منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأسرة المسلمة وضرورات المرحلة

الأسرة المسلمة وضرورات المرحلة/ مصطفى لحسن

0

الأسرة المسلمة وضرورات المرحلة
بقلم: مصطفى لحسن

إن الأسرة المسلمة تواجه في المرحلة الراهنة تحديات جمة أبرزها إستهداف كيانها وجرها نحو مستنقع الرذيلة. إن معالم هذا الإستهداف أصبحت بادية للعيان. و ما يحدث الان هو نتيجة طبيعية لما كان يخطط له أعداء الدين ودعاة الرذيلة منذ عقود. إتبعوا خطوات الشيطان فأنساهم ذكر الله وكلما نقضوا عروة إنتقلوا إلى التي تليها. فمن الدعوة إلى تحرير المرأة بدعوى المساواة مع الرجل إلى تجريم الزواج المبكر، إلى الدعوة للتحرر من قيود الزواج بالتشجيع على ممارسة الزنا تحت مسمى العلاقات الرضائية والحرية الجسدية، إلى تشجيع العلاقات الشاذة من لواط وسحاق وتقنين ذلك والعمل على فرضه أمراع واقعا على الشعوب بل والإحتفال والفخر به في المحافل الدولية وعلى وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة. وقد بلغ بهم الأمر أن يفرضوه بقوة القانون والإقتصاد والسياسة، ويعاقبوا كل من سولت له نفسه إنتقاد الفعل وتشنيعه، ناهيك عمن يتجرأ على محاربته. إنها قصة قوم لوط تتكرر. قال الله تعالى: (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا ال لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) النمل :56

إنه صراع أزلي بين معسكر الطهر ومعسكر الفحش,هذا المعسكر الذي يواصل الليل بالنهار، لن يهنأ له بال حتى يشيع الفاحشة في الذين أمنوا. هؤلاء القوم الذين انتكست فطرتهم يريدون طمسا كاملا لمعالم الفطرة لدى الإنسان وقد ارتكسوا إرتكاسا سحيقا في دركات الدوابية. لم يكفهم ما ألوا إليه من فسق وشذوذ بل أرادوا ان تشيع الفاحشة في الناس فجاهروا بها وأنشأوا جمعيات ونواد تدعمهم وتدافع عن حقوقهم وبذلك فرضوا ضغوطا على الساسة واستصدروا قوانين تحميهم بل ويطالبون،بعد ان كان الأمر في الخفاء ، بالحق في الزواج بين الشواذ وانتزاع الإعتراف به من الهيئات السياسية والمنظمات الدولية باعتباره حقا من حقوق الإنسان.هذا ما يقع في الدول الغربية التي كانت إلى عهد قريب تجرم الشذوذ وتعاقب كل من إرتكبه.فكيف بها الان تنحدر إلى هذا المستنقع؟إنه الإستدراج الشيطاني نحو مهاوي الرذيلة حينما يغيب الوحي وتحكم قوانين الأرض بدل قوانين السماء. الأمرلن يقف عند هذا الحد بل سيستمر انحدارا يعقبه انحدار ولا أَدلَّ على ذلك ما بدأ يظهر على وسائل الإعلان من إعلان بعضهم زواجهم بالحيوانات.إنه التيه الأخلاقي والتمرد على الفطرة في أبشع تجلياته.لكن المخيف في الأمر كله، أن الأمور لم تعد حبيسة ديار الكفر بل تتسلل إلى عقر ديارنا عبر الأثير فتعيث فسادا خلقيا في أسرنا وتهدم بنيان الفطرة وتهوي بالنفوس في مهاوي الفحش والرذيلة، حتى أصبحنا نرى بعض شبابنا اليوم وقد بدأت هذه الأفكار الهدامة تتمكن من عقولهم فأصبحوا يسايرون موجات الموضة والإنحلال الخلقي بل وينعقون مع كل ناعق ويتأثرون وتتعلق قلوبهم بمن يسمون بالمؤثرين على وسائل التواصل الإجتماعي،وقد تبين أن هؤلاء المؤثرين ممن لهم خلفيات سياسية وأخلاقية معروفة يمهدون للإيقاع بالشباب المسلم في شراك الإلحاد والإنحلال والتفسخ،وإن كانوا لايفصحون بذلك مباشرة.

ناقوس الخطر:

هل تصبح بيوتنا أوهن من بيت العنكبوت ؟ وهل ننتظر حتى يعم البلاء؟أين هي سلطة المجتمع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟وأين هو وازع السلطان إذا استفحل الداء؟إن ما بدأ يحصل للأسف الشديد للكثير من الأسر المسلمة التي ابتعدت عن دين الله واتبعت سبل الغواية لينذر بالخراب والفوضى إن لم نتدارك الأمر ونقف سدا منيعا أمام كل هذه الدعوات الضالة المضلة.ما العمل إذن لننقذ ما يمكن إنقاذه؟ وما هي بعض سبل التحصين لحماية أبنائنا من مخاطر الإستيلاب الثقافي والإنحلال الأخلاقي؟ لقد استفحل الأمروأصبح التصدي له فرض عين على كل مسلم ومسلمة ؟

بيوتنا من الداخل

بيوتنا أصبحت جزرا معزولة، الكل فيها مشغول بهواتفهم التي قلصت من زمن الحوار الأسري. إتسعت بذلك الفجوة التواصلية بين أفراد الأسرة الواحدة ناهيك عن العائلة فيما بينها. وفي ظل هذا، تقع الكوارث بحيث تفسد أخلاق الأبناء ويعم الجفاء العاطفي أركان البيت، كيف لا والكل مشغول عن الكل وقد وجدوا ملاذا إفتراضيا يأويهم جميعا فالأبناء يتوسلون العطف والإعجاب من الغرباء أما الأباء فمشغولون هم أيضا في عالمهم. يتابع الأب الغث والسمين من الأخبارأما الأم فقد إمتلك قلْبَها هوسُ الموضة والطبخ والإنفاق والتباهي بذلك على وسائل التواصل الاجتماعي. أما التربية فهي اخر ما يفكر فيه الأباء، لقد إستنزف هوس العالم الموار طاقتهم وسيطر التكاثر على قلوبهم قبل عقولهم.فما ظننا ببيوت من هذا القبيل أن تسعد وتطمئن. من أين ستأتيها الطمأنينة وقد نسيت سبب وجودها أصلا.إن لم تُفَكَّك هذه البيوت فَحرِيٌ بها أن تصبح وحدات بشرية لصناعة الغثائية، حينها أبشر بمجتمع تسود فيه الفوضى والجريمة و الأنانية والميوعة.

ينبغي العمل إذن على جبهات عدة من أجل العلاج و الإستدراك والتحصين .قبل الشروع في العلاج ،ينبغي بداية تشخيص الداء ومعرفة مكامن الخلل في أسرنا ونباشر العلاج .فرص الإصلاح كثيرة شريطة أن تعي الأسر بمسؤولياتها وتقبل العلاج وتصبر على جرعات الدواء صبرا ومصابرة واصطبارا وتعهدا ورحمة ورأفة وتغافلا وتطاوعا واحتضانا ومحبة وهلم جرا من الأساليب العلاجية التي قد لاتطيقها النفوس التي تعودت على الدعة والسكون.لا بد من تربية رحيمة رفيقة متدرجة ،فلا يمكن ان نصلح ما أفسده الدهر بين عشية وضحاها وإذا استعصى علينا تأهيل الراشدين وتصحيح مسارهم،فأمامنا جيل الصغارالذين إن تعهدناهم بالتربية النبوية الرحيمة ،سينشأون خَلقاً جديدا لغد الإسلام، يَكُونون لَبِناته الصلبة بحول الله تعالى.تربية الأجيال فعل قاصد وسير حثيث بالحكمة والموعظة الحسنة.

  • أولا:من أين نبدأ؟

بداية العلاج ووسطه واخره أن نعود إلى الله تعالى فرادى وجماعات وأن نتمسك بحبل الله المتين الذي لن نضل بعده أبدا القران وما أدراك ما القران.
ينبغي أن يكون القران قُطْبَ الرحى التي تدور عليه حياتنا داخل بيوتنا حفظا وتلاوتا وفهما وتمثلا له في سلوكنا وعلاقاتنا فيما بيننا ومع غيرنا.

  • ثانيا: الرعاية أم التربية؟

إذا كانت رعاية الأبناء، والتي هي شرط أساس في تكوين أي أسرة، واجبة على الأبوين فإن التربية أَاَكدُ وَأوْجب،فالأمة ليست بحاجة لأجسام بشرية بعقول جوفاء وقلوب تعشش فيها الخراب و الغفلة و انتكست فيها الفطرة.كثيرون هم الأباء والأمهات ممن يظنون أنهم يقومون بواجب التربية وهم في حقيقة الأمر بعيدون كل البعد عنها:يبالغون في الإنفاق على أبنائهم ولايتأخرون لحظة في تلبية حاجياتهم المادية إذ بذلك يغذون أنانيتهم فقط ولا حديث داخل البيت عن الحال مع الله وعن المال إلا ما كان من تدين أجوفَ مُشوَّهِ المعالم لا يترفع صاحبه عن الشبهات والظلم وسائر الخروقات.إذ لا مجال للإصلاح حين يتسع الرقع على الراقع.

  • ثالثا: بيوتنا والأنترنت

أصبحت بيوتنا نوافذ مفتوحة على العالم يتسرب منها إلينا وإلى أبنائنا الغثَّ والسمين وتدخل مقاطع الفتنة والفحش والبذاءة والتفاهة بلا استئذان. وإذا لم نحصن أنفسنا وابناءنا ولم نغرس في قلوبهم حب الله ومراقبته في السر والعلانية، فستقع- لا قدر الله – كوارث لا تحمد عقباها.ما الحل إذن أمام هذه الفتنة المحيطة؟ أندفن رؤوسنا في الرمال ونمنع أبناءنا منعا قاطعا من هذه التكنولوجيات الحديثة بداع الخوف عليهم من التفلت والضياع، وقد لا يتأتى ذلك للبعض إلا بالعنف والإكراه؟أنعزل أبناءنا عن العالم الموار ونحن نعيش في خِضمِّه؟ بل كيف ستَمخُر سفننا عباب هذا البحر الهائج المتلاطم الأمواج إن كان الربابنة لا يجيدون القيادة في المسالك الوعرة؟ إن أي تربية تعتمد الإكراه والعسف ويغيب فيها الحِلم والأناةُ وينعدم فيها الحوارالهادئ الرفيق، لا تنفك أن تنقلبَ وبالا على الأبناء و حسرة وندامة على الأباءِ والمربين .إن التحديَ اليوم هوكيف يمكننا أن نقرب إلينا أبناءنا في الوقت الذي سَهُلَ فيه اختطافهم من بين أيدينا وهم داخل بيوتنا؟ إن لم نكن سندا وملجأ وحضنا دافئا لهم، وإن لم نساعدهم على ترشيد استعمال هذه الوسائل الحديثة، بل إن لم نوفر لهم البدائل الجذابة، فلن نزيد إلا في إبتعادهم عنا وتعلقهم بغيرنا، وإذا تعلقت قلوبهم بغيرنا فكل كلامنا معهم لن يعدوأن يكون صيحة في واد.أبناؤنا أكبادنا،من حقهم علينا أن نكون لهم القدوة الصالحة والملاذ الامن من كل الفتن أما المقبلون على الزواج اليوم وغدا، فأمامهم فرص كثيرة لاستدراك ما ضاع في الأجيال السابقة وعليهم أن يخضعوا لدورات مكثفة من التدريب والتأهيل قبل التفكير في الزواج.وبعد الزواج عمل دؤوب لبناء البيوت المطمئنة لتكون ينابيع للهدى والتقى والعفاف والذوق والجمال والخيرية والعافية بإذنه تعالى .يقول الله تعالى : (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) ال عمران الأية 110 كما ينبغي احتضان أبناءنا وتعهد تربيتهم داخل البيوت وخارجها في النوادي والمحاضن والملاعب والشارع وساحات المدارس. ولا شك أن وازع السلطان له دور محوري في تثبيت أسس العقيدة ومعالم الصلاح وتقويض أركان الشر والغواية والفساد حين يكون العدل والرحمة والمساواة مبتدأَ الحكم ومنتهاه.قد يطول بنا الحديث عن الأسرة والأبناء وهموم التربية ووسائلها، وإرهاصات الواقع ووعورة الطريق، لكن المعول عليه بعد الله تعالى هو العمل الميداني القاصد والسيرالحثيث الرشيد، كل من مكانه وحسب إمكانياته لتغييرواقع الأمة البئيس. فإن لم تكن هممنا سامقة وإراداتنا حديدية لتقييد العلم بالعمل، فالحديث عن البيوت المطمئنة وصلاح الأبناء والتربية الحكيمة وغيرها، ترفٌ فِكريٌ وهَبَّةٌ غثائية.

واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.