منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الدِّفاع عن صحيح البُخاريِّ في إخراجه رواية شَرِيك بن أبي نَمِر في الإسراء والمعراج|نقد العلماء القدامى لبعض أحاديث البخاري

د. منصور محمد أحمد يوسف

0

الدِّفاع عن صحيح البُخاريِّ

في إخراجه رواية شَرِيك بن أبي نَمِر في الإسراء والمعراج

نقد العلماء القدامى لبعض أحاديث البخاري

د. منصور محمد أحمد يوسف[1]

الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

فقد قيَّض الله سبحانه وتعالى للسُّنَّة النَّبوية المُشرَّفة حُفَّاظًا عارفين، وجهابذةً عالمين، وصيارفةً ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المُبطلين، وتأويل الجاهلين، فأفنوا أعمارهم في الدِّفاع عنها والذَّب عن حياضها، وبذلوا في سبيل ذلك الغالي والنَّفيس، وكان من هؤلاء الإمامين الحافظين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البُخاريُّ أمير المؤمنين في الحديث، وأبو الحُسين مسلم بن الحجَّاج النَّيسابوريُّ القُشَيريُّ اللذين صنَّفا في الصَّحيح.

واتَّفق علماء الأمة قديمًا وحديثًا أنَّ صحيحهما أصحُّ الكتب بعد كتاب الله عزَّ وجلَّ، وأنَّ الأحاديث المُسْنَدة المُتَّصلة فيهما أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن الصَّلاح: ” أول مَنْ صنَّف الصَّحيح: البخاريُّ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجُعْفِيُّ، مولاهم، وتلاه: أبو الحسين مسلم بن الحجاج النَّيسابوريُّ القُشَيريُّ، من أنفسهم… وكتاباهما أصحُّ الكتب بعد كتاب الله العزيز… ثم إنَّ كتاب البُخاريِّ أصحُّ الكتابين صحيحًا وأكثرهما فوائد”([2]). وقال النَّوويُّ:” اتَّفق العلماء -رحمهم الله-على أنَّ أصحَّ الكتب بعد القرآن العزيز، الصَّحيحان البخاريُّ ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاريِّ أصحهما وأكثرهما فوائد، ومعارف ظاهرة وغامضة، وقد صحَّ أنَّ مسلمًا كان ممَنْ يستفيدُ من البخاريِّ، ويعترف بأنه ليس له نظير في علم الحديث، وهذا الذي ذكرناه مِنْ ترجيح كتاب البخاريِّ، هو المذهب المختار الذِّي قاله الجماهير، وأهل الإتقان، والحِذْق، والغوص على أسرار الحديث”([3]). وقال الذَّهبي عن صحيح البخاري: ” أما جامعه الصحيح فأجلُّ كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى”([4]). وقال وليُّ الله الدهلويُّ:” أما الصحيحان فقد اتَّفقَ المُحَدِّثون على أنَّ جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيحٌ بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما، وأنه كلُّ مَنْ يُهِّونُ أمرهما فهو مبتدع مُتَّبِعٌ غير سبيل المؤمنين”([5]).

ومع مكانة الصَّحيحين السَّامقة، ومنزلتهما الرَّفيعة، إلا أنَّ الله -تعالى- أَبَى أن تكون العِصْمة إلا لكتابه، حيث وجَّه بعض نقاد الحديث انتقادات شديدة لهما.

ومن هذه الانتقادات ما وُجِّه لصحيح البخاري لإخراجه رواية شَرِيك بن عبد الله بن أبي نَمِر في الإسراء والمعراج، وادَّعوا أن الإمام البخاري أخلَّ بشروطه في الصحيح عندما أخرج هذه الرِّواية، وقالوا: إنَّ في رواية شَرِيك بن أبي نَمِر زيادات كثيرة منكرة ” أَنْكرها الخطَّابيُّ، وابن حزم، وعبد الحقِّ، والقاضي عياض، والنَّوويُّ “([6])، وإنَّ هذه الزِّيادات لم يأتِ بها غير شَرِيك بن أبي نَمِر، وقد خالف الثِّقات في ذلك مما يجعله غير ثقة. قال ابن حجر: “وقال عبدُ الحقِّ في الجمع بين الصَّحيحين زاد فيه-يعني: شريكًا- زيادةً مجهولةً وأتى فيه بألفاظ غير معروفة”([7]). بل قال الخَطابُّي: ” ليس في هذا الكتاب-يعني: صحيح البخاري-حديث أشنع ظاهرًا، ولا أشنع مذاقًا من هذا الفَصْل”([8]).

وفي هذا البحث أتناول الانتقادات التي وُجِّهت للإمام البخاري لإخراجه تلك الرواية في “صحيحه”، والرَّد عليها.

أهمية البحث:

(1) يكتسب هذا البحث أهميته من تعلُّقه بـ”صحيح البخاري” الذي يُعَدُّ أصحُّ كتاب بعد كتاب الله عزَّ وجلَّ وذلك باتفاق جماهير العلماء.

(2) يُبيِّن هذا البحث الانتقادات التي وُجِّهت لرواية شَرِيك بن أبي نَمِر في الإسراء والمعراج مع الرَّدِّ عليها.

(3)  يُظهر هذا البحث أن صحيح البخاري عمل بَشريٌّ لا يسلم من النَّقد، لكنه قليل بالنِّسبة لحجم الكتاب، وهذا ينطبق على النَّقد البنَّاء.

 المبحث الأول: الإسراء والمعراج في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبوية

جاءت قصة الإسراء والمعراج في القرآن الكريم مُجْملة، وقد فَصَّلَت السُّنَّة النَّبوية هذا الإجمال. قال تعالى في شأن الإسراء: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾الإسراء: 1. وقال تعالى في شأن المعراج: ﴿والنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ النجم: 1- 18.

أما في السَّنَّة النَّبوية: فقد روى قصة الإسراء والمعراج جماعةٌ من الصَّحابة رضوان الله عليهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم: أُبي بن كعب، وأسامة بن زيد، وأنس بن مالك، وبُرَيْدة بن الحُصَيب، وبلال بن حمامة، وبلال بن سعد، وجابر بن عبد الله، وحذيفة بن اليمان، وسمرة بن جندب، وسهل بن سعد، وشداد بن أوس، وصهيب بن سنان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن أسعد بن زرارة، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عابس، والعباس بن عبد المطلب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، ومالك بن صَعْصَعَة، وأبو بكر الصديق، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو الحمراء، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، وأبو سعيد الخُدْري، وأبو سفيان بن حرب، وأبو سلمى راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو ليلى الأنصاري، وأبو هريرة، وأسماء بنت أبي بكر، وأم المؤمنين عائشة، وأم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم سلمة أم المؤمنين، وأم هانئ رضي الله عنهم جميعًا([9]).

وقد روى عن هؤلاء الصحابة جمعٌ كثيرٌ، تُحيل العادةُ تواطؤهم على الكذب؛ وبذلك تكون قصة الإسراء والمعراج في مجموعها متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال القرطبي: “ثبت الإسراء في جميع مُصنَّفات الحديث، ورُوِي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام فهو من المتواتر بهذا الوجه”([10]).

لكن تلك الرِّوايات جميعها لم تصلنا كاملة بأسانيدها؛ نظرًا لضياع بعض الكتب التي نقلتها، ومدار معظم الروايات الصَّحيحة التي تَصِفُ الإطار الكامل للإسراء والمعراج عن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد سمع بعض الأحاديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرةً، وسمع البعض من أبي ذر الغفاري، ومن مالك بن صعصعة الأنصاري، ومن أُبي بن كعب، ومن أبي هريرة رضي الله عنهم مُسندًا.

   الرواية الكاملة للإسراء والمعراج:

قال البخاري([11]): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي، وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَال: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنِهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ، فَفَتَحَ، قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ.

المبحث الثاني: نصُّ رواية شريك بن أبي نَمِر في الإسراء والمعراج

قال الإمام البخاريُّ([12]): حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ أَوَّلُهُمْ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ، فَقَالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ، فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ([13]) فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى، فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلَّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ([14]) حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ([15]) مِنْ ذَهَبٍ مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ-يَعْنِي: عُرُوقَ حَلْقِهِ([16])– ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَضَرَبَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: جِبْرِيلُ، قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِيَ مُحَمَّدٌ، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، لَا يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ، وَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي، نِعْمَ الِابْنُ أَنْتَ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانِ([17])، فَقَالَ: مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا النِّيلُ وَالْفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا([18])، ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ يَدَهُ فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ أَذْفَرُ، قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الْأُولَى: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ فَأَوعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الْخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظْ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ، بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ، فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ، ثُمَّ عَلَا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى وَدَنَا لِلْجَبَّارِ رَبِّ الْعِزَّةِ، فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ، كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ: مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وَعَنْهُمْ، فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنْ نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ، فَقَالَ وَهُوَ مَكَانَهُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا؛ فَإِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ هَذَا، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الْخَمْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ فَأُمَّتُكَ أَضْعَفُ أَجْسَادًا وَقُلُوبًا وَأَبْدَانًا وَأَبْصَارًا وَأَسْمَاعًا، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ، كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ وَلَا يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ فَخَفِّفْ عَنَّا، فَقَالَ الْجَبَّارُ: يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ قَالَ فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، وَهِيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: خَفَّفَ عَنَّا، أَعْطَانَا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا. قَالَ مُوسَى: قَدْ وَاللَّهِ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُوسَى، قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ، قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الْحَرَامِ.

المبحث الثالث: الانتقادات التي وُجِّهت إلى رواية شَرِيك بن أبي نَمِر

وَجَّه بعض نُقاد الحديث لرواية شريك بن أبي نَمِر نقدًا شديدًا، وأنها خالفت غيرها من روايات الإسراء والمعراج، ومجموع ما خالفت فيه رواية شَرِيك غيرها من الرِّوايات المشهورة أو تفرَّدت به اثنا عشر([19]):

الأول: أمكنة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في السَّماوات، وقد أَفْصَح بأنه لم يضبط منازلهم مما يدلُّ على عدم حفظه، ففي روايته: “كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ فَأَوعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الْخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظْ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ”، وفي غيرها من الرِّوايات التي رواها الثِّقات: “أن موسى في السَّادسة وإبراهيم في السَّابعة”([20]).

الثاني: كون المعراج قبل البعثة، مع أنَّ الثَّابت أنَّه كان بعدها، وقد أنكر الخطابي وابن حزم، وعبد الحق، والقاضي عياض، والنَّووي([21]) عبارة شريك: ” قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ”، قال النَّووي([22]):”وقد جاء في رواية شَرِيك في هذا الحديث في الكتاب أوهام أنكرها عليه العلماء،… قوله: “قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ”، وهو غلط لم يُوافق عليه”.

الثالث: ذكرَت الرِّواية أنَّ المعراج كان منامًا، ففي أول الحديث: “حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى، فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ”، ثم قال في نهاية الحديث: “وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الْحَرَامِ “.

الرابع: مخالفته في محلِّ سِدْرة المُنْتَهى، وأنها فوق السَّماء السَّابعة، بما لا يعلمه إلا الله، والمشهور أنها في السَّابعة أو في السَّادسة.

الخامس: مخالفته في النَّهرين وهما النيل والفرات، وأن عُنصرهما في السَّماء الدنيا، والمشهور في غير روايته أنهما في السَّماء السَّابعة، وأنهما من تحت سِدْرة المُنْتَهى.

السادس: شقُّ الصَّدر عند الإسراء، وقد أنْكَرَ بعضُ العلماء ذلك، وقالوا: إنَّ شقَّ الصَّدر كان وهو صغير.

السابع: ذكر نهر الكوثر في السَّماء الدُّنيا، والمشهور في الحديث أنَّه في الجنة.

الثامن: نسبة الدُّنو والتَّدلي إلى الله عزَّ وجلَّ، والمشهور في الحديث: أنَّ جبريل هو الذي دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

التاسع: تصريحه بأن امتناعه صلى الله عليه وسلم من الرُّجوع إلى سؤال ربه التَّخفيف كان عند الخامسة، ومقتضى رواية ثابت عن أنس أنه كان بعد التَّاسعة.

العاشر: قوله: ” فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ، فَقَالَ: وَهُوَ مَكَانَهُ”، ففي هذا ما يُوهم وجود الله تعالى في مكان، وليس في الأحاديث الأخرى مثل ذلك.

الحادي عشر: رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أن موسى-عليه الصّلاة والسَّلام- أمره بالرُّجوع بعد أن انتهى التَّخفيف إلى الخمس فامتنع.

الثاني عشر: زيادة ذكر التَّور في الطِّست.

المبحث الرابع: الرَّدُ على الانتقادات التي وُجِّهت إلى رواية شَرِيك بن أبي نَمِر

قبل أن أبدأ في الرَّدِّ على الانتقادات التي وُجِّهت للإمام البخاري في إخراجه رواية شَرِيك بن أبي نَمِر، يجب التَّنبيه على أنَّ الإمام البخاري لم يُهمل الرِّوايات الأخرى؛ وبناء على ذلك، فقد يكون له عُذْرٌ في إخراجه هذه الرواية، كما يجدر بي أن أُترجم لشَرِيك بن أبي نَمِر؛ ليتبيَّن لنا آراء العلماء فيه، حيث وثَّقه بعض النُّقَّاد وقالوا فيه مقالًا حسنًا،كما أٌترجم للرَّاوي عنه وهو سليمان بن بلال، وسأقسم هذا المبحث إلى مطلبين: المطلب الأول: ترجمة شريك بن أبي نَمِر، وسليمان بن بلال،  المطلب الثاني: مناقشة الانتقادات التي وُجِّهت للإمام البخاري.

المطلب الأول: ترجمة شريك بن أبي نَمِر، وسليمان بن بلال

  •  الفرع الأول: ترجمة شَرِيك بن أبي نَمِر([23]).

اسمه ونسبه: شَرِيك بن عبد الله بن أبي نَمِر القرشيُّ، أبو عبد الله المدنيُّ، وقال الواقديُّ: الليثيُّ من أنفسهم.

 شيوخه: إبراهيم بن عبد الله بن حُنين، وأنس بن مالك، وسعيد بن عبد الرحمن بن مُكمل الأعشى، وسعيد بن المُسَيَّب، وعامر بن سعد بن أبي وقَّاص، وعبد الله بن حُنين، وعبد الله بن أبي عَتيق، وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدري، وعبد الرحمن بن أبي عَمْرة، وعطاء بن يَسار، وعِكْرمة مولى بن عباس، وعلي بن يحيى بن خلّاد، وعمر بن الحكم بن ثَوْبان، وعمر بن نُبَيه الكَعْبيِّ – وهو من أقرانه- وعَوْن بن عبد الله بن عُتبة، وكُريب مولى بن عباس، ويحيى بن جعفر بن أبي كثير – وهو أصغر منه- وأبي السَّائب مولى هشام بن زُهْرة، وأبي سَلَمة بن عبد الرحمن بن عَوف، وأبي صالح مولى السَّعْديين.

تلاميذه: إبراهيم بن طَهْمان، وإبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، وأبو ضَمْرة أنس بن عِياض، وبُكير بن عبد الله بن الأشَجِّ، وأبو صَخْر حميد بن زياد، وزُهير بن محمد التَّميميُّ، وسعيد بن أبي أيوب، وسعيد بن أبي سعيد المَقْبُريُّ – وهو أكبر منه- وسعيد بن سَلَمة بن أبي الحُسام، وسفيان الثَّوريُّ، وسليمان بن بلال، وصالح بن موسى الطَّلْحيُّ، وعبد الله بن عَطاء بن يسار، وعبد العزيز بن محمد الدَّراوَرْديُّ، وقُرَّة بن عبد الرحمن بن حَيْوَئيل، ومالك بن أنس، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، ومحمد بن عَمَّار المؤذِّن، ومحمد بن عمرو بن عَطاء – وهو أكبر منه – ومحمد بن عمرو بن عَلْقمة بن وقَّاص الليثيَّ، ومسلم بن خالد الزَّنْجيَّ، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة.

أقوال العلماء فيه:

مُجَرِّحوه: تكلَّم بعض نُقاد الحديث فيه، فقال النَّسائيُّ أيضًا: “ليس بالقويِّ”. وقال ابن الجارود: “ليس به بأس، وليس بالقوي، وكان يحيى بن سعيد لا يُحَدِّث عنه”. قال السَّاجي: “كان يرى القدر”.

مُعَدِّلوه:

مع أن بعض نُقاد الحديث جرَّجوا شَرِيك بن أبي نَمِر إلا أن عددًا كبيرًا منهم وثَّقه:

قال محمد بن سَعْد: “كان ثقة كثير الحديث”. وقال الآجريُّ، عن أبي داود: “ثقة”. وقال العِجْليُّ: “تابعي ثقة”. وذكره ابن حِبَّان في الثِّقات، وقال: “ربما اخطأ”.

وقال ابن عبد البرِّ: “كان صالح الحديث، وهو في عداد الشُّيوخ، ليس به بأس”. وقال الذهبيُّ في ميزان الاعتدال: “تابعي صدوق”. وقال ابن حجر في تقريب التَّهذيب: “صدوق يخطئ”.

قال عباس الدُّوريُّ، عن يحيى بن معين، والنَّسائي-في رواية أخرى عنه-:”ليس به بأس”.

وقال أبو أحمد بن عَدِي: “شريك رجلٌ مشهورٌ من أهل المدينة، حَدَّث عنه مالك وغيرُ مالك من الثِّقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته إلا أن يروى عنه ضعيف”. ويتَّضح مما سبق: أن الذين عدَّلوا شريك بن أبي نَمِر أكثر من الذين جرَّحوه.

وفاته: قال الواقديُّ: “توفي بعد سنة أربعين ومئة”، وقال ابن عبد البر: “مات سنة أربع وأربعين ومائة”.

  • الفرع الثاني: ترجمة سليمان بن بلال([24])

تقدَّم في ترجمة شَرِيك بن أبي نمَر قول أبي أحمد بن عَدِي فيه: “حديثه إذا روى عنه ثقةٌ فلا بأس بروايته إلا أن يروى عنه ضعيف”.

سنرى في هذا الفرع: هل الرَّاوي عن شريك بن أبي نَمِر (وهو سليمان بن بلال) ثقة أم غير ذلك؟

اسمه ونسبه: سليمان بن بلال القرشي التيميِّ، أبو محمد، ويقال: أبو أيوب، المدني، مولى عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصِّدِّيق، ويقال: مولى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّدِّيق، وهو والد أيوب بن سليمان بن بلال.

شيوخه: إبراهيم بن أبي أَسِيد البَرَّاد، وبَرَدان بن أبي النَّضْر وهو إبراهيم بن سالم، وثور بن زيد الدِّيليِّ، وجعفر بن محمد الصَّادق، وحمُـَيد الطَّويل، وخُثَيْم بن عِراك بن مالك، ورَبيعة بن أبي عبد الرحمن، وزيد بن أَسْلم، وسعد بن سعيد الأَنْصاري، وأبي حازم سَلَمة بن دِينار، وسُهَيل بن أبي صالح، وشَريك بن عبد الله بن أبي نمر، وصالح بن كَيْسان، وعبد الله بن دِينار، وعبد الله بن سليمان الأَسْلمي، وأبي طُوالة عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعْمَر الأنصاري، وعبد الرحمن بن الحارث بن عَيَّاش بن أبي ربيعة، وعبد الرحمن بن حمُيد بن عبد الرحمن بن عَوْف، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عَتيق، وعبد المجيد بن سُهَيل بن عبد الرحمن بن عَوْف، وعُبيد الله بن سَلْمان الأَغَر، وعُبيد الله بن عمر العُمَري، وعُتبة بن مسلم، وعَلْقمة بن أبي عَلْقمة، وعُمارة بن غَزِيَّة، وعمرو بن أبي عمرو مولى المُـطَّلب، وعمرو بن يحيى بن عُمارة، والعَلاء بن عبد الرحمن، وكَثِير بن زيد الأَسْلَميِّ، ومحمد بن عبد الله بن أبي عَتيق، ومحمد بن عَجْلان، ومعاوية بن أبي مَزَرِّد، وموسى بن أنس بن مالك، وموسى بن أبي تميم، وموسى بن عُقبة، وهشام بن عُرْوة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويزيد بن خُصَيْفَة، ويونس بن يزيد الأَيْلي، وأبي وَجْزَة السعدي.

تلاميذه: إسحاق بن محمد الفَرْوي، وإسماعيل بن أبي أُويس، وبشر بن عمر الزَّهراني، وخالد بن مخلد القَطَواني، وزياد بن يونس، وسعيد بن الحكم بن أبي مريم، وسعيد بن كثير بن عُفَيْر، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبي، وعبد الله بن وَهْب، وأبو بكر عبد الحميد بن أبي أُوَيْس، وعبد العزيز بن عبد الله الأُوَيْسي، وأبو عامر عبد الملك بن عمرو العَقَدي، ومحمد بن خالد بن عَثْمة، ومحمد بن سليمان لُوَين، وأبو الجماهر محمد بن عثمان التَّنٌوخي، ومروان بن محمد الدِّمَشقي الطَّاطَري، والمُـعافى بن عمران الموصلي، ومُعَلَّى بن منصور الرَّازي، وأبو سلمة منصور بن سلمة الخُزاعِي، وموسى بن داود الضَّبِي، ويحيى بن حَسان التَّنِّيسي، ويحيى بن صالح الوُحَاظي، ويحيى بن يحيى النَّيْسابوري.

أقوال العلماء فيه:

قال أبو طالب، عن أحمد بن حنبل: لا بأس به. وقال عَبَّاس الدُّوريُّ، عن يحيى بن معين: ثقة صالح. وقال عبد الله بن شعيب الصَّابوني، عن يحيى بن معين: ثقة. وكذلك قال يعقوب بن شيبة والنسائي. وقال عثمان بن سعيد الدَّارميُّ: قلت ليحيى بن معين: سليمان بن بلال أحبُّ إليك أو الدَّراوَرْديُّ؟ فقال: سليمان، وكلاهما ثقة.

وقال محمد بن سعد: كان بربريًّا جميلا حسن الهيئة، عاقلا، وكان يُفْتي بالبلد، وولي خراج المدينة، وكان ثقةً كثير الحديث. قال الذُّهليُّ: وهو حسنُ الحديث عن الزُّهريِّ، كثير الرِّواية، مُقارب الحديث لولا أنَّ سليمان بن بلال قام بحديثه لذهب حديثُه، ولا أعلمه كتب عن أخي إسماعيل بن أبي أُوَيس. وكان مشهورًا بطلب الحديث بالمدينة، قديم الموت. وقال أبو حاتم: سليمان متقارب.

وفاته: قال محمد بن سعد: توفي بالمدينة سنة اثنتين وسبعين ومئة في خلافة هارون. وقال البخاريُّ، عن هارون بن محمد المدني: مات سنة سبع وسبعين ومئة.

خلاصة القول في شَرِيك بن أبي نَمِر والرَّاوي عنه (سليمان بن بلال):

يتَّضح لنا- مما تقدَّم – أنَّ شَرِيك بن عبد الله بن أبي نَمِر رجل مشهور من أهل المدينة، حدّث عنه مالك وغيره من الثِّقات، وحديثُه إذا روى عن نفسه فإنه لا بأس بروايته، إلا أن يروى عن ضعيف، وأن الآفة إنما تأتينا من الرَّاوي عنه، والراويّ عنه في هذا الحديث سليمان بن بلال، وهو أحد ثقات أهل المدينة.

ومَنْ عَدَّله مالك فمَنْ بعده من الأئمة، لا يُسمع فيه قول المتأخر بحال، لما ثبتت عدالته، “وقال أبو الفَضْل بن طاهر: تعليل الحديث بتفرّد شريك ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء لم يُسْبق إليه؛ فإنَّ شَرِيكًا قَبِلَه أئمةُ الجرح والتَّعديل ووثَّقوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم، واحتجوا به، قال: وحديثه هذا رواه عنه سليمان بن بلال وهو ثقة”([25]).

المطلب الثاني: الرَّدُ على الانتقادات التي وُجِّهت إلى رواية شَرِيك بن أبي نَمِر

أُناقش في هذا المطلب الانتقادات التي وُجِّهت إلى رواية شَرِيك بن أبي نَمِر؛ ليتبيَّن لنا ما إذا كان الإمام البخاري قد خالف شروطه عندما أخرجها في صحيحه، أم أنَّ هناك أسبابًا دفعته أن يُخرجها، وسأعرض للانتقادات التي وُجِّهت للإمام البخاري واحدًا تلو الآخر، وأشفع النَّقد بالرَّدِّ عَقِبَه فيما يلي:

النَّقد الأول: أمكنة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في السَّماوات، وقد أَفْصَح بأنَّه لم يضبط منازلهم مما يدلُّ على عدم حفظه، ففي روايته:” كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ فَأَوعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الْخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظْ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ”، وفي غيرها من الرِّوايات التي رواها الثِّقات: “أن موسى في السَّادسة وإبراهيم في السَّابعة”.

الرَّدُّ على ذلك: أن شَرِيك بن أبي نَمِر لم ينفرد بعدم تحديد أمكنة الأنبياء، وإنما شاركه بعض الرُّواة الأجلاء في ذلك مثل ابن شهاب الزُّهريّ، مما يدلُّ على أن أصل الحديث هكذا، كما رواه أنس رضي الله عنه وأنَّ هذا ليس من شَرِيك، ففي رواية ابن شهاب في أول كتاب الصَّلاة عند البخاري، “قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ”([26]).

ولا يضير أنسًا رضي الله عنه ولا روايته تحديد أمكنة الأنبياء مرةً وعدم تحديدها مرةً أخرى؛ لأنه رواها عن أكثر من صحابي، وهو يؤدي ما سمعه منهم، وإذا كان قد خالف غيره من الثِّقات في قوله: “أن موسى في السَّادسة وإبراهيم في السَّابعة”([27])، فإنَّ رواية ابن شهاب قد وافقته في هذا. قال الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب:      “والحقيقة أنَّنا لا نعرف خواصَّ الرُّوح، أو وجود الأنبياء في السماوات حتى نقول: إن هناك خطأً في رواية؛ لأنها اختلفت عن رواية أخرى في منزل نبيٍّ من الأنبياء، إذ ما المانع في أن تُرى روح النَّبي في أكثر من سماء؟ فربما يكون لها من الخصائص أن تُرى في سماء وأخرى”([28]).

على أنَّه إذا تصوَّرنا أنَّ وجود النَّبي صلى الله عليه وسلم لا يُرى إلا في سماء واحدة، فإنَّه ” يحتمل أن يكون لقي موسى في السَّادسة فأُصْعِد معه إلى السَّابعة تفضيلا له عَلَى غيره من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدةُ ذلك في كلامه مع المصطفى فيما يتعلَّقُ بأمر أمته في الصَّلاة”([29]).

النَّقد الثَّاني: وهو كون المعراج قبل البعثة في رواية شَرِيك، مع أن الثَّابت أنه كان بعدها، ووصف بعض النُّقَّاد بأن هذا غلط وأن شريكًا تفرد بإيراد عبارة شريك: “قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ”.

الرَّدُّ على ذلك: هذا النقد ليس صحيحًا؛ لأن الرواية تنصُّ على أن المعراج كان في ليلة أخرى غير الليلة التي أتى فيها الملائكة الثلاثة، وعبارة: “قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ” تقييد لليلة الأولى التي أتى فيها الملائكة أولًا، فالرواية تقول: جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ … فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى”.

والبُعد بين الليلتين غير مُقَيَّدٍ بزمن معين، فيمكن أن تكون هناك سنوات بين الليلة الأولى التي كانت قبل الوحي، والليلة الثانية وهي ليلة المعراج، ويُحتمل أن يكون المعنى-كما قال ابن حجر العسقلانيُّ([30])– قبل أن يُوحى إليه في شأن الإسراء والمعراج، وأنَّ ذلك وقع فجأةً ولم يُخْبَر به، ويؤيد ذلك قوله في رواية الزُّهريِّ: “فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي، وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَجَ صَدْرِي”([31]).

ومما يُقوي هذا، وأن المعراج كان بعد البعثة: ففي هذه الرِّواية أن بوابي السماء كانوا يسألون جبريل: “وَقَدْ بُعِثَ؟”، فيقول: ” نَعَمْ”.  كما أنَّ شَرِيكًا لم ينفرد بعبارة: “قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ”  كما زعم بعض النُّقَّاد،”، فقد وافقه كثير بن خُنَيس بمعجمه ونون مصغر عن أنس كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويُّ في كتاب المغازي”([32]).

وعلى تقدير التَّسليم بتفرد شَرِيك بعبارة “قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ”، فإنَّ هذا “لا يقتضي طَرْح حديثه فوهم الثِّقة في موضع من الحديث لا يُسْقط جميع الحديث، ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب مَحْذور، ولو تُرِك حديثُ مَنْ وَهِم في تاريخ لتُرِك حديث جماعة من أئمة المسلمين؛ ولعله أراد أن يقول: بعد أن أُوحي إليه، فقال: قبل أن يُوحى إليه”([33]).

النَّقد الثَّالث: هو تضمنُ هذه الرِّواية لما يُفهم منه أن المعراج كان منامًا.

الرَّدُّ على ذلك: يمكن أن يُدفع بأن العبارة التي فهم البعض منها ذلك وهي قوله: فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى، فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ” ليست نصًّا في أن المعراج كان منامًا، ويمكن أن تُحْمَل على أن ذلك كان في أول القصة عندما جاءت الملائكة ُإليه صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ بعد ذلك وجرى له ما جرى وهو يقظان.

وكذلك قوله في أوله: “وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ “، فمراده في أول القصة وذلك أنه كان قد ابتدأ نومه فأتاه الملك فأيقظه، وقوله في رواية أخرى: ” بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ”([34])، وفي رواية أخرى:  “بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ وَرُبَّمَا قَالَ فِي الْحِجْرِ مُضْطَجِعًا”([35])، “إشارةً إلى أنَّه لم يكن اسْتَحْكَم في نومُه”([36]).

وأما العبارة التي في آخر الحديث: “وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الْحَرَامِ”، فـيمكن أن تحُـْمَل على أنه صلى الله عليه وسلم ” أفاق مما كان فيه من شُغْل البال بمشاهدة الملكوت ورجع إلى العالم الدُّنيويِّ. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة([37]): لو قال صلى الله عليه وسلم: إنه كان يقظان لأخبر بالحقِّ؛ لأن قلبه في النَّوم واليقظة سواء، وعينُه أيضًا لم يكن النومُ تمكَّن منها، لكنه تحرَّى صلى الله عليه وسلم الصِّدق في الإخبار بالواقع، فيؤخذ منه أنه لا يعدل عن حقيقة اللفظ للمجاز إلا لضرورة”([38]).

قال القرطبيُّ يحتمل أن يكون استيقاظًا من نومة نامها بعد الإسراء؛ لأن إسراءه لم يكن طول ليلته، وإنما كان في بعضها، ويُحْتَمل أن يكون المعنى أَفَقْتُ مما كنتُ فيه مما خامَرَ باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ النجم: 18، فلم يرجع إلى حال بَشَرِيَّتِه صلى الله عليه وسلم إلا وهو بالمسجد الحرام”([39]).

النَّقد الرَّابع: مخالفته في محلِّ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وأنها فوق السَّماء السَّابعة، بما لا يعلمه إلا الله، والمشهور أنها في السَّابعة أو في السَّادسة.

الرَّدُّ على ذلك: يندفع هذا النَّقد بأننا لا نعرف كُنْهَ سِدْرة الْمُنْتَهى، حيث يُحْتمل أن تكون مشتركة بين سماء وأخرى، فيجوز أن تكون في السَّابعة أو السَّادسة، ثم تتجاوزهما وتعلو عليهما إلى آفاق لا يعلمها إلا رب العزَّة جلَّ وعلا([40])، قال ابن حجر: “ويحتمل أن يكون المراد بما تضمَّنته هذه الرِّواية من العُلُوِّ البالغ لسِدْرة المُنْتَهى صفة أعلاها، وما تقدَّم -من كونها في السَّابعة والسَّادسة- صفة أصلها”([41])، أما الرِّوايات التي تكتفي بسماء واحدة، فمعنى ذلك أنها اكتفت بجانب من جوانب وجود سِدْرة المُنْتَهى.

النَّقد الخامس: مخالفته في النَّهرين وهما النيل والفرات، وأن عُنصرهما في السماء الدنيا، والمشهور في غير روايته: أنهما في السَّماء السَّابعة، وأنهما من تحت سِدْرة المُنْتَهى.

الرَّدُّ على ذلك: يندفع هذا النَّقد بالقول: إنَّ أصل نَبْعهما من تحت سِدْرة المُنْتَهى، ومقرَّهما في السَّماء الدُّنيا، ومنها ينـزلان إلى الأرض”([42]).

النَّقد السَّادس: شقُّ الصَّدر عند الإسراء، وقد أنكر بعض العلماء ذلك، وقالوا: إنَّ شقَّ الصدر كان وهو صغير.

     الرَّدُّ على ذلك: ذكرت الرِّوايات الصَّحيحة أنَّ صدره الشَّريف قد شُرح ليلة الإسراء كما شُرِح قبل ذلك وهو صغير: ففي رواية ابن شهاب، عن أنس:” فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَجَ صَدْرِي”([43]). وفي رواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صَعْصَعة: “أَتَانِي آتٍ فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ”([44])، يقصد صدره وبطنه.

قال الإمام القرطبي أبو العباس([45]) في كتابه المُـفْهم: “لا يُلْتَفَتُ لإنكار الشَّقِّ ليلة الإسراء؛ لأن رُواته ثقات مشاهير”([46]).

فرواية شَرِيك بن أبي نَمِر لم تأتِ بما يُخالف بعض الرِّوايات الأخرى، وزادت على بعضها الآخر، وزيادة الثقة مقبولة، كما هو مقرر عند علماء الحديث.

النقد السَّابع: ذكر نهر الكوثر في السَّماء الدُّنيا، والمشهور في الحديث أنه في الجنة، وهي في السَّابعة.

     الرَّدُّ على ذلك: يدفع ابن حجر هذا النَّقد بقوله: ” يمكن أن يكون في هذا الموضع شيء محذوف تقديره: ثم مُضِي به في السَّماء الدُّنيا إلى السَّابعة فإذا هو بنهر”([47])، وقال أيضًا: “والجمع بينهما أنه رأى هذين النَّهرين عند سِدْرة المُنْتَهى مع نهري الجنة ورآهما في السَّماء الدُّنيا دون نهري الجنة “([48]).

ولكن هذا في الحقيقة تكلُّفٌ، والأَوْلى أن نقول: إنَّنا لا نعرفُ حُدود الجنة، ولا نعرفُ حُدود السَّماوات، ومن هنا يمكن أن يكون نهر الكوثر مُمْتدًا بين السَّماء السَّابعة والدُّنيا، وأنَّ أصلُه في الجنة في السَّماء السَّابعة، كما تقدَّم ذكره النَّقد الخامس في نهري النيل والفرات.

ينبغي أن نقول هذا، ولا نقيس عالم الغيب بعالم الشهادة في تفسيراتنا.

وعمومًا، فهذا النَّقد من المخالفات اليسيرة، وإذا افترضنا أنه وهم أو خطأ، فإنَّ مثله لا ينبغي أن تُرَدَّ به رواية شَرِيك بن أبي نَمِر([49]).

النَّقد الثَّامن: نسبة الدُّنو والتَّدَلِّي إلى الله عزَّ وجلَّ، والمشهور في الحديث: أنه جبريل هو الذي دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرَّدُّ على ذلك: هذا أقوى نَقْد وُجَّه إلى رواية شَرِيك بن أبي نَمِر؛ لأن ظاهر هذا يُوِهم تحديد المسافة بين الله عزَّ وجلَّ ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويُوهِم تمييز مكان كل واحد منهما، ونسبة الحركة الانتقالية إليه تعالى، هذا إلى ما في التَّدلي من التَّشبيه والتَّمثيل له بالشيء الذي تعلَّق من فوق إلى أسفل، وكل هذا مما يتـنزَّه عنه الله عزَّ وجلَّ حقيقةً([50]).

“قال الخطَّابي: إنَّ الذي وقع في هذه الرِّواية من نسبة التَّدِّلي للجبار عزَّ وجلَّ مخالفٌ لعامة السَّلف والعلماء وأهل التَّفسير مَنْ تقدَّم منهم ومَنْ تأخرَّ، قال: والذي قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه دنا جبريل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدَّلى، أي: تقرَّب منه، وقيل: هو على التَّقديم والتَّأخير، أي: تدَّلى فلانًا؛ لأن التدَّلي بسبب الدُّنوِّ، الثاني: تدَّلى له جبريل بعد الانتصاب والارتفاع حتى رآه مُتدليًا كما رآه مرتفعًا، وذلك من آيات الله حيث أَقْدَره على أن يتدَّلى في الهواء من غير اعتماد على شيء، ولا تمسَّك بشيء، الثالث: دنا جبريل فتدَّلى محمد صلى الله عليه وسلم ساجدًا لربه تعالى شكرًا على ما أعطاه، قال: وقد رُوي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شَرِيك، فلم يذكر فيه هذه الألفاظ الشَّنيعة، وذلك مما يقوِّي الظَّنَّ أنَّها صادرةٌ من جهة شَرِيك”([51]).

والذين يأخذون على شَرِيك بن أبي نَمِر هذا يتخيلون أنَّ دُنُوَّ الله كدُنوِّنا، ويُشبِّهون عالم الغيب بعالم الشَّهادة، مع أن الحقيقة خلاف ذلك؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ ليس كمثله شيء، فكل ما نتخيله للحوادث يتـنزَّه الله سبحانه وتعالى عنه.

وكما لا نعرف كُنْه الذَّات العَلِيَّة لا نعرف قُرْبها أو بُعْدها؛ لأنه قرب لهذه الذَّات أو بُعْدٌ لها، ففعل الله تعالى في كل هذا ليس كفعلنا؛ لأن ذاته ليست كذواتنا، فهو عزَّ وجلَّ خالق، ونحن مخلوقون، وهو قديم ونحن حادثون، وهذا من الأشياء التي نُسَلِّم بها ولا نعرف حقيقتها([52]).

وقد أزال العلماء إشكال هذه الرِّواية فقال القاضي عياض: “اعلم أنَّ ما وقع من إضافة الدُّنوِّ والقُرْب هنا من الله أو إلى الله، فليس بدُنوٍّ مكان ولا قُرْب مَدًى -بل كما ذكرنا- عن جعفر بن محمد الصَّادق([53]) ليس بدُنوِّ حَدٍّ، وإنَّما دُنوِّ النبي صلى الله عليه وسلم من ربه.

وقربه منه إبانةُ عظيمِ منزلته، وتَشْريفُ رُتْبَتِه، وإشراقُ أنوار معرفته، ومشاهدةُ أسرار غَيْبه وقدرته، ومِنَ الله تعالى له مَبَرَةٌ وتَأْنيسٌ، وبَسْطٌ، وإكْرَام، ويُتأَوَّلُ فيه ما يُتأَوَّلُ في قوله: ” ينـزلُ ربُّنا إلى سماءِ الدُّنيا”. على أحد الوُجُوه نزول إِفْضال، وإِجمْـَال، وقَبُـول، وإحسان، قال الواسطيُّ: “مَنْ توهَّم أنَّه بنفسه دَنَا جعل ثَمَّ مسافةً بل كلُّ ما دنا بنفسه من الحقِّ تدَّلى بُعْدًا، يعني: عن دَرْكِ حقيقته إذ لا دُنوَّ للحقِّ ولا بُعْد”([54]).

ومعلوم أن قول عياض هذا، وقول الواسطيِّ إنما هو من باب التأويل. والأَوْلى هو أن نقول: إنه سبحانه وتعالى دنا دُنوًّا يليق بذاته سبحانه وتعالى، ولا نعلم كيفيته، ونُؤمن به من دون تشبيه، ولا تمثيل.

 “وقوله: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾   النجم: 9 فمن جعل الضمير عائدًا إلى الله تعالى لا إلى جبريل، على هذا كان، عبارةً عن نهاية القُرْب ولُطْفِ المحَـَلِّ، وإيضاحِ المعرفة والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم،  وعبارةً عن إجابة الرَّغْبة، وقضاء المطالب، وإظهار التَّحَفِّي([55])، وإِنافة المنزلة والمرتبة من الله له، ويُتَأوَّلُ فيه ما يُتَأوَّل في قوله: “مَنْ تقرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تقرَّبتُ مِنْهُ ذِراعًا، ومَنْ أَتَانِي يَمَشِي أَتَيْتُهُ هَرْولَةً”([56]) قُرْبٌ بالإجابة والقبول، وإتيانٌ بالإحسان، وتعجيل المأمول”([57]).

ويمكن أن نقول أيضًا: إنَّ في هذا تأويلًا، والأَوْلى بنا أن نقول في مثل هذه الآيات التي أتت في كتاب الله تعالى: إننا نُؤمن بها ولا نعرف كيفيتها، وعلى هذا المذهب أو ذاك فالتعبير في الحديث شبيه بالتعبير في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾   الفجر: 22.

والجدير بالذكر أنَّ شَرِيكًا لم ينفرد بهذا المعنى، فقد أخرج الأُمويُّ في مغازيه، ومن طريقه البيهقيُّ عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾   النجم: 13  قال:”دنا منه ربه”، قال ابن حجر: “وهذا سند حسن وهو شاهدٌ قويٌّ لرواية شَرِيك”([58]).

النَّقد التَّاسع: تصريحه بأن امتناعه صلى الله عليه وسلم من الرُّجوع إلى سؤال ربه التَّخفيف كان عند الخامسة، ومقتضى رواية ثابت عن أنس([59]) أنه كان بعد التاسعة.

الرَّدُّ على ذلك: الحقُّ أن شَرِيكًا لم ينفرد بهذا؛ لأن رواية مالك بن صَعْصَعَة([60]) تُوافق روايته، ويمكن الجمع بين رواية شَرِيك وما يوافقها وبين تلك الرواية التي خالفتها، بأنَّ رواية شَرِيك ليس فيها نصٌّ على الرجوع خمس مرات، ولا تنصُّ أيضًا على أنَّ الله عزَّ وجلَّ كان يُخَفِّفُ كل مرةٍ عشرًا، فربما كان يُخَفِّفُ أقلَّ من ذلك في بعض المرات؛ حتى صارت المراجعة تسعًا.

والمقارنة التي ينبغي أن يُعْنَى بها النُّقاد هي التي تكون بين رواية ثابت التي تقول: “إن التَّخْفِيفَ كان خمسًا خمسًا”، ورواية مالك بن صَعْصَعَة التي تقول: “إن التَّخفيف كان عشرًا عشرًا”([61])، أما رواية شَرِيك فيمكن الجمع بينها وبين رواية ثابت التي أُعِلَّت بها بسهولة كما رأينا. وعلى هذا، فالمخالفة ليست بسبب خَلَلٍ في ضبط شَرِيك كما توهَّم بعض النُّقَّاد.

النَّقد العاشر: قوله: “فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ، فَقَالَ وَهُوَ مَكَانَهُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا”، ففي هذا ما يُوهم وجود الله تعالى في مكان، وليس في الأحاديث الأخرى مثل ذلك.

وهو شبيه بالنَّقد الثَّامن حيث إنهم يأخذون هنا على شَرِيك عبارة: “فَعَلَا بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ، فَقَالَ وَهُوَ مَكَانَهُ: يَا رَبِّ خَفِّفْ عَنَّا”، ففيها إضافة المكان إلى الله عزَّ وجلَّ، وهو سبحانه مُنَزَّهٌ عن الجِرْمية والحُلُول في مكان، وليس في نصوص الكتاب والسُّنَّة ما يَنْسِبُ المكان صريحًا إلى الله تعالى، وإن كان فيهما لفظ العُلُوِّ والفوقية بمعنى التَّعالي على المكان، وعلى كلِّ مخلوق.

ولكن هل في السِّياق تصريح بإضافة المكان إلى الله تعالى؟

الرَّدُّ على ذلك: الحقُّ أنه ليس كذلك؛ لأن الأَرْجح أنْ نقول: إن الضمير “مَكَانَهُ” يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يرجع إلى الله تعالى، ويكون المكان إذًا مكان رسول الله صلى عليه وسلم لا مكان الله عزَّ وجلَّ، وبهذا لا يتوجَّه اعتراض على هذه الرِّواية، وليس فيها تجسيم للذَّات العلية. وهذا التَّعبير قريب الشَّبه من التَّعبير القرآني: ﴿إنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾الصافات: 99([62]).

النَّقد الحادي عشر: رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الخمس، والمشهور في الأحاديث أنَّ موسى-عليه الصلاة والسلام- أمره بالرُّجوع بعد أن انتهى التَّخفيف إلى الخمس فامتنع.

وهذا من تفردات شَرِيك، وأنَّ المحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم قال في الأخيرة:” اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي”، وقد أنكر ذلك الدَّاوديُّ فيما نقله ابن التِّين فقال: الرُّجوع الأخير ليس بثابت، والذي في الرِّوايات أنَّه قال: “سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي”([63]).

ومما يؤخذ على هذه الرِّواية أيضًا: طلب موسى-عليه السلام-من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع مرةً أخرى مع أنه يعلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُجَبْ طلبه بتخفيف الخمس، ووضح أنَّ الله سبحانه بهذا قد أمضى فريضته وقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ق: 29.

الرَّدُّ على ذلك: هذا النَّقد مدفوع؛ لأن شَرِيك بن أبي نَمِر ثقةٌ، وزيادة الثِّقة مقبولة- كما هو مقرر علم مصطلح الحديث- فينبغي أن تُقبل زياداته، فهنا لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لموسى-عليه السلام-: إنَّ الله قد أمضى هذه الفريضة، وقال: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)  حتى يُلزم موسى-عليه السلام- بعلم ذلك، وإنما الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أنَّ الله خَفَّفَ هذه الصلوات وجعل أجرها خمسين، وعند ذلك طمع موسى أن يُخَفِّفَ له أكثر من ذلك، ففَضْل الله تعالى كبير، ورحمته واسعة، وتجربته مع بني إسرائيل ماثلة أمامه-عليه السلام-ويخاف أن تُقصِّر أمة محمد في أداء هذه الفريصة كما قصَّر بنو إسرائيل: “ قَدْ وَاللَّهِ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضًا([64]).

النَّقد الثاني عشر: زيادة ذكر التَّور في الطِّست.

الرَّدُّ على ذلك: ربما قد حفظ شَرِيك هذه الزِّيادة، وربما كان في أحد هذين الإناءين ” ماء زمزم، والآخر هو المحشو بالإيمان، واحتمل أن يكون التَّور ظرف الماء وغيره، والطِّست لما يُصَبُّ فيه عند الغسل صيانةً له عن التَّبَدُّد في الأرض وجريًا له على العادة في الطِّست”([65]).

الخاتمة:

بعد هذه الجولة الممتعة مع رواية شَرِيك بن أبي نَمِر في الإسراء والمعراج، والانتقادات التي وُجِّهت إليها، والرَّد عليها، يطيب لي أن أُسجل أهم نتائج البحث، وأهم التَّوصيات:

أهم النتائج:

(أ) ليست رواية شَرِيك بن أبي نَمِر هي الرواية الوحيدة التي أخرجها الإمام البخاري في جامعه الصحيح في الإسراء والمعراج، فقد أخرج روايتين أُخريين لهذه القصة، ولم يُوَجَّه إليهما نقدٌ مثلما وُجِّه لرواية شَرِيك بن أبي نَمِر؛ لأن رُواتهما -عند نقاد الحديث- قد ضبطوهما وحفظوهما، وحينما يورد النُّقَّاد انتقادات لرواية شَرِيك بن أبي نَمِر، فإنهم يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على الرِّوايتين الأُخريين، فيقارنون بين الرِّوايات الثلاث لتوضيح ما في رواية شَرِيك من انتقادات.

(ب) أنَّ شَرِيك بن أبي نَمِر لم ينفرد ببعض الزِّيادات، وإنما شاركه بعض الرُّواة الأجلاء.

(ج) أنَّ رواية شَرِيك بن أبي نَمِر لم تأتِ بما يخالف بعض الرِّوايات الأخرى، وزادت على بعضها الآخر، وزيادة الثقة مقبولة، كما هو مقرر عند علماء الحديث.

(د) أنَّ الانتقادات التي وُجِّهَتْ لرواية شَرِيك بن أبي نَمِر يسيرة، وتُعَدُّ من قبيل الانتقادات الفنية، أي: التي تتصل بأسانيد الأحاديث وحال رواتها، وليست انتقادات تتعلَّق بأصول الأحاديث، وإذا افترضنا أنه وهم أو خطأ، فإنَّ مثلها لا ينبغي أن تُرَدَّ به روايته؛ لأن راويها ثقة، وأن مخالفاته وتفرداته غير قادحة.

(هـ) إذا كان الإمام البخاري قد اعتمد رواية شَرِيك بن أبي نَمِر في “صحيحه”، فقد شاركه الإمام مسلم في إخراج حديث هذا الرَّاوي، فهو من المتَّفق عليه عندهما.

(و) رواية شَرِيك بن أبي نَمِر لا تستحقُّ أن تُرفضَ، ولا يستحقُّ راويها أن يُتَّهَمَ بما يُنْقِصُ من ضبطه، وأنَّ البخاري كان على صواب عندما رواها إلى جانب الرِّوايات الأخرى، وحَرِيٌّ أن تكون رواية شَرِيك بن أبي نَمِر ضمن روايات الإسراء والمعراج؛ لأنها تُضْفِي على القصة معانٍٍ لم تذكرها الرِّوايات الأخرى، وهذا-في غالب الأمر-هو ما دعا الإمام البخاري إلى إخراجها في صحيحه. والله تعالى أعلم.

أهم التَّوصيات:

(أ)أقترح أن تتبنَّى إحدى الجامعات إعداد موسوعة شاملة للدفاع عن الصَّحيحين، وجمع الانتقادات التي وُجِّهت إليهما وتفنيدها، وتُقَسِّم هذا المشروع على عدد من طلاب الماجستير والدكتوراه النَّبهين لينفِّذوه.

(ب)أقترح أن تتبنَّي جهة خيرية طباعة الموسوعة سالفة الذِّكر، وتوزيعها على نطاق واسع.

(ج)أقترح أن تقوم جهة خيرية باستكتاب عدد من الكُتَّاب المُهْتمين بعلوم الحديث لكتابة شروح ميسرة للصَّحيحين تُناسب أسلوب العصر.

(د)أقترح أن تتبني جهة خيرية مشروعًا للتَّنقيب عن شروح الصَّحيحين التي لازالت في عالم المخطوطات، بالاستعانة بباحثين لهم عناية بهذا الفنِّ تمهيدًا لنفض غبار الإهمال والنِّسيان عنها وتحقيقها تحقيقًا علميًّا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.


المصادر والمراجع:

  • أحاديث الإسراء والمعراج دراسة توثيقية لأستاذنا أ د/ رفعت فوزي عبد المطلب، مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى، 1400هـ-1980م.
  • إرشاد السَّاري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني، المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، الطبعة السابعة، 1323هـ.
  • أعلام السِّيرة النَّبوية في القرن الثَّاني للهجرة مصنفاتهم ومناهجهم للأستاذ الدكتور فاروق حمادة، بحث قُدِّم لمؤتمر السُّنَّة والسِّيرة بالمدينة المنورة، ربيع الأول 1425هـ-مايو 2004م.
  • إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع للمقريزي، تحقيق محمد عبد الحميد النميسي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1420هـ-1999م.
  • تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق د/عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1407هـ-1987م.
  • التاريخ الكبير للبخاري، طبع بعناية الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، جمعية دائرة المعارف العثمانية، بحيدرآباد بالهند، وصورته دار الكتب العلمية، بيروت.
  • تقريب التَّهذيب لابن حجر العسقلاني، دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار المكتبة العلمية، بيروت-لبنان.
  • التَّمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي، ومحمد عبد الكبير البكري، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، الطبعة الثالثة، 1408هـ-1988م.
  • تهذيب التَّهذيب لابن حجر العسقلاني، دارالفكر للطباعة والنشر والتَّوزيع، الطبعة الأولى،1984م.
  • تهذيب الكمال للمزي، تحقيق د/ بشار عوَّاد معروف، مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الأولى،1400هـ-1980م.
  • الثقات لابن حبان، تحقيق السيد شرف الدين أحمد، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1975م.
  • الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة لأبي الفداء زين الدين قاسم بن قُطْلُوْبَغَا، دراسة وتحقيق شادي بن محمد بن سالم آل نعمان، مركز النعمان للبحوث والدراسات الإسلامية وتحقيق التراث والترجمة، صنعاء، اليمن، الطبعة الأولى،1432 هـ -2011م.
  • الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة الثانية، 1384هـ – 1964م.
  • الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن – الهند، الطبعة الأولى، 1271هـ-1952م، وصورته دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • حجة الله البالغة لولي الله الدَّهلوي، حقَّقه وراجعه السيد سابق، دار الجيل، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى،1426هـ- 2005م.
  • الخصائص الكبرى، دار الكتب العلمية-بيروت-1405هـ -1985م.
  • الدِّيباج على صحيح مسلم بن الحجاج للسيوطي، حقَّق أصوله وعلَّق عليه أبو إسحاق الحويني، دار ابن عفان للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1416هـ-1996م.
  • سُبل الهدى والرَّشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1993م.
  • سير أعلام النبلاء للذهبي، أَشْرَفَ عَلَى تحقيق الكتاب وخرج أحاديثه شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة التاسعة، 1413هـ- 1993م.
  • شرح النَّووي على صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي- بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ.
  • الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، مُذيَّلًا بالحاشية المسمَّاة مزيل الخفا عن ألفاظ الشِّفا للشُّمني، دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، 1409هـ – 1988م.
  • صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النَّجاة، الطبعة الأولى، 1422هـ.
  • صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي- بيروت.
  • طبقات الأولياء لابن الملقن، تحقيق نور الدين شريبة، مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى، 1973م.
  • عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني، ضبطه وصححه عبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1421هـ-2001م.
  • فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، رقَّم كتبه وأبوابه وأحاديثه محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وتصحيح تجاربه محب الدين الخطيب، دار الريان بالقاهرة، الطبعة الأولى، 1987م.
  • الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة للذهبي، ومعه حاشيته لسبط ابن العجمي الحلبي، قابلهما بأصل مؤلفيهما وقدَّم لهما وعلَّق عليهما وخرَّج نصوصهما محمد عوامة وأحمد محمد نمر الخطيب، دار القبلة للثقافة الإسلامية، ومؤسسة علوم القرآن، الطبعة الأولى، 1413هـ – 1992م.
  • الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي، تحقيق يحيى مختار غزاوي، دار الفكر، بيروت، 1988م.
  • معرفة الثقات للعِجْلي، تحقيق عبد العليم البستوي، مكتبة الدار- المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1405هـ-1985م.
  • مقدمة ابن الصلاح، مع التَّقييد والإيضاح للعراقي، حقَّقه عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر العربي، مصورة عن نشرة المكتبة السَّلفية بالمدينة المنورة لصاحبها محمد عبد المحسن.

[1] – عضو هيئة التَّدريس بكلية العلوم الإسلامية-قسم علوم القرآن والسُّـنَّة، جامعة المدينة العالمية (ميديو)- ماليزيا الوكيل المساعد للبحوث والتَّطوير للتعليم عن بُعد (سابقًا).

([2]) مقدمة ابن الصلاح، ص: 25، مع التَّقييد والإيضاح للعراقي، حقَّقه عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر العربي، مصورة عن نشرة المكتبة السَّلفية بالمدينة المنورة لصاحبها محمد عبد المحسن.

([3]) شرح النووي على صحيح مسلم للنووي، 1/14، دار إحياء التراث العربي-بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ.

([4]) تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، 19/242، تحقيق د/عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1407هـ-1987م.

([5]) حجة الله البالغة، ص: 232، حقَّقه وراجعه السيد سابق، دار الجيل، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 2005م.

([6]) فتح الباري، 13/488.

([7]) المرجع نفسه، 13/493.

([8]) نفسه، 13/492.

([9]) سبل الهدى والرَّشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي 3/76-78 دار الكتب العلمية بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 1414هـ – 1993م، وقد ذكر مَنْ روى عنهم، وأسماء الكتب التي وردت فيها تلك الروايات، وقد ذكر الإمام السيوطي أن خبر الإسراء والمعراج وَرَدَ مطولا ومختصرا عن أكثر من ثلاثين صحابيًّا في الخصائص الكبرى، ص: 250-307 دار الكتب العلمية-بيروت-1405هـ -1985م.

([10]) الجامع لأحكام القرآن، 10/205، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة الثانية، 1384هـ – 1964م.

([11]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب كيف فُرضت الصلاة في الإسراء، رقم: 349، وفي كتاب الأنبياء، باب ذكر إدريس عليه السلام، رقم: 3342، ومسلم في صحيحه، كتاب التوحيد، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات، رقم: 262 – 163.

([12]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب كان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه، رقم: 3570 وفي كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله عز وجل: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، رقم: 7517.

([13]) التَّقدير: فكانت الواقعة تلك الليلة ما ذُكر. فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني، 13/488، رقَّم كتبه وأبوابه وأحاديثه محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وتصحيح تجاربه محب الدين الخطيب، دار الريان بالقاهرة، الطبعة الأولى، 1407هـ-1987م.

([14]) لَبَّتِهِ: هي موضع القلادة من الصَّدر، ومن هناك تُنحر الإبل. فتح الباري 13/489.

([15]) التَّور: شبه الطِّست، وقيل: هو الطِّست، ووقع في حديث شريك عن أنس في المعراج: “فأتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب”، وظاهره المغايرة بينهما، ويحتمل التَّرادف، وكأن الطِّست أكبر من التَّور. فتح الباري 1/363.

([16]) قال أهل اللغة: هي اللحمات التي بين الحنك وصفحة العُنق، واحدها لغدود ولغديد، ويقال له أيضًا: لُغد وجمعه ألغاد. فتح الباري، 13/491.

([17]) أي: يجريان. فتح الباري 13/490.

([18]) العنصر: الأصل. فتح الباري 13/490.

([19]) ينظر فتح الباري 13/494.

([20]) أخرجه البخاري في صحيحه،)كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم: 3207. ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات، رقم: 116 من حديث قتادة: حدثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صَعْصَعَة رضي الله عنهما.

([21]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني، 25/256 ضبطه وصححه عبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1421هـ-2001م.

([22]) شرح النووي على صحيح مسلم، 9/209.

([23]) ترجمته في: التَّاريخ الكبير للبخاري، 4/236 طبع بعناية الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، جمعية دائرة المعارف العثمانية، بحيدرآباد بالهند، وصورته دار الكتب العلمية، بيروت، ومعرفة الثِّقات للعِجْلي، 1/453 تحقيق عبد العليم عبد العظيم البستوي، مكتبة الدار-المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1405هـ – 1985م، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، 4/ 363، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن- الهند، الطبعة الأولى،1271هـ-1952م، وصورته دار إحياء التراث العربي، بيروت، والثقات لابن حبان 4/ 360 تحقيق السَّيد شرف الدين أحمد، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1395هـ – 1975م، والكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي، 4/5 تحقيق يحيى مختار غزاوي، دار الفكر، بيروت، 1409هـ – 1988م، والتَّمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر، 22/61 ، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي، ومحمد عبد الكبير البكري، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، الطبعة الثالثة، 1408هـ-1988م، وتهذيب الكمال للمزي، 12/ 475 تحقيق د/ بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الأولى، 1400هـ – 1980م، والكاشف في معرفة من له رواية في الكتب السِّتة، 1/ 485، ومعه حاشيته لسبط ابن العجمي الحلبي، قابلهما بأصل مؤلفيهما وقدَّم لهما وعلق عليهما وخرَّج نصوصهما محمد عوامة وأحمد محمد نمر الخطيب، دار القبلة للثقافة الإسلامية، ومؤسسة علوم القرآن، الطبعة الأولى، 1413هـ – 1992م، وسير أعلام النبلاء للذهبي، 6/ 159، أَشْرَفَ عَلَى تحقيق الكتاب وخرج أحاديثه شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة التاسعة، 1413هـ- 1993م، وتهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني 4/296، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،1404هـ – 1984م، وتقريب التهذيب لابن حجر العسقلاني، 1/ 418 دراسة وتحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار المكتبة العلمية بيروت-لبنان.

([24]) ترجمته في: التاريخ الكبير، 4/4، والجرح والتعديل، 4/ 103، والثقات لابن حبان، 6/ 388، وتهذيب الكمال، 11/ 372، والكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة، 1/ 457، وسير أعلام النبلاء، 7/425، وتهذيب التهذيب، 4/154، وتقريب التهذيب، 1/ 183.

([25]) فتح الباري 13/493، وإرشاد السَّاري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني، 10/450 المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، الطبعة السابعة، 1323هـ.

([26])كما تقدم في المبحث الأول: الإسراء والمعراج في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبوية، عند ذكر الرواية الكاملة للإسراء والمعراج.

([27]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم: 3207.

([28]) أحاديث الإسراء والمعراج دراسة توثيقية لأستاذنا أ د/ رفعت فوزي عبد المطلب، ص: 96 مكتبة الخانجي، الطبعة الأولى، 1400هـ-1980م.

([29]) فتح الباري، 13/491.

([30]) نفس المرجع، 13/494.

([31]) تقدمت في المبحث الأول: الإسراء والمعراج في القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبوية (الرواية الكاملة للإسراء والمعراج).

([32]) فتح الباري، 13/488، وينظر: الدِّيباج على صحيح مسلم بن الحجاج للسيوطي، 1/198 حقَّق أصوله وعلَّق عليه أبو إسحاق الحويني، دار ابن عفان للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1416هـ-1996م. أما سعيد بن يحيى بن سعيد الأُمويُّ، أبو عثمان. فقد قال عليُّ بن المديني: جماعةٌ من الأولاد أثبتُ عندنا من آبائهم، منهم: عيسى بن يونس، وهذا سعيد بن يحيى الأُموي أثبتٌ من أبيه. وقال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأُمويُّ، قال: حدَّثنا أبي، قال يعقوب: وهما ثقتان الأب والابن. قال البغويُّ: ومحمد بن إسحاق الثقفيُّ السَّرَّاج: مات للنصف من ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومئتين. تهذيب الكمال11/104. وقد أكثر المُصَنِّفون النَّقل عن مغازي الأُموي فبعضهم ينسبها إلى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، وبعضهم ينسبها لأبيه. ينظر: أعلام السِّيرة النَّبوية في القرن الثاني للهجرة مصنفاتهم ومناهجهم للأستاذ الدكتور فاروق حمادة، ص: 58 بحث قُدِّم لمؤتمر السُّنَّة والسِّيرة بالمدينة المنورة، ربيع الأول، 1425هـ-مايو 2004م.

([33]) فتح الباري، 13/493، وينظر: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني، 10/450، إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع للمقريزي، 8/227، تحقيق محمد عبد الحميد النميسي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1420هـ-1999م.

([34]) رواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة في صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم: 3207.

([35]) رواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صَعْصَعَة في صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب المعراج، رقم: 3887

([36]) فتح الباري، 13/ 496.

([37]) هو: عبد الله بن سعد بن أحمد بن أبي جمرة الأندلسي المرسى، قدم مصر، من بيت كبير، لهم تقدُّم ورياسة، واختصر قطعة من صحيح البخاري، وشرحها بشرح بديع، مات في تاسع عشر ذي القعدة، سنة خمس وسبعين وستمائة. طبقات الأولياء لسراج الدِّين ابن الملقن ص439 تحقيق نور الدين شريبة، مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الأولى، 1493هـ-1973م.

([38]) فتح الباري 7/244.

([39]) فتح الباري 13/495-496.

([40]) ينظر: أحاديث الإسراء والمعراج دراسة توثيقية لأستاذنا أ د/ رفعت فوزي عبد المطلب، ص: 98.

([41]) فتح الباري، 13/491.

([42]) المرجع نفسه، 13/490.

([43]) أخرجه البخاري صحيحه، كتاب الصلاة، باب كيف فُرضت الصلاة في الإسراء، رقم: 349، ومسلم في صحيحه، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات، رقم: 163.

([44]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب المعراج، رقم: 3887

([45]) هو: أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر، أبو العباس القرطبي، ولد بقرطبة سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع الكثير هناك، وشَرَحَ مسلم وسمَّاه “المفهم”، واختصر الصَّحيحين، ودرَّس بالإسكندرية على مذهب مالك، وتوفي بها سنة ست وخمسين وستمائة. الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة لأبي الفداء زين الدين قاسم بن قُطْلُوْبَغَا، 1/438 دراسة وتحقيق شادي بن محمد بن سالم آل نعمان، مركز النعمان للبحوث والدراسات الإسلامية وتحقيق التراث والترجمة، صنعاء، اليمن، الطبعة الأولى، 1432 هـ -2011م.

([46]) فتح الباري، 7/245.

([47]) المرجع نفسه، 13/490.

([48]) نفسه، 7/254.

([49]) ينظر: أحاديث الإسراء والمعراج، دراسة توثيقية لأستاذنا أ د/ رفعت فوزي عبد المطلب، ص: 100 بتصرف.

([50]) المرجع السابق.

([51]) فتح الباري، 13/492.

([52]) ينظر: أحاديث الإسراء والمعراج دراسة توثيقية لأستاذنا أ د/ رفعت فوزي عبد المطلب، ص: 100-101.

([53]) هو: الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد بن على ابن الحسين بن على بن أبى طالب، رضى الله عنهم، اتَّفقوا عَلَى إمامته، وجلالته، وسيادته، ولد سنة ثمانين، وتوفى سنة ثمان وأربعين ومائة. تهذيب الأسماء واللغات للنووي 1/ 208 دار الكتب العلمية، مصورة عن طبعة المطبعة المنيرية، وسير أعلام النبلاء 6/ 255.

([54]) الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى، 1/205 مُذيَّلًا بالحاشية المُسَمَّاة مُزيل الخفا عن ألفاظ الشِّفا للشُّمني، دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع، لبنان، 1409هـ – 1988م، وينظر: فتح الباري، 13/493.

([55]) الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى، 1/206.

([56]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ، وقوله جلَّ ذكره: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، رقم: 7405. ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. رقم: 2675.

([57]) الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى، 1/205-206، وينظر: فتح الباري، 13/ 493.

([58]) فتح الباري، 13/492.

([59]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوحيد، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وفرض الصلوات. رقم: 259-162.

([60])  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب المعراج. رقم: 3887

([61]) ويمكن أن يكون هذا من اختصار الرَّاوي عدد المرات وضمِّها، فالتَّخفيف في كل مرة خمسًا، وفي كل مرتين عشرًا. ينظر: أحاديث الإسراء والمعراج دراسة توثيقية لأستاذنا أ د/ رفعت فوزي عبد المطلب، ص: 102.

([62]) أحاديث الإسراء والمعراج دراسة توثيقية لأستاذنا أ د/ رفعت فوزي عبد المطلب، ص: 103.

([63]) رواية قتادة، عن أنس، عن مالك بن صَعْصَعَة في صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب المعراج. رقم: 3887.

([64]) ينظر: فتح الباري، 13/ 495، وأحاديث الإسراء والمعراج دراسة توثيقية لأستاذنا أ د/ رفعت فوزي عبد المطلب، ص: 103.

([65]) فتح الباري، 13/489.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.