فلسفة الولاية والإشهاد على الزواج
د. عبد الحليم زوبير
فلسفة الولاية والإشهاد على الزواج
بقلم: د. عبد الحليم زوبير
حظيت الولاية على المرأة في الزواج، بجدل كبير في مخاض ولادة مدونة الأسرة المغربية، سنة 2004م؛ وانتهى الجدل إلى الأخذ برأي الحنفية في الموضوع، وهو إعطاء المرأة الراشدة حق الولاية على نفسها، وعدم اشتراط ولاية الذكور من أقاربها أو غيرهم؛ وما أن هدأت عاصفة الولاية حتى ثار مشكل الإشهاد هو الآخر، حيث تشير التقديرات إلى أن المجلس العلمي الأعلى أجاز لمغاربة العالم الغربي عقد الزواج بدون الحاجة إلى شاهدين مسلمين؛ وفي هذه السطور نشارك في هذا النقاش، بالنظر إلى مسألتي الولاية والزواج، ونتخذهما مثالين لتقييم وتقويم اجتهاد العلماء في مجال الأسرة.
أولا يجب وضع الولاية والإشهاد على الزواج، في مرتبتهما الاعتبارية عند الفقهاء، وهذا يحيلنا إلى الخلاف الواقع بين العلماء في اعتبار هذين ركنين أم شرطين؛ علما بأن الركن هو ما تتحقق به حقيقة العقد وماهيته، أما الشرط فهو مكمل لتلك الماهية؛ ويعتبر الحنفية ركن الزواج منحصرا في الصيغة وهي الايجاب والقبول، ويعتبر الحنابلة الركن منحصرا في الصيغة والزوجين، أما المالكية والشافعية فقد أضافا إلى هذين أمورا أخرى منها الإشهاد والولاية.
والناظر في مذهب الحنفية والحنابلة يلاحظ أنهما يؤولان إلى مذهب واحد، والخلاف بينهما لفظي، لأن الصيغة يمكن اعتبارها ركنا واحدا، ويمكن اعتبارها ركنين أي الايجاب والقبول، ويمكن اعتبارها أربعة لأن الايجاب والقبول يتوقف على وجود زوجين؛ دون أن نغفل أن مذهب الحنابلة والحنفية في المسألة لم يصدر من أصل موحد، لأن الحنفية يجيزون للمرأة الرشيدة أن تتولى نكاحها بنفسها، فهي من تعبر عن القبول، بينما عند الحنابلة الذي يعبر عن القبول هو ولي الزوجة.
ولو أردنا قياس هذه الآراء بموازين التقعيد الفقهي، فإن الركن الحقيقي للزواج هو الزوجان والصيغة، ومستندنا في هذا، النقل والعقل، فأما النقل فإن القدر المجمع عليه بين الفقهاء هو هذه الأربعة وإن اختلفت تعبيراتهم، وهو الحد القطعي الذي لا يجوز فيه الخلاف؛ وأما العقل فإن حقيقة العقد لغة وعادة تكون
بوجود طرفين وصيغة تعبر عن قصدهما إلى التعاقد، وأي تخلف لهذين الأصلين يخرج به الاقتران بين الزوجين عن مسمى عقد الزواج.
إن هذه الفذلكة ليس لها قيمة سوى أنها تبين أن الجدل في الولاية والإشهاد جدل فيما يحتمل الجدل، وليس خوضا في القطعيات ومسائل الإجماع، وهو مدخل لوضع النقاش في حدوده الطبيعية، وعدم الانجرار إلى لغة عقدية لا يحتملها الموضوع ولا تقدم فيه شيئا؛ وفيما عدا هذا فإن المجال واسع للرأي والرد والقبول، لكن الرأي بالقبول أو الرد لابد أن يقاس باحترامه للمحددات الثلاثة التي سلفت في المقالة السابقة، فيجب احترام النص الشرعي وفهمه بقواعد الشرع، والتصرف فيه بموازين التعارض والترجيح الأصوليين؛ ويجب من جهة ثانية استحضار المصالح الشرعية للمكلف، والميل نحو التخفيف بما لا ينقض أصلا شرعيا، ويجب من جهة ثالثة أن يكون النظر محكما، بحيث يكون الاجتهاد خاضعا لمعايير منضبطة، يأخذ كل طرف منه بعنق الطرف الآخر، بلا تناقض ولا تلفيق ولا انتقاء.
ومحاولة لتقديم رأي يحترم هذه الحدود، وبعد توضيح الرأي في مسألة الولاية والإشهاد، باعتبارهما خارج الماهية التي تشكل عقد الزواج؛ نقول إن الجدل حول الولاية والإشهاد في الزواج، راجع إلى فلسفة كل منهما، والحكمة منه في عقد الزواج؛ والسؤال الذي يساعد في تحليل المفهومين هو أيها أخطر في ميزان الشريعة، الإشهاد أم الولاية؟
وقبل الجواب لابد من تصور وظيفة كل منهما، فالولاية مفهوم ديني، ينسحب على العلاقات بين المسلمين خصوصا، ومجموع الآيات والأحاديث الواردة في الولاية، باختلاف السياقات المتنوعة جدا، تعطينا أن الولاية علاقة قلبية بين المسلمين، ترتبت عليها مقتضيات عملية في السلم والحرب والحقوق والجنايات وغيرها؛ والذي عليه العلماء جميعا أن الولاية لا تكون إلا بين المسلمين، وهذا لا ينفي الصداقة والتحالف والتعاون مع غير المسلمين، ولكن الولاية ارتباط قلبي لا يتحقق إلا بشرط الإسلام.
أما الإشهاد فهو إجراء مدني يقصد به إلى توثيق العقود بما يضمن الحقوق، ولذلك ارتبط بجميع المعاملات مالية أو غيرها، فعلى هذا يمكننا القول بأن الخطر الشرعي يتعلق بالولاية في الزواج، لأنه ارتباط مجتمعي على أساس الدين والعقيدة، تكون فيه القرابة –إن وجدت- تابعة للدين لا العكس؛ بينما تنحصر فلسفة الإشهاد في البعد المدني للعقود؛ ولذلك لم يقل أحد بوجوب الولاية على المرأة في العقود المالية والمدنية، ويلزم من هذا أن يكون القصد من الإشهاد على الزواج هو ضمان حقوق الزوجين والأبناء، ونشر النسب، وهذا هو مسلك جمهور من الفقهاء على رأسهم الحنفيىة.
قال شمس الأئمة السرخسي الحنفي: “ولو تزوج مسلم نصرانية بشهادة نصرانيين جاز النكاح في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، ولم يجز في قول محمد وزفر رحمهما الله تعالى” (المبسوط: 5/33) ويؤكد السرخسي صحة رأي أبي حنيفة بما أشرنا إليه سلفا من التميز بين مرتبة الركن والشرط، فإذا كان الركن في النكاح يصح أن يكون غير مسلم، فأن يكون غير الركن وهو الشاهد غير مسلم أولى بالجواز؛ واليهودية والنصرانية تصح أن تكون طرفا في الزواج.
لكن هذا لا يسلم من الاعتراض، ذلك أن الشهادة في الزواج خصوصا لها مزيد فضل، فالشاهد له ولاية على المشهود له، لأنه في حال التنازع فإن الحكم هو الشاهد، وهذا يؤكد أن في الشهادة شبها بالولاية؛ لكن ينتقض هذا الاعتراض بعدم جواز تضييع الحقوق، إذا لم يوجد ما تثبت به سوى شهادة الكافر؛ وإذا فقد أخضعنا أحد طرفي العقد من المسلمين لولاية الكافر، لاستنقاذ حق الطرف الآخر.
فتلخص من ذلك أن التصرف في الشهادة أولى من التصرف في الولاية، وقد تصرف فيها العلماء فعلا في التعديل الأول للمدونة.
لكن محور القضية لا يتعلق بالجانب النظري فقط، بل بالجانب العملي بشكل أعمق؛ وهذا يعيدنا إلى ما أشرنا إليه في المقالة السابقة من تهافت الأساس المصلحي للقول باستبعاد شرط الإسلام في الشهود، ما لم تكن هناك أمور خافية على العموم يعرفها العلماء خاصة؛ كما يعيدنا إلى التذكير بسياق الحياة المعاصرة، وخصوصا في الغرب الذي أصبحت فيه الولاية للقانون الوضعي ومؤسسات الدولة المدنية، بدون تمييز بين الناس في أديانهم.
إن القبول بوجود هيمنة للمؤسسات الأجنبية على أرواح المسلمين وأرزاقهم، يجعل الحديث عن الولاية في كثير من الصور غير ذي معنى الآن، ما دمنا غير مختلفين على أن الجالية المسلمة في المهجر يجب عليها الخضوع لمؤسسات الدولة المستقبلة، والامتثال لقانونها وأنظمتها القضائية؛ الأمر الذي يجعل شبه الإشهاد بالولاية أمرا نظريا لا يمت إلى الواقع الحالي بصلة؛ لكن يبقى أن ما لم تدع إليه الضرورة من تعقيدات العصر يجب أن يبقى خاضعا للشريعة حتى يأذن الله يواقع جديد تكون فيه ولاية المسلمين للمسلمين، لأن القاعدة القرآنية أن التكليف منوط بالوسع، ومادام إشهاد المسلمين على الزواج في وسع المسلمين، فلا وجه لاستبعاد هذا الشرط؛ ونحن نرى أن ذلك ممكن في بلاد المهجر، وأن الخلل –إن وجد- فإنما يتعلق بتقصير المؤسسات المعنية بمغاربة الخارج.