حين يتحول الشرع إلى ستار للنزوة… تُطرد الرحمة من البيوت
بقلم: مريم رحو
في مجتمعاتنا، كثيرًا ما تُغلف النزوة والشهوة بغلاف شرعي لتصبح مقبولة أمام الناس، بل ومحمية بخطاب ديني مُحرّف لا يعكس روح العدل التي جاء بها الدين. من طلب التعدد بدافع نزوة، إلى طلاق تعسفي بلا سبب إلا رغبة لحظية، وصولًا إلى طرد أم وأطفال من بيت الزوجية بعد تطليقها… تتكرر المآسي تحت شعار: “الشرع أباح” و “الرجل قَوّام”.
لكن أي شرع هذا الذي يُستغل كستار؟
الشرع الحقيقي جاء ليحمي المرأة قبل الرجل، ليصون الأسرة قبل الفرد، وليجعل الطلاق آخر الحلول لا أول النزوات. جاء ليؤطر التعدد بشروط العدل الصارمة، لا ليجعله مطيّة لكل شهوة عابرة.
إن طرد زوجة وأطفالها من بيت الزوجية بعد الطلاق، جريمة أخلاقية قبل أن تكون قانونية. هؤلاء الأطفال ما ذنبهم أن يعيشوا التشرد النفسي و المادي؟! وأي كرامة للمرأة تُترك عُرضة للظلم والتشريد، التحرش والاستغلال بعد أن ضحت بعمرها في خدمة بيت وأبناء؟
أين نحن من القانون؟
حين يُترك الباب مفتوحًا للتأويل، ويُستعمل الدين درعًا لحماية نزوة، يصبح القانون مجرد حبر على ورق. والمجتمع بدوره يتحول إلى متفرج صامتيكتفي بالقول: “هذا شرع الله”، بينما الشرع بريء من هذا الظلم.
متى سيعاد النظر بجرأة:
- في آليات تطبيق القانون حتى لا يُستغل النص لصالح طرف ويُهدر حق طرف آخر.
- في الثقافة المجتمعية التي تبرر الظلم باسم الدين
- في الوعي الذي يجب أن يميز بين “روح الشرع” الذي جاء بالعدل والرحمة، و”استغلال النصوص” لتبرير الأهواء.
الشرع عدل ورحمة ، أما النزوة فهي شهوة عابرة… وبين الاثنين فرق شاسع لا يجوز طمسه.
أي قسوة أكبر من أن تجد أم نفسها أمام سؤال بريء من طفل صغير:
“ماما، لماذا طردنا أبي من بيتنا؟
الأم هنا ليست فقط جريحة الطلاق، ولا مشردة بعد الطرد، بل هي مضطرة أن تشرح لأطفال في طور التعلم أن ما تعرضوا له ليس “جريمة” بالمعنى القانوني، بل يُلبَّس في مجتمعنا لباس الشرع والقانون.
كيف لها أن تقول لهم:
- هذا هو دين الحق الذي يجب اتباعه
- هذا هو القانون الذي يجب احترامه، رغم أن بعض ثغراته سمحت بظلمكم.
- وهذا هو والدكم ، مهما فعل، يبقى صلة دم لا يمكن إنكارها، وبره فريضة وصلة الرحم معه عبادة، حتى تنالوا رضى الله لا سخطه.
إنها معادلة مؤلمة: أن تزرع في قلوب أبنائها قيمة العدل، بينما هم ضحية ظلم. أن تغرس فيهم الإيمان بالرحمة، بينما هم شهداء قسوة. أن تطلب منهم طاعة والدهم، الذي كان سبب ألمهم، حتى لا يحملوا وزر القطيعة في دينهم.
الأم هنا تقاتل على جبهتين:
جبهة الحياة اليومية، حيث عليها أن توفر الأمان المأكل التمدرس التطبيب لأطفال جُرّدوا من البيت والدفء.
وجبهة الإيمان، حيث عليها أن تحافظ على ثقة أبنائها بدينهم، وألا يختلط في عقولهم الدين بالظلم، ولا الشرع بالشهوة.
ويبقى السؤال الكبير معلقًا:
هل يُعقل أن يُترك حمل هذه المأساة على ظهر أم وحدها؟
أين هو القانون الذي يحميها ويحمي أبناءها؟
وأين هو المجتمع الذي يجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها: أن ما حدث ليس “شرعًا” بل استغلالًا للشرع..