منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ضوابط منهجية ومقاصد تجديدية في تنزيل أحكام السيرة النبوية

محمد الغالي

0
الفهرس إخفاء

ضوابط منهجية ومقاصد تجديدية

في تنزيل أحكام السيرة النبوية

بقلم: محمد الغالي

 

ملخص

 تعتبر السيرة النبوية منطلق العلوم الإسلامية ومنبعها، ولذلك لا بد من ضوابط منهجية في دراستها على أحسن وجه، ضوابط تراعي الشمول والتكامل بين النقل والعقل والإرادة الفعلية، وتجمع بين فقه النص وفقه الواقع في الضروريات والحاجيات.

 كما أن تنزيل أحكام السيرة النبوية وحِكمها على وقائع المكلفين؛ لها مقاصد شريفة ومعالم تجديدية منيفة، تؤكد على أصول العقيدة والمفاهيم الصحيحة، وتهدف إلى وحدة جامعة في الفكر والتصور والممارسة لأمة الإسلام الخالدة على مر العصور.

 ومن أهم مقاصد العلوم الإسلامية الكاملة؛ تجديد العاطفة والرابطة الإيمانية الصادقة والتربية على مائدة السيرة النبوية بالقدوة الحسنة المباركة، والاجتهاد والتمرس على إحياء فقه السنن الربانية في الدعوة وإصلاح الأمة.

 فالأمة التي لا تفقه تاريخها وسيرة نبيها وقائدها لا مشروع ولا مستقبل لها، وفقه التاريخ لأمة تحمل رسالة للعالمين يعني ضمان استمرار رسالتها الخالدة بين الأمم.

الكلمات المفتاحية: (الضوابط المنهجية، المقاصد التجديدية، تنزيل الأحكام).

مقدمة:

 تحتاج العلوم الإسلامية عموما والسيرة النبوية بشكل خاص إلى دراسة تجمع بين ضوابط الاستنباط وقواعد التنزيل حتى نقارب بين جميع مناهج البحث في هذه العلوم بشكل تكاملي يخدم أهداف ومقاصد الشريعة الإسلامية وأحكامها.

 أما دراسة السيرة النبوية، باعتبارها منطلق العلوم الإسلامية ومنبعها، وعرضها واستنباط الأحكام منها؛ فله قواعد تضبطه، وأصول تحكمه، ومصادر متنوعة ترفده، تصنع مشاريع مباركة بالخير واعدة، وعائدة بالنعيم والنفع على كل الناس إن شاء الله تعالى.

 ولذلك كله لا بد من ضوابط منهجية في دراستنا للسيرة النبوية على أحسن وجه، وأقوم طريق، تجنبا للمزالق التي سقط فيها بعض من سبقنا بإحسان في هذا الباب، ضوابط تراعي الشمول والتكامل بين النقل والعقل والإرادة الفعلية، ضوابط تناسب أحوال العصر وتستجيب لحاجيات أهله، لا تُغلب العقل على العاطفة أو العكس، ولا تَجنح إلى التبرير والاعتذار، تقف على الكليات ولا تغفل الجزئيات. ضوابط منهجية لا تخلط بين الأولويات ولا تترك فقه الموازنات، وتجمع بين فقه النص وفقه الواقع في الضروريات والحاجيات.

 ولتنزيل أحكام السيرة النبوية وحِكمها على وقائع المكلفين مقاصد صريحة ومعالم تجديدية واضحة، تؤكد على أصول العقيدة والمفاهيم الصحيحة، وتهدف إلى وحدة جامعة في الفكر والتصور والممارسة لأمة الإسلام الخالدة على مر العصور. فأهم مقاصد العلوم الإسلامية الكاملة؛ تجديد العاطفة والرابطة الإيمانية الصادقة والتربية على مائدة السيرة النبوية بالقدوة الحسنة المباركة، ثم الاجتهاد والتمرس على إحياء فقه السنن الربانية في الدعوة وإصلاح الأمة.

 كل ذلك وغيره ندرسه ونحلله بمقاربة أصولية فقهية مقاصدية تجديدية تكاملية تحرس الدين من كل غلو أو تزوير أو باطل، ونضيف على وسائله المتغيرة ما يقتضي تنزيل أحكامه الشرعية على ما يجدُّ من وقائع وأحداث، أو ما يعنيه المجتهدون بإضافة أحكام مستنبطة لنوازل مستجدة. ونعني بالتجديد في الواقع المعاصر إحياء منارات الدين بالاجتهاد المحكم الرصين، حفظا لصلاحية الشريعة وسعيا موفقا للأمة بالنصر والتمكين.

المبحث الأول: ضوابط منهجية في فهم وتنزيل السيرة النبوية.

 تعتبر السنة الشريفة الركن الثاني في الوحي والمصدر الثاني قي التشريع، ونعني بها هنا الأحكام المأخوذة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم. فهي راجعة في معناها إلى القرآن الكريم، مفصلة لمجمله مبينة لمشكله وباسطة لمختصره ومقيدة لمطلقه، ولهذا فنحن مطالبون بحسن فهمها، وتنزيلها تنزيلا يتفق مع مقاصد الشريعة، وتفادي الفهم الناقص والمتناقض والتبسيطي الذي يهدم الكليات بالجزئيات وينقض القطعيات وينفيها بالظنيات.

المطلب الأول: ضوابط أصولية لفقه تنزيل أحكام السيرة النبوية.

  • الضابط الأول: مراعاة الفطرة الإنسانية عند التنزيل:

 إن الله سبحانه وتعالى- وهو الذي خلق الإنسان على الفطرة- نزل الشريعة وأحكامها وفق الطبائع البشرية، قال تعالى:{فطرت الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم} سورة الروم، الآية:30. وكل تغيير يقع على الفطرة فالإنسان هو المسؤول عنه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:”ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه”[1].

 أما التشريع فقد جاء متناغما مع فطرة الإنسان وليس مصادما لها، وبالتالي فالتنزيل للأحكام على وقائع الناس لا بد أن يكون بمقتضاها ولا يخالفها، يقول العز بن عبد السلام:”كل صفة قبيحة جبلية لا كسب للإنسان فيها فلا أجر عليها ولا وزر، كقبح الصورة، ودمامة الخلق، وشناعة الأعضاء، ونقص العقول والحواس”[2]. كما أن الشرع لا يؤاخذ المجنون والنائم والصبي، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:”رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم”[3]. بالإضافة إلى عدم المؤاخذة على النسيان وهذا ما يوافق الفطرة الإنسانية.

 وتماشيا مع الفطرة الإنسانية التي فطر الله الخلق عليها، نجد أن السيرة النبوية جاءت بمنهج التدرج مع الإنسان في حياته، ومخاطبته بأحكام تناسب عمره وعقله ووضعه، ولم تحاسبه على ما فوق طاقته وقدرته، كالخواطر والهواجس. ولم يطالب الشرع الإنسان برفع الأوصاف التي طبعه عليها كالشهوة إلى الطعام والشراب والمشاعر الفطرية، وإنما جاء التشريع لضبطها حتى تستقيم مع الحاجات العليا للوجود الإسلامي.

 وأبلغ مثال على هذا الضابط ما قرره الفقهاء من: أن الأبوة مانعة من القصاص تماشيا مع الفطرة ومراعاة لها في تنزيل الأحكام، ودليلهم في ذلك قول عين الرحمة صلى الله عليه وسلم: “لا يُقتل والد بولده”[4] ولذلك فالأب،إذا حصل وإن قتل ابنه عمدا أو عدوانا، فإنه لا يقتل قصاصا، والدية ملزمة له. لأن الحكمة الشرعية من القصاص هي: الردع والزجر،وما في الأبوة من حنان وعطف وشفقة على الابن يكفي لزجره وردعه، فإيجاب القصاص على الأب لا يحقق حكمة القصاص والغرض منه، وهو الزجر والردع، فالأب لا يقدم على قتل ابنه عمدا وعدوانا إلا في أحوال شاذة لا تستدعي تقرير القصاص منه – أي تنزيل حكم القصاص عليه-، كما أن الأب سبب حياة الابن، فلا يكون الابن سبب إعدام الأب، وهذه رحمة فطر الله الناس عليها وجب احترامها وموافقة الأحكام الشرعية لها.

 ومن الأمثلة التطبيقية ما ذكره أهل الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما سأل ابنته حفصة عن المدة التي تصبر المرأة عن زوجها؟ فحددتها في أربعة أشهر إلى ستة أشهر، فقال عمر:”لا أحبس الجيش أكثر من هذا”[5]، فتبين من خلال هذا الموقف أن عمر بن الخطاب استعان بالفطرة ليقرر تنزيل حكم فيما لا نص فيه، ويصبح التشريع منسجما مع الفطرة البشرية.

 ومعلوم أن الفطرة الإنسانية هي التي أعانت سليمان عليه السلام لمعرفة الأم الحقيقية،”لما استدل بما قدره الله وخلقه في قلب الصغرى من الرحمة والشفقة”[6]. فحضور واعتبار الفطرة في النفس الإنسانية وأثرها في الأحكام عند الاجتهاد أثناء التنزيل مهم جدا لتحقيق التكامل بين الفطرة والشرع وكلاهما من الله تعالى.

 وهكذا فإن على المجتهد عند تنزيل الأحكام مراعاة الفطرة الأصلية للمكلف حتى ينضبط التنزيل أكثر، وتكون ثمار التطبيق للأحكام أكثر نفعا وأوقع في روح المكلف وعقله، وهذا هو المنهج الإسلامي المتكامل.

  • الضابط الثاني؛ مراعاة المرحلية والتدرج عند التنزيل:

 وهذا الضابط هو مكمل لضابط الفطرة، وهو من الضوابط التي تحكم فقه التنزيل. حيث إن المرحلية تستلزم التدرج في التطبيق، وتحيط بالواقع الذي يعيشه المكلف، مما يساعد المجتهد على التنزيل السليم للأحكام. وقد كانت هذه المرحلية المتدرجة في تنزيل أحكام الدين سنة نبوية، وفي التبشير بالإسلام، حيث كانت الأحكام التعبدية والأحكام المنظمة للحياة تنزل في الوحي منجمة، ويُربّى عليها المسلمون منجمة كذلك، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما خلصت الحياة بالتدرج من الجاهلية إلى الرشد، وأنجزت أحكام الدين في واقع الحياة، كما كان هذا التنزيل كيفيا أيضا بتصاعد الحكم الواحد من الأخف إلى الأشد في التكليف إيجابا وتحريما، كما هو معلوم في فرض وتنزيل مجموعة من الأحكامكإيجاب الصلاة وتحريم الخمر وغيرهما.

 ومن الخطأ في فقه التنزيل القفز على المرحلة وضرب الواقع الذي يعيشه المكلف في التنزيل للأحكام. ولهذا نجد أن كثيرا من الدعاة إلى تنزيل الشريعة الإسلامية في واقع اليوم- أفرادا وجماعات- تراهم يعارضون أسلوب التدرج في التنزيل، ويدعون إلى تطبيق شامل للأحكام الدينية، وفي جميع مجالات الحياة، جملة واحدة، ويرون أن التدرج في تطبيق أحكام الشريعة هو عملية تصحيح لا مبرر فيه للتدرج، وأن ترك بعض المجالات تجري على باطلها يشبه أن يكون إقرارا لذلك الباطل، ولو لمرحلة زمنية معينة؛ ولذلك فإنهم يرفضون أن تنزل الشريعة أبعاضا، بل ويرفضون كل فرصة تسنح في ذلك. وهذا مما يمكن أن يقود إلى ضرب الشريعة بدل المحافظة عليها، فما قامت العلمانية وغيرها من الدعوات المفسدة للأمة إلا بسبب تلك النظرة القاصرة في تنزيل الأحكام الشرعية على الواقع.

 وللتنبيه فإن التدرج الذي نتحدث عنه هو التدرج الكمي، الذي يتقدم فيه بتطبيق بعض الأحكام، ويتأخر بعضها إلى أجل لاحق، وليس التدرج الكيفي الذي ينمو فيه الإيجاب والمنع، من الأخف إلى الأشد، كما كان مبدأ نزول الوحي. إذاً هو تدرج في التنزيل وليس التدرج في الأحكام، لأن ذلك انتهى بزمن التشريع. ويعبر عنه الدكتور القرضاوي[7] بالتدرج في التنفيذ وليس التدرج في التشريع؛لأن التشريع قد تم واكتمل بإكمال الدين، وإتمام النعمة، وانقطاع الوحي، وبهذا يكون التدرج في التطبيق هو إتباع مراحل مضبوطة أثناء تنزيل الأحكام الشرعية على محالها، وذلك من أجل الوصول وتحقيق الأهداف المرسومة والمتمثلة في جلب المصالح ودفع المفاسد عن المكلفين.

 والأمثلة على هذا الضابط كثيرة في السيرة النبوية، منها عدم رد النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم عليه السلام، وذلك لحداثة القوم بالكفر[8]. فكانت المرحلية هي التي منعت النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، لأنها تقتضي التدرج في التعامل مع مثل هذه القضايا، وذلك لصعوبة إقناع حديثي العهد بالإسلام بتغير بعض ما يرونه عقيدة أجدادهم وجب الحفاظ عليها.

 والمثال الآخر هو توقيع الرسول صلى الله عليه وسلم المعاهدة مع قريش في صلح الحديبية[9]، وإن كانت في ظاهرها تعبر عن الضعف والتنازل لأهل الباطل، فالحقيقة أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتعامل مع المرحلة بما يناسبها من خطط وبرامج لتحقيق تنزيل سليم للأحكام وتطبيق للشريعة في الوقت الصحيح من خلال هذا الإجراء التنزيلي للأحكام الاستثنائية وما يناسب المرحلة.”وعند تجدد ظروف مماثلة لظروف قيام المجتمع الأول أو قريبة منها، نستطيع الأخذ بهذه السنة الإلهية، سنة التدرج، إلى أن يأتي الأوان المناسب للحسم والقطع”[10].

 هذا الذي نعنيه بالمرحلية، التي على المجتهد وفقيه التنزيل أن يلاحظها ويراعيها في تقرير الأحكام المستنبطة من السيرة النبوية، حتى ينزل ما يصلح لتلك المرحلة ويؤخر ما لا يصلح لها، إلى حين صلاحه، ولكل حكم متغير مرحلة يتنزل فيها.

  • الضابط الثالث؛ اعتماد الحكم المراد تنزيله على دليل صحيح:

 المعلوم لدينا أن التنزيل لا ينضبط إلا إذا كان يستند على دليل صحيح، وقد ذكرنا سلفا أن الغاية من انضباط التنزيل هي تحقيق مقصود الشارع من وضع الشريعة. وعلى هذا، فالحكم الشرعي يلزم أن يكون مجمعا عليه أو منصوصا أو ثابتا باجتهاد صحيح، سواء كانت الأحكام كلية؛ وهي الأحكام التي لا تنحصر في نوع معيّن من التصرفات أو باب واحد من أبواب الفقه، وهي عبارة عن القواعد الشرعية المتفق أو المنصوص عليها، أو كانت أحكاما جزئية؛ وهي الأحكام المتعلقة ببعض التصرفات المحصورة في باب معين من أبواب الفقه، كأحكام البيوع والنكاح والمواريث وغيرها.

 وعند تنزيل الحكم الثابت باجتهاد صحيح على واقعة معينة، يضاف إلى دليل المشروعية دليل الوقوع، وهو: حصول الحكم على سبب موجود وهو ما يعرف بالثبوت ومعناه”قيام الحجة على ثبوت السبب عند الحاكم”[11]. ومن المعلوم أن انضباط الأحكام المستنبطة بهذه الشروط، لا يمنع وقوع الخلاف إما في تقرير الحكم وإما في تنزيله. ومثلما اختلف العلماء في تنزيل بعض الأحكام المنصوصة، فقد اختلفوا كذلك في تنزيل الأحكام المستنبطة، حتى مع اتفاقهم على صحة الحكم، ولذلك يقع الخلاف داخل المذهب، لأن كل حكم يحتمل صورا كثيرة، وبهذا علل الإمام الشاطبي[12] كثرة التصانيف وعظم أجزاء الدواوين.

  • الضابط الرابع؛ فهم النص على ضوء المصلحة والعرف:
  • جاءت الشريعة عموما لمصلحة العباد في المعاش والمعاد، فلا شك عند العقلاء في مراعاة النص للمصلحة العامة والخاصة؛ لأن المصالح العامة حقيقة مثل النص، وهذا معمول به منذ عهد الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم، فقد دون عمر الدواوين وسك النقود واتخذ السجون، وكتب عثمان المصحف، وزاد النداء الثالث يوم الجمعة، وغير ذلك مما يبين أن المصلحة أصل مقعد ومعمول به ومقصود، وبالتالي فعلى فقيه التنزيل أو المجتهد أن يتلمس المصالح المعتبرة في تنزيل الحكم على الوقائع معتبرا في ذلك تغير الزمن والحال، لأن أي تنزيل للأحكام لم يحقق مصالحه، فإنه يعتريه النقص ويشوبه الخلل، وقد فرق العلماء بين نوعين من النصوص:
  • هناك نصوص بنيت على المصالح، وهي من قبيل نصوص متغيرة تنزل إذا تحققت المصالح، ويتم تأجيل تنزيلها إذا لم تتحقق المصالح.
  • ونصوص أنشأت المصالح وهي من قبيل الثوابت الشرعية التي يختلف التعامل معها في التنزيل، وهذا يعني أن تنزيل المجتهد للنص لا يكون سليما إذا لم يكن مراعيا لهذا التقسيم [13].

وفي غياب هذا الفهم، إما أن يعتبر المصالح في كل تنزيل أو لا ينظر إليها عند التنزيل.

  • وما قلناه نفسه عن المصلحة نقوله عن العرف، فمن النصوص ما هو مبني على العرف، ومنها ما هو منشئ للعرف، وبما أننا حكمنا قطعا أن الشارع جاء باعتبار المصالح، لزم القطع بأنه لا بدّ من اعتبار العوائد كذلك، لأنه “إذا كان التشريع على وزان واحد دلّ على جريان المصالح على ذلك، لأن أصل التشريع سبب المصالح، والتشريع دائم كما تقدم فالمصالح كذلك، وهو معنى اعتبار للعادات في التشريع، وأن العوائد لو لم تعتبر لأدى إلى تكليف ما لا يُطاق، وهو غير جائز أو غير واقع”[14].
  • الضابط الخامس؛ الحدود تدرأ بالشبهات والضرورات تبيح المحظورات:

1/أصل قاعدة درء الحدود بالشبهات عند التنزيل، ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة”[15]، وما روي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعا”[16]، ويترجم هذه الأحاديث وغيرها، ويعطيها قيمة في التنزيل قول عمر بن الخطاب:”لئن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي أن أقيمها بالشبهات”[17]. وقد أجمع العلماء والأئمة على درء الحدود بالشبهات، وأكدوا على ضرورة مراعاة هذه القاعدة عند التنزيل، وهذا ما نقله ابن المنذر في كتابه الإجماع بقوله “وأجمعوا على أن درء الحد بالشبهات”[18]. وعليه فمن مقاصد الشريعة في التنزيل أن لا تقام الحدود بأية شبهة، وأن تدفع عن المكلف رفعا للحرج وتجنبا للخطأ ووقوع الظلم في الحدود. ومراعاة هذه القاعدة في تنزيل الأحكام يعد من التخفيف والتوسعة على المكلفين ورفع المشقة والحرج، مما يرفع ويعزز من نظرة الشريعة إلى الإنسان بإقامة العدل وإحقاق الحق قبل تنفيذ الحدود حتى يوافق تنزيل أحكام الشريعة مقاصدها.

2/كما يجب مراعاة قاعدة”الضرورات تبيح المحظورات”[19] عند التنزيل مما يعين المجتهد على تصحيح التطبيق للأحكام، كما أن العمل بفحوى هذه القاعدة ومقاصدها يعين على رفع الحرج ويطبق مبدأ العمل بالتيسير، وهو كذلك من وسائل التطبيق المقاصدي لأحكام الشريعة الإسلامية.

 والشارع حينما يبيح المحرم للمكلف في حالة الضرورة، فذلك من أجل رفع المشقة عليه؛ لأن التنزيل أولا وأخيرا قائم على رعاية المقاصد. ولأن القول بهذه القاعدة والأخذ بها في الأحوال الاستثنائية لاستباحة المحرم دليل على أن الإسلام قدّر واقع الإنسان وضعفه، ومقتضيات الحياة التي يواجهها، وهو ما يؤكد على واقعيّة الشريعة الإسلامية “التي لا تحلق بالإنسان في مثاليات حالمة، ترفرف في السماء، ولا تنزل إلى الأرض، بل تعترف بضغط الحياة، وقهر الظروف وضعف الإنسان، وتلبس لكل حالة لبوسها”[20]، وتنزل الحكم على كل مكلف في الزمن والظرف والحال المناسبين.

المطلب الثاني: ضوابط تنزيل أحكام السيرة النبوية على الواقع.

 يعتبر النظر في أحوال المكلفين المختلفة من الضوابط والمسالك القويمة عند تنزيل أحكام السيرة النبوية وتطبيقها وفق المقاصد الشرعية، لأن البحث عن محل الحكم يتطلب النظر في كل مقومات التكليف وشروطه لتفضي عملية التنزيل إلى تحقيق مقصد الحكم المطبق، ولأن الأحكام تتأثر بتغير أحوال المكلفين؛ يتوجب النظر على هذا الأساس في أحوال المكلف لتهيئة محل الحكم، وهذا ينصرف إلى أنواع كثيرة من الأحوال نذكر ها من خلال الضوابط التالية:

  • الضابط الأول؛ مراعاة الأحوال النفسية والبدنية للمكلفين.

– فقد ثبت في الشريعة أن النفس الإنسانية تعتريها أحوال طبيعية من شخص إلى شخص ومن زمان إلى زمان ومن ظرف إلى ظرف، كالهلع والجزع والخوف والاطمئنان والغضب والفرح والحزن والألم واللذة، وما إلى ذلك من الأحوال البشرية التي ثبت تأثر الأحكام الشرعية بها، ومن الأدلة على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:”لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان”[21] وقد قاس العلماء على هذا الحديث جميع الأحوال النفسية التي تؤثر على مجرى الحكم القضائي.

والمثال الأوضح هو النهي الوارد عن الصلاة والمصلي يدافع الأخبثين[22]، لما في ذلك من أحوال نفسية مانعة من أداء الصلاة بالخشوع والحضور المقصودين منها. كما أنه لا يسلك في أذن الأخمص إلا صوت يبشره بخبز يملأ بطنه الجائع.

 وبهذا يكون هذا الضابط مسلكا مساعدا للمجتهد وهو يريد توجيه المكلف إلى الأحكام. وهذا يسري على فقه الدعوة إلى الإسلام وتعاليمه،”فاختيار الحالة النفسية الملائمة شرط أساسي في تبليغ الدعوة، فلا يجوز مثلا أن يُقصد المكلف وهو في حالة من الإرهاق والتعب أو في حالة من الغضب والقلق وتعرض عليه الدعوة وتكاليفها بصورة من الإلزام والإجبار”[23]. فالطبيعة البشرية في غالبها ترفض هذا المنهج وتمجه، وقد يؤدي ذلك إلى النفور من تكاليف الشريعة خصوصا في مجتمع الشريعة غريبة فيه.

– والكلام نفسه يقال عن الجانب البدني في الإنسان المكلف، لأن أغلب العبادات متعلقة بوجود بدن صحيح معافى حتى تؤدى على أتم وجه، كالصلاة والصوم والحج والزواج والقدرة على العمل للأجر وغيرها حيث البدن مناط أحكامها. والنتيجة من هذا أن الحالة البدنية للمكلف هي الأخرى من بين الأحوال التي تختلف الأحكام باختلافها وتتغير الفتاوى بتغيرها، مما يتوجب على فقيه التنزيل النظر فيها باعتبار أن تحقيق المقصد الشرعي متوقف عليها في كثير من الأحيان.

  • الضابط الثاني؛ مراعاة الأحوال الدينية والمقامات التربوية للمكلف:

 الدين إسلام وإيمان وإحسان، يقول الشاطبي: “حفظ الدين حاصله في ثلاثة معان وهي: الإسلام والإيمان والإحسان”[24]، وهي مأخوذة من حديث مراتب الدين المشهور الذي أخرجه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والذي يبين التزام المكلفين على درجات، فمنهم المسلم المكتفي بالأركان والفرائض، ومنهم المؤمن الملتزم بشعب الإيمان ونوافل الطاعات فضلا عن أركانها وفرائضها، ومنهم المحسن المخلص في العبودية البالغ أعلى درجات التقوى والمراقبة.

 وهكذا فالشريعة في تنزيلها لأحكام السيرة النبوية لم تغفل الأحوال الدينية والروحية والمقامات التربوية للمكلفين، والأمثلة في هذا الشأن كثيرة، نذكر على سبيل المثال:

  • أن الخطاب في السيرة النبوية يميز بين أصناف ومستويات المكلفين بحسب المعيار الديني؛ كالتمييز بين الأعراب والأنصار والمهاجرين، وبين المجاهدين والقاعدين، وبين السابقين في الإسلام والمتأخرين، فالمرء وحظه من معرفة الله تعالى والقرب منه، والمرء وغناؤه في الإسلام وبذله ونفقته في سبيل الله، والمرء وسابقته في الجهاد ونشر الدعوة الإسلامية.
  • كما لا يستحسن مخاطبة تارك الصلاة بالنوافل وقيام الليل وصلاة الضحى وغيرها من السنن والمستحبات، كما لا يخاطب مانع الزكاة بالصدقات التطوعية وغيرها.
  • ولم يُجز بعض العلماء الترخيص للمسافر من أجل المعصية، وهذا نتيجته النظر لحاله الديني كما هو واضح، واشتراطهم وصف العدالة في الشهادة والولايات، وتحقيق المناط ورواية الحديث الصحيح وغير ذلك من الأمور التي اشترط فيها العلماء وأهل الاختصاص الورع والتقوى.

 وإذا كانت الشريعة السمحة تراعي هذه الأحوال، فإن على المجتهد التنزيلي أن يلتزم بالنظر فيها قبل تطبيقه أي حكم على أي مكلف، والقدوة في هذا هو رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي وصّى بمخاطبة الناس على قدر عقولهم ومقامهم في حضرة الإسلام والإيمان والإحسان، فعن سيدنا علي كرم الله وجهه قال:”حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله”[25]، ومثل هذا كثير عن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان.

  • الضابط الثالث؛ مراعاة الأحوال الاقتصادية والمالية للمكلفين:

 ومن المجالات التي تستحق النظر الاجتهادي عند فقهاء التنزيل، الجانبان المالي والاقتصادي عند المكلف، وذلك لتعلق كثير من الأحكام والتكاليف بهما، ولأن الله تعالى خلق الناس وميز بينهم في هذا الباب، فمنهم الفقير ومنهم الغني ومنهم المتوسط بين ذلك ودونهم المسكين، كما جعل الله سبحانه بعض البشر لبعض آخر سخرية وفتنة وابتلاء. وهكذا، فإن الأحكام تختلف من حالة إلى حالة.

– ومن الأمثلة على هذا الضابط، أن العبادات المالية كالزكاة مثلا يختلف الحكم فيها من الغني إلى الفقير، لأن الغني الممتلك للنصاب تجب عليه الزكاة وتندب في حقه الصدقات، أما الفقير فيجب صرف الزكاة إليه والعناية به وكذلك المسكين وجميع طبقات المحتاجين.

 فالمجتهد عند التنزيل لا بد له من التحقيق في الأحوال المالية للمكلفين؛ التحقيق في ثبوت النصاب عند المكلف الغني، والتحقيق في ثبوت الحاجة عند المكلف الفقير. والحج كذلك من العبادات التي تشترط فيها الاستطاعة المالية، وهي معتبرة بحال المستطيع.

– ومنها الحقوق المتعلقة بالأموال: كالدين مثلا، يتجه النظر فيه إلى الدائن المعسر، فإن تحقق المناط بأنه على حال عسر مالي وضائقة اقتصادية، فالحكم بالنظرة أو الإعفاء، ولبيت مال المسلمين دور في ذلك.

– ومن الأمثلة كذلك، نفقة الزوج على الزوجة؛ فإذا تحقق المناط بأن العجز عن الإنفاق موجود، للزوجة “أن تفارقه بعد ضرب الأجل ليتضح إعساره”[26].

 وقد يمتد النظر في هذا الصدد إلى الأحوال الاقتصادية العامة للمجتمع، كنظر عمر الفاروق رضي الله عنه إلى حال المجاعة العامة، فلم يطبق حد السرقة، إذ لم يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رمقه. ولأن تطبيق الحدود لا يكون إلا بعد تطبيق العدل الاقتصادي والعدل في تقسيم الأرزاق.

  • الضابط الرابع؛ مراعاة أعراف المكلفين وعوائدهم:

 وقد تكلم العلماء كثيرا في هذا الشأن واعتبروا العرف مصدرا من مصادر التشريع، وقسموه إلى صحيح وفاسد، ونوعوه إلى العرف الفعلي والعرف القولي[27]، ولهذا حث الفقهاء والمجتهدون على أهمية اعتبار الأعراف والعوائد في عملية التنزيل، وعلاقة ذلك بخدمة المقاصد الشرعية أثناء تطبيق الأحكام، لأن اختلاف وتغير الناس غير قابل للانضباط لحكم واحد مع التطور الحاصل في المجتمعات البشرية وفق تقاليدها وعهودها في أقوالها وأفعالها.

 هذا، وتتنوع ضوابط فقه تنزيل أحكام السيرة النبوية وتتوسع حسب الحاجة والدواعي المحيطة بالواقعة، وقد حاولنا في هذا المبحث أن نقسمها إلى عناوين صغيرة متجانسة حتى يسهل فهمها وضبطها، وجاءت هكذا بشكل منطقي وتكاملي كما نعتقد.

المبحث الثاني: مقاصد تجديدية في تنزيل أحكام السيرة النبوية

 إن مقاصد فقه تنزيل أحكام السيرة النبوية أولا وأخيرا إنما هي مقاصد الشريعة الإسلامية عموما؛

 ومقاصد الشريعة مبتدؤها الكتاب والسنة، ومنتهاها الكتاب والسنة، ومن “لا يعول على النصوص الشرعية، منفردة ومجتمعة، ولا يدمن النظر والتنقيب في معانيها ومراميها متحدة متضافرة، ولا يستخرجون مقاصد الشريعة من خلالها، هؤلاء لا يمكن اعتبارهم من أهل المقاصد ولا من أصحاب التوجه المقاصدي في فقه الشريعة، فمقاصد الشريعة لا مصدر لها سوى نصوص الشريعة”[28].

المطلب الأول: مقاصد فقه التنزيل على سبيل الإجمال:

 إن أهم مقاصد الإسلام عموما، عمارة الأرض، والقيام على المهمة التي كلف الله عز وجل بها الإنسان، من نشر التوحيد وإقامة العدل والإنصاف بين أبناء البشرية جمعاء، وهذا لا يكون إلا بالتمكين لهذه الأمة.

 ومن المقاصد الأساسية كذلك، نذكر الوحدة الإسلامية، بل إن الإسلام ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو الوحدة الإنسانية، قال تعالى:{إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} سورة الأنبياء، الآية: 92. وهذا لا يتحقق إلا بتكوين الدولة الإسلامية.

 وقد ذكر ابن خلدون[29] أن من وظيفة الدولة الإسلامية الحفاظ على مقاصد الشريعة وذلك بحماية الدين ورعاية مصالح العباد.

 ويمثل فقه التنزيل في ضوء الفهم لمقاصد الشريعة الطريق الأمثل للتعامل مع فقه المقاصد وفقه الواقع وللموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة، حيث إن مقاصد الشريعة تمثل المرتكز الأهم لفقه التنزيل، وذلك بمراعاتها لمصالح العباد ولأعراف الناس، ما لم يعارضها معارض. ومجالات الاجتهاد التنزيلي المقاصدي توجد في الظنيات، وهي المجالات التي تتغير أحكامها وفروعها بتغير الأزمان والأحوال والواقع مع مراعاة تحقيق مصالح العباد وفق الضوابط الشرعية، وتلك المجالات يوجد مداها في:

أ- مدى استعمال المقاصد في الوسائل الخادمة للعقيدة: ويتمثل ذلك في الكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، والقول البليغ والحجة الدافعة، والحوار، وغير ذلك؛كاستعمال وسائل الاتصال والإعلام مثلا (تلفاز، انترنيت، وغيرها..).

ب- مدى استعمال المقاصد في الوسائل الخادمة للعبادات: وهي التي تساعد على قيام العبادات والمحافظة عليها وضمان وقوعها وتعظيمها وتكاثرها؛ كاستعمال مكبرات الصوت، واتخاذ طوابق في الطواف والسعي والرمي وغيرها.

ج- مدى استعمال المقاصد في كيفيات بعض المعاملات: ومثال ذلك؛ تفاصيل الشورى والعدل وغيرهما.

د- مدى استعمال المقاصد في التصرفات السياسية: والتي يحددها الحكام وأولو الأمر وفق المصالح الشرعية؛ كتقوية الجيوش وإنشاء الحروب وإبرام المصالحات والمعاهدات وغيرها.

هـ – مدى استعمال المقاصد في النوازل الاضطرارية؛كجوائز أخذ مال الغير خشية الهلاك المحقق، أو أكل الميتة للمصاب بالجوع أو شرب الخمر لمن أصيب بغصة مميتة أو ما يشبه ذلك.

و- أثر استعمال المقاصد على عموم الظنيات: التي لا نص فيها ولا إجماع[30].

المطلب الثاني: مقاصد فقه تنزيل أحكام السيرة النبوية:

  • أولا مقاصد التنزيل:

أ- نشأت المقاصد مع نشأة الأحكام، والتي انتصب الرسول صلى الله عليه وسلم لبيانها وتبليغها، وقد كان “المقصد الشرعي أحد الأمور الملتفت إليها والمعول عليها في عملية فهم الأحكام واستنباطها، وتنزيلها، سواء من قِبله عليه الصلاة والسلام بما يبلغه قولا وفعلا، أو من قِبل أصحابه رضي الله عنهم بما يُقره عليهم ويثبته ويؤكده”[31].

 ويمكن إجمال تلك المقاصد في أمرين متكاملين متلازمين، لا بد منهما لبناء فقه سليم وإقامة تدين صحيح:

  • الأمر الأول: هو التمكن من وضع السنن والأحاديث النبوية في مواضعها وما أريد بها، وفق مقاصد الشرع في كل موضع منها.
  • والأمر الثاني: تلافي الوقوع في تفسيرات وتطبيقات مجانبة لمقاصد الشارع أو مضيقة لها، مع ما ينجم عن ذلك من تحريف وتشويه للدين.

ب- ولمعرفة مقاصد فقه تنزيل السيرة النبوية نذكر بعض النصوص والوقائع النبوية التي وردت مقرونة بعللها وحِكمها وأسرارها ومقاصدها، على سبيل المثال:

  • قال صلى الله عليه وسلم:”إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة”[32]، فقد تضمن هذا الحديث العظيم جملة من المقاصد وهي على التوالي:
  • إقرار التيسير،
  • منع التشدد والمبالغة من غير موجب،
  • ملازمة السداد والوسطية، أي الصواب من غير إفراط ولا تفريط،
  • الحث على بلوغ الكمال، أي العمل بما يقرب من الأكمل،
  • دوام العمل وزيادته،
  • التبشير بالثواب والجنة.
  • وعن عائشة رضي الله عنها، قالت:”ما خُير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قطّ إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه”[33]. وتتلخص مقاصد هذا الحديث في اعتماد التيسير والرفق والتخفيف في الأمور كلها ما لم يكن فيها إثم أو ذنب. ومن الأمثلة المشابهة والخادمة لهذا المقصد نذكر كذلك:
  • اختيار الجزية على الحرب في معاقبة المعرضين عن الدعوة، ليسرها وسهولتها بخلاف الحرب التي تدمر وتترك خسارة ومشقة للطرفين معا.
  • اختيار الأخف على الأشد في العبادة فيما خُير فيه المؤمنون، رفقا بهم وإبعادا لما شق عليهم، ولما يؤدي إلى ترك العبادة كلها.

والأحاديث في معنى هذا المقصد كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم فيما روته أمنا عائشة:”إن الله يحب الرفق في الأمر كله”[34]، وقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن:”يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا”[35]، والحديث الذي رواه عبد الله بن عمر في حجة الوداع، قال: فما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء قدِّم أو أُخِّر – من مناسك الحج- إلا قال عليه الصلاة والسلام:” افعل ولا حرج”[36]، وذلك لنفي ورفع الحرج عن الأمة في الحج وفي غيره، وهو نفس الفعل لنفس المقصد عند تركه لصلاة التراويح في الجماعة خشية أن تفرض، وترك التطويل في الصلاة لنفي المشقة والفتنة، وهكذا.

  • ثانيا: مقاصد التجديد:

ونعني بذلك المقاصد المستهدفة من تجديد عرض السيرة النبوية في واقعنا المعاصر، ونوجزها كالتالي:

 1- إن مقصد المقاصد التي تنبني عليها فكرة التجديد في عرض السيرة النبوية هي إعادة صياغتها وكتابتها بمدونة يومية للأعمال المحمدية، تبرز النبي محمد صلى الله عليه وسلم العابد الزاهد، والزعيم المجاهد، والزوج والوالد، والمربي والمعلم القائد، كل ذلك في نسيج وسياق واحد لبناء مشروع رائد.

2- ومن مقاصد تجديد العرض والبيان الاستفادة من مستجدات الزمان، فلكل عصر خصائص تميزه ووسائل وآليات مستحدثة يجب الاستعانة بها في عرض وفهم السيرة النبوية في كل وقت وحين.

3- ومنها كذلك التفاعل الإيجابي مع الواقع والاجتهاد في تحليله وفهمه وتجنب الإسقاط التاريخي، مما يساعد المسلمين عامة والدعاة منهم والمفكرين خاصة، من بناء رؤية صحيحة عن المجتمع ومشكلاته واستنتاج وسائل وأساليب علاجها واتخاذ الحكم المناسب في الزمان المناسب.

4- النظر إلى المآلات، فالسيرة النبوية تزخر بالتصرفات التي تأخذ فيها الأفعال بناء أحكام تتفق مع ما تؤول إليه. كتكفينه صلى الله عليه وسلم لرأس المنافقين في قميصه والصلاة عليه لما كان يرجو من المآلات المحمودة باستمالة أهله وأتباعه والمستظلين بلواء زعامته[37].

5- السيرة النبوية، وهي تطبيق للقرآن الكريم، إن كان في فقهها أهمية كبرى في صناعة تاريخ الإيمان والإسلام، فهي كذلك دعوة للاعتبار بتاريخ الأمم لاستجلاء الدروس والعبر. وهذا من أعمدة المقاصد العظمى التي تمدنا بكنوز التجارب المفيدة في ميلاد الأمة ونشأتها، ودرس لنا في كيفية الحفاظ عليها. فالسيرة النبوية هي ديوان الحضارة الإسلامية الراقية في أبهى العصور وأزهاها.

خاتمة البحث ونتائجه:

 في ختام هذه الورقة، يشرفني التذكير بنتائجها ملخصة فيما يلي:

1- إن من أهم ضوابط فهم السيرة النبوية، تحري الصحيح والحسن والمقبول من الأخبار، وفهمها على ضوء ما جاء في القرآن الكريم، مع التركيز على تحقيق مقاصدها الشرعية.

2- عرض البحث إلى الضوابط الأصولية لفقه التنزيل، وأكد على مراعاة الفطرة الانسانية، والمرحلية والتدرج عند تطبيق الأحكام، مع استحضار المصلحة العامة والخاصة والعرف وعوائد الناس.

3- وتناول البحث أهم ضوابط تنزيل أحكام السيرة النبوية على الواقع، فأكد على ضرورة مراعاة الأحوال النفسية والبدنية، والمقامات الدينية والتربوية، والأوضاع الاقتصادية والمالية للمكلفين.

4- كما حدد البحث جملة المقاصد التجديدية عند تنزيل أحكام السيرة النبوية، وأشار إلى فكرة تجديد عرض السيرة وإعادة صياغتها في مشروع متكامل يواكب تطورات الواقع ويستفيد من وسائل الزمن، ويتفاعل إيجابا مع محيط المكلفين. وللتمكن من وضع الأحكام والسنن النبوية في مواضعها ووفق مقاصدها، لابد من النظر الاجتهادي في مآلات الأفعال.

5- ونقترح في نهاية هذه الدراسة؛ إعداد مشروع جماعي يهتم بدراسة فقه تنزيل جميع الأحكام المستنبطة من السيرة النبوية على الواقع، يستحضر السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للبناء الحضاري للأمة من أجل إبرام نهضتها واستخلافها الموعود من جديد.


المصادر و المراجع المعتمدة:

  • ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق محب الدين الخطيب، مكتبة السلفية، الطبعة3، سنة1407هـ.
  • ابن حبان، محمد بن أحمد، صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة2، سنة1414هـ.
  • ابن خلدون، عبد الرحمان، المقدمة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ط، د.س.
  • ابن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، دار المعارف، بيروت، لبنان، د،ط، د،س.
  • ابن المنذر، الإجماع، تحقيق:د.فؤاد عبد المنعم، دار الدعوة، الإسكندرية، مصر، الطبعة:3، سنة:1402هـ.
  • أبو داود، سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، د.ط.
  • أحمد الريسوني، مقاصد المقاصد، الغايات اللمية والعملية لمقاصد الشريعة،الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، سنة 2014هـ.
  • البخاري، محمد ابن اسماعيل، صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير، دار طوق النجاة، الطبعة1، سنة1422هـ.
  • الخادمي، نور الدين، الاجتهاد المقاصدي حجيته وضوابط مجالاته، وزارة الأوقاف، الدوحة، قطر، الطبعة1، سنة1998م
  • السيوطي، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، بيروت، د.ط، سنة1983م.
  • السبكي، فتاوي السبكي، تحقيق: حسام الدين المقدسي، دار الجيل، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، سنة:1412هـ/1992م.
  • الشاطبي أبو إسحاق، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق وتعليق: عبد الله دراز، المكتبة التوفيقية، القاهرة، د. ط، سنة:2003م.
  • رشيد سلهاط، الحكم الشرعي بين منهج الاستنباط وفقه التنزيل، دار النوادر،لبنان، ط1، 1432هـ /2012م.
  • المعماري، احمد حسن مرعي، فقه التنزيل دراسة أصولية تطبيقية، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، لبنان، الطبعة:1، سنة:2015م.
  • عبد الرزاق وورقية، ضوابط الاجتهاد التنزيلي في ضوء الكليات المقاصدية، دار لبنان،الطبعة:1، سنة2003م.
  • عمر الجيدي، العرف والعمل في المذهب المالكي، مطبعة فضالة، المحمدية، المغرب، د.ط، سنة1984م.
  • القرافي، أحمد شهاب الدين، شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول، تحقيق طه عبد الرؤوف، دار الفكر، بيروت، د.ط، سنة2004م.
  • القاضي عبد الوهاب البغدادي، التلقين، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، طبع دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، الطبعة الثانية، سنة:2002م، ص:87.
  • القرضاوي يوسف، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، مؤسسة الرسالة، بيروت،الطبعة1،2001م.
  • اللياوي محمد، فقه التاريخ باب مشرع للمستقبل، إفريقيا الشرق، الطبعة1، سنة2019م.

[1] أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام، رقم: 1293.

[2] ابن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، دار المعارف، بيروت، لبنان، د،ط، 1/151.

[3] أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدا، رقم:4401، قال الألباني: حديث صحيح، إرواء الغليل، برقم:297.

[4] أخرجه الإمام أحمد في المسند،1/49 رقم:346. وجاء في تعليق شعيب الأرنؤوط أن هذا الحديث: حسن. وصححه الألباني في ارواء الغليل:2214.

[5] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب السير، باب الإمام لا يجمر بالغزو. قال الشافعي: فإن جمرهم فقد أساء ويجوز لهم خلافه والرجوع، حديث رقم:17628.

[6]سلهاط،رشيد، الحكم الشرعي بين منهج الاستنباط وفقه التنزيل، دار النوادر لبنان، الطبعة1/2012م، ص:162.

[7]ينظر: يوسف القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، مؤسسة الرسالة، بيروت،الطبعة1،2001م، ص:305.

[8]ينظر: البخاري في الصحيح،الحديث عن عائشة رضي الله عنها، كتاب الحج، باب فضل مكة وبيانها.

[9]ينظر: البخاري في الصحيح، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط، الحديث:2551.وانظر قصة صلح الحديبية في: ابن هشام، السيرة النبوية، 3/356.

[10] القرضاوي، السياسة الشرعية،م.س، ص:305.

[11]ينظر: فتاوي السبكي، تحقيق: حسام الدين المقدسي، دار الجيل، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، سنة:1412هـ/1992م؛ ص:436.

[12]الشاطبي،أبو إسحاق، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق وتعليق: عبد الله دراز، المكتبة التوفيقية، القاهرة،د.ط، سنة2003م، 3/85.

[13]ينظر: المعماري،أحمد مرعي، فقه التنزيل دراسة أصولية تطبيقية، مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت، الطبعة1، سنة2015م، ص:407-408.

[14] القرافي،أحمد شهاب الدين، شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول، تحقيق طه عبد الرؤوف، دار الفكر، بيروت، د.ط، سنة2004م، 2/287.

[15] أخرجه الترمذي في السنن، كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود،رقم:1344. والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الحدود، ما جاء في درء الحدود بالشبهات،8/238، والحاكم في المستدرك، كتاب الحدود، برقم:8163.

[16] أخرجه ابن ماجة في السنن، كتاب الحدود، باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات. وعن ابن مسعود مرفوعا قال:”ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم” قال الحافظ وإسناده صحيح؛ أنظر:نيل الأوطار،7/272.

[17] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الحدود، باب في درء الحدود بالشبهات. وابن عبد البر في الاستذكار،7\15، قال الألباني رجاله ثقات لكنه منقطع، إرواء الغليل7\344.

[18] ابن المنذر، الإجماع، تحقيق:د.فؤاد عبد المنعم، دار الدعوة، الإسكندرية، مصر، الطبعة:3، سنة:1402هـ؛ 1/113.

[19] السيوطي، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، بيروت، د.ط، سنة1983م 1/211.

[20] القرضاوي، السياسة الشرعية، م.س، ص:304.

[21]أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب القضاء، ذكر الزجر عن أن يحكم الحاكم وحالته غير معتدلة في الاعتدال، رقم:5073. وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.وصححه الألباني في الارواء برقم: 2626.

[22]ابن حبان، باب فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها، ذكر البيان بأن المقصد فيما وصفنا من حاجة الانسان هو أن يشغله عن الصلاة دون م لا يتأذى بها، حديث:2072. وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم:7729.

[23] عبد الرزاق وورقية، ضوابط الإجتهاد التنزيلي في ضوء الكليات المقاصدية، دار لبنان، الطبعة1، سنة2003م، ص:450.

[24] الشاطبي، الموافقات،م.س، 4/20.

[25] الحديث أخرجه البخاري في الصحيح موقوفا عن علي. باب من خصّ بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا،رقم:128.

[26]القاضي عبد الوهاب البغدادي، التلقين، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب، طبع دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، الطبعة الثانية، سنة:2002م، ص:87.

[27] للتفصيل في الموضوع ينظر: عمر الجيدي، العرف والعمل في المذهب المالكي، مطبعة فضالة، المحمدية، المغرب، د.ط، سنة1984م.

[28] أحمد الريسوني، مقاصد المقاصد، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة2، سنة2014م، ص:16.

[29]ينظر: المقدمة، 1/114. والماوردي، الأحكام السلطانية، 1/3.

[30]وأمثلتها كثيرة: كالمستجدات الطبية(الاستنساخ نموذجا)، والمستجدات المالية (حكم بيع العقار قبل الانجاز مثلا)، والمستجدات الاجتماعية (زواج المسيار كمثال،وغيره).

[31]الخادمي، نور الدين، الاجتهاد المقاصدي حجيته وضوابط مجالاته، وزارة الأوقاف، الدوحة، قطر، الطبعة1، سنة1998م، ص:78.

[32]أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الايمان، باب الدين يسر، رقم:39.

[33]أخرجه الامام أحمد في المسند رقم25756، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين.

[34]أخرجه ابن حبان في صحيحه، باب الرفق، في ذكر استحباب الرفق للمرء في الأمور إذ الله جل وعلا يحبه، رقم:547.

[35]أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب الجهاد والسير، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، وعقوبة من عصى إمامه، رقم:3038

[36] أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب جامع الحج، 1/421.

1ينظر: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، تحقيق محب الدين الخطيب، مكتبة السلفية، الطبعة3، سنة1407هـ، 8/338.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.