منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العشر الزُهر و ليلة العمر (الحلقة 5) | سلسلة سرج رمضانية

رشيد كريم

0

العشر الزُهر و ليلة العمر (الحلقة 5) | سلسلة سرج رمضانية

رشيد كريم

الحمد لله الذي أوضح لأوليائه إلى الجنة سبيلاً، وأرشدهم إلى العبادة التي أنزلها على نبيه جملة وتفصيلاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يكون الإخلاص فيها دليلاً، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي حثّه ربه على القيام فقال له: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ -المزمل:2- ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

معاشر الأحباب:

لا نزال في رياض رمضان، نرتع فيها، ونتفيأ ظلالها، ولا نزال -تفضلاً من مولانا- نرتبع ربيعها ونرتشف رحيقه، فلنأخذ إلى الخيرات أهبة السير، ولْنخِفَّ نحوها خُفُوفَ الطير.

أخي الغالي، أختي الغالية:

إنما تسمو النفوس ويفوح شذاها، وترتقي الأرواح وتصفى من أوضارها، وتخضع القلوب وتحلق في أفيائها؛ كلما أقبلت على ربها، وازدلفت إليه، واهتبلت الفرص الكريمة السوانح لبلوغ رضوانه، فتوجهت إليه -سبحانه- بقلوب عامرة بالإيمان، نابضة باليقين، متجردة من صوارف الحياة الدنيا، قاصية عن مهابط المادة ووحل الشهوات، فاستغلت الفرص الكريمة، والمنح العظيمة.

وأنتم ترون أن الليل والنهار يتراكضان كتراكض البريد، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ق:37.

 فهذا الشهر الكريم قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلا القليل، وبدت شموسه على أطراف النخيل، كيف لا وقد شارف على الانتهاء ولم يبق منه إلا القليل!! وهو شاهد على المحسن بإحسانه، وعلى المسيء بمخالفاته وعصيانه، فالسعيد من عمر أوقاته بطاعة ربه، وتزود فيه بصالح الأعمال، فيا فوزَ من أطاع فيه ربه! قد ادخرت حسناته، ويا خسارة من عصا فيه مولاه! قد انقضت لذاته.

فلنحسن استثمار مواسم الخير قبل انقضائها، والأعمار قبل انتهائها، وإن مِن أرفع هذه المواسم قدْرًا العشر الزهر العشر الأخيرة من رمضان، فإنها من أيام الله المباركة التي امتن الله بها على عباده؛ ليستبقوا الخيرات، وليعظم تنافسهم في الباقيات الصالحات، وليستدركوا ما فات.

إخوة الإيمان:

بما أنَّنَا في العَشْرِ الأواخِر من هذا الشهر الزاهر، فإن المقام يقتضي منا التنبيه على فضيلة هذه العشر، وما ينبغي للمؤمن أن يتحراه فيها؛ حتى لا تفوته نفحاتها القدسية، ولحظاتها النورانية.

من ذلكم ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ﴿كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله﴾.

وفي صحيح مسلم أيضًا قالت: ﴿كان -عليه الصلاة والسلام- يجتهد في هذه العشر ما لم يجتهد في غيرها﴾. أي: كان يخص خاتمة هذا الشهر بأعمال لا يعملها في العشر الأولى ولا الوسطى.

وفي ذلك إشارة إلى عظيم معرفته بربه ومقامه أولا؛ لأن الأعمال بالخواتيم، فأنت عندما تجتهد في هذه العشر أكثر من غيرها فإنك تُري الله من نفسك أنك ستفارق هذا الشهر وأنت مرتبط به لم يصبك ملل ولا كلل.

ثم إن المتسابق إنما يرفع من وتيرة سباقه عند اقترابه من خط النهاية، ونحن -يا عباد الله- أُمرنا بالسباق في ميادين الخيرات، قال -تعالى-: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ -الحديد:21-.

وبين يديك -أخي المؤمن- هذه العشر، وهي ميدان عظيم من ميادين السباق، فلا تدع أحداً يسبقك إلى الله، أنجِز ولا تعجَز، وبادر قبل أن تغادر.

قلنا إنه صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهد في غيرها.

من ذلكم إحياؤه الليل، ونعني به تطويل تهجده، والزيادة فيه، حتى إنه كان -عليه الصلاة والسلام- يخلط العشر الأولى والوسطى بصلاة ونوم، فإذا كان العشر الأخير شمر وشد المئزر صلى الله عليه وسلم.

وورد أنه عليه الصلاة والسلام ﴿ذا دخلت ليلة أربع وعشرين لم يذق غمضًا﴾، أي: لم ينم له جفن.

ورجّح جمع من الأئمة الأعلام أن المراد بإحياء الليل في العشر إحياء غالبه ومعظمه؛ لقول عائشة رضي الله عنها، وهي من أعلم الناس بحياته الخاصة: ﴿ما أعلمُه صلى الله عليه وسلم قام ليلة كاملة حتى الصباح﴾.

ومن هديه صلى الله عليه وسلم في هذه العشر وهذا أمر يغفل عن جمع من الناس، إيقاظه لأهله، أي زوجه وولده، ذكرانهم وإناثهم، فقد خرّج الإمام الطبراني من حديث علي رضي الله عنه: ﴿أنه كان عليه الصلاة والسلام يوقظ أهله في العشر الأواخر، وكل صغير وكل كبير يطيق الصلاة من أهله﴾.

وكيف لا يفعل ذلك وهو المتمثل لقول ربه: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ طه:132.

وهذا الأمر يفرّط فيه الكثير من المسلمين -مع الأسف! فالكثير منهم تمتلئ بهم المساجد في صلاة التراويح أو في صلاة الفجر أو غيرها وأبناؤهم وأهلهم في اللهو غارقون، أو في النوم مغيبون، أو مع المسلسلات منشغلون، ولا يأمر ولا يزجر ولا يحث أهله على عدم إضاعة هذا الفضل العظيم، وهذا لا يليق أبداً بمن تلقى هذا الخطاب الرباني: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ طه:132.

روي أن سيدنا عمر رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله، نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهالينا؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: ﴿تنهوهن عما نهاكم الله عنه، وتأمروهن بما أمركم الله به، فيكون ذلك وقاية بينهن وبين النار﴾.

Eبل كان ذلك دأبه المستمر صلى الله عليه وسلم، وهدي صحبه من بعده، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يطرق باب لالة فاطمة رضي الله عنها وسيدنا عليٍّ ليلاً فيقول لهما: ﴿ألا تقومان فتصليان؟!﴾.

وكان يوقظ عليه السلام أمنا عائشة رضي الله عنها إذا قضى تهجُّدَه وأتمَّه وأراد أن يوتر؛ حتى يشركها في فضل الختام.

ورغَّب عليه الصلاة والسلام في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصلاة، ونضح الماء في وجهه لإتمام الإيقاظ.

وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يصلي من الليل ما يشاء، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله، يقول لهم: (الصلاةَ الصلاةَ)، ويتلو قوله سبحانه تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ -طه:132-.

ومن هديه صلى الله عليه وسلم في هذه العشر شد مئزره، والصحيح في معنى ذلك اعتزاله نساءه، وبهذا فسّره السلف من أمتنا، وقد ورد صريحًا في حديث أمنا عائشة رضي الله عنها وهو أنه صلى الله عليه وسلم: ﴿لم يؤْوِ إلى فراشه خلال العشر حتى ينسلخ رمضان﴾، أي: ينتهي.

وعن أنس رضي الله عنه أنه -صلى الله عليه وسلم ﴿كان إذا دخل العشر طوى فراشه، واعتزل نساءه﴾؛ وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان غالبًا ما يعتكف العشر كلها، والمعتكف ممنوع من قرب النساء بالنص والإجماع، يقول ربنا: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ البقرة:187.

ومن هديه صلى الله عليه وسلم في هذه العشر الإكثار من الغسل، والتطيب باستعمال أحسن أنواع الطِّيب في الليالي التي يرجى فيها ليلة القدر، فقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم ﴿كان يغتسل بين كل أذانين، كل عشاءين، في العشر الأواخر﴾. أي بين المغرب والعشاء.

قال ابن جرير: وكان السلف يستحبون الغسل كل ليلة منه،

وكان الإمام النخعي الفقيه يغتسل في العشر الأواخر كل ليلة،

وكان أيوب السختياني -رحمه الله- يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، ويلبس الجديد، ويستعمل البخور.

وقال حماد بن سلمة: كان حميد الطويل وهو من رجال البخاري يلبس أحسن ما عنده ويتطيب في الليلة التي يرجى فيها ليلة القدر.

إخوة الإيمان:

ولا يكمل تزيين الظاهر بلباس وطيب إلا بتزيين الباطن بالتوبة والإنابة وترك العصيان، فإن تزيين الظاهر مع خراب الباطن يعد مقتًا مبينًا، يقول ربنا بارك وتعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الأعراف:26.

يقول سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ﴿إن الله لا ينظر إلى صوركم وأبدانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم﴾.

مِن هديه صلى الله عليه وسلم في هذه العشر الاعتكاف، فعن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: ﴿كان عليه الصلاة والسلام يعتكف العشر الأواخر حتى توفاه الله﴾، أي: كانت سنته الدائمة المستمرة.

وفي عامه الأخير اعتكف صلى الله عليه وسلم العشر الوسطى والأخيرة؛ وذلك استعدادًا منه صلى الله عليه وسلم للقاء ربه منزل الكتاب عليه.

وإنما كان يعتكف في العشر التي تكون فيها ليلة القدر؛ قطعًا لأشغاله، وتفريغًا لباله، وتخليًا لمناجاة ربه والتفرد بذكره ودعائه.

وكان عليه الصلاة السلام يخصص مكانًا ضيقًا في مسجده يختلي فيه عن الناس، فلا يخالطهم إلا في صلاة الجماعة، ولا يشتغل بهم؛ ولذلك كان الأفضل للمعتكف الانفراد عن الناس والتخلي عنهم.

وإنما يشرع الاعتكاف في المساجد الجامعة لئلا تترك بسببه الجمع والجماعات؛ لأن الخلوة والعزلة إذا قطعت عن صلاة الجماعة خرجت عن الهدي الصحيح، فقد سئل سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يشهد الجمعة ولا الجماعة، فقال متوعدًا: (هو في النار، هو في النار).

وأقل الاعتكاف يوم وليلة على الصحيح من أقوال أهل العلم، على أن يكون المعتكَف مع بزوغ الفجر، أي مع طلوع الفجر، كما فعل صلى الله عليه وسلم، ولا يخرج من المسجد إلا لقضاء حاجته، أو تجديد طهارته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.