الأسرة.. كيف تؤثِّر نفسياً ومعنوياً في تربية أبنائها؟
محمد ياسر منصور
الأسرة.. كيف تؤثِّر نفسياً ومعنوياً في تربية أبنائها؟
محمد ياسر منصور
كاتب وباحث وإعلامي سوري
يُجمِع عُلماء النَّفس والتربية على أنَّ الأسرة هي التي تقود عملية التربية الأساسية وترفع من شأن أفرادها بحيث تغرس فيهم الثقة بِالنَّفس والعِزَّة والحُبّ والكَرامة والعِفَّة والشَّجاعة…إلخ.
وتَحمي الأُسرة الواعية أطفالها من كلّ الأخطار التي تُهاجِم نُفوسهم، وتُؤثِّر على تفكيرهم وضَمائرهم، وتَحطّ من عَزائمهم. فالأسرة هي الخليَّة الأولى في بناء المجتمع، والمجتمع يتألَّف من خلايا، وإذا كانت هذه الخلايا قويَّة مُتماسكة، غَدا المجتمع قويَّاً مُتماسكاً كالبُنيان المَرصوص يَشدُّ بَعضه بَعضاً.
ومن الركائز الأساسية التي تقوم عليها الأسرة، القِيَم المعنوية والناحية الاقتصادية. وإذا كانت الناحية الاقتصادية والمعيشية ضرورية للأسرة، فإنَّ القِيَم المعنوية لها الأهمية الأكبر في حياتها، لأنَّ القِيَم المعنوية إذا سادَت في أفراد الأسرة وأصبحت سلوكاً لهم في حياتهم، فإنها تُعزِّز من كَيان الأسرة، وترفع من شأنها، وتُمكِّن لها في المجتمع.
ومن القِيَم التي تجعل الأسرة قويَّة كالطُّود الشَّامِخ، قيمة الحب والاحترام والرَّحمة. فكلّ طفل في الأسرة يرغب في (أن يُحِبَّ ويُحَبَّ)، وتغمره السعادة إذا ما تَبادَل الحبّ مع أمّه وأبيه وإخوته وأخواته. وكذلك الوالدان يدفعهما الحب إلى التَّفاني في تربية أبنائهم والعناية بهم. فَالحُبّ من الأبناء يُولِّد الطَّاعة والبِرّ والاحترام، والحُبّ من الوالدين يُولِّد الرَّحمة والعناية والرعاية.
إن أُسرة تُخيِّم عليها المَعاني السَّامية من وُدّ وتَفاهُم وتَراحُم واحترام، هي أسرة ناجحة بكل المَقاييس، تُسهِم في سعادة أفرادها وسعادة أبناء أُمَّتها، وتعيش حياتها في كَيان راسخ، لا تُؤثِّر فيه العَواصف.
المعنوية ودورها في تربية الأبناء:
إن القيم المعنوية إذا ما تحلى بها الأبناء تنهض بهمتهم، وتدفعهم للقيام بواجباتهم المطلوبة منهم تجاه خالقهم وأسرتهم والناس أجمعين، وتجاه أنفسهم أيضاً.
ومن القيم المعنوية الهامة الثقة بالنفس: وهي أن نغرس في دواخل أبنائنا، بأن لديهم قدرات وإمكانات، إن هم فجروها واستفادوا منها تمكنهم من أداء ما عليهم من واجبات على أكمل وجه.
فكيف نجعل الطفل يثق بنفسه؟
أولا: نحدثه عن عجائب خلق الله تعالى في الإنسان، وأنه سبحانه جعل فيه كثيراً من المواهب، فما عليه إلا أن يخرجها من مكامنها بالتعلم والتدريب والممارسة.
هذه الثقة بالنفس وقدراتها تجعل الطفل يندفع إلى تحقيق ما يصبو إليه، وفي أثناء سعيه لتحقيق ما يريد، على الأسرة أن ترشده، وتشجعه وتكافئه عند نجاحه وتقديمه إبداعاته التي تدل على مواهبه وتفوقه.
ومن الأمور التي تعزز ثقته بنفسه، تكليفه ببعض الأعمال والمهام المناسبة لعمره، والثناء عليه عند القيام بها، بحيث نجعله يحس أنه أصبح قادراً على تحمل المسؤولية، وإن هذا الإحساس سيزيد من ثقته بنفسه، ويزيد من يقينه بقدرته على ممارسة أعمال وابتكارات جديدة تناسبه، وتتماشى مع طموحه.
ومما يجعل الطفل يثق بنفسه أكثر، أن تسمح له الأسرة في مشاركتها في بعض القرارات الصغيرة، وإتاحة الفرصة له لينتقد بعض ما يحدث في المنزل والتي يراها غير مناسبة (1)…
وأن تساعد الأسرة الطفل على تشكيل صورة واضحة لحياته الحالية والمستقبلية، وتتركه يحلم ويسعى لتحقيق أحلامه، فعالم الأطفال عالم خصب، علينا أن نزيد من ثرائه وغناه، وذلك بالاقتراب منه أكثر وفهمه فهماً صحيحاً، لننجح في تعزيز المعنوية لديه.
إن الثقة بالنفس إذا ما غرسناها في نفوس أبنائنا، فإنها تنمي فيهم قيماً معنوية أخرى، فالولد الواثق من نفسه، يكون مقداماً وشجاعاً، ويمتلك الجرأة الأدبية، ويحسن التعامل مع أسرته وأصدقائه والآخرين، وبالإضافة إلى الثقة بالنفس نربيه على منظومة القيم الأخرى كالكرم وحسن الضيافة والعفاف والمروءة…
وقبل ذاك كله نعمق الإيمان في قلبه، وخاصة الإيمان بالله واليوم الآخر، لأن الإنسان إذا آمن بالله وشعر بعظمته وقدرته، هابه وأحبه، وإذا ما أحبه، أطاعه ولم يعصه، وإذا وضع الآخرة أمام عينيه، عمل جاهداً ليكون من الناجين في ذلك الموقف المهيب.
قال الله تعالى: (من آمن بالله واليوم الآخر وعمل عملاً صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [البقرة: الآية 62]
وعلى الآباء أن يحسنوا مخاطبة أبنائهم عند تربيتهم على القيم المعنوية والإيمانية ولهم في رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسوة حسنة، فإنه تارةً يخاطب الطفل بكنيته، فيداعبه بقوله: ” يا أبا عمير ما فعل النفير؟”
وتارة يخاطبه بطفولته فيناديه: “يا غلام، إني أعلمك كلمات…” و “يا غلام سمِّ الله تعالى، وكل بيمينك…” وكثيراً ما يناديه بنداء العاطفة “يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم…” (2)
إن القيم المعنوية إذا تحلى بها الأبناء، تجعلهم أفراداً صالحين، تقرب بهم أعين أهليهم، وتتنزل عليهم الملائكة، قال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون) [فصلت: الآية 30ـ31]
ومن الاستقامة أن يتحلى المرء بالقيم المعنوية التي أشرنا إليها سابقاً، فيا طوبى للأسرة إن هي أحسنت تربية أبنائها، ورفعت من معنوياتهم، فالآباء المؤمنون دائماً يدعون الله بقوله تعالى (ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً) [الفرقان: الآية 74]
باثولوجيا الأسرة على صعيد المعنوية:
باثولوجيا: مصطلح فرنسي معناه (علم النفس) وباثولوجيا الأسرة: علم نفس الأسرة.
وبما أن معظم الأسر تضم في أفرادها المراحل العمرية للإنسان: الطفولة، الشباب، الكهولة، الشيخوخة.. فسنرى كيف ترفع معنويات هؤلاء الأفراد.
وإذا ما أردنا أن نتعرف على المعنوية التي يجب أن تسكن في نفوس أفراد الأسرة وتترجم إلى سلوك في حياة كل فرد، فما علينا إلا أن نفهم معنى علم النفس المطلق ونربط ذلك بالمراحل العمرية للإنسان، حتى نقدر مدى تأثير المعنوية على كل جيل من الأجيال.
فعلم النفس: يبحث في سلوك الإنسان ودوافعه واتجاهاته وتفكيره. (3)
وترتبط المعنوية بعلم النفس ارتباطاً وثيقاً، فما هي المعنوية التي تستقر في ذات كل فرد من أفراد الأسرة؟
لنبدأ من أعلى الهرم للأسرة، فالأب والأم على الأغلب عمرهما في الكهولة أو في الشيخوخة، أي عمرها بعد الثلاثين، إذ الكهولة مرحلة عمرية تمتد من الخامسة والثلاثين إلى الخمسين من عمر الإنسان، وتمتد الشيخوخة من الخمسين إلى السبعين. والإنسان في هذا العمر يجب أن تغمر مشاعره المعنوية ويترجم ذلك إلى سلوك من البذل والعطاء والتفاني في رعاية الأبناء والبنات وتنشئتهم، وقد تصل هذه المعاني إلى حد التضحية وتقديم الغالي والنفيس في سبيل تربية الأبناء تربية سامية، وهذه القيم تنبع من الفطرة الإنسانية التي فطروا عليها، ويزيدها تأججاً وبذلاً ما أوجبه الإسلام على الوالدين من حسن تأديب وتهذيب لأطفالهما كقوله عليه الصلاة والسلام ” أكرموا أولادهم، وأحسنوا أدبهم” رواه ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وشعورهما بأن تربية الأولاد مسؤولية سيسألون عنها يوم القيامة “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” حديث شريف.
فإذا ما قام الأب أو الأم بواجبهما شعرا بالاطمئنان والسعادة، وعاشا في حالة معنوية عالية، وإذا تمتع أفراد الأسرة بعطف الوالدين وحنانهما ساد الانسجام والحب في المنزل، وحرص الجميع على تأدية واجبهم تجاه الآخرين، ويندفع الأبناء إلى بر الآباء وطاعتهم، أما إذا قصر الآباء بواجبهم، وشعر الصغار بظلم من يربيهم، حصل الفصام والنكد، وتمزقت أواصر الروابط الأسرية، وتسرب القلق إلى النفوس، وتدنت القيم المعنوية في الأسرة.
إن فهم علم النفس لدى أفراد الأسرة أمر ضروري، ولا يحتاج ذلك إلى أن يكون الأفراد كلهم على دراية بعلم النفس، بل كل فرد لديه شيء من علم النفس بما يفهمه من معايشة المعاني، وما يتعلمه من التجارب والعلاقات مع الآخرين. وبهذا الفهم المتواضع يستطيع ـ إن كانت لديه حكمة ـ أن يتمتع بقيم معنوية، ويدعو الذين حوله من أفراد الأسرة للتحلي بها بشكل مباشر وغير مباشر، ويبقى الأبوان هما سيدا الموقف في هذا المجال، فلهما الدور الكبير في الاستفادة من علم النفس الأسري لتنمية القيم على صعيد الأسرة التي سيسألان عنها يوم الدين أحفظا أم ضيَّعا؟
الحجاب ودوره في الصحة النفسية:
قد أمر الله سبحانه المرأة المؤمنة بالحجاب في قوله تعالى (قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن، إلا ما ظهر منها، وليضربن بخمرهن على جيوبهن..) [النور: الآية 31]
وقد أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لـ “أسماء بنت أبي بكر” رضي الله عنهما حين رآها في ثياب رقيقة “إذا بلغت الفتاة المحيض فلا يصح أن يبدو منها إلا هذا وهذا ـ وأشار إلى وجهه وكفيه..”
وقد تحدث العلماء عن الحجاب باستفاضة، ولسنا الآن بصدد الحديث عن ذلك بل الذي يهمنا هنا دور الحجاب في الصحة النفسية للنساء في الأسرة، وما هي المعاني التي تشعر بها المرأة المحجبة؟
ولنبدأ قبل الحديث عن ذلك بتعريف الصحة النفسية.
إن الصحة النفسية: هي مجموعة الشروط التي يلزم توافرها حتى يتم التكيف بين المرء ونفسه، وكذلك بينه وبين العالم الخارجي تكيفا يؤدي إلى أقصى ما يمكن من الكفاية والسعادة لكل من الفرد والمجتمع الذي ينتمي إليه (4)
إن التزام المرأة بالحجاب يكون إما بأوامر قسرية ضاغطة من أسرتها وهي غير مقتنعة به، وإما أن تظهر به وهي تشعر أنها ترضي ربها وتتبع تعاليم دينها الحنيف، فسلوك الأولى لا يشعرها بالسعادة بل يعتريها القلق والانطواء، لأنها تحسب أن أفراد المجتمع ينظرون إليها نظرة ازدراء، وبالتالي لا تتكيف في حياتها مع الآخرين.
أما الثانية التي ارتدت الحجاب عن قناعة وحب وطاعة لله ولرسوله، تشعر بالفخر والاعتزاز لأنها تطبق شعيرة من شعائر الله، وقد مدح الله من يعظم شعائر الله بقوله: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) [الحج: الآية 32]
وشعائر الدين: أمور الدين، والحجاب من أمور الدين وأوامره، وإن الفتاة ذات الحجاب، تسير بين الناس ولسان حالها يقول: أنا فتاة مسلمة.. ذكية.. محتشمة.. أسير في حجابي.. عزيزة الجناب.
إن اتباع شريعة الله تعالى لا يضمن للمرأة بلوغ مرضاة الله تعالى فحسب، بل هو يضمن لها ـ إلى جانب ذلك ـ أسباب السعادة الدنيوية كلها، ويورث الطمأنينة ويشيع في حياتها الارتياح والرضى.
كما أن التزام الفتيات في الأسرة والحجاب، ويجعل الأب والأم يشعران بالرضى لأن بناتهم التزمن بما أمر الله تعالى به.
وسعادة الآباء تنبع أيضاً من إيمانهم بأن حجاب المرأة خارج المنزل يحميها من الذئاب البشرية المسعورة الذين يتعرضون للسافرات الفاجرات في الشوارع والأسواق.. أما التي سترت نفسها بلباس لا يصف جسمها، ولا يشف ما تحته، تكون على الأغلب في مأمن من شر أولئك الذئاب الشرسة.
إن المرأة المسلمة التي تحافظ على دينها وتستر جسمها، تتمتع بصحة نفسية جيدة وبالتالي تقوم بواجباتها بشكل أفضل، وتحس بالاطمئنان والأمان.
أما المرأة السافرة التي تعرض مفاتنها لكل الناظرين، مما يجعلها تعيش في ضنك نفسي، بسبب ما تجلبه عليها المعاصي ومخالفة التعاليم التي نزلت بالذكر الحكيم (من أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) [طه: الآيات 124 ـ 125 ـ 126]
السياسات الكلية للإسلام في مجال الأخلاق المعنوية للأسرة:
منذ أن تتفتح عيون الطفل على الحياة، يجد أمه وأباه يحيطانه بسياج من الحماية والرعاية، وتحرص الأم منذ أن يكون طفلها في المهد، أن ترضعه مع الحليب الحب والحنان والعزة والكرامة، وتنمي في نفسه الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ألا وهي التوحيد الخالص لله تعالى.
فالطفل عند استهلاله ساعة ولادته، يؤذن في أذنه اليمنى، وتقام الصلاة في اليسرى،ليكون أول كلام يصافح سمعه، ويلامس قلبه “الله أكبر” التي تتناغم مع روحه التي في كيانه، وتعلمه أمه لفظ كلمة “الله ” وشهادة “لا إله إلا الله” يوم أن ينطق بكلماته الأولى، وتنشئه على حب الله ورسوله وحب دين الإسلام وحب المسلمين منذ نعومة أظفاره، وتربيه على أدب اللقاء والاستقبال والحديث، واحترام أهله وأقاربه وأصدقائه، وأن يكون آلفاً مألوفاً، يتمتع بأخلاق عالية. فالمؤمن كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم “... آلف مألوف ولا خير فيما لا يألف ولا يؤلف” ويحفظ الأطفال آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، تغرس فيهم القيم السابقة كقوله تعالى (… والذين آمنوا أشد حباً لله..) [البقرة: الآية 165] وقوله سبحانه: (قل إن كنتم تحبون الله، فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) [آل عمران: الآية 31]
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب عباد الله تعالى أحسنهم خلقاً” رواه الطبراني عن أسامة بن شريك الذبياني.
وتربي الأسرة أبناءها ـ بالإضافة إلى الحب والألفة ـ على الاعتزاز بالإسلام وتلقنهم قول الله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ) [المنافقون: الآية 8] وقوله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) [آل عمران: الآية 139] وتشرح لهم قول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ” نحن قوم أعزنا الله بالإسلام مهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله”.
إن ظهور الحب والاعتزاز والعزة في نفوس أبنائنا وسلوكهم، يصنع منهم أجيالاً لهم شخصيات متميزة، تمتلك المحبة التي تمكنهم من تحسين العلاقة مع الآخرين، وتمتلك القدرة النابعة من قوة ما يعتزون به، بحيث يتمكنون من لعب دورهم في معارك الحياة المعاصرة على بصيرة وهدى من الله تعالى.
فالحب والعزة منبعان معنويان، إن سلحنا بهما أبناءنا نجحوا في صنع حضارة أمتهم.
وإذا أضيف الصدق إلى هاتين الخصلتين، فحدث عن نجاح أبنائنا ولا حرج!
فالصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، كما ورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ” إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل، ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا” متفق عليه.
فالصدق علامة الإيمان، والكذب علامة النفاق.
إن الأسرة التي تربي أبناءها على الصدق تغنم نجاحهم في الدنيا، وفلاحهم في الآخرة.
وإذا ما أردنا لأبنائنا أن يتخلقوا بالأخلاق الفاضلة، فما علينا إلا أن نكون قدوة لهم، فعيون الأبناء معقودة بالوالدين وبالمعلم، وصدق الشاعر عندما قال:
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
مكانة الأسرة وأبعادها المعنوية في نظام التعليم والتربية:
ساد في العقود الأخيرة كلمة التربية مكان كلمة التعليم، وذلك لأن التربية ذات مفهوم أشمل من مفهوم التعليم، فالتعليم لا يتعدى نقل “المعرفة” من المعلم إلى المتعلم، أما التربية فتتجه إلى الطفل بغية إيقاظ قواه واستعداداته المختلفة وتنميتها، فالتربية ذات معنى واسع يشمل كل ما يحقق للفرد النمو المتكامل، والتطور السليم في جميع النواحي الجسمية والنفسية والخلقية والدينية. (6)
وبالرغم من ذلك لا نستطيع أن نفصل بين التربية والتعليم فبينهما علاقة متلازمة هي علاقة الكل بالجزء، فالتربية هي الإطار التي تتحرك فيه وسائل التعليم. وللتربية عوامل متعددة تطبق في مجالات الأسرة والمدرسة والمجتمع، وما يهمنا هنا هو تطبيق التربية والتعليم في الأسرة التي تسعى جاهدة إلى تربية أبنائها من الناحية الجسمية والعاطفية والخلقية والدينية والعقلية والاجتماعية والبديعية والوطنية…
وأعتقد أن الأسرة إذا ما نشأت أبناءها على المبادئ والقيم الإسلامية، فإنها تحقق فيهم النواحي السابقة، لأن الإسلام دين شامل كامل لنواحي الحياة الإنسانية. فالتربية الإسلامية تقوم على بناء الشخصية القادرة على فهم مسؤوليتها إزاء الأسرة والمجتمع والأمة والحياة، وهي أداة لبناء الإرادة التي هي عماد الكيان الإنساني القادر على حمل المسؤولية بالصدق والاستقامة والعدل.
“إن التربية الإسلامية التي يجب أن توصلها الأسرة إلى أبنائها، تقوم على الفطرة، وتنمي القدرة على التفرقة بين الخير والشر والحق والباطل، بحيث يستطيع الإنسان أن يهتدي إلى ذلك دون توجيه خارجي.
والتربية الإسلامية هي تهذيب الشخصية وتزويدها بكل ما يمكِّن قواها الفكرية والبدنية من تحمل مسؤولية السعي والعمل والجهاد.
وهي تعنى بقوة البدن وقوة الروح معاً متصلين لا منفصلين” (7)
إن الأبناء الذين تنشئهم الأسر على هذا النهج والفهم، لهو كفيل بأن يقدم للمجتمع وللبشرية قاطبة جيلاً مؤمناً قوياً بجسمه وروحه، ويتمتع بمعنويات عالية قادرة على تجاوز الصعاب وصناعة حضارة راقية تنبع من مجتمع نظيف يستظل بظل دين حنيف.
وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمن القوي المتسلح بالإيمان والعلم والمعنوية العالية فقال: “المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ” رواه مسلم عن أبي هريرة.
مما سبق نخلص إلى أن الأسرة لها دور كبير في تربية الأطفال ورفع معنوياتهم، وتساميهم في سلم القيم، وللأم حظ أوفر في ذلك.
فالأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
المراجع:
1ـ تأسيس عقلية الطفل ـ د. عبد الكريم بكار ـ دمشق ـ مركز التنمية الفكرية ص (79) 1428 هـ/2007 م.
2ـ منهج التربية النبوية للطفل ـ محمد نور بن عبد الحفيظ سويد ـ دمشق ـ دار ابن كثير ص (135) 1419 هـ /1998 م.
3ـ المعجم العربي الأساسي ـ المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ـ تونس 1408 هـ /1988 م.
4ـ الصحة النفسية ـ د. فائز محمد علي الحاج ـ بيروت ـ المكتب الإسلامي.
5ـ المعجم الموسوعي في علم النفس. تأليف نوربير سيلامي ـ ترجمة وجيه أسعد ـ وزارة الثقافة ـ دمشق (2001)م.
6ـ التربية العامة ـ الدكتور أحمد منير مصلح ـ وزارة التربية ـ دمشق (1972 ) ص (16 ـ17)
7ـ التربية وبناء الأجيال ـ أنور الجندي ـ دار الكتاب اللبناني ـ بيروت (1975)
8ـ المرجع نفسه.
9ـ تأسيس عقلية الطفل ـ د. عبد الكريم بكار ـ مرجع سابق.