كتابة الــديْـن وتوثيقه (1) أحكام كتابة الدين
بقلم: الدكتور أحمد الإدريـسي
مقدمة:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
من كمال الشريعة الإسلامية، ومن حرصها على حفظ الحقوق، وعدم تعريضها للضياع، أن الله تعالى أمر بكتابة الدين والإشهاد عليه مهما كان قليلا، فقال عز وجل: “وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ”.
وتوثيق الدين وكتابته هي وسيلة شرعية وقانونية لحفظ الحقوق ومنع النزاعات، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا”، (سورة البقرة:281).
أولا: أحكام كتابة الدين.
أكثر ما ينصحُ به المحامون والقضاة قديما وحديثا توثيق العقود وكتابة الديون والحقوق، وقد أكدوا أن أكثر الحقوق التي تضيع هي التي لم تُكتب ولم توثق بعقد تتوفر فيه شروطه. وتوثــيق الدين يكون بإحدى الطرق الثلاثة الكتابة، والإشهاد، والرهن. ومن أحكام كتابة الدين:
– إذا كان الذي سيكتب الدين شخصاً آخر غير المدين، فالمدين هو الذي يملي عليه صيغة الكتابة.
– إذا كان المدين لا يستطيع الإملاء لمرض أو غيره، فإن الذي يتولى الإملاء هو وليه.
– الإشهاد على الدين، فيشهد عليه رجلان، أو رجل وامرأتان.
– للدائن أن يطالب المدين بتوثيق الدين برهن يقبضه الدائن، والفائدة من الرهن أنه إذا جاء موعد سداد الدين وامتنع المدين من الوفاء، فإن الرهن يباع ويُستوفى منه الدين، ثم إن بقي من ثمنه شيء رُدَّ لصاحبه وهو المدين.
ثانيا: الحكمة من توثــيق الدين.
– حفظ الحقوق حتى لا تكون عرضة للضياع، لكثرة النسيان، ووقوع المغالطات، والاحتراز من الخونة الذين لا يخشون الله تعالى.
– تلافي خطأ النسيان أو اختلاف المقادير والآجال مع مرور الوقت.
– منع ضياع الأموال وحمايتها من التلف أو الإنكار.
– قطع النزاع: إزالة الشكوك والخصومات بين الدائن والمدين.
– تيسير القضاء: إعانة القضاة على إثبات الحقوق واستخلاصها عند وقوع النازعات.
– عدم كتابة الدين يسمح للفاسدين والظالمين والمستغلين أن يظلموا ويعبثوا في أموال الناس دون محاسبة.
ثالثا: آراء الفقهاء في حُـكم كتابة الدين.
اختلف الفقهاء في حكم كتابة الدين بين الاستحباب والوجوب:
1- الاستحباب أو الندب: يرى جمهور العلماء أن كتابة الدين والإشهاد عليه هما للندب والإرشاد لحفظ الأموال وليسا للوجوب، وتاركهما لا يأثم بشرط أداء الأمانة، ودليلهم قوله تعالى: “فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ”،(سورة البقرة:282).
و”الائتمان يكون بعدم توثيق الدين بالكتابة أو الشهود أو الرهن. ولكن في هذه الحال يُحتاج إلى التقوى والخوف من الله، ولهذا أمر الله في هذه الحال من عليه الحق أن يتقي الله ويؤدي أمانته”[1]. وإذا لم يُكتب الدين ثم أنكره المدين أو ماطل بسداده، فلا يلومَنَّ الدائنُ إلا نفسَه لأنه هو الذي عَرَّض حقه للضياع.
2- الوجوب: ذهب بعض العلماء إلى وجوب كتابة الدين، وخاصة إذا كان الدائن يتصرف بمال غيره كولي اليتيم لئلا يضيع حق هذا اليتيم، ومن أدلتهم:
– قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا”، فالجناح هو الإثم، ورفع الإثم هنا يدلُّ بمفهوم المخالفة على وجود الإثم في الدين إن لم يكتب، ولا يأثم المرء إلا بترك واجب، أو فعل محظور.
– وصف الكتابة أنها أقسط وأعدل وأبعد عن الشك، وأدل على صدق الشهادة: “ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا”،(البقرة: 281). وما يُحقق العدل وكان سبباً لحماية الحقوق فهو واجب.
– أمر الله تعالى المدين أن يُملي على الكاتب؛ “وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ”، لأنه إن أملى فهو مقر، والإقرار أقوى من الادعاء فيما لو أملى الدائن، وفي ذلك احتياط لضمان حق الدائن، وهذا الحرص على ضمان الحق يُؤكد الوجوب.
– كثرة الأوامر في ءاية المداينة بكتابة الدين والإشهاد عليه: (فاكتبوه…. وليكتبْ بينكم كاتب بالعدل… فليكتبْ… وليُمْلِل..) مما يصرفُها إلى الوجوب، ولا قرينة قاطعة تصرفها عنه.
– النهي عن ترك الكتابة قلَّ الدينُ أو كثُـر، في قوله تعال: “وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ” (البقرة:281) والنهي يقتضي التحريم إلا بقرينة تصرفه عنه، ولا قرينة هنا.
رابعا: خطوات أساسية لكتابة الدين
– تحديد المبلغ: ذكر قدر المال بوضوح وعملته دون نقص أو زيادة.
– تحديد الأجل: كتابة موعد محدد ودقيق لتسليم الدين (إلى أجل مسمى).
– إملاء المدين: الشخص الذي عليه الحق (المدين) هو من يملي تفاصيل الدين على الكاتب بالعدل لأنه المعترف بالحق.
– الإشهاد: استشهاد رجلين، أو رجل وامرأتين لتوثيق المعاملة وضبطها.
– الرهن عند الحاجة: طلب رهن مقبوض في حال السفر أو عدم تيسر الكاتب أو عدم تيسر الكاتب، فهو وسيلة إضافية للضمان.
والحمد لله رب العالمين.
[1]– انظر: تفسير السعدي الصفحات: 168-172 (بتصرف).