أهمية كتاب سيبويه وأثره في التأليف النحوي العربي
الدكتورة رشيدة مصلاحي
أهمية كتاب سيبويه وأثره في التأليف النحوي العربي
الدكتورة رشيدة مصلاحي
يمكنكم الاطلاع على الكتاب أو تحميله من الرابط التالي:
المبحث الأول: أهمية كتاب سيبويه قديماً وحديثاً
اتّفق السّلف والخلف قديماً وحديثاً على إمامة سيبويه، وسبقه في تأسيس علم النحو، وتفوّقه في تأصيل وضبط قواعد علوم اللّسان العربي من لغة ونحو وبيان وأدب؛ لذلك عني العلماء، واهتمّ الدّارسون والباحثون بكتابه، وتركّزت جهودهم حوله رواية وتدريساً، وشرحاً وتعليقاً.
وقد كثُرت حول كتاب سيبويه الشّروح والتّعاليق والدّراسات والاستدراكات من العلماء، وفي مقدّمتهم أحد أقطاب اللسان العربي أبو الفتح عثمان بن جني الذي أُعْجب بالكتاب، واهتمّ باستدراك لما يبدو فائتاً عنه، أو استكمال لما يبدو أحياناً من نقص في باب من أبوابه، أو توضيح لما يبدو غامضاً في موضوع من موضوعاته، أو بيان لما يكون مستغلقاً ومستعصياً من كلام مؤلّفه..
وعلى كلّ فقد عُرِف مؤلَّف سيبويه باسم الكتاب، ونال منذ تأليفه شهرة كبيرة وإقبالاً متزايداً، وكان لمكانته وفضله عَلَماً عند النحويين، فكان يقال بالبصرة: قرأ فلان الكتاب، فيُعلم أنّه كتاب سيبويه.
والكتاب مع جلالة قدره وإحكام بنائه ليست له مقدّمة وليست له خاتمة، ولقد سمّاه النّاس «قرآن النحو»، ومن طريف ما يُروى أنّ أحد نحاة الأندلس، وهو عبد الله بن محمد عيسى «كان يختم كتاب سيبويه في كل خمسة عشر يوما»، كأنّما يتلوه تلاوة القرآن[1].
ويؤكّد الأستاذ عبد الرّحمن بودرع أنّ كتاب سيبويه؛ قد امتاز بكونه مُسْتغن في علمه عن غيره من الكتب؛ إذ احتاج غيره إليه بصفته كتاب نظر وتفسير، وهذه المسألة تحدّث عنها الكثير من العلماء في مقدّمتهم المبرّد؛ فـ»لم يعمل كتاب في علم من العلوم مثل كتاب سيبويه، وذلك أنّ الكتب المصنفة في العلوم الأخرى مضطرة إلى غيرها وكتاب سيبويه لا يحتاج من فهمه إلى غيره..»[2]؛ إذ يُتعلَّم منه النّظر والتفتيش.
وقال أبو حيان النحوي: «فالكتاب هو المرقاة إلى فهم الكتاب إذ هو المطلع على علم الإعراب والمبدي من معالمه ما درس والمنطق من لسانه ما خرس..»[3]، والمراد بالنّظر والتفسير -حسب رأي الأستاذ عبد الرحمن بودرع- الارتقاء من حفظ النص إلى فقهه، قال المبرّد عن الجرمي: «كان صاحب حديث فلما علم كتاب سيبويه تفقه في الحديث؛ إذ كان كتاب سيبويه يتعلم منه النظر والتفسير»[4].
ولقد بلغ من إعجاب أبي عمر الجرمي (ت225هـ) أنّه كان يقول: «أنا مذ ثلاثين سنة أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه»[5]. قال أبو جعفر الطّبري: فحدّثت به محمد بن يزيد على وجه التعجّب والإنكار؛ فقال: أنا سمعت الجرمي يقول هذا –وأومأ بيديه إلى أذنيه- وذلك أنّ أبا عمر الجرمي كان صاحب حديث؛ فلما علم كتاب سيبويه تفقّه في الحديث؛ إذ كان كتاب سيبويه يُتعلّم منه النظر والتفتيش[6].
لقد جرت العادة على اعتبار كتاب سيبويه كتاباً في النحو، ولكن لا النحو كما نفهمه نحن اليوم، وكما هو معروف في اللغات الأجنبية بوصفه: مجموع القواعد التي تمكّن من اُتّبعها من نُطْق لغة ما، وكتابتها بصورة صحيحة؛ فالنحو العربي كما نقرأه في مرجعه الأوّل: الكتاب، ليس مجرّد قواعد لتعليم النّطق السّليم، والكتابة الصّحيحة باللّغة العربية، بل هو أكثر من ذلك قوانين للفكر داخل هذه اللّغة، وبعبارة بعض النحاة القدماء: النحو منطق العربية.
ولعلّ هذا ما كان يعيه تمام الوعي سائر أسلافنا من العلماء؛ إذ كانوا يعتبرون كتاب سيبويه كتاباً في علم العربية: نحواً ولغةً وبلاغةً ومنطقاً؛ كتاباً يمكّن من استوعبه من الإمساك بمفاصل العلوم كلّها.
ويّعلّق أبو إسحاق الشّاطبي على كلام الجرمي الفقيه، والذي كان يفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه شارحاً السرّ في ذلك: «وكتاب سيبويه يتعلم منه النظر والتفتيش. والمراد بذلك أن سيبويه وإن تكلم في النحو فقد نبه في كلامه على مقاصد العرب وأنحاء تصرفها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصر فيه على بيان أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ونحو ذلك، بل هو يبين في كل باب ما يليق به حتى إنه احتوى على علم المعاني والبيان ووجوه تصرفات الألفاظ في المعاني»[7].
ولقد أكّد شوقي ضيف الفكرة نفسها؛ حين قال: إنّ «كتاب سيبويه لا يعلم العربية وقواعدها فحسب، بل يعلم أيضاً أساليبها ودقائقها التعبيرية (…) فهو لا يسجل القواعد فقط، وإنما يفكر في العبارات ويلاحظ ويتأمل ويستنبط خواصها ومعانيها بحسه الدقيق المرهف (…) وبهذا الحس المرهف وما سنده من ملكات عقلية باهرة رسم سيبويه أصول العربية وصاغ لها قوانينها الإعرابية والصرفية»[8].
وفي هذا المقام يصرّح ابن جني مثنياً على صاحب الكتاب: «ولما كان النحويون بالعرب لاحقين، وعلى سمتهم آخذين، وبألفاظهم متحلين، ولمعانيهم وقـصودهم آمين، جاز لصاحب هذا العلم[9] الذي جمع شعاعه، وشرع أوضاعه، ورسم أشكاله، ووسم أغفاله، وخلج أشطانه، وبعج أحضانه، وزم شوارده، وأفاء فوارده، أن يرى فيه نحو ما رأوا، ويحذوه على أمثلتهم التي حذوا (…) لاسيما والقياس إليه مصغٍ، وله قابل، وعنه غير متثاقل. فاعرف إذاً ما نحن عليه للعرب مذهبا، ولمن شرح لغاتها مضطربا، وأن سيبويه لاحق بهم وغير بعيد فيه عنهم»[10].
ويقول أبو جعفر أحمد بن محمد: «لم يزل أهل العربية يفضلون كتاب أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر؛ المعروف بسيبويه، حتى لقد قال محمد بن يزيد: «لم يعمل كتابٌ في علمٍ من العلوم مثل كتاب سيبويه، وذلك أن الكتب المصنفة في العلوم مضطرة إلى غيرها، وكتاب سيبويه لا يحتاج من فهمه إلى غيره»[11]، وقال أبو إسحاق: «إذا تأملت الأمثلة من كتاب سيبويه تبينت أنه أعلم الناس باللغة»، وقال أبو جعفر: «وحدثني علي بن سليمان قال حدثني محمد بن يزيد أن المفتشين من أهل العربية ومن له المعرفة باللغة، تتبعوا على سيبويه الأمثلة فلم يجدوه ترك من كلام العرب إلا ثلاثة أمثلة: منها الهندلع، وهي بقلة. والدرداقس، وهو عظمٌ في القفا. وشمنصير، وهو إسم أرض»[12].
وتجدر الإشارة إلى أنّ اسم الكتاب قد ظلّ خاصّاً بمؤلَّف سيبويه؛ دلالةً على روعة تأليفه وإحكامه، ونرى كثيراً من النحاة وغيرهم يُنوّهون به تنويهاً عظيماً، من ذلك قول أبي عثمان المازني تلميذ الأخفش: «من أراد أن يعمل كتاباً كبيراً في النحو بعد كتاب سيبويه فليستحي»، ويقول المبرّد: «لم يعمل كتاب في علم من العلوم مثل كتاب سيبويه»، ويقول صاعد بن أحمد الأندلسي: «لا أعرف كتاباً ألف في علم من العلوم قديمها وحديثها، اشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب، أحدها المجسطي لبطليموس في علم هيئة الأفلاك، والثاني كتاب أرسططاليس في علم المنطق، والثالث كتاب سيبويه البصري النحوي، فإن كل واحد من هذه لم يشذ عنه من أصول فنه شيء إلا ما لا خطر له»[13].
ثم إنّ النّحو لم يكن قبل سيبويه علماً قائم الذات له أبوابه وفصوله وقواعده العامّة، وإنّما كان مسائل متفرّقة ممتزجة بغيرها من مسائل اللّغة والأدب، والتي وظّفت لتفسير القرآن وفهم أشعار العرب، ويمكن أن نقول بصفة عامّة: إنّ سيبويه استطاع أن يجعل من النّحو العربي علماً مبتكراً له قواعده وقوانينه المعتبرة، وتبقى «الكثرة من المصطلحات النحوية والصرفية التي لا تزال شائعة على كل لسان في عصرنا كان لكتاب سيبويه الفضل الأول في إشاعتها وإذاعتها طوال العصور، وكأنه لم يترك للنحاة من بعده إلا ما لا خطر له، كما قال صاعد آنفاً، كأن يميزوا بعض المصطلحات أو يضيفوا مصطلحات جديدة لغرض الدقة في التوضيح»[14].
المبحث الثاني: المميّزات العامّة للكتاب
يصف عبد السلام هارون أسلوب الكتاب بكونه يمتاز بكثير من الغموض، ويستشهد لإثبات ذلك بقول ابن كيسان: «نظرنا في كتاب سيبويه فوجدناه في الموضع الذي يستحقّه، ووجدنا ألفاظه تحتاج إلى عبارة وإيضاح، لأنه كتاب ألف في زمان كان أهله يألفون مثل هذه الألفاظ، فاختصر على مذاهبهم»[15].
لقد وضع سيبويه كتابه على أساليب متنوّعة من البيان والإجمال والتفصيل والإيجاز؛ فاحتاج إلى الشّرح والبيان من النحاة؛ نظراً لحاجتهم إليه بصفته أوّل كتاب تداولوه جامعاً لمسائل النحو وقضاياه؛ كما ذكر بعض العلماء أنّ تأليف الكتاب جاء على مذاهب العربية في البيان، إذ خاطب الله العرب بالقرآن، فجاء فيه المُحْكم والمُتَشابه والمُجْمل والمُفَصّل والمُوجَز والمُطْنب؛ قال علي بن سليمان: «عمل سيبويه كتابه على لغة العرب وخطبها وبلاغتها فجعل فيه بيناً مشروحاً وجعل فيه مشتبهاً؛ ليكون لمن استنبط نظر وفضل، وعلى هذا خاطبهم الله عز وجل بالقرآن»[16].
وكتاب سيبويه –وإن لم يكن قرآناً– فإنّه يحتاج –في نظر الكثير من الدّارسين والباحثين- إلى ما احتاج إليه القرآن؛ من الرّجوع إلى المحكم والمفصّل لمعرفة المتشابه والمجمل، وكذلك الرّجوع إلى غير المختصر لمعرفة مراده من المختصر؛ أو الرجوع إلى ما روي عن سيبويه في غير كتابه لتشخيص عباراته في الكتاب؛ فإذا لم يتوفّر ما يهتدى به لفهم مراده، وجب التوقّف، واعتداد الموضع من قبيل المتشابه أو المجمل الذي يحتاج إلى دليل لرفع الشُّبهة والإجمال والإبهام عنه.
قال أبو جعفر: «وهذا الذي قاله علي بن سليمان حسن، لأن بهذا يشْرُف قدرُ العالم وتفضل منزلته؛ إذ كان ينال العلم بالفكرة واستنباط المعرفة، ولو كان كله بينا لاستوى في علمه جميع من سمعه فيبطل التفاضل، ولكن يستخرج منه الشيء بالتدبر، ولذلك لا يمل، لأنه يزداد في تدبره علما وفهما»[17].
ومن المأثور عن المبرّد أنّه كان يقول لمن أراد أن يقرأ عليه الكتاب: «هل ركبت البحر؟!» تعظيماً واستصعاباً لما فيه، وأمر آخر يواجه قارئ الكتاب في عصورنا هذه، وهو أنّ مصطلحاته الجزئية وكثيراً من عباراته النحوية قد غُيّرت، وأصبحت الكتب المتأخّرة الموضوعة في النحو ذات طابع أسلوبي يُبايِن أسلوب سيبويه، بل من بعد سيبويه من علماء النحو بعهد طويل[18].
يقول شوقي ضيف في كتابه المدارس النحوية: «وتلقانا في مواطن مختلفة من الكتاب ظلال من الغموض والإبهام، وقد يرجع ذلك في الكثير الأكثر إلى أن سيبويه كان يضع قوانين النحو والصرف وضعا مفصلا متشعبا لأول مرة، فطبيعي أن يتصعب عليه التعبير أحيانا وأن يداخله من حين إلى حين شيء من الإبهام والالتواء»[19].
وهذا الغموض في جوانب من الكتاب كان سببا كافيا -في نظر شوقي ضيف- لأن يتناوله كثير من العلماء بالشّرح والتفسير والتّعليق، وفي مقدمتهم تلميذه الأخفش وأصحابه من مثل الجرمي والمازني، وكلّما تقدّمنا في الزّمن تكاثرت شروحه وتفسيراته والتّعليقات عليه، ومن أشهرها شرح السيرافي وشرح الرّماني، وهناك من عني عنايةً واسعةً بشرح شواهده الشّعرية، ونسبة المجهول منها إلى من نظّموه من العرب، وكان أوّل من عني بذلك الجرمي[20].
ويعلّق الأستاذ عبد السّلام هارون على ما سبق بقوله: «مهما يكن من شيء فإن تعاقب الأجيال وتعاقب العلماء على خدمة هذا الكتاب، وما حفظته دور الكتب من مخطوطات كتب النحو، وما نشره العلماء من التراث النحوي، وما أثير حول الكتاب من مناقشات ومجادلات في مختلف كتب العربية بله كتب الثقافة الإسلامية، إن كل ذلك بالإضافة إلى ما أشرت إليه من قبل،- وهو ضرورة التمرس بالكتاب وتعرف مصطلحاته – يجعل من قراءة سيبويه متعة نافعة، ونفعا ممتعاً، ويضع أساسا سليما للدراسات النحوية المعاصرة التي كثيرا ما انحرفت بغرورها عن جادة السبيل؛ لأنها لم تقف وقفة الخشوع إزاء الجهد العبقري الجبار، لتزن ما صنع الأسلاف وزن الحق، وتقدر صدقهم وذكاءهم في عدل وإنصاف»[21].
المبحث الثالث: أثر الكتاب في التأليف النحوي
ولبيان أثر الكتاب في التّأليف النّحوي –بصفة عامّة- ذكر الأستاذ عبد السلام هارون خمسة وخمسين عالماً ما بين شارح للكتاب، ومعلّق عليه، ومختصر له، ومعترض عليه، ومفسّر لأبياته[22]؛ ففي رأيه أنّ كتاب سيبويه قد لقي منذ ظهوره حظّاً سعيداً لدى العلماء. وتلك السّعادة في الحظّ بالنّسبة للكتاب كانت عن أصالة في البُنْيان ومتانة في التّكوين.
وقد أدّى إلينا التاريخ منذ القرن الثالث الهجري إلى القرن التّاسع؛ أسماء طائفة من كبار العلماء قاموا على خدمة هذا الكتاب، ومنهم المشارقة، ومنهم المغاربة والأندلسيون، ومنهم المصريون[23]، وقد أحصى محقّق كتاب «شرح كتاب سيبويه للصّفّار البطليوسي» الدكتور معيض العوفي نحو خمسة وستّين عالماً ما بين شارح للكتاب، ومعلّق عليه، ومختصر له، ومستدرك عليه[24].
فمِمّن شرحه: أبو الحسن سعيد بن مسعدة (ت215هـ) تلميذ سيبويه[25]، وأبو عثمان بكر بن محمد المازني البصري (ت248هـ)، وأبو بكر بن السرّاج (ت316هـ)[26]، وأبو سعيد السّيرافي حسن بن عبد الله بن المرزبان (ت368هـ)[27]، وأبو القاسم محمود بن عمر جار الله الزمخشري (ت538هـ)، والصّفّار[28] وهو أبو الفضل قاسم بن علي البطليوسي (ت بعد 630هـ)[29].
ومن أقدم من نظر في الكتاب أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي إمام الكوفيين (ت183هـ)، وعن أبي نصر الباهلي قال: حمل الكسائي إلى أبي الحسن الأخفش خمسين ديناراً وقرأ عليه كتاب سيبويه سرّاً[30].
أمّا ما جاء عن محمد ابن سلّام قال: حدّثني الأخفش أنّه قرأ كتاب سيبويه على الكسائي؛ فوهب له سبعين ديناراً، وأنّ الكسائي كان يقول للأخفش: هذا الحرف لم أسمعه فاكتبه لي فيفعل؛ فهذا نصّ لا يناقض النصّ السّالف، وهو أنّ الأخفش قرأه عليه صنع الشّيخ مع تلميذه، لا صنع التلميذ مع شيخه[31].
ومنهم أبو زكريا يحي بن زيّاد الفرّاء (ت207هـ)؛ يذكرون أنّه مات وتحت رأسه كتاب سيبويه، وكذلك قرأه على الأخفش أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي (ت225هـ) وأبو عثمان المازني (ت249هـ) كما سبق القول، وقد لقي الجرمي يونس بن حبيب شيخ سيبويه ولم يلق سيبويه.
وقرأ المبرّد (ت285هـ) ثلث كتاب سيبويه على الجرمي، ثمّ توفّي الجرمي فأتمّ قراءته على المازني، وكان المبرّد أعلم بكتاب سيبويه من أحمد بن يحيى ثعلب الكوفي؛ فسئل أبو علي الدّينوري: كيف صار محمد بن يزيد النّحوي أعلم بكتاب سيبويه من أحمد بن يحيى ثعلب؟ قال: لأنّ محمد بن يزيد قرأه على العلماء، وأحمد بن يحيى قرأه على نفسه[32].
وممّن نظر في الكتاب قديماً أبو الطّيب عبد الواحد بن علي اللّغوي (ت351هـ) صاحب كتاب مراتب النّحويين، قال: «وقد رأيت أنا أجزاء كثيرة من كتاب سيبويه خمسين مرّة»، ومنهم أبو سعيد الحسن بن عبد الله السّيرافي (ت368هـ) شارح الكتاب، وهو قرأه على أبي بكر محمد بن السّري بن السرّاج (ت316هـ)، وأبي بكر محمد بن علي المعروف بمبرمان (ت345هـ)[33].
لقد كان لسيبويه وكتابه –إذن- مكانةً رفيعةً عند ابن جني؛ باعتباره باكورة التأليف في علم النحو واللغة، ويمثّل مرحلة النّضج والتصنيف فيهما، وقد قال ابن جني في كتابه الخصائص مشيداً بسيبويه ومثنياً عليه، ومعتذراً عنه في الإخلال ببعض موازين الأسماء: «وإن إنسانا أحاط بقاصي هذه اللغات المنتشرة، وتحجر أذراءها[34] المترامية، على سعة البلاد وتعادي ألسنتها اللداد وكثرة التواضع بين أهليها من حاضر وباد، حتى اغترف[35] جميع كلام الصرحاء والهجناء، والعبيد والإماء في أطرار الأرض[36] ذات الطول والعرض (…) حتى لغات الرعاة الأجلاف، والرواعي ذوات صرار الأخلاف، وعقلائهم والمدخولين (…) فلم يخلل من جميع ذلك (…) إلا بأحرف تافهة المقدار، متهافتةٍ على البحث والاعتبار-ولعلها أو أكثرها مأخوذ عمن فسدت لغته، فلم تلزم عهدته (…) ولنذكر ما أورد عليه معقبا به، ولنقل فيه ما يحضرنا من إماطة الفحش به عنه بإذن الله»[37].
إنّ سيبويه شيخ لابن جني من بحره اغترف وسنته اقتفى، وتبرز شخصية التلميذ في هذا العلم بكل وضوح في حديثه المتميّز عن أستاذه وعن كتابه، وذلك في باب صدق النّقلة، وثقة الرّواة والحملة: «وحسبنا من هذا حديث سيبويه، وقد حطب بكتابه -وهو ألف ورقة- علما مبتكرا، ووضعا متجاوزا لما يسمع ويرى، قلما تسند إليه حكاية، أو توصل به رواية، إلا الشاذ الفذ الذي لا حفل به ولا قدر. فلولا تحفظ من يليه، ولزومه طريق ما يعنيه، لكثرت الحكايات عنه، ونيطت أسبابها به، لكن أخلد كل إنسان منهم إلى عصمته، وأدرع جلباب ثقته، وحمى جانبه من صدقه وأمانته، ما أريد من صون هذا العلم الشريف له به. فإن قلت: فإنا نجد علماء هذا الشأن من البلدين، والمتحلين به في المصرين، كثيرا ما يهجن بعضهم بعضا، ولا يترك له في ذلك سماء ولا أرضا. قيل له: هذا أول دليل على كرم هذا الأمر، ونزاهة هذا العلم؛ ألا ترى أنه إذا سبقت إلى أحدهم ظنة، أو توجهت نحوه شبهة، سب بها، وبرئ إلى الله منه لمكانها. ولعل أكثر من يرمى بسقطة في رواية، أو غمز في حكاية، محمى جانب الصدق فيها، برئ عند ذكره من تبعتها، لكن أخذت عليه، إما لاعتنان شبهة عرضت له أو لمن أخذ عنه، وإما لأن ثالبه ومتعيبه مقصر عن مغزاه، مغضوض الطرف دون مداه. وقد تعرض الشبه للفريقين وتعترض على كلتا الطريقتين. فلولا أن هذا العلم في نفوس أهله والمتفيئين بظله، كريم الطرفين، جدد السمتين، لما تسابوا بالهجنة فيه، ولا تنابزوا بالألقاب في تحصين فروجه ونواحيه، ليطووا ثوبه على أعدل غروره ومطاويه. نعم، وإذا كانت هذه المناقضات والمثاقفات[38] موجودة بين السلف القديم، ومن باء فيه بالمنصب العمي، ممن هم سرج الأنام، والمؤم بهديهم في الحلال والحرام، ثم لم يكن ذلك قادحا فيما تنازعوا فيه، ولا غاضا منه، ولا عائدا بطرف من أطراف التبعة عليه، جاز مثل ذلك أيضا في علم العرب، الذي لا يخلص جميعه للدين خلوص الكلام والفقه له، ولا يكاد أهله الأنق به، والارتياح لمحاسنه (…) وهم عيار هذا الشأن، وأساس هذا البنيان»[39].
وهكذا تحدّث ابن جني – في هذا النصّ الطويل والمتميّز- عن انتظام النحاة في سلك الكتاب من بعده، لأنّه جمع مادّة ضخمة، وابتكر وضعاً نظرياً جديداً في جمع المادّة اللّغوية وتصنيفها، وبذلك كان نصّاً نحوياً متميّزاً تحكمه قوانين النّظم والصّياغة حتّى اُسْتحق أن يكون متناً متقدّماً يأتمّ به من جاء بعده من النحويين[40].
ولا ريب أنّ سيبويه قد انتفع –هو الآخر- بعلوم سابقيه من أئمّة النحو وغيرهم ممّن ألّفوا في علوم مختلفة، وفي مقدّمتهم الخليل الذي تأثّر به تأثّراً ظاهراً، وهذا أبو العباس ثعلب يقول: «اجتمع على صنع كتاب سيبويه اثنان وأربعون إنسانا منهم سيبويه، والأصول والمسائل للخليل»[41].
ومع ذلك، فلو لم يكن لسيبويه سوى فضل الجمع والتبويب لكان كافياً، وليس يعني هذا النصّ – في نظر محقّق الكتاب الأستاذ عبد السّلام هارون- إلّا أنّ سيبويه انتفع بجهود النحويين قبله الذين بلغ تعدادهم هذا القدر، وهذا النصّ الذي قد يُشْعِر بتنقُّص سيبويه إنّما يعبّر عن حقيقة علمية حتمية، وهي أنّ كتاب سيبويه إنّما هو لقاح جهود النحاة الذين سبقوه؛ إذ لا يعقل أن يبتدع سيبويه هذا العلم المتكامل دون أن يفيد من تلك الجهود الأصيلة التي رسمت كثيراً من أصول النحو ومسائله ومقاييسه وعلله[42].
ويورد الأستاذ عبد السّلام هارون قول السّيرافي: «وعامة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل، وكلما قال سيبويه «وسألته» أو «قال» من غير أن يذكر قائله، فهو الخليل. ولا ريب أنّه ألفه بعد موت الخليل (ت160هـ)؛ فإن مخطوطات الكتاب نجد فيها كثرة التعقيب على قول الخليل بعبارة: «رحمه الله». فهذه واحدة. ونص آخر، «قال: وسمعت نصرا يحكي عن أبيه[43] قال: قال لي سيبويه حين أراد أن يضع كتابه: تعال حتى نتعاون على إحياء علم الخليل»[44]. ويؤكد ما ذهبنا إليه جلال الدين السيوطي حين يقول: «أخذ النحو عن الخليل جماعةٌ لم يكن فيهم ولا في غيرهم من الناس مثل سيبويه. وهو أعلم الناس بالنحو بعد الخليل، وألف كتابه الذي سماه قرآن النحو، وعقد أبوابه بلفظه ولفظ الخليل»[45].
ويردّ الأستاذ عبد الرحمن بودرع على أصحاب هذا الرّأي بأنّ نسبة الكتاب إلى سيبويه لا تحتاج إلى بحث وأدلّة، «فهذا أمر قد فرغ منه بشهادة العلماء وأصحاب التراجم والطبقات وبتأييد مزايا الكتاب ومباحثه (…) وما يثار من شبهة توهن نسبة الكتاب إلى صاحبه، وتجعله شركة بينه وبين جماعة من الناس بلغت عدتها واحدا وأربعين وأن للخليل في الكتاب الأصول والمسائل»[46] ، فقد ردّ عليه الباحثون بما يغني عن التّكرار.
ففي نظر الأستاذ بودرع أنّ أبواب الكتاب ومسائله –كما يظهر في نظم كلّ كلام- أثر ظاهر ووسم خفي من نفس صاحبه وما تنطوي عليه من خبئ مقاصده ودفين نظراته ومستور فكره. والسبيل إلى استشفاف هذه الخفايا -في نظره- هو سبرها وذوقها[47].
ويبقى كتاب سيبويه أساس البحث ومدار كتب النحو، «به تفهم وتفسّر وتكون أنظارها أنظاره وأصولها أصوله، أما ما خالفه فيرد إليه بضرب من التأويل أو تعقد له أحياز مخصوصة به تضاف إلى أحياز نظر الكتاب»[48].
وقال عنه العلامة ابن خلدون في مقدمته: «وأخذ سيبويه عن الخليل بن أحمد الفراهيدي تلك القواعد، فكمل تعاريفها، واستكثر من أدلتها وشواهدها، ووضع فيها كتابه المشهور الذي صار إماماً لكل ما كتب فيه من بعده»[49].
وقد شرح الكتاب طائفة كبيرة من العلماء المتقدّمين، واهتمّوا بشواهده ومسائله النحوية والصّرفية، وقد صعب على الدّارسين حصر الشّروح والأمالي والتّعاليق التي وضعت على ذلك الكتاب الرّائد والمتن الإمام. «ولا غرابة في ذلك ولا اعتراض لأن كثيرا من أصحاب هذه الكتب ومن غيرهم من اللغويين والنحاة شهدوا للكتاب بحق الريادة النظرية في علم العربية، وبأنه جاء على غير مثال سبق»[50].
ويضيف الدكتور عبد الرحمن بودرع أنّ العلماء قد تحدّثوا عن استغناء الكتاب في علمه عن غيره من الكتب، فكان «بمثابة خزانة للكتب، احتواها بالقوة إلى ضميره وتمخض عنها الزمن بالفعل من بعد وفاة سيبويه..»[51].
ولقد صنّف الفارسي (أستاذ ابن جني) كتباً تدور موضوعاتها حول كتاب سيبويه؛ فالإيضاح العضدي –مثلاً- هو مختصر لكتاب سيبويه؛ كما ألّف الفارسي كتاب التّعليقة على كتاب سيبويه، فلم يكن شرحاً لعبارة الكتاب، حيث كان غرض الفارسي في تعليقته هذه أن يبيّن ما غمض من نصوص سيبويه، مشقّقاً المعاني تارة، ومقتضباً تارة أخرى، وكذلك كتاب الإغفال جاء شرحاً لكثير من نصوص كتاب سيبويه، وتطبيقا للقواعد التي فيه[52].
«وكلّ هذه العناية تدلّ على عميق فهم الفارسي للكتاب الذي تفرّد به، بعد أن عكف عليه، فاستوعب مسائله، فانصهرت شخصية الفارسي به، حتى أصبح يتكلّم بكلام سيبويه دونما إشارة، فإذا عدت إلى الكتاب رأيت الكلام لسيبويه»[53].
«ولم يكن تأثّر الفارسي الذي أورثه ابن جني، متعلّقا بآراء سيبويه النحوية فقط، بل كان متأثرا بمنهجه النحوي، حيث سلك سبيل سيبويه في إيراد الاعتراض ثم يتولى هو الجواب. وقد ظهر لنا كيف نحا ابن جني هذا النحو في عرض مسائله، حيث تأثر في ذلك بالفارسي»[54]. إنّ سيبويه والفارسي وابن جني من الأئمّة الأعلام الذين منحوا العربية حقّها من دقّة النّظر وحكمة الفقه.
وممّا لاشكّ فيه أنّ النّحو قد تطوّر بعد سيبويه؛ فزيدت عليه مسائل عديدة ومتنوّعة، وأُدخل عليه نوع من التّنظيم والتّبويب والتّقعيد؛ لكنّه مع ذلك لم يخرج عن المنهج الذي رسمه سيبويه في استنباط الأحكام، واستخراج المسائل، وتوضيح العلل؛ فلم تجرؤ الأجيال المتعاقبة عبر الزّمن على تغيير أسسه وقواعده على الرّغم من تغيير صوره وقوالبه.
وهكذا، مضى النّاس يأخذون عن الكتاب جيلاً بعد جيل؛ وظلّت قواعده نجوماً متلألئةً تجذبهم وتهديهم في مؤلّفاتهم وأبحاثهم، ويحقّ لنا أن نقول دون ادّعاء أو مبالغة: إنّ سيبويه قد وضع حجر الأساس في بناء علم العربية: بلاغةً ولغةً ونحواً ومنطقاً، ويشهد على ذلك ما ذكره من موضوعات تدخل تحت لواء هذه العلوم جميعها.
[1] – انظر الكتاب: 1/23.
[2] – عبد الرحمن بودرع: الأساس المعرفي، مرجع سابق، ص: 75.
[3] – الأساس المعرفي للغويات العربية، ص: 75.
[4] – الأساس المعرفي للغويات العربية، هامش ص: 75.
[5] – انظر مقدمة الكتاب: 1/5- 6.
[6] – الكتاب: 1/23.
[7] – الشاطبي: الموافقات، 4/116. نقلا عن كتاب بنية العقل العربي للدكتور محمد عابد الجابري.
[8] – شوقي ضيف: المدارس النحوية، دار المعارف- مصر، الطبعة الرابعة، ص: من 77 إلى 93.
[9] – يعني بصاحب هذا العلم سيبويه.
[10] – الخصائص: 1/308- 309.
[11] – الكتاب: 1/5.
[12] – قال ياقوت: اسم جبل في بلاد هذيل. ثم قال هو أحد فوائت كتاب سيبويه، وقال الأزهري: يقال شمصرت عليه، إذا ضيقت عليه. انظر الكتاب: 1/7.
[13] – المدارس النحوية، مرجع سابق، ص: 60.
[14] – المدارس النحوية، ص: 61.
[15] – الكتاب: 1/30.
[16] – الكتاب: 1/30.
[17] – الكتاب: 1/31.
[18] – الكتاب: 1/31.
[19] – المدارس النحوية، ص: 62.
[20] – المدارس النحوية، مرجع سابق، ص: 62-63.
[21] – الكتاب: 1/33.
[22] – انظر السفر الأول من شرح كتاب سيبويه للفقيه الإمام النحوي أبي الفضل قاسم ابن علي بن محمد الصفار البطليوسي (توفي بعد 630هـ-، تحقيق: الدكتور معيض بن مساعد العوفي، دار المآثر للنشر والتوزيع-المدينة النبوية، الطبعة الأولى: 1419هـ-1998م، الجزء الأول، ص: 9-18.
[23] – الكتاب: 1/35-36.
[24] – انظر السفر الأوّل من كتاب شرح كتاب سيبويه للفقيه الإمام النحوي أبي الفضل قاسم ابن علي بن محمد الصّفّار البطليوسي (توفي بعد 630هـ-، تحقيق: الدكتور معيض بن مساعد العوفي، دار المآثر للنشر والتوزيع-المدينة النبوية، الطبعة الأولى: 1419هـ-1998م، الجزء الأول، ص: 9-18.
[25] – وقد كان شرحه للكتاب في صورة تعليقات متناثرة.
[26] – وهو محمد بن السري البغدادي شيخ السيرافي والفارسي والرّماني.
[27] – ذكروا أنّه شرح الكتاب شرحاً أعجب المعاصرين له، حتّى حسده أبو علي الفارسي؛ لظهور مزاياه على التعليقة التي علقها.
[28] – يقال إنّه من أحسن شروحه.
[29] – الكتاب: 36-37.
[30] – الكتاب: 1/26.
[31] – الكتاب: 1/26.
[32] – انظر مقدمة الكتاب: 1/27-28.
[33] – انظر مقدمة الكتاب: 1/30.
[34] – أذرائها: أطرافها.
[35] – اغترف: استوعب.
[36] – أطرار الأرض: نواحيها.
[37] – الخصائص: 3/186.
[38] – أي المخاصمات. وهو من قولهم: ثاقف الرجل: غالبه في الثقف وهو الحذق والفطنة.
[39] – الخصائص: 3/212-213.
[40] – الأساس المعرفي، ص: 76.
[41] – الكتاب: 1/24.
[42] – الكتاب: 1/24-25.
[43] – هو علي بن نصر بن علي الجهضمي، زميل سيبويه ورفيقه في التلمذة على الخليل. وتوفي سنة 187. وإبنه نصر راوي الخبر هو نصر بن علي بن نصر بن علي المتوفى سنة 250. انظر هامش الكتاب: 1/24.
[44] – الكتاب: 1/8.
[45] – عبد الرحمن جلال الدين السيوطي: المزهر في علوم اللغة وأنواعها، دار الجيل- بيروت، بدون طبعة، تحقيق: محمد أحمد جاد المولى وعلي محمد البجاوي، ومحمد أبو الفضل إبراهيم، الجزء الثاني، ص: 405.
[46] – الأساس المعرفي للغويات العربية، ص:76.
[47] – الأساس المعرفي للغويات العربية، ص: 76.
[48] – عبد الرحمن بودرع: الأساس المعرفي للغويات العربية، ص: 75.
[49] – انظر النكت في تفسير كتاب سيبويه وتبيين الخفي من لفظه وشرح أبياته وغريبه لأبي الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى الأعلم الشنتمري، دراسة وتحقيق: الأستاذ رشيد بلحبيب، المملكة المغربية: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1420هـ-1999م، الجزء الأول، ص:3.
[50] – الأساس المعرفي للغويات العربية، ص: 75.
[51] – عبد الرحمن بودرع: الأساس المعرفي، هامش ص: 75.
[52] – شذى جرار: إبرام الحكم النحوي عند ابن جني، ص: 171.
[53] – شذى جرار: إبرام الحكم النحوي عند ابن جني، ص: 171.
[54] – المرجع نفسه، ص: 172.