحية دقيقة في توصيف نقل الأخبار والدلالة على السنن ومعرفة الرواة والأسانيد، وأنها ليست مجرد قوالب تؤطر التاريخ أو تتأثر به.
- أن الاعتراض على علم الجرح والتَّعديل في غير محله، سواء في مقدماته أو تطبيقاته؛ فالنقاد قد بذلوا أقصى الجهود في استقصاء أحوال الرواة والحكم عليهم، وتعليل الحكم، ومراجعته بكل أمانة وموضوعية، مما يقطع للناظر بصحة هذا النوع من المعرفة وأهميته التاريخية والمنهجية، ويسلم لعلماء الجرح والتَّعديل فيه.
- تبين لنا أيضا أنّ نفي صفة العلم عن علوم الحديث دعوى لا تستند إلى أدلة مقنعة وموضوعية، وهي ناشئة عن التأثر بالفكر الغربي الذي يفصل بين العلم الطبيعي والعلوم الإنسانية، أو ناشئة عن الجهل بحقيقة هذا العلم ومنهجه وغايته، وأيا ما كان ذلك فهذا العلم في سياقه يعد من أرقى أنواع المعارف الإنسانية، والاصطلاح عليه بالعلم مما لا يرتاب ُ فيه عاقل.
فهرس المصادر والمراجع:
- إبراهيم السّكران، التأويل الحداثي للتراث التقنيات والاستمدادات، ط1، الرياض: دار الحضارة للنشر والتوزيع، 1435ه – 2014م
- إبراهيم اللاحم، الجرح والتعديل، ط1، الرياض: مكتبة الرشد ناشرون، 1424ه – 2003م
- إبراهيم فوزي، تدوين السنة، ط2، لندن – رياض الريس للكتب والنشر،1995م
- ابن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ط: 1، طبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية : حيدر آباد الدكن : الهند ودار إحياء التراث العربي : بيروت،1271ه- 1952 م
- ابن القطان الفاسي، إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر، تحقيق: إدريس الصمدي، ط1، سوريا: دار القلم، 1433ه – 2012م
- ابن القيم، الفروسية، تحقيق: مشهور بن حسن سلمان، ط1، حائل: دار الأندلس، 1414ه – 1983م
- ابن تيمية، جامع المسائل، تحقيق: محمد عزيز شمس، ط1، دار عالم الفوائد، 1422ه
- ابن تيمية، رفع الملام عن الأئمة الأعلام، طبع ونشر: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالرياض، 1403ه – 1983م
- ابن تيمية، مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، المدينة النبوية – مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416ه- 1995م
- ابن حبان، الثقات، بمراقبة: محمد عبد المعيد خان، ط1، دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن : الهند، 1393ه – 1973م
- ابن حبان، المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، ط1، حلب- دار الوعي، 1396هـ
- ابن حبان، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ط1، بيروت : مؤسسة الرسالة، 1408ه – 1988م
- ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ط1، مطبعة دائرة المعارف النظامية : الهند، 1326ه
- ابن حجر العسقلاني، هدي الساري مقدمة فتح الباري، تحقيق وتعليق: عبد القادر شيبة الحمد،ط1، 1421ه -2001م
- ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، تحقيق: خليل شحادة، ط2، بيروت : دار الفكر، 1408ه – 1988م
- ابن دقيق العيد، الاقتراح في بيان الاصطلاح، تحقيق: قحطان عبد الرحمن الدوري، ط2، عمان: دار العلوم للنشر والتوزيع، 1437ه – 2007م
- ابن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي، تحقيق: همام سعيد، ط1، مكتبة المنار : الأردن، 1407ه – 1987م
- ابن عاشور، التحرير والتنوير، تونس – الدار التونسية للنشر،1984 ه
- ابن عدي الجرجاني، الكامل في ضعفاء الرجال، تحـقيق: عادل عبد الموجود وعلي محمد معوض بمشاركة عبد الفتاح أبو سنة، ط:1، دار الكتب العلمية- بيروت، 1418-1997م
- ابن عساكر، تاريخ دمشق، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع،1415 هـ – 1995 م
- أبو الوليد الباجي، التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح، تحقيق: أبو لبابة حسين،ط1، الرياض- دار اللواء للنشر والتوزيع، 1406ه – 1986م
- أحمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال (رواية عبد الله بن أحمد)، تحـقيق: وصي الله بن محمد عباس، ط2،الرياض: دار الخاني، 1422ه
- أحمد شاكر، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، تحقيق: علي حسن عبد الحميد، ط1، الرياض: مكتبة المعارف، 1417ه – 1996م
- أحمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ، بيروت : دار النهضة العربية، 1994م
- أسد رستم، مصطلح التاريخ، ط1، بيروت: المكتبة العصرية، 1423ه – 2002م
- البيهقي، دلائل النبوة، تحقيق: عبد المعطي قلعجي،ط1، بيروت : دار الكتب العلمية ودار الريان للتراث،1408ه- 1988م
- التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون، تحقيق: علي دحروج، ط1، بيروت : لبنان ناشرون، 1996م
- الجابري، التراث والحداثة دراسات ومناقشات، ط3، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006م
- جلال الدين السيوطي، التنقيح في مسألة التصحيح، عني بها: راشد بن عامر الغفيلي،ط1، بيروت – دار البشائر الإسلامية، 1434ه – 2013م
- جمال أسطيري، مصطلحات الجرح والتعديل المتعارضة، ط1، الرياض: دار أضواء السلف، 1425ه – 2005م
- جمال البنا، الأصلان العظيمان: الكتاب والسنة رؤية جديدة، القاهرة: مطبعة حسان. دت
- جمال البنا، السنة ودورها في الفقه الجديد، القاهرة : دار الفكر الإسلامي، دت
- جمال البنا، تجديد الإسلام وإعادة تأسيس منظومة المعرفة الإسلامية، دار الفكر الإسلامي، دت
- جمال البنا، قضية الفقه الجديد، دار الشروق، دت
- جورج طرابيشي، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث النشأة المستأنفة، ط1، بيروت : دار الساقي، 2010م
- الحاكم النيسابوري، معرفة علوم الحديث، تحـقيق: السيد معظم حسين، ط:2، دار الكتب العلمية- بيروت، 1397-1977 م
- حسن حنفي، حوار الأجيال، القاهرة : دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 1998م
- حسن حنفي، علوم الحديث من نقد السند إلى نقد المتن، ط1، القاهرة: مكتبة مدبولي، 2013م
- حيدر حب الله، حجية الحديث،2016م
- حيدر حب الله، دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإمامية، تقريرا لأبحاث حيدر حب الله، بقلم: أحمد عبد الجبار السمين، ط1، دار الفقه الإسلامي المعاصر، 1433ه – 2012م
- حيدر حب الله، نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي التكون والصيرورة، ط1، بيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 2006م
- خالد أبا الخيل، الاتجاه العقلي وعلوم الحديث جدلية المنهج والتأسيس، ط1، الرياض: دار وجوه للنشر والتوزيع، 1435ه
- خالد بن مبارك الوهيبي، أشراط الساعة النصّ والتاريخ، ط1، سلطنة عمان – مكتبة الغبيراء، 1425ه-2004م
- الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق: محمود الطحان، الرياض: مكتبة المعارف
- الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، تحقيق: بشار عواد معروف، ط1، بيروت: دار الغرب الاسلامي، 1422ه – 2002م
- خلدون الأحدب، أثر علم أصول الحديث في تشكيل العقل المسلم (محاضرة)، جدة: مجمع الفقه الإسلامي، 2006م
- خميس بن راشد العدوي وزكريا بن خليفة المحرمي وخالد بن مبارك الوهيبي، السنة: الوحي والحكمة قراءة في نصوص المدرسة الإباضية، ط1، سلطنة عمان : مكتبة الغبيراء، 1430ه -2009م
- زكريا بن خليفة المحرمي، قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث، ط1، سلطنة عمان : مكتبة الضامري للنشر والتوزيع، 1425ه – 2004م
- سامر إسلامبولي، تحرير العقل من النقل وقراءة نقدية لمجموعة من أحاديث البخاري ومسلم، القاهرة، 2015م
- السخاوي، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث، تحقيق: علي حسين علي، ط1، مصر: مكتبة السنة، 1424هـ – 2003م
- سعد الدين التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، مكتبة صبيح بمصر، دت
- الشريف حاتم العوني، الأسس العقلية لمنهج نقد السنة النبوية، ملفات بي دي أف من موقعه على شبكة الانترنت، دت
- الشريف حاتم العوني، خلاصة التأصيل لعلم الجرح والتعديل، ط1، دار عالم الفوائد، 1421ه
- الشريف حاتم العوني، عقلانية منهج المحدثين في التحقق من عدالة الرواة، ملفات بي دي أف منشورة على موقعه في شبكة الأنترنت
- شمس الدين الذهبي، الموقظة في علم مصطلح الحديث، تحـقيق: عبد الفتاح أبو غدة، ط2، مكتبة المطبوعات الاسلامية بحلب، 1412ه
- شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، تحـقيق: جماعة من العلماء بإشراف: شعيب الأرنؤوط، ط:1، مؤسسة الرسالة : بيروت، 1405 – 1985م
- شمس الدين الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحـقيق: علي محمد البجاوي، ط:1، دار المعرفة للطباعة والنشر- بيروت،1382ه – 1963 م
- صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه عرض ودراسة، ط15، بيروت: دار العلم للملايين، 1984م
- صلاح قنصوه، الموضوعية في العلوم الإنسانية عرض نقدي لمناهج البحث، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2007م
- طه جابر العلواني، إشكالية التعامل مع السنة النبوية، ط1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2014م
- عالم سبيط النيلي، النظام القرآني مقدمة في المنهج اللفظي، إعداد: فرقان محمد تقي مهدي الوائلي، ط2، مكتبة بلوتو، 2003م
- عبد الجواد ياسين، السلطة في الإسلام العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، ط2، المركز الثقافي العربي، 2000م
- عبد الرحمن المعلمي، الاستبصار في نقد الأخبار، (ضمن مجموع الرسائل الحديثية)، تحقيق: علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
- عبد الرحمن المعلمي، مجموع الرسائل الحديثية، تحقيق: علي بن محمد العمران، دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع
- عبد الفتاح أبو غدة، تحقيق اسمي الصحيحين واسم ُجامع الترمذي، ط1، حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، 1414ه – 1993م
- عبد الله الجديع، تحرير علوم الحديث، ط1، بيروت: مؤسسة الريان، 1424ه -2003م
- عبد المجيد الشرفي، لبنات في المنهج وتطبيقه، ط2، تونس: دار الجنوب للنشر، 2011م
- عدنان الرفاعي، الحق الذي لا يريدون، ط1، الأوائل: دمشق، 1426ه – 2006م
- عدنان الرفاعي، محطات في سبيل الحكمة، طبعة دار الخير بدمشق سنة 2010م
- عزيز رشيد الدايني، أسس الحكم على الرجال حتى نهاية القرن الثالث الهجري، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية، 2006م
- العقيلي، الضعفاء الكبير، تحـقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية 1404 ه- 1994 م
- علي أكبر النجفي، التحفة النظامية في الفروق الاصطلاحية، ط2، حيدر آباد الدكن- دائرة المعارف النظامية الزاهرة، 1340ه
- علي نايف بقاعي، الاجتهاد في علم الحديث وأثره في الفقه الإسلامي، دار البشائر الإسلامية، دت
- عمر فلاتة، الوضع في الحديث، دمشق: مكتبة الغزالي، وبيروت: مؤسسة مناهل العرفان، 1401ه- 1981م
- الفسوي، المعرفة والتاريخ، تحقيق: أكرم ضياء العمري، بيروت – مؤسسة الرسالة،ط2، 1401 هـ- 1981 م
- القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك، تحقيق: ابن تاويت الطنجي، ط1، المغرب: مطبعة فضالة، 1965م
- لانجلوا وسينوبوس، المدخل إلى الدراسات التاريخية، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، ط4، الكويت: وكالة المطبوعات، 1981م
- ماهر اختيار، إشكالية معيار قابلية التكذيب عند كارل بوبر في النظرية والتطبيق، دمشق: وزارة الثقافة منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، 2010م
- محمد أبو زهو، الحديث والمحدثون، محمد ط2، القاهرة: دار الفكر العربي، 1378ه
- محمد السعيد مشتهري، أزمة المصطلح الديني، ط1، القاهرة: دار الفكر الاسلامي، 2010م
- محمد السعيد مشتهري، القرآن وأزمة التدبر، ط1، القاهرة : دار الفكر الاسلامي، 2010م
- محمد السند، الاجتهاد والتقليد في علم الرجال وأثره في التراث العقائدي دراسة نقدية لمدرسة النجاشي تقريرا لأبحاث محمد السند، ط1، مكتبة فدك، 1431ه – 2010م
- محمد حمزة، إسلام المجددين، ط1، بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2007م
- محمد عجاج الخطيب، السنة قبل التدوين،ط3، بيروت- دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1400 هـ – 1980 م
- محمود أبو رية، أضواء على السنة المحمدية، ط6، القاهرة: دار المعارف، دت
- مسلم بن الحجاج، التمييز، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، ط3، السعودية: مكتبة الكوثر، 1410ه
- مسلم بن الحجاج، الجامع الصحيح، تحـقيق وترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت
- نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحديث، ط3، دمشق: دار الفكر،1418 ه – 1997م
- النووي، شرح النووي على مسلم، ط2،بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1392ه
- همام سعيد، الفكر المنهجي عند المحدثين، ط1، دولة قطر: رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، 1408ه
- وجيه كوثراني، تاريخ التأريخ اتجاهات مدارس مناهج، ط2، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013م
- يحي بن معين، تاريخ ابن معين (رواية ابن محرز). تحقيق: محمد كامل القصار.ط1. دمشق–مجمع اللغة العربية. 1405ه –1985م
- يحي رضا جاد، ثلاث رسائل في تجديد أصول الفقه وعلوم الحديث، ط1،القاهرة : دار المعارف، 2013م
- مجلة الاجتهاد والتجديد، العددان 28-29، السنتان 7-8، خريف وشتاء 2014م – 1435ه
موقع الألوكة على شبكة الأنترنت: http://www.alukah.net/sharia/62059/0
- www.Oxforddictionaries.com/definition/english/science
([1])محمد حمزة، إسلام المجددين ص99، وبتعبير الجابري العام: “نريد قراءة عصرية للتراث تجنبنا السقوط في قراءة تراثية للعصر، وبعبارة أخرى إن الهدف الكامن وراء أية قراءة تقدم نفسها على أنها قراءة عصرية للتراث، هو تجنب الوقوع تحت سلطة التراث، سلطته التي تجرنا ليس فقط إلى قراءة تراثية للتراث…بل أيضا– وهذا أخطر- تجرنا إلى قراءة تراثية للعصر”. التراث والحداثة ص 50
([2])ينظر عبد الجواد ياسين، السلطة في الإسلام ص 239
([3]) عدنان الرِّفاعي، محطات في سبيل الحكمة ص 309
([4])جمال البنا، الأصلان العظيمان ص 248
([5])همام سعيد، الفكر المنهجي عند المحدثين ص94
([6])همام سعيد، المرجع نفسه 100
([7])خلدون الأحدب، أثر علم أصول الحديث في تشكيل العقل المسلم ص 24
([8])كما يقول عدنان الرِّفاعي: “فهذه الجزئيات (مقدّمات ما يُسمى بعلوم الحديث) فضلا عن الاختلاف الشَّاسع بينها، نرى أن العمل بها على أرض الواقع لتزكية الرجال ولفرزهم وفق أيّ جزئية من هذه الجزئيات المتناقضة أصلاً، لا يمكن تجريده عن الأهواء والعَصبيات، فلا يمكن الوصول إلى إجماع حقيقي في تطبيق جزئية واحدة على رجلٍ واحد، فكيف َإذا يكون الأمر حينما تكون للجزئية الواحدة احتمالات تدور من النَّقيض إلى نقيضه”، محطات في سبيل الحكمة ص 270
([9])حسن حنفي، علوم الحديث من نقد السَّند إلى نقد المتن ص 18
([10])مساءلة التراث الإسلامي منهجيا ومعرفيا من طرف بعض الحداثيين أصبح أسيرا ومتمركزا حول معطيات المنهج التاريخي – الاجتماعي، فلقد تواضعوا في كتبهم الإشارة إليه، وأرادوا تعميده قسرا عليه لغايات وأهداف غير بريئة، فكتب عبد المجيد الشرفي (الإسلام بين الرسالة والتاريخ)، وحمادي ذويب (السنة بين الأصول والتاريخ)، وعبد الجواد ياسين (السلطة في الإسلام: العقل الفقهي بين النص والتاريخ)، ومحمد أركون (تاريخية الفكر العربي الإسلامي)، وخالد الوهيبي (أشراط الساعة النص والتاريخ)…والسبب في ذلك تفكيكي – هدمي؛ لأن الفكر الإسلامي كما يقول الشرفي لا تزال تغلب عليه النزعة الأسطورية اللاتاريخية. ينظر لبنات ص 49
([11]) محمد السعيد مشتهري، أزمة المصطلح الديني ص 243
([12]) علي أكبر بن محمود النجفي، التحفة النظامية في الفروق الاصطلاحية ص 92 بتصرف يسير
([13]) طه جابر العلواني، إشكالية التعامل مع السنة النبوية ص 336 وص 358
([14]) إسماعيل منصور، تبصير الأمة بحقيقة السنة نقلا عن جمال البنا، السنة ودورها في الفقه الجديد 2/54
([15]) ينظر حيدر حب الله، نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي ص 650وص 657
([16]) عدنان الرِّفاعي، محطات في سبيل الحكمة ص 244
([19]) مجلة الاجتهاد والتجديد، العددان 28-29، السنتان 7-8، خريف وشتاء 2014م – 1435ه، ص37
([21]) عبد الجواد ياسين، السلطة في الإسلام ص 278 و ص307
([22]) محمد السعيد مشتهري، أزمة المصطلح الديني ص 50
([23]) تحرير العقل من النقل ص 76
([24])يقول إبراهيم السّكران: “التمييز بين السنة والحديث موضوع رثّ مغبرّ في الموروث الاستشراقي”. التأويل الحداثي للتراث ص96
([26]) محمود أبو رية، أضواء على السنة المحمدية ص 379 – 380
([27]) جمال البنا، السنة ودورها في الفقه الجديد 2/10، وكتابه قضية الفقه الجديد ص 59
([28]) إبراهيم فوزي، تدوين السنة ص 265 – 266
([29]) محمد السعيد مشتهري، أزمة المصطلح الديني ص 57
([30]) محمد السعيد مشتهري، أزمة المصطلح الديني ص 44، وص 57
([33])المرجع نفسه ص 290، وينظر كتابه: القرآن وأزمة التدبر ص 140
([34]) ينظر طه جابر العلواني، إشكالية التعامل مع السنة النبوية هامش رقم 1، ص 131
([36]) طه جابر العلواني، مرجع سابق هامش ص 116
([37]) ينظر خميس بن راشد العدوي وغيره، السنة الوحي والحكمة قراءة في نصوص المدرسة الإباضية ص 239و ص 240
([39]) ينظر المرجع نفسه ص 240 – 246 ، وخالد بن مبارك الوهيبي، أشراط الساعة النص والتاريخ ص 10 – 14
([40]) زكريا بن خليفة المحرمي، قراءة في جدلية الرواية والدراية عند أهل الحديث ص 23
([41]) عدنان الرِّفاعي، محطات في سبيل الحكمة ص293
([42]) ينظر جمال البنا، السنة ودورها في الفقه الجديد 2/50 ، وكتابه قضية الفقه الجديد ص66-76
([43]) نقله جمال البنا في تجديد الإسلام ص 246
([44]) عدنان الرِّفاعي، مرجع سابق ص193
([45]) ينظر حيدر حب الله، دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإمامية ص 242 – 243
([46]) محمد السعيد مشتهري، أزمة المصطلح الديني ص 67، 80
([47])المرجع نفسه ص 80، وكتابه: القرآن وأزمة التدبر ص 141
([48])نقلا عن حيدر حب الله، دروس تمهيدية في تاريخ علم الرجال عند الإمامية ص 242 – 243
([49]) عدنان الرِّفاعي، محطات في سبيل الحكمة ص 244
([52])محمد السَّند البحراني، الاجتهاد والتقليد في علم الرجال وأثره في التراث العقائدي ص 254
([53]) جورج طرابيشي، من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث ص 596
([54]) مشتهري، أزمة المصطلح الديني ص 69
([55]) مشتهري، المرجع نفسه ص 72
([56]) عدنان الرِّفاعي، محطات في سبيل الحكمة ص143
([57]) خالد الوهيبي، أشراط الساعة النص والتاريخ ص 8، بينما يخالفه مشتهري ويؤكد أن غياب الإشراف العلمي لدولة الخلافة هو الذي سمح بضعف منظومة الجرح والتَّعديل. ينظر كتابه أزمة المصطلح الديني ص 75، 84
([58]) وحتى في تعريفهم العلم نجد أنه “النشاط الفكري العملي المشتمل على الدراسة المنهجية لبنية وسلوك العالم المادي والطبيعي من خلال الملاحظة والتجربة”.
“ The intellectuel and pratical activity encompassing the systematic study of the structure and behavieour of the physical and naturel world through observation and experiment.“ (www. Oxforddictionaries.com/definition/english/science(.
([59]) ينظر وجيه كوثراني، تاريخ التاريخ ص391، وأحمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ ص13-27
([60]) عالم سبيط النيلي، النظام القرآني مقدمة في المنهج اللفظي ص 500 – 501
([61]) حيدر حب الله، حجية الحديث ص 99- 100
([63]) صلاح قانصوه، الموضوعية في العلوم الإنسانية ص343
([65]) ابن أبي حاتم، الجرح والتَّعديل 1/351
([66]) الحاكم النيسابوري، معرفة علوم الحديث ص113، ويرى الدكتور الشريف حاتم العوني أن طريق الاتفاق أو عدمه في البحث الحديثي وغيره نافع، لكنه يتأثر كثيرا بالأدلة الخطابية، وتكثر عليه الاعتراضات، لأنه تعرف على الشيء بشيء آخر، كمن يعرف الشيء بآثاره، لا بالتعرف على حقيقته في ذاته. ينظر الأسس العقلية لنقد السنَّة النبوية ص5
([67]) شمس الدين الذهبي، الموقظة في علم مصطلح الحديث ص84
([68]) الذهبي، الموقظة في علم مصطلح الحديث ص88
([69]) صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه ص283-284
([70]) وجيه كوثراني، تاريخ التاريخ ص 122-123
([71]) أسد رستم، مصطلح التاريخ ص12
([72]) حسن حنفي، حوار الأجيال ص519 وص522
([73]) وجيه كوثراني، تاريخ التاريخ ص392-393
([74]) تاريخ ابن خلدون، المقدمة 1/6
([75]) لانجلوا وسينوبوس، المدخل إلى الدراسات التاريخية ص أ
([76]) ينظر ماهر اختيار، إشكالية معيار قابلية التكذيب عند كارل بوبر في النظرية والتطبيق ص295
([77]) ماهر اختيار، إشكالية معيار قابلية التكذيب عند كارل بوبر في النظرية والتطبيق ص295
([78]) ينظر أحمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ ص307-347
([79]) أحمد محمود صبحي، في فلسفة التاريخ ص336-337
([80]) الخطيب البغدادي. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/213
([81]) ابن القطان الفاسي، إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر ص144
([82]) السخاوي، فتح المغيث 1/22
([83]) ابن أبي حاتم، الجرح والتَّعديل 1/177 و3/138
([84]) ورد في ترتيب المدارك 1/153، وتاريخ ابن عساكر 35/183 ما يعارض بعض هذا الكلام من قول ابن مهدي، وعبارته: “الثوري إمام في الحديث وليس بإمام في السنَّة، والأوزاعي إمام في السنَّة وليس بإمام في الحديث ومالك إمام فيهما”، وربما يحمل على اختلاف سياق المقارنة، ففي الرواية الأولى شعبة بن الحجاج وفي هذه الأوزاعي والله أعلم
([85]) ابن أبي حاتم، الجرح والتَّعديل 2/19
([86]) ابن أبي حاتم، المصدر نفسه 2/19
([87]) هكذا سماه الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري 1/8، ورجح عبد الفتاح أبو غدة أن اسم صحيح البخاري هو (الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله e وسننه وأيامه)، وقال: “فالاسمُ الذي أورده الحافظ ابن حجر، فيه قصور، والدقة والتمام فيما ذكره الآخرون، فعند الحافظ ابن حجر قدم لفظ (الصحيح) على (المسند)، والأقوم تأخيره كما جاء عند الآخرين، ونقص عنده لفظ (المختصر من أمور رسول الله)، وجاء بدلا عنه: (من حديث رسول الله)، وما عندهم أدق وأشمل”. تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي ص 11
([88]) ابن تيمية، مجموع الفتاوى 18/7 – 11
([89]) ابن تيمية، جامع المسائل 4/96 – 98
([90]) ابن تيمية، مجموع الفتاوى 35/384
([91]) همام سعيد، الفكر المنهجي عند المحدثي ص 30
([92]) ينظر سعد الدين التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح 2/3
([93])التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون 1/627
([94]) السخاوي، فتح المغيث 1/22
([95]) التهانوي، المصدر السابق 1/627
([96]) ينظر صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه ص 10، وعمر فلاتة، الوضع في الحديث 1/42
([97]) محمد أبو زهو، الحديث والمحدثون ص 10، ومحمد عجاج الخطيب، السنَّة قبل التدوين ص 16
([98]) نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحديث ص 28
([99]) صحيح مسلم، كتاب الأيمان، باب بَابُ إِطْعَامِ الْمَمْلُوكِ مِمَّا يَأْكُلُ، وَإِلْبَاسُهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفْهُ مَا يَغْلِبُهُ(3/1283) ح (1661)
([100]) النووي، شرح النووي على مسلم 3/45
(4)http://www.alukah.net/sharia/0/62059/
([102]) ابن حبان، المجروحين 1/58
([103]) ابن القطان الفاسي، إحكام النظر في أحكام النظر بحاسة البصر ص144
([104]) همام سعيد، مقدمة شرح علل الترمذي لابن رجب 1/25
([105]) الشريف حاتم العوني، خلاصة التأصيل لعلم الجرح والتَّعديل ص6
([107]) عبد الله بن يوسف الجديع، تحرير علوم الحديث 1/236
([108]) التحرير والتنوير 27/126
([112])الفسوي، المعرفة والتاريخ 2/54-55
([113]) الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد 14/307
([114]) ابن حبان، المجروحين 2/219، والخطيب البغدادي، تاريخ بغداد 14/469
([115])الخطيب البغدادي، المصدر السابق 9/68
([117])العقيلي، الضُّعفاء الكبير2/239
([118])الحاكم، معرفة علوم الحديث ص 42
([119]) ابن حبان، المجروحين2/43
([120]) ينظر للتفصيل في هذا الأمر إبراهيم اللاحم، الجرح والتَّعديل ص304- 456
([121]) عبد الرحمن المعلمي، إشكالات في الجرح والتَّعديل مطبوع ضمن مجموع الرسائل الحديثية ص93، وينظر أيضا رسالته الاستبصار في نقد الأخبار ضمن المجموع نفسه ص59-62، وينظر أيضا يحيى رضا جاد، ثلاث رسائل في تجديد أصول الفقه وعلوم الحديث ص 121
([122]) الإمام مسلم، التمييز ص218
([123]) ابن حبان، المجروحين 2/218-219، ونحوه قوله في ابن لهيعة، وإسحاق بن يحيى، وأيوب بن سويد الرملي.
([124]) ينظر على سبيل المثال قوله في محمد بن مسلم بن مهران: “ليس له من الحديث إلا اليسير، ومقدار ماله من الحديث لا يتبين صدقه من كذبه”، الكامل 7/485، وقوله في سلم العلوي: “وسلم العلوي قليل الحديث جدا، ولاَ أعلم له جميع ما يروي إلاَّ دون خمسة أو فوقها قليل، وبهذا المقدار لا يعتبر فيه حديثه أنه صدوق أو ضعيف، ولاَ سيما إذا لم يكن في مقدار ما يروي متن منكر”،الكامل 4/351
([125]) ينظر الشريف حاتم العوني، الأسس العقلية لعلم نقد السنَّة النبوية ص 21- 22
([126]) التَّعديل والتجريح 1/283-288
([127]) ذكره في كتابه المجروحين فقال: “وَإِنَّمَا نملي بَعد هَذَا الْكتاب كتاب الْفضل من النقلَة وَنَذكُر فِيهِ كُل شيخ اختلف فِيهِ أَئِمَّتنَا مِمَّن ضعفه بَعضهم وَوَثَّقَهُ البَعض وَنذكر السَّبَب الدَّاعِي لَهُم إِلَى ذَلِكَ ونحتج لكل وَاحِد مِنهُم وَنَذكُر الصَّوَاب فِيهِ لِئَلَّا نطلق عَلَى مُسلِم الْجرح بِغَير علم وَلَا يُقَال فِيهِ أَكثَر مِمَّا فِيهِ”. المجروحين 1/292
([128]) رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص 20
([130]) ابن القيم، الفروسية ص 240
([131]) علي نايف بقاعي، الاجتهاد في علم الحديث وأثره في الفقه الإسلامي ص94
([132]) ينظر جمال أسطيري، مصطلحات الجرح والتَّعديل المتعارضة ص 748-749
([133]) التأويل الحداثي للتراث التقنيات والاستمدادات ص179
([134]) ابن دقيق العيد، الاقتراح في بيان الاصطلاح ص 437
([135]) البيهقي، دلائل النبوة 1/47
([136]) الشريف حاتم العوني، عقلانية منهج المحدثين في التحقق من عدالة الرواة ص98
([137]) خالد أبا الخيل، الاتجاه العقلي وعلوم الحديث ص187-188، والأقواس من وضعنا
([138])الشريف حاتم العوني، المرجع السابق ص 124
([139])الشريف حاتم العوني، المرجع السابق ص 151، وكتابه: الأسس العقلية لمنهج نقد السنَّة النبوية ص 41
([140])عزيز رشيد الدايني، أسس الحكم على الرجال حتى نهاية القرن الثالث الهجري ص 65
([141]) سؤالات الشيخ محمد حبيب الله للعلامة عبد الله بن الصديق الغماري ص 5 نقلا عن علي نايف بقاعي، الاجتهاد في علم الحديث وأثره في الفقه الإسلامي ص 208
([142]) الشريف حاتم العوني، الأسس العقلية لعلم نقد السنة النبوية ص 32
([143]) ابن حجر، هدي الساري ص 404
([144]) ابن أبي حاتم، الجرح والتَّعديل 3/230
([145]) ابن حجر، تهذيب التهذيب 3/40
([146]) المصدر السابق 5/43، وهدي الساري ص 432
([147]) ينظر تاريخ ابن معين برواية ابن محرز 1/157، وهدي الساري ص 433، وميزان الاعتدال 2/418
([149])العلل ومعرفة الرجال رواية المروذي وغيره ص 93
([150]) ابن حجر، هدي الساري ص 447
([151])ابن أبي حاتم، الجرح والتَّعديل 9/38
([152])أحمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال 1/434
([153])ابن أبي حاتم، الجرح والتَّعديل 1/289
([154])تاريخ ابن معين برواية ابن محرز 1/103
([155]) ابن حبان،المجروحين 2/15
([156])الذهبي، سير أعلام النبلاء 13/228، وقد نازع في تذكرة الحفاظ (2/238) في صحة حكاية تكذيبه.
([157])ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال 1/151
([158]) ابن أبي حاتم، الجرح والتَّعديل 2/289
([159])مسلم بن الحجاج، مقدمة صحيح مسلم 1/27
([160])ابن معين، سؤالات ابن الجنيد لابن معين ص 471
([161])الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد 13/510