منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

منشأ التربية حين تبدأ من سجدة الوالدين ||تفكّر نبوي في قوله ﷺ: “شابٌّ نشأ في عبادة الله.”

عبد العزيز إدريوة بن عمر

0

منشأ التربية حين تبدأ من سجدة الوالدين
تفكّر نبوي في قوله ﷺ: “شابٌّ نشأ في عبادة الله.”

عبد العزيز إدريوة بن عمر
تخصص: الكوتشينغ الأسري والعلاقات وقيادة الشباب .
الجديدة المحروسة – المغرب

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل في النشأة الأولى سرَّ الامتداد، وفي صلاح الآباء بركة الأبناء، والصلاة والسلام على من علَّمنا أن العبادة ليست طقسا عابرا، بل نشأة تُشكِّل الكيان وتُنضج الروح.

قال النبي ﷺ في الحديث الشريف: “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله… وشابٌّ نشأ في عبادة الله.”(رواه البخاري ومسلم). حين نتفكّر في هذا القول النبوي العجيب والجميل ، نجد أن لفظ “نشأ” يحمل سرّا تربويا عميقا؛ إذ لم يقل ﷺ: “شابٌّ عبد الله” أو “شابٌّ أطاع الله”، بل قال: “نشأ في عبادة الله.”
وهنا يكمن الفرق بين من يعبد الله طاعة، ومن ينشأ في عبادة الله طبيعة.

المنشأ قبل النشوء:

فكل نشوءٍ له منشأ، وكل ثمرة لها شجرة، وكل عبادة لها بيئة تحتضنها. وحين نتفكّر في قوله تعالى: “وكان أبوهما صالحًا”،” (الكهف: 82). أشار ندرك أن الصلاح يسري في الذرية كما تسري الحياة في الجذور.

فالصلاح لا يُورَّث بالدم، بل يُنقَل بالقدوة؛ برؤية السجود في جوف الليل، وسماع التسبيح في ركن البيت، وشمّ رائحة الطهر في حياة الوالدين.

النشأة في العبادة لا تُصنع بالعظة، بل بالمشهد:

فالطفل لا يتعلّم العبادة بالكلمات، بل بالجوّ الذي يعيش فيه.

حين يرى والده يقوم للفجر مبتسما، سيرى في الطاعة دفئا لا مشقة. وحين ترى الأمّ تدمع في الدعاء، سيغدو الدعاء عند الأبناء نبضا في القلب لا حركة في اللسان. هكذا تكون النشأة في العبادة: ليست تعليما خارجيا، بل تربية داخلية في مناخ من السجود، حتى يصبح حبّ الله جزءا من بنية النفس.
لماذا قال النبي ﷺ “في عبادة الله” ولم يقل “في أخلاق الله”؟:

لأن العبادة شجرة، والأخلاق ثمراتها. العبادة تُطهّر المنبع، والأخلاق تُجمّل المظهر. من نشأ في العبادة، نشأ في طهارة العلاقة مع الله عز وجل، فاستقام سلوكه مع الناس من غير تكلّف.أما من اكتفى بالأخلاق دون عبادة، فسيُحسن الظاهر ويضطرب الباطن عند أول امتحان. العبادة في حقيقتها ليست مجرد حركات وسكنات، بل تربية على حضور الله الحنّان المنّان في الوجدان، تُنشئ في النفس ميزانا دقيقا يجعلها تستقيم حتى في الخفاء.
نشوء العبادة أعظم ما يُورَّث:

وحين قال الله تعالى عن الغلامين اليتيمين: “وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا” (الكهف: 82). أشار إلى أن البركة تمتد بالصلاح، وأن الله يحفظ الذرية بصدق النية. لقد كان صلاحُ الأبِ سببا في حفظِ الأبناء، ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال:“حُفظا بصلاح أبيهما، وما ذُكِر منهما صلاح.” فصلاح الأب والأم عبادة تمتد، ودعوة تُثمر، وسجدة تحفظ نسلا. وهكذا نفهم أن “شابّا نشأ في عبادة الله” هو ثمرة “منشأ صالح في عبادة الله.”
فالعبادة التي تراها اليوم في الشاب، هي ظلّ دمعة قديمة لأمٍّ صالحة، ودعوةٍ خرجت من قلب أب صالح في ظلمة السحر.
“اللهم اجعل ولدي من الذين يحبونك.”

وقال سعيد بن المسيّب: “إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي.”

في زمنٍ تزدحم فيه الشاشات وتضيع فيه المعاني:

يبقى النشوء في عبادة الله تعالى هو المعنى الذي يُعيد التوازن للروح. فالعبادة هنا ليست انسحابا من الحياة، بل انخراطا في الوجود بنورٍ من الله عزوجل .الشاب العابد ليس زاهدا في الدنيا، بل مسكونا بحضور الله سبحانه فيها.

الخلاصة:

“شابٌّ نشأ في عبادة الله” ليست جملة وصفية، بل منهاج تربية نبوي. هي دعوة للآباء والأمهات أن يصنعوا في بيوتهم مناخ عبادة، لا وعظا، بل حياة. أن يكون الذكر هواء البيت، والسكينة لغته، والسجدة موعده. فمن أراد أن يرى أبناءه في ظلّ الله الكريم يوم لا ظل إلا ظله، فليُصلح منشأه هو، وليبذر عبادته في تربة بيته، فإن الله لا يُضيع صلاح المنشأ ما دام القلب متجها إليه. العبادة ليست تكليفا، بل منشأ حياة صالحة.ومن نشأ في عبادة الله الوهاب الكريم، نما في ظل رحمته.
وهذا رزقٌ من الله عز وجل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.