دور أدب الأطفال في تشكيل الشخصية القوية والسوية للطفل
بقلم: الأستاذ حسن لبويز
1- الطفولة:
الحديث عن موضوع الطفولة هو سبرٌ لأغوار الطبيعة البشرية. لأن ما سيأتي بعد مرحلة الطفولة يُبنى على ما تم اكتسابه في السنوات الست أو السبع الأولى من حياة الإنسان. جُلّ المبادئ والقيم والسلوك والولاءات يتم زِرَاعُها في هذه المرحلة. وجل القناعات التي ستأتي لاحقا ترتكز على تلك المبادئ وتلك القيم. وبالتالي فإن شخصية الإنسان رهينة بغرس مرحلة الطفولة.
والحضارات التي تسعى إلى أن يكون لها موقع متميز في المستقبل تستثمر هذه مرحلة الطفولة بشكل جيد. والاستثمار أشكال ووسائل. وأدبَ الطفل واحدٌ من هذه الوسائل.
2 – أدب الأطفال.
ارتبطت كلمة ” أدب ” بتهذيب النفس وبالأخلاق الفاضلة. منذ فجر الإسلام. وإلى هذا المعنى أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (أدبني ربي فأحسـن تأديبي) أخرجه ابن السمعاني عن ابن مسعود بسند صحيح.
أما اليوم فتطلق كلمة “الأدب” على الكلام الإنشائي الجميل والبليغ. والأدب شكل من أشكال الإبداع اللفظي الذي يتمظهر في عدة أجناس فنية وجمالية. وأدب الطفل هو أحد الأجناس الأدبية المتجددة في الآداب الإنسانية. له خصوصياته الإبداعية وعناصره الفنية. وهو لا يتميز عن أدب الكبار سوى بكونه موجه للأطفال، وبالموضوع الذي يناسب كل مرحلة عمرية، وبالقاموس اللغوي المناسبة، وبالتصورات والخيال المناسبة. وكذلك بعناصر الإثارة والتشويق المطلوبة فيه كجنس الأدبي. هذا علاوة على تفرده بالاهتمام بالصورة الملونة وحجم الخط والحركات الإعرابية.
ويشمل أدب الطفل القصة والمسرحية والأناشيد ومجلات الأطفال والوسائط الإلكترونية وكل الأشكال السردية الموجه للأطفال قصد التوجيه والتهذيب. والشكل الفني في الأدب عموما مجردُ وعاءٍ، يحتوي مواضيعَ مختلفة، نسميها المضمون. الشكل وسيلة والمضمون رسالة. ورسالة أدب الطفل هو إيصال قيم ومعاني محددة للمتلقي الذي هو الطفل. يُبْرِزُها الأديب أو يستبطنها، في قوالب وأشكال فنية ومضامين تناسب المراحل العمرية المستهدفة. تهز مشاعر الأطفال الوجدانية وتصوراتهم الخيالية، فتجعلهم يتفاعلون معها بسلوك معين، يساهم في تشكيل وجدانهم بقدر معين، تحكمه القيم التي اكتسبوها من أسرهم ومن مدارسهم ومن الإعلام والمجتمع. هنا تبرز أهمية أدب الطفل ومساهمته في تشكيل الشخصية الروحية والوجدانية للناشئة.
نستنتج أن أدب الطفل ليس مجرد متعة أدبية وتسلية لملء الفراغ كما يذهب البعض، بل هو أكبر من ذلك. إنه حقل لصياغة المثل العليا التي ستحكم مستقبل الإنسانية. وكلما كان منطلق المضمون ذاتا إسلامية كلما جاءت المثل العليا للأطفال معبرة عن القيم الإسلامية العالية. والعكس بالعكس. كلما كان المنطلق فكر التيه والحيرة كلما عبر المضمون عن التفاهة وأنتج إنسانا متهافتا على القدوات الغريبة، يرضى بلباس ممزق وبتصفيفات شَعَرٍ مشوهة، وبمثل أخلاقية هابطة.
3 – الشخصية الإنسانية والشخصية الأدبية:
فإذا كان الجسد نعْتٌ للمظهر المادي للإنسان فإن الشخصية مفهوم معنوي يدل على نسق فريد من التجليات الروحية والعقلية والسلوكية والانفعالية للقيام بسلوك معين في مواقف معينة. وبالرغم من أنها مفهوم معنوي فإن لها تجليات في الواقع الملموس قولا أو فعلا أو تقريرا. ولكل مجتمع مقاييس أخلاقية عقدية أو فكرية أو سلوكية يقيِّم بها تلك التجليات.
أما الشخصية الأدبية فهي افتراضية، موازية للزمان والمكان والعقدة في العمل الأدبي. والشخصية الأدبية عنصر أساسي في أدب الطفل بجميع اجناسه. فهي تحمل الأفكار والمعتقدات التي يريد الكاتب أن يوصلها إلى الأطفال.
وفي التراث العربي نجد شخصيات أدبية خالدة ذات تأثير في الأدب العالمي، أذكر منها: شخصية علاء الدين، والسندباد، وعلي بابا، حي بن يقضان، وجحا، وغيرها. هذ الشخصيات الأدبية أثرت على جيل بأكمله، وساهمت في بناء شخصية تعتز بانتمائها العربي والإسلامي.
وفي العصر الحديث لدينا شخصية الطفل “حنظلة”. الأيقونة الفلسطينية للرسام الكاريكاتوري الناجي العالي، والتي التف حولها الأدب العربي.
وهناك شخصيات كرتونية تسيئ لتربية لأطفال مثل: شخصية “سوبير مان” لكونها تتبنى العنف الجنوني. وشخصيتي “طوم” و”جيري” التي تروج للمكر والخداع. وشخصيات مسلسل “هاري بوتر” المليئة بشخصيات من المخلوقات الغربية والوحوش المذهلة ذات أوصاف قبيحة. شخصيات تومن بالسحر والانتقام والأساليب العدوانية. وهذه الشخصيات كلها تساهم في تشكيل وعي الطفل بشكل أو بآخر. ومن هنا نُغْزَى.
ويساهم أدب الطفل بشخصياته الأدبية في تقوية أو إضعاف شخصية الطفل. وكلما استمدت الشخصية الأدبية قوتها من المرجعية الإسلامية، كلما اقتربت شخصية الطفل من العقيدة الإسلامية السليمة. فالعلاقة بين النص الأدبي والعقيدة الدينية علاقة عضوية، وأي تنافر بينهما يُخرجنا عن التصور السليم، ويُحدث فجوة تغيب فيه معاني الصدق والخير، وتحضر فيه معاني التيه والحيرة.
إن مضمون أدب الطفل قادر على أن يعبر عن العقيدة الإسلامية السليمة إذا كان صادرا عن ذات مؤمنة بالله عز وجل، دون إهدار لقيمته الجمالية وقدراته الامتاعية. وهذا ما عبر عنه معظم المفكرين والأدباء.
من وظائف أدب الطفل أن يبرز الرؤية التربوية الإسلامية للشخصية المؤمنة. هذه الرؤية التي تسعى لزرع القيم الإيمانية، والمحافظة على الفطرة السليمة التي فطر الله عليها الإنسان، مع استحضار المستمر لعالم الغيب ِوالشهادة بشكل متوازن. ولن تستوي الشخصية المؤمنة إلا إذا تضافرت جميع المكونات المتدخلة في العملية التربوية، من البيت إلى المدرسة إلى المجتمع إلى الإعلام. أي أن تكون النصوص الأدبية الموجهة للطفل في الكتاب المدرسي وفي النصوص الإعلامية والنصوص الشفوية في المحافل المجتمعية تسير في نفس الاتجاه. بناء الشخصية المؤمن للطفل السليمة يجب أن تكون حركة أدبية متواصلة زمنيا، لا تتوقف. وأن تكون عملا قويا يكتسح كل المُقَاوَمَات وكل العقبات الهدامة. والتوقف يعني فتح المجال لفكرٍ تربويٍ مغاير ليتغلغلَ داخل شخصية الطفل، فيزاحمَ الفطرة السليمة أو يُقَوِّضَها ويؤسسَ مكانها قيم التفاهة والتهافت.
مشكلتنا اليوم هو غياب رؤية تربوية واضحة المعالم في مناهجنا التعليمية. نلمس ذلك بوضوح في النصوص الأدبية الموجودة في الكتب المدرسية. والحديث عن البرنامج الدراسي المنقح هو حديث عن إزالة نصوص قرآنية وأحاديث لا تناسب التطبيع السياسي الذي تبنته الحكومة المغربية. هذا علاوة على تغلغل الأدب الفرنسي والإنكليزي في المدارس الخصوصية داخل شخصية الطفل المغربي. فإذا كان الميثاق الوطني يقتضي أن يكون 34 في المئة من الدارس التعليمية مدارس خصوصية، فإن هذا يعني أن 34 في المئة من الأطفال المغاربة شخصياتهم مخترقة. ومن هذا المنبر، أنبه جميع الغيورين على هذه الأمة الإسلامية في هذا البلد لهذا المعطى الخطير. لأن ذلك يساهم بقوة على بناء شخصية مَغربية مُغرَّبة، تقبل كل ما هو فرنسي، وتتصدى لكل ما هو عربي مسلم أصيل. من هنا نُؤتى.
ولا يمكن للرؤية التربوية الغربية أن تكون مرجعا لتربية الناشئة المسلمة وبناء شخصيتهم المستقبلية. فالغرب له منطلقاته الفكرية ولنا منطلقاتنا الفكرية والعقدية. فالحديث عن الحرية الشخصية للطفل ثبت فشله في الغرب، حيث جعل هذا التوجهُ الطفل يصطدم بكل القيم الإنسانية، ويهدد مستقبل الحضارة البشرية.
التحولات المجتمعية تستهدف أبناء الأمة في قيمهم وهويتهم المسلمة. والهدف هو طمس الفطرة السليمة. الوسيلة أبواب المتعة المتعددة، ومنها أدب الأطفال.
وظيفة الأدب الإسلامي للطفل هو المساهمة في تقوية الشخصية المؤمنة للناشئة، وذلك بالتركيز على مجموعة من الصفات العقدية والأخلاقية والاجتماعية التي تميز المؤمن عن غيره في التفكير والسلوك، والتصرفات، والانفعالات القولية، والفعلية. أن يساهم في تقوية التنشئة الإيمانية انطلاقا من التحلي بشعب الإيمان، والتخلي عن سفاسف الأخلاق.
بعض المفكرين يختزلون الشخصية المسلمة في القيام بالعمل الصالح. وأضاف بعضهم أن يكون صالحا ومصلحا. هذا الاختزال لم يوضح كيفية قياس الشخصية المؤمنة. ويبقى مصطلح الشخصية عائما ما لم يتم تحديد معالمه. وبالتالي يبقى معه أدب الأطفال عاجزا عن معالجة جميع نواحي الشخصية المؤمنة للأطفال.
معالم الشخصية المؤمنة التي نرجو من أدب الطفل أن يركز عليها وينميها هي:
أولها: التركيز على التزام الطفل بتعاليم دينه، من صلاة في وقتها وفي المساجد، وذكرٍ لله بعد الصلاة والتركيز على أدب الأكل وأدب الدخول والخروج وغيره من الأدب القويم.
ثانيا: الحضور الاجتماعي للطفل. أن يكون الطفل المؤمن قابلا للاندماج في الجماعة (في البيت والحي والمدرسة والجمعية …).
ثالثا: الالتزام بالصدق في الكلام والفعال.
رابعا: حب الحق والانتصار له، ومواساة المظلوم والدفاع عنه. وهنا نذكر قصص المغامرات لليافعين.
خامسا: حب العلم والاجتهاد في الدراسة.
سادسا: القيام إلى كل عمل يرضاه الله عز وجل، والامساك عن محارم الله.
سابعا: التميز بالسلوك الإسلامي ظاهرا وباطنا، والابتعاد عن التفاهة وصفاتها وأساليبها.
ثامنا: الصمود أمام الاغراءات، والمساهمةُ في المبادرات الصالحة، بلا ملل.
تاسعا: الاقتصاد وتجنب التبذير، وعدم التأثر بالعقلية الاستهلاكية.
عاشرا: حمل رسالة الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.
هذه المعالم هي معالم واضحة تصلح لقياس الشخصية المؤمنة. ونرجو من أدب الطفل أن يبلورها في القصص والمسرحيات والأشعار، وفي مجلات الأطفال والوسائط الإلكترونية. كما نرجو من المؤسسات التربوية أن تسعى، جاهدة ومتآزرة بشكل موازي، لاستعادة تربية تثمر معرفة الله عز وجل. أي تربية يكون أساسها القرآن الكريم، والمسجد، وتحصيل العلوم، والنظر إلى المستقبل، والأخذ بالحكمة، واحترام المقاييس الجمالية، واستحضار البعد الوقائي.