صحيح البخاري بين انتقاد العالمين وانتحال المبطلين |مداخل نقد السنة النبوية قديما وحديثا
د. عبد الإلاه بالقاري
صحيح البخاري بين انتقاد العالمين وانتحال المبطلين |مداخل نقد السنة النبوية قديما وحديثا
د. عبد الإلاه بالقاري[1] ــ
مقدمة
إن تغيير الأفهام في شأن معرفي ما إنما يحصل بتغيير المفاهيم، فرب قوم كانوا على نمط في الحياة عقيدة وسلوكا، بناء على تعلقهم وتعويلهم على نص مرجعي عندهم يتمسكون به، جاءهم بعد ذلك، من أقدم على تغيير فهمهم لذلك النص فتغير بذلك كل ما تعارفوه وساروا عليه بناء على الفهم القديم.
ومن ثم كان تغيير المفاهيم طريقا سالكا إلى تغيير المعارف والثقافات وأنماط التفكير والسلوك، وخاصة ما بني منها على التعلق بالنصوص وتفسيرها، وفي هذا الصدد فإن من القضايا التي أثارت نقاشا كبيرا في الآونة الأخيرة الحديث عن الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله، وذلك في سياق إثارة النقاش حول صحته سواء تعلق الأمر بصحة أحاديثه أو صحة نسبة الكتاب إليه، ولا يخفى ما لهذا الأمر من زعزعة ما هو مشتهر ومعلوم لدى الأمة، فلقد تلقت هذه الأخيرة الجامع الصحيح بالقبول وكذلك الشأن بصحة نسبة الكتاب إليه، فصحة ما أخرجه البخاري في صحيحه من المسلمات التي لا يقبل المسلم أن يشكك فيها، لكن في المقابل يحسن بنا ونحن في مقام البحث العلمي وتحري الدقة في المعارف المراد تقديمها أن نكل أمر القيمة العلمية للجامع الصحيح وحقيقة نسبته لصاحبه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري إلى أهل الصناعة الحديثية و إلى من يحسن بناء الأفكار على ما صح وقوي دليله، فلا يمكن لأحد أن يمنع العقول من أن تلقي الأفكار والآراء ووزنها وترجيح ما يظهر أنه راجح منها.
وفيما يلي جملة من الأسئلة تشكل تأطيرا نظريا لموضوع هذا المقال الموجز، وتفصيلا عمليا للإشكال العام الذي يطرحه
من هو الإمام البخاري؟ وما قيمة كتابه الجامع الصحيح؟ ما المقصود بتلقي الأمة كتابه بالقبول؟ ألم يسبق أن انتقد العلماء الجامع الصحيح؟ هل أسهم انتقاد المتقدمين للجامع في بناء معرفة سليمة نافعة؟
من يتحدث اليوم من المعاصرين عن هذا الإمام وكتابه؟ هل هم من أهل الصناعة الحديثية؟
ما هي النتائج العلمية التي توصلوا إليها؟ ولماذا إفراد البخاري وكتابه الجامع بالحديث دون سواه؟
العنصر الأول: الإمام البخاري وكتابه الجامع الصحيح.
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجعفي[2]، كان علما من أعلام الدنيا في غزارة العلم والمعرفة بالصحيح من السقيم والخبرة بأحوال الرجال وعلل الأخبار، وسعة الحفظ والإتقان، لازم نهج السنن والآثار دليلا، وعرف كسائر المحدثين بالوقوف عند النصوص في الاستنباط، و قد كان مسلكه في الفكر هو منهج الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان ممن كانوا معدن السنة وحماة العقيدة، وقد عرف رحمه الله بتنقية التراث الإسلامي وغربلته من الشوائب، قال ابن حبان رحمه الله: “كان من خيار الناس ممن جمع وصنف ورحل وحفظ وذاكر وحث عليه، وكثرت عنايته بالأخبار وحفظه للآثار مع علمه بالتاريخ ومعرفة أيام الناس، ولزوم الورع الخفي والعبادة الدائمة”[3]، أقر له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل، وله مناقب كثيرة، فلا مطمع في استيعاب غالبها في هذا المقام، توفي رحمه الله سنة 256ه[4].
ترك الإمام البخاري نحوا من عشرين مؤلفا في الحديث وعلومه كلها قيمة نافعة وأجلّها الجامع الصحيح، لدقة المنهج الذي سلكه فيه، وقد صنفه بإشارة من شيخه إسحاق بن راهويه، روى إبراهيم بن معقل النسفي أنه قال: “كنا عند إسحاق بن راهويه، فقال: “لو جمعتم كتابا محتصرا لصحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع”[5].
اختار البخاري رحمه الله رواته ممن اشتهر بالعدالة والضبط والإتقان، ولم يكتف بأن يعاصر الراوي من روى عنه بل أوجب ثبوت لقائه ولو مرة واحدة، وقد جمع في صحيحه 9082 حديثا بالمكرر، اختارها من 600 ألف حديث، وبذل فيه رحمه الله جهدا عظيما في الدقة والتمحيص خلال 16 سنة حتى تم له تصنيفه على النحو الذي ارتضاه، قال البخاري: “صنفت كتابي الصحيح لست عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله عز وجل”[6]، وقد عد الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي أحاديث الجامع الصحيح فوجدها بالمكرر 7563 سوى المعلقات والمتابعات والموقوفات والمقطوعات، وبحذف المكرر 2607 وهي من أدق الإحصاءات.
سمّى البخاري كتابه (الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه)، وقد سمعه كما قال الفربري: “تسعون ألف رجل”[7]، وهو أول مصنف في الحديث الصحيح المجرد، قال ابن الصلاح: “ّأول من صنف الصحيح البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل”[8]، لذلك عكف الناس على حفظه ودراسته، واعتنى العلماء بشرحه وبيان أحكامه، وظل محط اهتمام الأمة قاطبة إلى زماننا هذا.
العنصر الثاني: الجامع الصحيح تلقته الأمة بالقبول.
أشرت سابقا إلى أن الجامع الصحيح لقي قبولا من لدن العلماء، لكن ما السبب الأساسي الذي كان وراء هذا القبول، أهو التسليم بكل ما فيه جملة وتفصيلا دون نقد وتدقيق؟ أم أن هذا القبول كان نتيجة تمحيص المحدثين لرجال الصحيح ورواته، وتقليب متونه والتدقيق فيها لمعرفة درجتها من حيث القبول والرد، وتمييز الصحيح منها من السقيم والغث من السمين؟
بعد أن أتم البخاري رحمه كتابه الجامع الصحيح على النحو الذي ارتضاه، اهتم أهل زمانه من صيارفة الحديث بكتابه، حيث وضعوه في ميزان النقد والتدقيق، ولعل أول مناقشة علمية حظي بها البخاري عرضه الجامع الصحيح على أحمد بن حنبل وابن المديني وابن معين وغيرهم، قال العقيلي: “لما ألف البخاري كتابه في صحيح الحديث عرضه على علي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم فامتحنوه، فكلهم قال له: كتابك صحيح إلا أربعة أحاديث، قال العقيلي، والقول فيها قول البخاري وهي صحيحة”[9].
أسوق كلام العقيلي في هذا المقام لبيان أن أئمة علم الحديث قد تتبعوا أحاديث البخاري حديثاً حديثاً وراوياً راوياً، يقولون رحمهم الله هذه الكلمة زادها فلان وهذه تفرد بها فلان، وتتبعوا الصحابة رضي الله عنهم، وتوقفوا كثيرا عند الرواة، من أي طبقة هم؟ هل هم معروفون بالعدالة أم مجهولون؟ فتحصل لديهم بعد جهد عظيم أن هناك أحاديث قليلة لا يسلّم للبخاري برأيه فيها.
وفي سياق اعتناء المحدثين بالجامع الصحيح دراسة وتمحيصا وتدقيقا صنف الإمام أبو الحسن الدارقطني رحمه الله كتابه (الإلزامات والتتبع) انتقد فيه جملة من أحاديث البخاري وأحاديث مسلم كذلك، إيمانا منه رحمه الله وغيره من أهل الحديث أن لا عصمة إلا لنبي، وأغلب اعتراضاته كانت في الأسانيد، ومثال ذلك، ما أخرجه البخاري عن إسحاق بن شاهين عن خالد عن الشيباني عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى اليمن، فسأله عن أشربة تصنع، فقال: وما هي؟ قال: البِتع والمِزْرر، فقلت: لأبي بردة: ما البتع؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير. فقال: “كل مسكر حرام” رواه جرير وعبد الواحد عن الشيباني عن أبي بردة[10]. قال الدارقطني: رواه جماعة من الحفاظ عن الشيباني فخالفوا خالدا، منهم جرير وعبد الواحد وابن فضيل وعلي بن مسهر وعمرو بن أبي قيس والثوري وإبراهيم بن الزربقان وورقاء وإبراهيم بن طهمان وسعيد بن حازم ومنصور بن أبي الأسود وغيرهم، رووه عن الشيباني عن أبي بردة عن أبيه ولم يذكروا في الإسناد سعيد بن أبي بردة”[11].
وبذل الإمام ابن حجر العسقلاني جهدا كبيرا في الرد على الدارقطني وغيره، جاء ذلك في مقدمة كتابه فتح الباري المسماة (هدي الساري)، فقد عقد فيها فصلا عنونه بــــــ: في سياق الأحاديث التي انتقدها عليه حافظ عصره أبو الحسن الدارقطني وغيره من النقاد، وإيرادها حديثا حديثا على سياق الكتاب وسياق ما حضر من الجواب على ذلك[12]، وحاصل العمل فيها أنه رحمه الله تعالى وصل ما أورده البخاري معلقا ودفع العلل التي تقدح في صحة الأحاديث، فليرجع إليها من أراد تفصيل القول في ذلك.
وفيما يلي جملة من الانتقادات التي وجهها الدارقطني وابن القطان الفاسي لبعض أحاديث الجامع الصحيح:
المثال الأول: قال ابن حجر: “الحديث الخامس: قال الدارقطني، أخرجا جميعا[13]حديث مالك عن الزهري عن أنس، قال كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء، فيأتيهم والشمس مرتفعة، وهذا مما ينتقد به على مالك، لأنه رفعه، وقال فيه إلى قباء وخالفه عدد كثير منهم شعيب بن أبي حمزة وصالح بن كيسان وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد ومعمر والليث بن سعيد وابن أبي ذئب وآخرون انتهى. وقد تعقب النسائي أيضا مالك وموضع التعقب منه قوله إلى قباء والجماعة كلهم قالوا إلى العوالي، ومثل هذا الوهم اليسير لا يلزم منه القدح في صحة الحديث، لا سيما وقد أخرجا الرواية المحفوظة”[14].
المثال الثاني: قال ابن حجر: “الحديث السادس عشر: قال الدارقطني: وأخرج البخاري، حديث ابن أبي ذئب عن سعيد عن أبيه، أنه سأل أبا هريرة، فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من صلى على الجنازة فله قيراط الحديث، قال وقد رواه عبيد الله بن عمر عن سعيد عن أبي هريرة لم يقل عن أبيه. قلت:.. لكن رواية عبيد الله بن عمر في هذا غير مشهورة فرواية ابن أبي ذئب هي المعتمدة وهي من أفراد الصحيح، وإنما أوردها المصنف مقرونة برواية الأعرج عن أبي هريرة”[15].
المثال الثالث: قال ابن حجر: “الحديث الخامس والثلاثون: قال الدارقطني وأخرج البخاري حديث عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الهدية ويثيب عليها، قال: ورواه وكيع ومحاضر ولم يذكرا عن عائشة. قلت: رجح البخاري الرواية الموصولة بحفظ رواتها”[16].
وبعد أن ذكر ابن حجر الأحاديث المنتقدة على الجامع الصحيح، خلص إلى أن عللها “ليست كلها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه الجواب عنه تعسف”[17]، كما انتهى أيضا إلى أن المتأمل لهذه الانتقادات والردود عليها بشكل علمي وفق قواعد المحدثين تزيد من “عظم مقدار هذا المصنف في نفسه، وجل تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم، وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم”[18].
المثال الرابع: أخرج البخاري من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبيه أنه أخبره: “أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: “يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله ” فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك” فأنزل الله تعالى فيه: ﴿ما كان للنبي﴾”[19] (التوبة: 113)
أعلّ ابن القطان هذا الحديث بالإرسال، قال: “وهو عندي مرسل، لا من جهة الاحتمال الذي في قول الصحابي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أن لا يكون سمع ذلك، لكن من جهة أن المسيب بن حزن بن أبي وهب إنما هو وأبوه من مسلمة الفتح. وإن شُك في هذا، لم يشك في أنه لم يشاهد هذه القصة الواقعة في أول الأمر، ولا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بذلك، ولا يجوز أن يقول من ذلك ما لم يقل، لأنه يحتمل أن يكون إنما تلقى ذلك من مُشاهد، كعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقد أسلم بعد ذلك وحسُن إسلامه، أو من غيره ممن لم يشاهد. وما حكاه المسيب من ذلك، إنما هو بمثابة ما لو قال: “نام رسول الله صلى الله عليه وسلم عند البيت، فجاءه جبريل فأسرى به “أو” تحنث في غار حراء، فجاءه الملك” وشبه ذلك، مما يعلم أنه لم يشاهده”[20]. وأضاف ابن القطان الفاسي: “وليس بنافع في هذا أن يقال: إن المسيب بن حزن ممن بايع تحت الشجرة، فإن ذلك متأخر عن وقت هذه القصة، فلابد أن يكون غيره هو الذي أخبره بها أو يكون سمع هو ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، يخبر به عن نفسه وعن عمه، ولكن ليس بالاحتمال يجزم بالاتصال، فاعلم ذلك”[21].
وقد نصّ ابن عبد البر أن المسيب بن حزن بايع تحت الشجرة[22]. وثبت أيضا في الجامع الصحيح عن طارق بن عبد الله قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد، حدثني أبي “أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها”، فقال سعيد: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم[23]، وهذا حديث يثبت أن المسيب بن حزن شهد بيعة الرضوان تحت الشجرة مع الصحابة الكرام.
قال صاحب الأحاديث المنتقدة على الصحيحين: “وعلى فرض أنه لم يحضر القصة، فهو مرسل صحابي، وهو مقبول بالاتفاق إلا من شذ، وابن القطان جار على أصله من رد مراسيل الصحابة”[24].
وجدير بالذكر أن المعترضين على أحاديث الجامع الصحيح، كانوا يكنّون للبخاري كبير التقدير والاحترام، ويشهدون له بعلو الكعب في هذا الفن، ويعلمون أنه إمام مجتهد إليه المرجع في هذا الباب، ومع ذلك نازعوه في صنيعه، نصرة للسنة النبوية المشرفة وحفاظا على صفائها وسلامتها من الأحاديث المكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك ترك لنا المحدثون من خلال أعمالهم الجبارة في خدمة السنة المشرفة تصنيفا وتمحيصا وتدقيقا قواعد في بناء معرفة إسلامية عمادها صحيح الأثر وقوي النظر، ومنهجها إن كنت ناقلا فالصحة أو مدعيا فالدليل.
وحاصل الأمر، فإن الانتقادات التي وجهها كبار علماء الحديث للجامع الصحيح هي انتقادات يسيرة لا تنقص من قيمته العلمية، بل إنها تجعل منه الكتاب المقدم على كل كتاب بعد القرآن الكريم، وتؤكد بما لا يدع مجالا للشك أنه أصح كتب السنة المشرفة، لأن الإمام البخاري قد اختار رواته ممن اشتهر بالعدالة والضبط والإتقان.
العنصر الثالث: الاعتراض على السنة النبوية وأهلها: قديم متجدد
رأينا بعض الاعتراضات على أحاديث صحيح البخاري، والتي صدرت من أهل الاختصاص وكيف أجاب عنها العلماء. نعرج الآن على مجموعة من الانتقادات الموجهة إلى السنة النبوية بشكل عام وبعض أربابها، وخصيصة هذه الاعتراضات أنها جاءت من خارج دائرة المحدثين بعيدة عن قواعد اشتغالهم.
اعترض على السنة النبوية طوائف وفرق متعددة أخص بالذكر في هذا المقام المعتزلة نظرا لامتداد فكرهم عند بعض المعاصرين الذين يعلون من شأن العقل على حساب النقل، فقد زعم المعتزلة أنهم دعاة التنوير، وأرباب الفكر الحر، وكذلك يحلو اليوم لبعض أهل زماننا أن يصفوهم، ويعلوا من شأنهم، زاعمين أنهم حرروا المعرفة الإسلامية من ظلمات وثوقية النصوص، وأغلال الأساطير التي سجنت العقل العربي المسلم، وقعدت به عن الإبداع، فقد تطاولوا بعقولهم استهزاء بالسنن وأهلها، وردوا أحاديث صحيحة لم تستسغها عقولهم، ورموا أهل الحديث بسببها بسخف الرأي وضعف الفهم، وكان منهم النظام وأبو الهذيل العلاف، صنفوا رسائل شنعوا فيها على الحديث والمحدثين، وكان ممن تصدى للرد عليهم أعلام من أهل الحديث كابن قتيبة، في كتابه “تأويل مختلف الحديث”، والرامهرمزي في “المحدث الفاصل”، والخطيب البغدادي في “شرف أصحاب الحديث”.
قال ابن قتيبة: “وقد تدبرت رحمك الله مقالة أهل الكلام، فوجدتهم يقولون على الله مالا يعلمون، ويفتنون الناس بما يأتون، ويبصرون القذى في عيون الناس وعيونهم تطرف على الأجذاع، ويتهمون غيرهم في النقل ولا يتهمون آراءهم في التأويل ومعاني الكتاب والحديث، وما أودعاه من لطائف الحكمة وغرائب اللغة لا يدرك بالطفرة والتولد والعرض والجوهر والكيفية والكمية والأينية، ولو ردوا المشكل منهما إلى أهل العلم بهما وضح لهم المنهج، واتسع لهم المخرج، ولكن يمنع من ذلك طلب الرياسة وحب الأتباع واعتقاد الإخوان بالمقالات، والناس أسراب طير يتبع بعضها بعضا ولو ظهر لهم من يدعي النبوة مع معرفتهم بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم خاتم الأنبياء أو من يدعي الربوبية لوجد على ذلك أتباعا وأشياعا”[25]، وبين فساد منهجهم وأنهم أهل شقاق وفرقة، قال رحمه الله: “ولو أردنا رحمك الله أن ننتقل عن أصحاب الحديث، ونرغب عنهم إلى أصحاب الكلام ونرغب فيهم؛ لخرجنا من اجتماع إلى تشتت وعن نظام إلى تفرق، وعن أنس إلى وحشة، وعن اتفاق إلى اختلاف”[26].
كما رد الرامهرمزي على واحد من المعتزلة صنف رسالة شتم فيها بعض المحدثين كالزهري وابن معين، فقال: “ولو أنصف لأيقن أن الغامز على حزبه أكثر، والخلاف الواقع بين كبراء أهل مقالته أوسع، وما يلحق به وبهم من أنواع الشناعة أعظم، ولقاده الإنصاف إلى أن يحكم على نفسه بمثل ما حكم على خصمه،…وهو مع هذا القول في ابن شهاب؛ حامل سيف تارة وصاحب قلم أخرى يمضيان على غير مراده، ويعصيان الله في عباده”[27].
جئت بهذه النصوص لبيان أن خصوم السنة النبوية وأهلها قديم ومتجدد، ويظهر خصوم السنة المشرفة أكثر كلما تناقص علم الحديث وقل تأثير قواعده في ميادين النقد، ولذلك كثر هذيان المعاصرين، وصار كلام الوراقين في الصحف والمجلات كسيل الوديان، وفي هذا الصدد فقد اعترض اليوم كثير من الناس على الجامع الصحيح للبخاري، وحاصل كلامهم أجمله في مدخلين اثنين:
ـ المدخل الأول: التشكيك في صحة نسبة الجامع الصحيح للإمام البخاري: وذلك من خلال زعمهم عدم وجود المخطوطة الأصلية التي كتبها بيده، وفي هذا السياق يقول رشيد إيلال: “نحن نريد المخطوطة الأصلية لصحيح البخاري كما خطتها يمين الشيخ البخاري. وهذا تحد رفعناه مرات عدة قبل خمس سنوات، ولا زلنا نرفعه إلى الآن، نتحدى هؤلاء الشيوخ المداحين، أن يقدموا لنا المخطوطة الأصلية التي خطها الشيخ البخاري عندما كان يؤلف كتابه الجامع الصحيح”[28].
إن حديث هؤلاء عن عدم وجود مخطوطة الجامع الصحيح التي خطها الإمام البخاري بيده، لا تنهض دليلا على عدم نسبة الكتاب لصاحبه، لأن مسالك إثبات نسبة الكاتب لصاحبه عند العلماء إنما تتعلق بتواتر نقل الكتاب وإثباته في عدة مراجع، وليس في وجود نسخة الكاتب الخطية، فالإمام البخاري رحمه الله لا شك أنه كتب جامعه الصحيح بيمينه، وسمعه الآلاف من أهل عصره، وكتبوه وقابلوه على النسخة الأصلية، وكتَبه جمع عن جمع حتى تواترت نسبة الكتاب، قال الفربري: “سمع صحيح البخاري تسعون ألف رجل”[29]، فهب أن الجامع الصحيح في نسخته الأصلية قد ضاع، فإن ذلك لا يضر لأن الكتاب انتشر انتشارا، وكثرتْ نُسخه التي على كلّ منها إسنادٌ يتصل بالبخاري.
إن هؤلاء القوم الذين يشككون في صحة نسبة الجامع الصحيح للبخاري، يصورون لنا أنه في حال عدم وجود النسخة الأصلية للجامع الصحيح فلا ثقة ترجى في الأحاديث النبوية، والحاصل أن
ما في صحيح البخاري من أحاديث قد وجد كثير منها في مدونات حديثية قبله وبعده، كموطإ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد والجامع الصحيح للإمام مسلم رحمهم الله جميعا.
إن دليل عدم وجود النسخة الأصلية للجامع الصحيح الذي يستندون إليه، لا يعد شيئا في ميزان المحدثين، لأن ديدنهم رحمهم الله تعالى في الرواية المشافهة والسماع والعرض لا الوجادة، فقد جعلوا الوجادة آخر مراتب التحمل، وصورتها أخذ العلم من صحيفة أو غيرها من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة كأن يجد شخص كتابا بخط من عاصره وعرف خطه سواء لقيه أم لم يلقه أو بخط من لم يعاصره، ولا يخفى ما قد يحتف بالوجادة من أخطاء، ولذلك اشتهر بين المحدثين عبارات الذم في أخذ العلم من الصحف والصحفيين، من ذلك قولهم: “لا تأخذوا القرآن من المصحفيين، ولا العلم من الصحفيين”[30].
ـ المدخل الثاني: الطعن في الأحاديث المخالفة لظاهر القرآن الكريم وللعقل.
أما ردهم للأحاديث التي يزعمون أنها تخالف ظاهر القرآن والعقل، فهذه شبهة قديمة جديدة، لها صلة واضحة بالمدرسة العقلية القديمة الممثلة في المعتزلة، حيث رفع هؤلاء المعاصرون ـ سيرا على درب أئمتهم من أهل الاعتزال من شأن العقل، وجعلوه حاكما على النقل، فاتجهوا بالنقد إلى أرفع كتاب في السنة النبوية وهو صحيح البخاري وصنوّه صحيح مسلم؛ لأنهما محل قبول وتسليم عند المسلمين، ومثال ذلك ردّ زكرياء أوزون وغيره من دعاة المدرسة العقلانية المعاصرة ـ الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري ـ وغيره ـ في جامعه الصحيح والمتعلق بسحر النبي صلى الله عليه وسلم.
وأسوق في هذا المقام قوله في إهدائه لكتابه (جناية البخاري وإنقاذ الدين من إمام المحدثين): “إلى كل من يحترم العقل ويقدره، إلى كل من يحتكم إلى العقل في الحكم على النقل”[31]، لنعرف الميزان الذي يحكم به على الحديث النبوي قبولا أو ردا، فمن خلال كلامه يتبين أنه تحت طائلة نزعة عقلانية جامحة لا تلقي للنصوص بالا ولا تفقه للعلل والمقاصد مآلا.
أخرج البخاري بسنده المتصل إلى أمنا عائشة رضي الله عنها، قالت: “سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه ثم قال: أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه، قلت:وما ذاك يا رسول الله، قال: جاءني رجلان، فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل، قال مطبوب، قال: ومن طبه، قال: لبيد بن الأعصم من بني زريق، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجُفِّ طلع نخلة ذكر، قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان. فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه. فجاء فقال: يا عائشة، فقال: كأن ماءها نقاعة الحناء وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين. قلت يا رسول الله أفلا استخرجته؟ قال قد عافاني الله، فكرهت أن أثير على الناس فيه شرّا. فأمر بها فدفنت”[32].
ما ردّ زكرياء أوزون حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم، بسبب تفتيشه في رواة الحديث ومعرفته بضعفهم أو اطلاعه على علة قادحة في المتن توجب رد الحديث، بل اعترض عليه عقلا، واكتفى بالقول: “نستنتج من ذلك الحديث أن الرسول الموحى إليه يمكن أن يتأثر بسحر أناس كلبيد بن أعصم وغيره؟!! ولماذا لم يأكل من تمر المدينة سبعة تمرات لتقيه من ذلك حسب ما جاء في البخاري؟”[33]، ولو أنه اطلع على ما قاله العلماء في شرح الحديث لما صدر منه الحكم برده، ولكن النزعة العقلانية سجنته فلم يبصر الحق.
وقد أورد ابن حجر ما قاله بعض العلماء الذين تناولوا حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوضيح والبيان والشرح مما يرتفع به تأويل الغالين المولعين بالتهافت، فقال رحمه الله تعالى: “قال المازري: أنكر المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها، قالوا: وكل ما أدَّى إلى ذلك فهو باطل، وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعه من الشرائع إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثَمَّ ( هناك )، وأنه يوحي إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء، قال المازري: وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن الله تعالى وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل، وأما ما يتعلق ببعض الأمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها ولا كانت الرسالة من أجلها فهو في ذلك عرضة لما يعترض البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين .
قال: وقد قال بعض الناس: إن المراد بالحديث أنه كان صلى الله عليه وسلم يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهن، وهذا كثيراً ما يقع تخيله للإنسان في المنام فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة .
قلت – أي ابن حجر-: وهذا قد ورد صريحاً في رواية ابن عيينة عند البخاري، ولفظه: (حتى كان يرى (أي: يظن) أنه يأتي النساء ولا يأتيهن) وفي رواية الحميدي: (أنه يأتي أهله ولا يأتيهم) .
قال عياض: فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على تمييزه ومعتقده. .وقال المهلب: صون النبي صلى الله عليه وسلم من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده، ففي الصحيح أن شيطاناً أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله منه، فكذلك السحر، ما ناله من ضرره لا يدخل نقصا على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض من ضعف عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، أو حدوث تخيل لا يستمر، بل يزول ويبطل الله كيد الشياطين”[34].
إن ما صعب على هؤلاء فهمه واستيعابه، ما ورد في السنة النبوية من الأحاديث التي فيها ذكر لقضايا لا يستقل العقل البشري بمفرده بإدراك حقيقتها، بل يتعيّن أن ينضم إلى ذلك إيمان راسخ، وتصديق يقيني بتحقق وقوعها وحصولها، فمن أمثلة ما ردوا من هذه الجهة، ما أخرجه الإمام البخاري بسنده المتصل إلى أبي ذر رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لأبي ذر حين غربت الشمس: أتدري أين تذهب؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾ يس:38 “[35].
يقول سامر إسلامبولي معلقا على هذا الحديث الشريف: “من الواضح من قراءة هذا النص أنه تركيبة غير موفقة صدرت من جهة جاهلة، وذلك من عدة أوجه:
أولا: من المعلوم أن الشمس لها نظام ومسار تدور وتسير بموجبه، فهي ما إن تغرب عن مكان إلا وتكون بالوقت نفسه تشرق على آخر، ولا تغيب عن الأرض أبدا..
ثانيا: إن الشمس من المخلوقات التي لا تملك عقلا ولا إرادة وبالتالي فهي لا تسجد سجود العاقل الواعي، وهي غير مكلفة ومسؤولة حتى يقبل منها السجود أو يرفض”[36]
وليس في الحديث ما يستنكر، إذ السجود تحت العرش أمر غيبي لا يعلم كيفيته إلا الله سبحانه وتعالى، وقد أخبر سبحانه وتعالى عن سجود جميع المخلوقات له، فقال عز وجل: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب﴾[37]، ولا يعلم أحد عن كيفية هذا السجود ووقته وحقيقته إلا الله سبحانه وتعالى، وهكذا أيضا حديث أبي ذر رضي الله عنه، لا يختلف عن المعاني التي اشتملت عليها الآية السابقة.
واستشكل عبد المجيد الشرفي مجموعة من الأحاديث النبوية[38] ابتداء من غير بيان وجه العلة القادحة فيها متنا أو سندا، ومنها الحديث النبوي الصحيح الذي أخرجه البخاري، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: “من اصطبح كل يوم تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل”[39]، مع أن الحديث متفق على صحته بأسانيد ناصعة كالشمس.
ومن الأمثلة المنتقدة أيضا عل الجامع الصحيح للإمام البخاري من داخل دائرة “القراءة المعاصرة” للسنة النبوية، ما صنعته خديجة البطار عند حديث: )ناقصات عقل ودين(، وقد حكمت على الحديث “بالبطلان، وأنه معارض لظاهر القرآن، وفيه خطأ فادح. وفيما ذكرته الكاتبة تلبيس كبير وتحريف وتزوير”[40]، ذلك أنها اجتزأت العبارة النبوية السابقة وجردتها عن سياقها وقصتها التي توضح معناها، وقد وردت العبارة النبوية في سياق قصة يفهم منها مداعبة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء، ورفقه بهن عن الموعظة، وشدة حنوه عليهن عند التعليم، فعن أبي سعيد الخدري، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: “يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار” فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: “تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن”، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: “أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل” قلن: بلى، قال: “فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم» قلن: بلى، قال: “فذلك من نقصان دينها”[41].
ويبيّن حسن الصباغ السبب الذي من أجله وضع أحاديث البخاري في ميزان النقد المعاصر، فيقول: “لقد كنت كأي مسلم متدين أطالع في صحيح البخاري على أنه كما وصفه علماء السلام القدامى وتبعهم المحدثون إلى الآن الكتاب الأصح بعد كتاب الله، فكنت أقرأ فيه كأي مسلم يريد أن يزداد علما بدينه، لكن فوجئت وأنا أقلبه بأحاديث تخالف العلم وأحاديث تجانب الصواب، وأحاديث لا علاقة لها بالواقع المعيش الآن، واضحة الوضع والتأليف، وأحاديث تنتمي إلى الأساطير، وأحاديث إلى الخيال والأحلام”[42].
إن هذه القراءات المعاصرة للسنة النبوية بشكل عام وبأحاديث صحيح البخاري على وجه الخصوص، عنوانها البارز الاكتفاء فقط بإصدار الأحكام المسفّهة بالجامع الصحيح، والإهمال الصارخ والواضح في بناء تلك الأحكام على الاعتداد بالأسانيد والتفتيش وتقليب النظر في رجالها، ولو كانت صحيحة في الطبقة العليا من الضبط والإتقان، وكذا الجهل بدراية وفهم المتون وما اشتملت عليه من معاني، وهذا شأن أرباب الشبهات والطعون إذ لا تجدهم يعتمدون في احكامهم على القواعد العلمية، بل يحفون الشبهة بكل ما يمكن أن يمررها.
وحاصل الأمر، فإن الذين يعترضون على أحاديث الجامع الصحيح للبخاري ويطعنون في صحتها بدون حجة ولا دليل قوي، إنما يريدون الطعن في السنة النبوية المشرفة، والنيل من أعلامها الذين يمثلون القدوة الحية في كل زمان، إنهم يستهدفون تحطيم ثوابت هذه الأمة المسلمة.
خاتمة
إن ما يروج اليوم من تلبيسات حول الإمام البخاري رحمه الله وجامعه الصحيح باسم حرية الفكر الإسلامي والنقد العلمي البناء من الوراقين والصحفيين ممن لم يعرفوا بعلم الحديث رواية ودراية لدليل واضح على ضعف الشعور بعزة الانتماء لأمة عمدة دينها على النص، ومعلوم عند العقلاء أن لكل علم أهله الذين يعلمون خباياه وأسراره وقوانينه، فللعلوم قواعدها وضوابطها، ومن نظر إلى قواعد العلوم وبحث مسائلها أدرك أنه من الصعب أن يتعامل مع النصوص على سبيل سليم وصحيح من لم يدرس العلوم المتعلقة بهذا الشأن، ويعلم المسالك الضابطة للنظر، والمناهج المسلوكة في أخذ المعاني من مواطنها.
ومن اعتقد أن النظر في الأحاديث تصحيحا وتضعيفا يدرك بأي طريق حصل لصاحبه، وبحسب الوعي كيفما كان، من غير تقيد بالقواعد والضوابط التي نص عليها أهل الفن، فهو مخطئ وواهم.
وفيما يلي جملة من الخلاصات التي انتهى إليها هذا المقال:
أولا ـ إن القيمة العلمية لصحيح الإمام البخاري اكتسبها من دقة المنهج الذي سلكه فيه، واختياره رحمه الله رواته ممن اشتهر بالعدالة والضبط والإتقان.
ثانيا: إن قبول الأمة للجامع الصحيح كان نتيجة لتمحيص المحدثين لرجاله ورواته، وتقليب متونه والتدقيق فيها لمعرفة درجتها من حيث القبول والرد، وتمييز الصحيح منها من السقيم والغث من السمين. وإن أغلب الأحاديث المنتقدة عليه لها أصول صحيحة ومخارج ثابتة.
ثالثا: إن الطعن في السنة النبوية وأهلها قديم ومتجدد، ويظهر الطاعنون في السنة المشرفة أكثر كلما تناقص علم الحديث وقل تأثير قواعده في ميادين النقد.
رابعا: إن من بين أسباب انحراف القراءات المعاصرة للسنة النبوية مجاوزتها الحد في إعمال العقل في فهمها.
خامسا: إن النظر في الأحاديث تصحيحا وتضعيفا لا يدرك إلا بالقواعد والضوابط التي نص عليها أهل الفن، ومن اعتقد غير ذلك فهو مخطئ وواهم.
والحمد لله رب العالمين
لائحة المصادر والمراجع
1-الإشبيلي، ابن خير، فهرسة ابن خير، وضع حواشيه محمد فؤاد منصور، الطبعة الأولى، السنة 1998م، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.
2-ابن القطان، علي بن محمد، بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام، تحقيق الحسن آيت سعيد، الطبعة الأولى 1997م، دار طيبة للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الرياض.
3-ابن حبان، محمد، الثقات، الطبعة الأولى، السنة 1978م، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد، الهند.
4-ابن خلكان، أحمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، بدون طبعة، بدون سنة، دار صادر، بيروت.
5-ـابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى 1992م، الناشر: دار الجيل، بيروت.
6-ابن قتيبة، عبد الله، تأويل مختلف الحديث، تحقيق محمد زهري النجار، طبعة 1972م، دار الجيل، بيروت.
7-الإسلامبولي، سامر، تحرير العقل من النقل وقراءة نقدية لمجموعة من أحاديث البخاري ومسلم، طبعة 2015م، القاهرة ـ مصر.
8-أوزون، زكرياء، جناية البخاري وإنقاذ الدين من إمام المحدثين، الطبعة الأولى، السنة 2004 ه، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت ـ لبنان.
9-إيلال، رشيد، صحيح البخاري نهاية أسطورة، الطبعة الأولى 2017م، الناشر دار الوطن، الرباط، المغرب.
10-باحو، مصطفى، الأحاديث المنتقدة في الصحيحين، الطبعة الأولى 2005م، الناشر: مكتبة الضياء، طنطا.
11-البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي وآخرون، الطبعة الأولى، السنة 1400ه، المطبعة السلفية، القاهرة.
12-الدارقطني، أبو الحسن، الإلزامات والتتبع، تحقيق مقبل بن هادي الوادعي، الطبعة الثانية، السنة 1985م، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.
13-الرامهرمزي، الحسن، المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، تحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، الطبعة الأولى 1971م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
14رستم، زين العابدين، أسباب الانحراف في القراءات النقدية المعاصرة للسنة النبوية، مجلة السنة النبوية، العدد العاشر، طبعة 2001م، دار أبي رقراق للطباعة والنشر.
15-السبكي، عبد الوهاب، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو وآخرون، بدون طبعة بدون سنة، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.
16-السيوطي، عبد الرحمن، تدريب الراوي في تقريب النواوي للسيوطي، تحقيق الفاريابي، الطبعة الثانية، السنة 1415هـ، مكتبة الكوثر، الرياض.
17-الشرفي، عبد المجيد، الإسلام والحداثة لعبد المجيد الشرفي، طبعة 1991م، الدار التونسية للنشر.
18-الشهرزوري، عبد الرحمن، علوم الحديث، تحقيق صلاح بن محمد بن عويضة، الطبعة الأولى، السنة 1995م، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان.
19-الصباغ، حسن، صحيح البخاري، رؤية معاصرة في بعض نصوصه، طبعة 2006م، دار الينابيع، دمشق.
20-العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق محب الدين الخطيب، طبعة 1379 هـ، الناشر دار المعرفة ـ بيروت.
21-العسكري، الحسن بن عبد الله، كتاب أخبار المصحّفين، تحقيق مسعد عبد الحميد السعدني، بدون طبعة، بدون سنة، مكتبة القرآن للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة.
[1]ـــــــ باحث في علوم القرآن وأصول الفقه
[2] ـ ينظر ابن حبان، محمد، الثقات، الطبعة الأولى، السنة 1978م، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد، الهند، 9/113، السبكي، عبد الوهاب، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو وآخرون، بدون طبعة بدون سنة، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 2/ 212
[3] ـ نفس المصدر، 9/113 ـ 114
[4] ـ نفس المصدر، 9/113
[5] ـ السيوطي، عبد الرحمن، تدريب الراوي في تقريب النواوي للسيوطي، تحقيق الفاريابي، الطبعة الثانية، السنة 1415هـ، مكتبة الكوثر، الرياض، 1/92
[6] ـ ابن خلكان، أحمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق الدكتور إحسان عباس، بدون طبعة، بدون سنة، دار صادر، بيروت، 4/190
[7] ـ نفس المصدر، 4/190
[8] ـ الشهرزوري، عبد الرحمن، علوم الحديث، تحقيق صلاح بن محمد بن عويضة، الطبعة الأولى، السنة 1995م، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ص، 19
[9] ـ الإشبيلي، ابن خير، فهرسة ابن خير، وضع حواشيه محمد فؤاد منصور، الطبعة الأولى، السنة 1998م، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ص: 83
[10] ـ البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، رقم الحديث: 4343
[11] ـ الدارقطني، أبو الحسن، الإلزامات والتتبع، تحقيق مقبل بن هادي الوادعي، الطبعة الثانية، السنة 1985م، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ص: 161
[12] ـ العسقلاني، ابن حجر، هدي الساري مقدمة فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري، تحقيق عبد القادر شيبة الحمد، الطبعة الأولى، السنة 2001م، الرياض، ص: 364
[13] ـ البخاري ومسلم.
[14] ـ العسقلاني، ابن حجر، هدي الساري، ص: 370
[15] ـ المرجع نفسه، ص: 373 ـ 374
[16] ـ نفس المصدر، ص: 380
[17] ـ نفس المصدر، ص: 402
[18] ـ نفس المصدر، ص: 402
[19] ـ البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، كتاب، الجنائز، باب إذا قال المشرك لا إله إلا الله، رقم: 1360
[20] ـ ابن القطان، علي بن محمد، بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام، تحقيق الحسن آيت سعيد، الطبعة الأولى، 1997م، دار طيبة للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الرياض، 2/ 470 ـ 471
[21] ـ ابن القطان، علي بن محمد، بيان الوهم والإيهام، 2/471 ـ 472
[22] ـ ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى، 1992م، الناشر: دار الجيل، بيروت، 3/1400
[23] ـ البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، رقم: 4163
[24] ـ باحو، مصطفى، الأحاديث المنتقدة في الصحيحين، الطبعة الأولى 2005م، الناشر: مكتبة الضياء، طنطا، 1/251
[25] ـ ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، تحقيق محمد زهري النجار، طبعة 1972م، دار الجيل، بيروت، ص: 13 -ـ14
[26] ـ نفس المصدر، ص: 16
[27] ـ الرامهرمزي، الحسن، المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، تحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب، الطبعة الأولى 1971م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ص: 310
[28] ـ إيلال، رشيد، صحيح البخاري نهاية أسطورة، الطبعة الأولى 2017م، الناشر دار الوطن، الرباط، المغرب، ص: 163
[29] ـ ابن خلكان، أحمد، وفيات الأعيان، 4/190
[30] ـ العسكري، الحسن بن عبد الله، كتاب أخبار المصحّفين، تحقيق مسعد عبد الحميد السعدني، ص: 15
[31] ـ أوزون، زكرياء، جناية البخاري وإنقاذ الدين من إمام المحدثين، الطبعة الأولى، السنة 2004 ه، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت ـ لبنان، ص: 9
[32] ـ البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، كتاب الطب، باب السحر، رقم الحديث: 5763
[33] ـ أوزون، زكرياء، جناية البخاري وإنقاذ الدين من إمام المحدثين، ص: 81
[34] ـ العسقلاني، ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق محب الدين الخطيب، طبعة 1379 هـ، الناشر دار المعرفة ـ بيروت، 10/ 226 ـ 227 (باختصار)
[35] ـ البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر بحسبان، رقم الحديث: 3199
[36] ـ إسلامبولي، سامر، تحرير العقل من النقل وقراءة نقدية لمجموعة من أحاديث البخاري ومسلم، طبعة 2015م، القاهرة ـ مصر، ص، 306
[37] ـ سورة الحج، الآية: 18
[38] ـ ينظر الشرفي، عبد المجيد، الإسلام والحداثة لعبد المجيد الشرفي، طبعة 1991م، الدار التونسية للنشر، ص: 287 ـ 291
[39] ـ البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، كتاب الطب، باب الدواء بالعجوة للسحر، رقم الحديث: 5768
[40] ـ رستم، زين العابدين، أسباب الانحراف في القراءات النقدية المعاصرة للسنة النبوية، مجلة السنة النبوية، العدد العاشر، طبعة 2001م، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ص: 357
[41] ـ البخاري، مجمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح، كتاب الحيض، باب ترك الحائض الصوم، رقم الحديث: 304
[42] ـ الصباغ، حسن، صحيح البخاري، رؤية معاصرة في بعض نصوصه، طبعة 2006م، دار الينابيع، دمشق، ص: 10