الحلقة التاسعة: يوسف بن إسماعيل النبهاني؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي
هشام كمال
الحلقة التاسعة: يوسف بن إسماعيل النبهاني
شعراء مبدعون في المديح النبوي
بقلم: هشام كمال
قال عنه الكتاني في فهرس الفهارس 2/1107 : بوصيري العصر، الأديب الشاعر المفلق الطائر الصيت المحب الصادق أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل بن يوسف بن إسماعيل بن حسن بن محمد ناصر الدين النبهاني البيروتي الشافعي، ولد سنة 1266 بقرية إجزم بشمالي فلسطين من أرض الشام، ورحل إلى الأزهر بمصر عام 1283، ولا زال به إلى عام 1289، فخرج منه مجازاً من شيوخه، وأول دخوله في سلك القضاة عام 1291، وجال في بلاد الشرق العربي وبر الترك، فدخل الآستانة والموصل وحلب وديار بكر وشهرزور وبغداد وسامرا وبيت المقدس والحجاز، وولي قضاء بيروت عام 1305 وحج عام 1310، ثم دخل الحجاز بعد ذلك وأقام به، وأول ما ظهر من مؤلفاته كتابه ” الشرف المؤبد لآل سيدنا محمد ” ثم همزيته وبها اشتهر، وتناقل الناس ما له من خبر، لبلاغتها وانسجامها وطلاوتها، ثم عظم ذكره بما صنف ونظم ونثر وطبع ونشر، خصوصاً في الجانب المحمدي الأعظم….
وقال عنه البيطار في حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر ص1612 : … أقول أن هذا الإمام، والشهم الأديب الهمام، قد طلعت فضائل محاسنه طلوع النجوم الزواهر، وسعدت مطالع شمائله بآدابه المعجبة البواهر، فهو الألمعي المشهود له بقوة الإدراك، واللوذعي المستوي مقامه على ذروة الأفلاك، وله ذكاء أحد من السيف إذا تجرد من قرابه، وفكر إذا أراد البحر أن يحكيه وقع في اضطرابه، ونثر يزري بالعقد الثمين والدر المنثور، وشعر يدل على كمال الإدراك وتمام الشعور، فهو فارس ميدان اليراع والصفاح، وصاحب الرماح الخطية والأقلام الفصاح، فلعمري لقد أصبح في الفضل وحيداً، ولن تجد عنه النباهة محيصاً ولا محيدا، وناهيك بمحاسن قلدها، ومناقب أثبتها وخلدها، إذا تليت في المجامع، اهتزت لها الأعطاف وتشنفت المسامع….
وقال رحمه الله في مقدمة ديوانه الجامع لأشعاره والذي سماه :“العقود اللؤلؤية في المدائح النبوية”: مبشرة جليلة لما رجعت من مصر إلى بيروت في هذه الأيام وفي أوائل شهر جمادى الأولى سنة 1329 جاء لزيارتي في بيتي قاضي فاس العلامة التهامي ومعه الشيخ الفاضل السيد عبد القادر بن سوده الفاسي فأخبراني أنهما قادمان من المدينة المنورة قافلان من الحج والزيارة متوجهان إلى فاس وبشراني بأن الأستاذ العلامة المدرس في المسجد النبوي الشيخ حمدان المغربي الجزائري رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يقول النبهاني حسّاني…
وإذا لم أكن بمدحك حسا…..نا فهذي قصيدتي حسناء
هذا الرجل بحق حسان زمانه ، وبوصيري عصره وأوانه ، جل اشتغاله بالجناب المحمدي ، ومعظم تآليفه في الشؤون المحمدية ، وله في المديح النبوي مآثر سبقها لا يلحق ، فمن ذلك “المجموعة النبهانية في المدائح النبوية” جمع فيها أحسن ما قيل في مدح النبي صلى الله عليه وسلم عبر مختلف العصور ، مرتبا ذلك على القوافي والبحور ، في أربع مجلدات ضخام ، وله “النظم البديع في مولد الشفيع” يقول فيه :
واعلم بأن من أحب أحمدا * لابد أن يهوى اسمه مرددا
لذاك أهل العلم سنوا المولدا * من بعده فكان أمراً رشدا
أرضى الورى إلا غواة نجد
ولم يزل في أمة المختار * من بعد نحو خمسة اعصار
مستحسنا في سائر الأمصار * يجمع كل عالم وقاري
وكل سالك سبيل رشد
كم جمعوا في حبه الجموعا * وفرقو في حبه المجموعا
وزينوا الديار والربوعا * وأكثروا الأضواء والشموعا
وطيبوا الكل بعرف الند
وفرحوا بذكره وطربوا * وأكلوا على اسمه وشربوا
وابتهلوا لربهم وطلبوا *واستشفعوا له به وانتسبوا
معتقدين نيل كل قصد
وله “أحسن الوسائل في نظم أسماء النبي الكامل” جمع فيها قرابة 824 اسما من أسمائه صلى الله عليه وسلم، وله “السابقات الجياد في مدح سيد العباد” وهي معشرات على حروف الهجاء، وله معارضة لبانت سعاد سماها “سعادة المعاد في موازنة بانت سعاد” وقد ذكر رحمه الله جملة من المعارضات لقصيدة كعب في المجموعة النبهانية وقال عن قصيدته: وفي اعتقادي أنها تفوق جميع المعارضات سوى معارضة البوصيري رحمه الله وسماه إماما.
وله “طيبة الغراء في مدح سيد الأنبياء” وهي معارضة لهمزية البوصيري بنفس أطول وشاعرية أنبل، فبينما همزية البوصيري 450 بيتا، بلغت طيبة النبهاني ألف بيت ، منها قوله :
سيّدَ العالمينَ يا بحرَ جودٍ…قَطرةٌ من سخائهِ الأسخياءُ
هَذهِ طيبةٌ بمدحكَ قد طا…لَت وَطابَ الإنشادُ والإنشاءُ
كلَّها وهيَ ألف بيتٍ قصورٌ…عنكَ ضاقت وإنّها فيحاءُ
سَكَنتها أبكارُ غرِّ المعاني…منكَ فهيَ المدينة العذراءُ
كلُّ معنىً بلقيسُ والبيت صرحٌ…ومنَ الدرّ لا الزجاج البناءُ
سِرتُ فيها بإثر شيخٍ إمامٍ…قَد أقرّت بسبقه الشعراءُ
وَبِحَسبي أنّي المصلّي وأنّ ال…مُنشديها كأنّهم قرّاءُ
أَنتَ عنّي وعَن ثنائي غنيٌّ…ما لعلياكَ بالثناءِ اِعتلاءُ
إنّما أَنتَ سيّدٌ أريحِيٌّ…لكَ قَبلي بالمادحين اِحتفاءُ
وَإِذا لَم أكُن بمدحكَ حسّا…ناً فَهذي قصيدتي حسناءُ
ومنها :”الرائية الكبرى في الكمالات الإلهية والسيرة النبوية ووصف الملة الإسلامية والملل الأخرى” من 725 بيتا، وله “الرائية الصغرى في ذم البدعة ومدح السنة الغرا” وهي التي تعرض فيها لحركة “الإصلاح” وانتقد فيها جمال الدين الافغاني ومحمد عبده ورشيد رضا ومجلة المنار فمن ذلك قوله فيها :
وَأمّا رشيد ذو المنارِ فإنّهُ…أَقلّهمُ عَقلاً وأكثرهم شرّا
أَتاني ببيروتٍ بشرخٍ شبابهِ…بِمُقلتهِ السودا ووجنتهِ الحمرا
لَه لحيةٌ مقصوصةٌ من جذورها…تُترجِمُ عنهُ أنّ في نفسهِ أمرا
وَكانَ وليُّ الأمرِ عنديَ جالساً…نُصوحي جزاهُ اللَّه عن نصحهِ خيرا
فَوبّخهُ مُستقبحاً ما أتى بهِ…وَأَبدى لهُ مِن سخطهِ النظرَ الشزرا
وَقد غابَ عنّي خمسَ عشرة حجّةً…وَعادَ ولَم يَزدَد شعوراً ولا شعرا
وَشاهدتُ منهُ الوجهَ أغبر مظلماً…كأنَّ عليهِ مِن ضلالتهِ سِترا
وكلها على هذا النمط بل أشد، وهي التي جرت عليه غضب البعض.
رحمه الله تعالى وجازاه خيرا وجعل في كتبه وأشعاره النفع والبركة، وهو والله رجل أحبه.