الحلقة الثامنة: الشاب الظريف؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي
هشام كمال
الحلقة الثامنة: الشاب الظريف؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي
هشام كمال
لا تُخْفِ ما صَنَعَتْ بِكَ الأَشْواقُ…وَاشْرَحْ هَواكَ فَكُلُّنَا عُشَّاقُ
قَدْ كَانَ يُخْفي الحُبَّ لَوْلَا دَمْعُكَ ال…جَارِي وَلَوْلا قَلْبُكَ الخَفَّاقُ
فَعَسى يُعينُكَ مَنْ شَكَوْتَ لَهُ الهَوى…في حَمْلِهِ فالعَاشِقُون رِفَاقُ
لا تَجْزَعَنَّ فَلَسْتَ أَوّلَ مُغْرَمٍ…فَتَكَتْ بِهِ الوَجْنَاتُ وَالأَحْدَاقُ
وَاصْبِرْ عَلى هَجْرِ الحَبِيبِ فَرُبَّما…عَادَ الوِصَالُ ولِلْهَوى أَخْلاقُ
كَمْ لَيْلَةٍ أَسْهَرْتُ أَحْداقي بِهَا…مُلْقىً ولِلأَفْكَارِ بِي إِحْدَاقُ
يا رَبِّ قَدْ بَعُدَ الَّذين أُحِبُّهُمْ…عَنِّي وَقَدْ أَلِفَ الرّفاقَ فِراقُ
وَاِسْوَدَّ حَظِّي عِنْدَهُم لَمَّا سَرى…فيهِ بِنَارِ صَبابتِي إِحْرَاقُ
عُرْبٌ رَأَيْتُ أَصَحَّ ميثاقٍ لَهُمْ…أَنْ لا يَصِحَّ لَدَيْهِمُ مِيثَاقُ
وَعَلى النّياقِ وفي الأَكلَّةِ مَعْرِضٌ…فِيهِ نِفارٌ دائمٌ وَنِفاقُ
مَا نَاءَ إِلّا حَارَبَتْ أَرْدافُهُ…خَصْراً عَليهِ مِنَ العُيونِ نِطَاقُ
تَرْنُو العُيونُ إِليه في إطْراقِهِ…فَإِذَا رَنَا فَلِكُلِّها إِطْرَاقُ
قال الصلاح الصفدي في الوافي بالوفيات 3/109: شمس الدّين ابْن الْعَفِيف التلمساني مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن عَليّ شمس الدّين ابْن عفيف الدّين التلمساني شَاعِر مجيد ابْن شَاعِر مجيد تعانى الْكِتَابَة وَولى عمالة الخزانى بِدِمَشْق وَمَات شَابًّا سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وست ماية…
وقال المستدرك عليه ابن شاكر الكتبي (فوات الوفيات 3/372): شمس الدين ابن العفيف التلمساني محمد بن سليمان بن علي، شمس الدين ابن الشيخ عفيف الدين التلمساني؛ قال القاضي شهاب الدين ابن فضل الله في حقه: نسيم سرى، ونعيم جرى،وطيف لا بل أخف موقعاً منه في الكرى، لم يأت إلا بما خف على القلوب، وبرئ من العيوب، رق شعره فكاد أن يشرب، ودق فلا غرو للقضب أن ترقص والحمام أن يطرب، ولزم طريقة دخل فيها لا استئذان، وولج القلوب ولم يقرع باب الآذان، وكان لأهل عصره ومن جاء على آثارهم افتتان بشعره وخاصة أهل دمشق فإنه بين غمائم حياضهم ربي، وفي كمائم رياضهم حبي، حتى تدفق نهره، وأينع زهره، وقد أدركت جماعة من خلطائه لا يرون عليه تفضيل شاعر، لا يروون له شعراً إلا وهم يعظمونه كالمشاعر، لا ينظرون له بيتاً إلا كالبيت، ولا يقدمون عليه سابقاً حتى لو قلت ولا امرأ القيس لما باليت، ومرت له ولهم بالحمى أوقات لم يبق من زمانها إلا تذكره، ولا من إحسانها إلا تشكره، وأكثر شعره لا بل كله رشيق الألفاظ، سهل على الحفاظ، لا يخلو من الألفاظ العامية، وما تحلو به المذاهب الكلامية، فلهذا علق بكل خاطر، وولع به كل ذاكر….
قال د.شوقي ضيف في تاريخ الأدب العربي 6/211: وقد تناول الشاب الظريف فى شعره أغراضا مختلفة من المديح وغير المديح، وأهم غرض أبدع فيه واشتهر به بين معاصريه ومن جاءوا بعدهم: الغزل، لسبب طبيعي وهو أنه طالما تردد على سمعه شعر أبيه الصوفي وغيره من أشعار ابن الفارض وابن عربي، وكأنما تمثل ما في أشعارهم جميعا من وجد قوي حار، وبثّ منه الكثير فى غزله، مصورا ما يثير الحب فى القلوب من المشاعر والعواطف والأهواء، عارضا ذلك فى لغة عذبة سهلة تلذ الألسنة والآذان والأفئدة.
ثم قال الدكتور بعد أن نقل قول ابن فضل الله العمر السابق: وهى شهادة قيمة لابن فضل الله فى الشاب الظريف وشعره غزلا وغير غزل، إذ يموج شعره بالرقة وحسن الجرس وجمال التناسق، مع خفة الروح،…
(ونقل بعض أبياته فقال ) والأبيات تسيل رقة وعذوبة، وهى تلتصق بالنفس
وسبب تسميته بالشاب أنه رحمه الله توفي ولم يبلغ الثلاثين من عمره، والظريف لما كان عليه من الدماثة والرقة واللعب أحيانا.
وهذا أوان ننقل من مدحه للمصطفى صلى الله عليه وسلم شيئا، قال رحمه الله:
أَأَطْلُبُ يا مُحَمَّدُ أَنْ يَؤُولا…لِغَيرِكَ وِدُّ قَلْبي أو يَمِيلا
وَأَرجو غَيْرَ بابِكَ لي مَراماً…وأَقصِدُ غَيرَ رَبعِكَ لي مَقيلا
وأَخطِب غَير شَمسكَ أَن تُجَلَّى…وأَسأَل غَيْرَ مائِكَ أَنْ يَسِيلا
وَقَد أَنجَحت لي بِنَدَاكَ مَسْعىً…وَقَدْ حَقَّقْتَ لي أَملاً وَسُولا
جَعلْتَ بِجَاهِكَ العَلْياءَ دُوني…وَرُعْتَ بِبأْسِكَ الخَطْبَ المَهُولا
وَمَا أَنَا مُنْكِرٌ تِلْكَ العَطَايَا…وَمَا أَنا جَاحِدٌ ذَاكَ الجَمِيلا
وَلا أَنا قانِعٌ لَكَ مِنْ وِدَادٍ…بِأَنْ أُثْنِي عَلَيْكَ وَأَنْ أَقُولا
عَلى أَنّي فتىً فَطِنٌ بَليغٌ…بَلوغٌ ما سَلَكْتُ لَهُ سَبِيلا
بِأَلْفَاظٍ تَخِرُّ لَهَا القَوافِي…وَيَنْقَادُ القَريضُ لَهَا ذَلُولا
إذا مَرَّتْ عَلى أُذُنَيْ فَصيحٍ…سِوَاكَ يَعِضُّ إِصْبَعَه طَوِيلا
وَمَا أَنا بالغٌ بِكَثيرِ مَدْحِي…مِنَ الكَرمِ الَّذي تَحْوي قَليلا
وأَنْتَ أَعزّ أَنْ تُدْعَى عَزِيزاً…وأَنْتَ أَجَل أَنْ تُدْعَى جَلِيلا
وَأَنْتَ أَخٌ لِكُلّ غَريبِ دَارٍ…إِذا عَدِمَ القَرابةَ والخَلِيلا
يُسلّي لَفْظُكَ الصَّبَّ المُعَنَّى…وَيَشْفي ذِكْرُكَ الدَّنِفَ العَليلا
إِذَا وَهَبَ الإلهُ لنا عُقُولاً…وَهَبْتَ لِما وُهِبْنَاهُ عُقُولا
فِداؤُكَ مَنْ تَدِينُ لَهُ الأَماني…بِأَنْ يَلْقَى إِلَيْكَ لَهُ وُصُولا
وَمَنْ هُوَ دُونَ أَنْ يَرْنُو بِطَرْفٍ…إِلَيكَ فَكَيْفَ تَنْظُره عَدِيلا
تُرَى شَمْسُ الضُّحى إِبّان تَبْدُو…وَتُنْظَرُ حِينَ تُنْتَسبْ الأُصُولا
فَمَنْ وَافى يَعيبُ الشَّمْسَ يَوْماً…كَفاهُ على جَهَالتِهِ دَليلا
الحلقة السادسة: البرعي شاعر التوسلات؛ شعراء مبدعون في المديح النبوي