منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العشر الزُهر و ليلة العمر (الحلقة 6)  سلسلة سرج رمضانية

رشيد كريم

0

العشر الزُهر و ليلة العمر (الحلقة 6)  سلسلة سرج رمضانية

رشيد كريم

العشر الزُهر و ليلة العمر (الحلقة 5) | سلسلة سرج رمضانية

 

الحمد لله الذي أوضح لأوليائه إلى الجنة سبيلاً، وأرشدهم إلى العبادة التي أنزلها على نبيه جملة وتفصيلاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يكون الإخلاص فيها دليلاً، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي حثّه ربه على القيام فقال له: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ -المزمل:2-، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

يكفي العشر الأواخر فضلاً وشرفًا أن اختصها الرب الكريم الرحمن بليلة القدر، تلك الليلة التي تفوق العبادة فيها عبادة ألف شهر، إنها ليلة الشرف العظيم، التي يُفْرَق فيها كل أمر حكيم، وإنها لَحَرِيَّةٌ بالتعظيم والتكريم.

وقد خُصِّصت ليلة القدر بتعظيم الثواب بمقدار لا يُبلَغ قدرُه في أي وقت آخر، فقد جعلها الله خيرًا من ألف شهر، أي: العبادة فيها خير من عبادة ثلاثٍ وثمانين سنة! ولم يقل: إنها تساوي ألف شهر، بل قال: هي خير من ألف شهر! ولهذا ذهب غير واحد من أهل العلم أنها خير من الدهر كُلِّه، وأن الأعمال فيها يعظم ثوابها بتلك النسب الفائقة.

يقول ربنا منبهًا على عظم قدرها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ القدر:1-3.

ليلة القدر ليلة عظَّم الله قدرها، وشرف أمرها بإنزال كلمته المتممة فيها، ورسالته الخاتمة الجامعة، إنها ليلة لا مثل لها من الليالي، إنها ليلة العمر بحق، فهي ليلة فاق قدرها الأقدار، وعمت رحمة الله فيها المقصرين والأبرار.

فيا الله! ما أبركها من ليلة! وما أجلها مِن مكرمة! مَن أدركها فقد حاز المنة، ومَن فاتته فاته ما لا عوض عنه.

قال الإمام مالك رحمه الله: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم أراه الله أعمار الناس قبله -أي: أعمار الأمم قبله- فكأنه عليه الصلاة والسلام- تقاصر أعمال أمته، أي: رآها قصيرة بالنسبة لأعمال الذين سبقونا، تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغه غيرهم، فأعطاه الله ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، تصديقًا من ربنا لوعده لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ الضحى:5.

قال الإمام النخعي -رحمه الله-: العمل في هذه الليلة خيرٌ من العمل في ألف شهر، والله يضاعف للعامل فيها من الأجور مثل مضاعفة العامل في ألف شهر”.

وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ﴿مَن قامها -أي ليلة القدر- إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه﴾.

وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم: ﴿من قامها ابتغاءها -أي: طالبًا لها- ثم وقعت له -أي: صادفها- غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر منه﴾.

لليلةِ القـدْرِ عـند الله تفضـيلُ *** وفي فضائلِها قـد جاءَ تنـزيلُ

فجدَّ فيها عـلى خـيرٍ تـنالُ به *** أجْرًا فلِلْخَيْر عند الله تعجـيل

واحرص على فعل أعمالٍ تُسَرُّ بها *** يوم المَعَادِ ولا يَـغْرُرْكَ تـأميل

فكم رأينا صحيحَ الجسـم ذا أملٍ *** في ليلةِ القـدرِ لم يبلغه تنويل

فتُبْ إلى الله واحذر من عـقوبته *** عـن كُلِّ ما فيه توبيخٌ وتنكيل

ولا تغُرَّنَّـكَ الدنيـا وزُخْرُفُـها *** فكُلُّ شيءٍ سوى التقوى أباطيل

ولله ذر الأستاذ عبد السلام ياسين حيث قال في قطف من قطوفه (قطوف 4، ص 43).

ليْلةَ القَدْر حَلَلْتِ بنا…مرحباً يا ليلةَ القَدْرِ

أنتِ فينا رحمةٌ نزلَتْ…أنتِ فينا غُرَّةُ الدَّهْرِ

برَكاتُ الله تَكْلَأُنا…فيكِ حَتّى مطلَعِ الفَجْرِ

ليْلَةَ القُرآنِ طِيبِي لنا…بتِلاواتٍ وبالذِّكْرِ

وَتَرَاويحَ تُجَمِّعُنا…فِي مَحاريبَ لَنَا زُهْرِ

ربِّ نَوِّرْنا بلَيْلتِنا…نوِّرِ القلْبَ مَدَى العُمْرِ

صل يا رب على المصطفى…هُوَ مِنّا آيةُ الطُّهْرِ

قيل للإمام الضحاك: أرأيت النّفساء، والحائض من النساء، والمسافر في حاجته، ألهم نصيب من ليلة القدر؟! قال: نعم، كل من تقبل الله عمله في صيامه فسيعطيه نصيبه من ليلة القدر.

إخوة الإيمان:

إن المعول على قبول العمل ليس مجرد الاجتهاد، وإن الاعتبار في بر القلوب لا بمجرد عمل الأجساد، وهنا أفتح قوسًا مهمًا بعد ذكرنا بر القلوب، فكثير من الناس يشكون قسوة قلوبهم، أو بمعنى آخر يأتي واحد ويقول: لا أجد قلبي عند الذكر وعند العبادات، وسبب ذلك وجود الحاجز والمانع، وهو المعبر عنه في لغة القرآن بالران، قال -تعالى-: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ -المطففين:14-.

وقال بكر بن عبد الله في معنى قوله -تعالى-: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ -ق:23-، قال: الذي يمشي ببدنه على الأرض وقلبه معلق بالله تعالى.

ولكن العبد منا مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات، وفعل الصالحات، والاجتهاد في المبرات، ويزداد التحري لهذه الليلة الفاضلة بالأوتار من العشر، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما خرجه الإمام البخاري: ﴿تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر﴾.

وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ﴿في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى﴾. يعني من الليالي العشر.

وعن أنس رضي الله عنه قال: أخبرني عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يخبر بليلة القدر، فتلاحى رجلان أي: اختصم رجلان، فقال: ﴿إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم، التمسوها في السبع والتسع والخمس﴾.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: ﴿ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى﴾.

إنها صورة من صور العظمة، أرأيت مكانتك أيها الإنسان عند ربك؟! أرأيت قدرك عند سيدك وموجدك؟! ينزل عليك ملائكته الكرام؛ حتى يحصل الاتصال بعالم النور، وحتى يحصل لك السرور، فإن كنت أنت غافلاً عن ربك فربك ليس بغافل عنك، سبحانه جل في علاه!!

وأرجى الليالي لإدراكها ليلة السابع والعشرين، لحديث عبد الله بن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله: إني شيخٌ كبير عليل يشق عليّ القيام، فمرني بليلة يوفقني الله فيها لليلة القدر، فقال عليه الصلاة والسلام: ﴿عليك بالسابعة﴾. وإسناد هذا الحديث على شرط البخاري.

وقد كان سيدنا أبي بن كعب رضي الله عنه يحلف على ذلك توثيقًا وتصديقًا، فقد أخرج الإمام مسلم وغيره أن أبي بن كعب قال: والله الذي لا إله إلا هو إنها لفي رمضان، والله إني أعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة صبيحة يوم سبع وعشرين.

وأماراتها: أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها، وهي ليلة باقية إلى يوم القيامة، لم ترفع على الصحيح؛ ففي المسند، عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- قال: كنت أسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها، فقلت له ذات يوم: أخبرني عنها؛ أهي في رمضان أم في غيره؟! قال: ﴿بلى؛ هي في رمضان﴾، قلت: تكون مع النبي ثم ترفع حين يقبض، أم هي إلى يوم القيامة؟! قال: ﴿بل هي إلى يوم القيامة﴾، قلت: في أي رمضان هي يا رسول الله؟! قال: ﴿التمسوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها﴾.

فلنستيقظ من سِنة الغفلة، ولْنغتنمْ ما بقي من شهرنا، ولنترقب ليلة القدر، ولنسأله سبحانه فيها كما علمنا: ﴿اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا﴾.

﴿اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا﴾.

﴿اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا﴾.

ولنجعل بدل نومنا وغفلتنا اليقظة والسهر، وعوض الأفلام مناجاة الملك العلام، لنجد ذلك إن شاء الله إذا عظمت الأهوال، وذهلت المراضع عن أبنائها، وشابت الأطفال.

واستدركوا ما فاتكم من رمضان، فإنه سيد الشهور وأفضل الأزمان، واجتهدوا كي تصادفوا ليلة القدر، ليلة تمحى فيها ذنوب مَن أحياها، وتحط فيها خطايا مَن بيَّض بالإخلاص محياها.

ألا فاستغلوا هذه العشر، وبادروا فيها إلى كل أجر، فربما تصادفون فيها ليلة القدر، فيغفر الذنب ويوضع الوزر، فيسعد من أحياها، وبيَّضَ بالإخلاص محياها.

يا واقفًا في مقامِ التَّحيُّر: هل أنتَ على عزمِ التغيُّر؟! إلى متى ترضى بالنُّزول في منزل الهَوان؟

هل مضى من عمرِك يومٌ صالح سلمتَ فيه من جرائمِ القبائح؟! تالله لقد سبق المتقي الرابح، وأنت راضٍ بالخسران!

عينك مطلقةٌ في الحرام، ولسانك منبسطٌ في الآثام، ولأقدامك على الذنوبِ إقدام، والكل مثبت في الديوان، قلبك غائب في صلواتِك، وفكرك غارق في شهواتك، فإن ركن إليك راكن في معاملاتِك، دخلتَ به خانة مَنْ خان.

يا هذا، أكثرُ كلامِك لهو وهَذَر، والوقت بالتفريطِ شَذرَ مَذر، فإن تغتبْ مسلمًا لم تُبقِ ولم تذر!

لو عقلتَ حالَك، أو ذكرت ارتحالَك، أو تصورت أعمالَك، لبنيتَ بيتَ الأحزان، سيشهد رمضان عليك، بنطقِ لسانك، ونظر عينيك، وستسمع يوم الجمع: شقِيَ فلان، وسعد فلان.

كلِّ لحظة تقربُك من قبرِك، فانظر لنفسِك في تدبير أمرِك، فإن كان في الماضي قد قبح الوصف فقم الآن.

قال الناظم  الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى في ديوانه قطوف (قطوف 2ص28) وهو يعاتب أولئك الذين يهجرون المساجد، ويركنون إلى عالم الغفلة، وينامون عن صلاة الفجر بعد رحيل رمضان، منبها رحمه الله إلى أن الله عز وجل جعل خيراته وبركاته وأنواره في كل الليالي والأيام، وإنما رمضان كان غرة الشهور، لتجديد العزم، ورفع الهمم للمعالي، ومزايلة الكسل.

أيا عابدَ الأيّامِ وَيْحَكَ تلعبُ ** وتُتْلِفُ عُمْراً في الفراغ وتكذبُ

أتى رمضانُ الخيِر فارْتَدْتَ مسجدا ** فلما تولى صرت عنه تَنَكَّبُّ

ونمْتَ عن الفجرِ الكريم شُهُودُهُ ** وما جئتَ تبغي صَفَّنَا حين تغْرُبُ

وما جعل الله الكريمُ ليالياً ** وأيامَ فضْلٍ عندها النور يُسكَبُ

سوى غُرَّةٍ وَسْطِ الزَّمان تُمِدُّنا ** بعزْمٍ به همَّاتُنَا تتوثَّبُ

فَننْبِذُ أسبابَ الوَنَى وتكاسلاً ** ونَعْبُدُ طول العُمْرِ والأجرَ نكْسِبُ

فصلِّ على المختار، رب، وسلِّمَنْ وسدِّدْ خُطى من جاء وجْهَكَ يطْلُبُ

﴿اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا﴾.

﴿اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عنا﴾.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عتقائك من النار.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.