﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ – الجزء الثالث- (٩) سلسلة “نتغير لنغير”
﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ – الجزء الثالث- (٩) سلسلة “نتغير لنغير” / د.فاطمة الزهراء دوقيه
﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ -الجزء الثالث-
سلسلة “نتغير لنغير” (٩)
د.فاطمة الزهراء دوقيه
﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٩) سلسلة “نتغير لنغير”
﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ – الجزء الثاني- (٩) سلسلة “نتغير لنغير”
من لبنات تشكيل العقل الأقوم في الهدي القرآني عنصر”المنهج” المنبثق عن اللبنتين السابقتين، الذي لا يخفى ما له من دور محوري في حركة الإنسان الفكریة والعلمية، والحضاریة عموماً، بدونه ليس ثمة طریق یوصل إلى الأهداف مهما بذل من جهد، وقدم من عطاء [1].
ويتخذ هذا التشكيل القرآني المنهجي للعقل ثلاث مسارات أساس[2]:
أ- السببیة: وهو مبدأ منهجي عظيم من مبادئ الدرس القرآني، يشكل به عقلك ومنهج نظرك وفكرك؛ ويبني إدراكك ومنطقك في التعامل مع الحیاة والكائنات، وذلك في سبيل هدم سمة التبسيط والتسطيح في التفكير، التي تجعلك تحكم على الأحداث والظواهر بطريقة تبسيطية وسطحية؛ كما لو كانت معزولة منقطعة منفصلا بعضها عن بعض؛ لا ارتباطات بينها ولا علائق، ليصوغ لك في المقابل عقلية ذات رؤية تركیبیة؛ تنظر من خلالها للكون والوجود والظواهر بطريقة مركبة، تربط بین الأسباب والمسببات، بین الظواهر والأشياء أينما حللت ونزلت، وحيثما وقع فكرك ونظرك [3].
لقد جعل الله تعالى السببية قانوناً حاكماً من قوانين الوجود وكتابه المنظور، وأقره في كتابه المسطور المحفوظ في الصدور؛ أن كل شيء يحدث بسبب في شتى المجالات؛ فيقول تعالى مثلا:﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءً فَأَخرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزقاً لَّكُم﴾ البقرة:٢٢، وقوله تعالى:﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا﴾ الأنعام:٩٩.
كما يحضك على اعتماد الرؤية السببية للمخلوقات والمصنوعات والظواهر من أجل الوصول لمعرفة السبب الموجد لها سبحانه وتعالى ووحدانيته، “الأمر الذي يشهد على أهمية السببیة وعلو مقامها في الاستدلال الإسلامي. والاهتداء إلى السبب هو الطریق الآمن لبلوغ الغایات والمسبَّبَات:﴿وَیَسأَلونَكَ عَن ذِي القَرنَینِ قُل سَأَتلو عَلَیكُم مِنهُ ذِكرًا * إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الأَرضِ وَآتَیناهُ مِن كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ الكهف:٨٣-٨٤، قاده إلى تحقیق الغایات والمسبَّبَات”[4].
ولذا، فإنه “بدون هذه القدرة على الربط بين الأسباب والمسببات فإن العقل المؤمن لن يكون قادراً على التحقق بالقناعات الكافية، ولن يكون بمقدور آيات الله المنبثة في الطبيعة والعالم والوجود أن تحدث فينا هزة الإيمان العميق المتمخض دومًا عن اكتشاف الارتباط المحتوم بين معجزة الخلق وبين الخالق”[5] ..
ولا يخفى أن مقاصد التأكید على اعتماد الرؤية السببیة أن تصبح من بداهات عقلك، وجزءً لا يتجزأ من بنائه المنهجي، لتصيرَ تقلیداً سائداً يحكمك في میدان سعیك وكدحك، وأداء مختلف مسؤولیاتك في الحیاة. فهي لیست فكرة مجردة أو بعیدة عن واقع حركتك، بل هي من صمیم فعلك في الوجود ومسؤولياتك، ولا يتم السعي والكدح إلا بمقتضاها في الحاضر والمستقبل، دونها تنتفي مسئولیتك، وینقطع أداؤك، ویعجز عقلك، وینعدم إدراكك [6].
ب- السننية التاریخية:من المعارف الأساسية التي يشكل بها القرآن منهجية العقل الأقوم علم التاريخ الذي يوقِف على أحوال الماضين من الأمم، وقصص الذين خلوا من قبل، التي حين يقصها لا يقصدها لذاتها، وإنما یطرح من خلالها مسألة السنن والقوانين التي تحكم حركة التاریخ وسیرة المجتمعات، وأنها مطردة وثابتة لا تتبدل ولا تتحول:﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِی ٱلَّذِینَ خَلَوا مِن قَبل وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبدِیلاً﴾الأحزاب:٦٢،﴿فَهَل یَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلأَوَّلِینَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبدِیلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحوِیلًا﴾ فاطر:٤٣، وذلك قصد تخليص العقل من النظرة العفوية أو النظرة الغيبية الاستسلامية في تفسير الأحداث. الإنسان الاعتيادي كان يفسر أحداث التاريخ بوصفها كومة متراكمة من الأحداث، يفسرها على أساس الصدفة تارة، وعلى أساس القضاء والقدر والاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى. القرآن الكريم يرفض ذلك، فينبه عقلك إلى أن هذه الساحة محكومة بسنن وقوانين، وأنه لكي تستطيع أن تكون إنساناً فاعلاً مؤثرًا لا بد لك أن تكتشف هذه السنن والقوانين، لكي تستطيع أن تتحكم فيها، وإلا تحكمت هي فيك وأنت مغمض العينين. ويعد هذا من الفتوحات القرآنية العظيمة التي مهدت إلى تنبيه الفكر البشري إلى أن تجري محاولات لفهم التاريخ فهما علميا [7].
ولذا تجده يلح بالدعوة إلى السير في الأرض لاكتشاف السنن واستيعابها والاعتبار بها؛ تجاوزاً لمواضع الخطإ والخلل التي تقود الإنسان والمجتمعات إلى الخيبة والهلاك، واهتداءً إلى سنن التقدم والتطور. أي أن القرآن في طرحه للمسألة السننية التاريخية وتنمية العقل بها، يحولها إلى “دافع حركي يفرض على المجتمعات تجاوز مواقع الخطإ التي قادت المجتمعات البشرية السابقة إلى دمارها وهلاكها، وأن تحسن التعامل مع قوى الكون والطبيعة، مستمدة التعاليم والقيم من حركة التاريخ نفسه”[8]، يقول تعالى:﴿قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنࣱ فَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِینَ * هَـٰذَا بَیَانࣱ لِّلنَّاسِ وَهُدࣰى وَمَوۡعِظَةࣱ لِّلۡمُتَّقِینَ * وَلَا تَهِنُوا۟ وَلَا تَحۡزَنُوا۟ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ * إِن یَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحࣱ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحࣱ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَیَّامُ نُدَاوِلُهَا بَیۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَیَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَاۤءَۗ وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِینَ * وَلِیُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَیَمۡحَقَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ﴾ آل عمران:١٣٧-١٤١.
إنه المنهج السنني التاريخي إذاً، الذي يشكل به القرآنُ العقلَ الأقومَ ويبني منهجية تفكيره، وهو ما يطلق عليه حديثاً بفلسفة التاريخ؛ الذي يقوم على اكتشاف القوانين الموجهة لحركة المجتمعات وتغيراتها، وأسباب صعودها وهبوطها، ليس فقط من أجل توصيفها، وإنما من أجل توظيفها في معالجة الواقع، واستشراف المستقبل[9].
وانبناء العقل به من شأنه أن “يرقى بالإنسان، ويزيد خبراته ومعارفه وكسبه وإبداعه، ويحمي رحلته من الخلل والخطأ والانحراف؛ فإذا ما وقع ذلك نتيجة غفلة أو تقصير، وذلك من أقدار الله وسننه أيضا؛ أن الذي يقصر يصاب، فلا بد من اكتشاف الأسباب، لأن هذا الاكتشاف سبيل السداد، وفي هذا الكشف استجابة لأمر الله وعبادة له”[10].
ج- المنهج الحسي التجریبي:يعد هذا العنصر من أهم خطوات القرآن وأبرزها في الهداية إلى التي هي الأقوم في التفكير المنهجي، الذي حقق به أعظم كسب للعقل البشري؛ إذ يدعوك إلى التبصر بحقیقة وجودك، وارتباطاتك الكونیة عن طریق “النظر الحسي” إلى ما حولك، ابتداءً من مواقع قدمك، وانتهاءً بآفاق النفس والكون، وأعطى لحواسك مسؤولیتها الكبیرة عن كل خطوة تخطوها في مجال البحث والنظر والتأمل والمعرفة والتجریب [11].
لقد وهبك الله تعالى تلك الحواس (سمعية وبصرية وشمية وذوقية)، منافذ للعلم، القادرة على الملاحظة والمتابعة والإدراك والتفاعل مع ما يحيط من ظروف ومتغيرات مادية واجتماعية ونفسية. لولاها لما توفر للعقل قنوات اتصال بالواقع المادي المحسوس، وبالتالي لا تراكم خبرات ولا إنتاج علوم ومعارف، والله تعالى يقول:﴿وَٱللَّهُ أَخرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُم لَا تَعلَمُونَ شَیئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمعَ وَٱلأَبصَـٰرَ وَٱلأَفْـِٔدَةَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ النحل:٧٨، أي”وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته، والقيام بحقوقه، والترقي إلى ما يسعدكم”[12].
ولذا تراه يحض على ضرورة استخدامها في البحث والمعرفة، والوصول إلى الحقائق في المجالين العلمي والديني على السواء، واستثمارها في تحسين الحياة وعمارة الأرض؛ فيدعوك إلى المشاهدة واستعمال البصر؛كقوله تعالى:﴿أَفَلاَ یَنظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَیْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَیْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَیْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأرْضِ كَیْفَ سُطِحَتْ﴾ الغاشیة:١٧-٢٠، وإلى استعمال السمع، في مثل قوله:﴿أَوَلَم یَهدِ لَهُم كَم أَهلَكنَا مِن قَبلِهِم مِّنَ ٱلقُرُونِ یَمشُونَ فِی مَسَـٰكِنِهِم إِنَّ فِی ذَ لِكَ لَـَٔایَـٰتٍ أَفَلَا یَسمَعُونَ﴾ السجدة:٢٦، وقوله:﴿وَلَا تَكُونُوا كَٱلَّذِینَ قَالُوا سَمِعنَا وَهُم لَا یَسمَعُونَ﴾ الأنفال:٢١، مع تنبيهك أنك مسؤول عن هذا الاستخدام وتبعاته، مصداقا لقوله تعالى:﴿وَلا تَقفُ ما لَیسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنهُ مَسئولاً﴾ الإسراء:36، وقوله:﴿وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ﴾ الصافات:٢٤.
فالقرآن الكريم إذاً يؤسس ويجذّر لدى الإنسان العقلية التجريبية الاستقرائية التي “تساعد على قيام منهج في التفكير والبحث والدرس، يستند إلى الحس والتجربة والمعايشة. وهذا المنهج لا يستغني عن الوحي، ولا عن الشرائع بسبب أنه يتعامل مع الملموس وشبه الملموس كما قد يظن من لا خبرة له بالحاجات الثقافية والروحية لبني الإنسان. إن الوحي يوفر الأطر والمعطيات والمعارف التي لا تستطيع عقولنا التفكير فيها، وإذا اشتغلت بها، فإنها لا تخرج بشيء ذي قيمة. كما يقدم الوحي المعطيات التي لا تقبل التجربة …”[13].
[1]– مدخل الى الحضارة الإسلامية، ص ٢٦.
[2]– يراجع حول إعادة تشكيل العقل المسلم، ص ٤٨-٦١.
[3]– انظر نفس المرجع، ص ٢٦.
[4]– معالم المنهج الإسلامي، محمد عمارة، ص ٤٢.
[5]– حول إعادة تشكيل العقل المسلم، ص ٤٩.
[6]– أزمة العقل المسلم، عبد الحميد أبو سليمان، طبعة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ص ١٥١.
[7]– يراجع المدرسة القرآنية، محمد باقر الصدر، ص ٥٣-٥٤.
[8]– مدخل الى الحضارة الإسلامية، ص ٣٠.
[9]– انظر فلسفة التاريخ، جاسم سلطان، طبعة مؤسسة أم القرى ٢٠٠٧م، ص ٢١-٢٢.
[10]– المنهج السنني افق حضاري، عمر عبيد حسنة، ص ٣٣-٣٤.
[11]– مدخل الى الحضارة الإسلامية، ص ٣٢.
[12]– الكشاف، الزمخشري، ط دار المعرفة، بيروت، ١٤/٤٨٥.
[13]– مفاهيم قرآنية في البناء والتنمية، عبد الكريم بكار، ص ٩٧-٩٨.