فقه الواقع: مفاهيم ومقاربات
د. حميد نعيمي
كلية الآداب والعلوم الإنسانية -وجدة- المغرب
ملخص البحث
إن لِفقه الواقع أثرا جليا في أحكام الشريعة الإسلامية استنباطا وإعمالا، فهو الذي يضمن لها مواكبتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان، حيث إن علاقته تلازمية مع الأحكام الشرعية على اعتبار أن الواقع هو المحكوم فيه والمحكوم عليه، ومنه فهو أحد ركائز الاجتهاد والإفتاء، إذ يمكِّن من المنهج العلمي القويم الذي يُسلك في سبيل تسديد فهم النص الشرعي للتوصل للحكم المراعي للواقع، مع ترشيد تنزيله على محله المناسب.
وهذه الدراسة جاءت لبيان مفهوم وأهمية فقه الواقع وقسيمه تحقيق المناط، وكذلك للتدليل على مراعاة الوحي والصحابة لفقه الواقع، بالإضافة إلى تعداد سبل معرفة الواقع، كما فصلت في مقاربة الضوابط التي تؤطر التصور الصحيح لفقه الواقع والتوظيف السليم له أثناء التأصيل والتنزيل.
وقد توسلت في معالجة هذه الدراسة بالمنهجين الاستقرائي والتحليلي، وخلصت إلى نتائج تضمنتها الخاتمة.
الكلمات المفتاحية: فقه الواقع، الاجتهاد، تحقيق المناط، ضوابط.
مقدمة
إن الواقع صنو النص في استنباط الأحكام الشرعية؛ لذا ينبغي قدره حق قدره، وتبوئته المكانة التي يستحقها في العملية الاجتهادية، كما أن أثر الواقع في توجيه الأحكام الشرعية جلي وبيّن، وكان من سنة المصطفى ﷺ مراعاة الواقع في تنزيل الحكم، وعلى هذا المهيع سار الصحابة والسلف الصالح من بعده.
إن الحكم الشرعي ذو علاقة وثيقة بالواقع فهو يُبنى عليه؛ وأي حكم لا يراعي الواقع سينحرف في نزوله على محله المناسب وبذلك يكون مخالفا للمنقول والمعقول.
وفقه الواقع يتأتى به ترتيب الأحكام على أحوال المحكوم عليهم وفق مراد الشارع، وبه تواكب الشريعة تطور الحياة في شتى المجالات وتضبطها بثوابت وكليات الدين الحنيف.
المبحث الأول: التعريف بالمفاهيم المؤسسة للموضوع
المطلب الأول: تعريف فقه الواقع لغة واصطلاحا
الفرع الأول: تعريف الفقه لغة واصطلاحا
- الفقه في اللغة
يأتي الفقه بعدة معان أهمها:
- الْعلم بالشَّيْء، والفهم لَهُ[1]؛ يقول ابن فارس: “الْفَاءُ وَالْقَافُ وَالْهَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ، يَدُلُّ عَلَى إِدْرَاكِ الشَّيْءِ وَالْعِلْمِ بِهِ. تَقُولُ: فَقِهْتُ الْحَدِيثَ أَفْقَهُهُ. وَكُلُّ عِلْمٍ بِشَيْءٍ فَهُوَ فِقْهٌ”.[2]
- فهم ما دق وغمض، ومنه يقال: فهمت معنى كلامك؛ لأنه قد يدق ويغمض. ولا يقال: أن السماء فوقي والأرض تحتي، وأن الماء رطب والتراب يابس. ومنه يقال: فلان فقيه في الخير فقيه في الشر إذا كان يدقق النظر في ذلك.[3]
- فهم غرض المتكلم من كلامه.[4]
ولحركة حرف القاف من لفظة “فقه” أثر في تغير المعنى، ففقِه إذا فهم، وفقَه إذا سبق غيره للفهم، وفقُه إذا صار الفقه له سجية.[5]
نخلص إلى أن أصل الدلالة اللغوية للفظة الفقه مطلق الفهم، وكذلك الدلالة على فهم دقائق الأمور مما يتطلب جهدا يبذل، وفي فهم خصوص غرض المتكلم من كلامه.
- الفقه في الاصطلاح
لقد بدأ استعمال مصطلح الفقه للدلالة على العلم بالدين لشرفه، قال الرازي: “خُصَّ بِهِ عِلْمُ الشَّرِيعَةِ، وَالْعَالِمُ بِهِ فَقِيهٌ”[6]؛ ويشهد لهذا قوله ﷺ: “خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا”،[7] قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: “فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الشَّرَفَ الْإِسْلَامِيَّ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ”؛[8] ومنه فقد كان الفقه شاملا لأحكام الدين كلها، قال الحليمي فيما نقله عنه الزركشي: “وَالْحَقُّ أَنَّ اسْمَ الْفِقْهِ يَعُمُّ جَمِيعَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وَوَحْدَانِيِّتِهِ، وَتَقْدِيسِهِ، وَسَائِرِ صِفَاتِهِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ أَنْبِيَائِهِ، وَرُسُلِهِ -عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، وَمِنْهَا عِلْمُ الْأَحْوَالِ، وَالْأَخْلَاقِ، وَالْآدَابِ، وَالْقِيَامُ بِحَقِّ الْعُبُودِيَّةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ”؛[9] وهذا المعنى الواسع للفقه يؤكده أبو حنيفة في تعريفه للفقه حين قال: “مَعْرِفَةُ النَّفْسِ مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا”[10]، وكذلك في مؤلَّفه “الفقه الأكبر” الذي تحدث فيه عن أصول الدين.
غير أن مصطلح الفقه بعد ذلك لم يبق على عمومه بل خصص وأصبح يُطلق حصرا على خصوص العلم بالأحكام الشرعية الجزئية المرتبطة بأفعال المكلفين التي يتم استنباطها اجتهادا، حيث جاء في تعريف الجويني: “الفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد”،[11] وهو ما ذهب إليه الآمدي بقوله: “العلم الحاصل بجملة من الأحكام الشرعية الفروعية بالنظر والاستدلال”،[12] ثم أصبح الفقه عَلما على عِلم مخصوص واستقر معناه الاصطلاحي على أنه: “العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية”.[13]
الفرع الثاني: تعريف الواقع لغة واصطلاحا
- الواقع لغة
الواقع فاعل من وقع يقع وقوعا فهو واقع؛ ويأتي الواقع عند اللغويين بثلاثة معان:
- السقوط؛ قال ابن فارس: “الْوَاوُ وَالْقَافُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فُرُوعُهُ، يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِ شَيْءٍ”،[14] وقد اقتصر ابن فارس على هذا المعنى مع ذكر ما تفرع على هذا الأصل من الألفاظ.
- الثبوت؛ قال الراغب: “الوُقُوعُ: ثبوتُ الشيءِ وسقوطُهُ”،[15] وهو ما ذهب إليه الفيروزآبادي حيث قال: “وقَعَ يَقَعُ، بفتحِهِما، وُقُوعاً: سَقَطَ، والقولُ عليهم: وجَبَ، والحَقُّ: ثَبَتَ، والإِبِلُ: بَرَكَتْ، والدَّوابُّ: رَبَضَتْ”.[16]
- الوجوب، قال ابن منظور: “ووَقَعَ القولُ والحكْمُ إِذا وجَب. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: “وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً”؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَاهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعلم، وإِذا وَجَبَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخرجنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرض، وأَوْقَعَ بِهِ مَا يَسُوءُهُ كَذَلِكَ”.[17]
ومنه فالواقع أصله من السقوط ويصدق على كل أمر ثبت وقوعه، وتحقق حصوله.
- الواقع اصطلاحا:
لا نجد عند الفقهاء المتقدمين تعريفا اصطلاحيا للواقع، أما المتأخرون فقد تعرضوا لهذا المفهوم، حيث عرفه صديق خان بأنه: “ما عليه الشيء بنفسه في ظرفه”؛[18] وعرفه حميدي بأنه: “الحالة التي عليها الأمة بكل مكوناتها في هذا الظرف المعيش، داخل المجال الدولي المحيط، وهي تتحرك فاعلة منفعلة متفاعلة”.[19]
وعند عبد المجيد النجار هو “ما تجري عليه حياة الناس في مجالاتها المختلفة من أنماط في المعيشة، وما تستقر عليه من عادات وتقاليد وأعراف، وما يستجد فيها من نوازل وأحداث”.[20]
وعند عبد الرؤوف الإندونيسي هو: “كل ما يحيط الإنسان والجماعة من حال ومجال وعصر، ويؤثر فيهما على سبيل التشكيل الراهن ضمن زمن متحرك”.[21]
والملاحظ من هذه التعاريف أنها جعلت مدار الواقع على حال الإنسان وتفاعله مع محيطه تأثيرا وتأثرا.
الفرع الثالث: تعريف فقه الواقع
عرف بوعود فقه الواقع بأنه “الفهم العميق لما تدور عليه حياة الناس وما يعترضها وما يواجهها”؛[22] كما عرفه الباينوني بأنه “فهم وإدراك كل ما يؤثر في الوجود وما يحصل فيه وما يدور عليه”؛[23] وعند بيهي فهو “معرفة ما عليه الشيء بنفسه في ظرفه، وكيفية استفادتها، وحال المستفيد”؛[24] وعرفه حصوة بأنه “فهم الواقعة النازلة بملابساتها واستكناه حقيقتها لتحرير الوصف الشرعي لها لبيان ما تقتضيه من حكم”.[25]
مما سبق يمكن أن نعرف فقه الواقع بأنه “الفهم الدقيق للنوازل والمؤثرات في حياة الفرد ومحيطه وتصورها على حقيقتها لمعرفة حكمها الشرعي المناسب لها”.
المطلب الثاني: تحقيق المناط وعلاقته بفقه الواقع
الفرع الأول: مفهوم تحقيق المناط:
تحقيق المناط مصطلح مركب من لفظين (تحقيق) و(مناط)، ومعرفة المركب مبنية على معرفة أجزائه.
- المعنى اللغوي
فأما التحقيق في اللغة: فهو مصدر من فعل حقّ، ويستعمل في اللغة لعدة معان، تدور كلها حول التصديق والإثبات والإحكام،[26] تقول: “أحققت الأمر إحقاقا، إذا أحكمته وصححته”،[27] ويقال: “حققت الأمر وأحققته، أي كنت على يقين منه”.[28]
وأما المناط في اللغة: فهو مصدر ميمي من الفعل نوط، والنوط يدل على معنى تعليق شيء بشيء، يقال نطته به: إذا علقته به،[29] وناط الشيء ينوطه: علقه، ونيط عليه الشيء: عهد إليه وعلق عليه، والمناط: هو موضع التعليق.[30]
وعليه، فإن تحقيق المناط في اللغة من حيث هو مركب إضافي معناه: إثبات وجود متعلَّق الشيء.
- المعنى الاصطلاحي
يطلق لفظ “المناط” في اصطلاح الأصوليين على علة الحكم؛ لأنه نيط أي عُلِّق بها. و”المناط” و”العلة” لفظان مترادفان لمدلول واحد في اصطلاح الأصوليين، فإذا أطلق لفظ “العلة” فإنه يُراد به “المناط”؛ قال الغزالي: “اعلم أنا نعني بالعلة في الشرعيات: مناط الحكم، أي: ما أضاف الشرع الحكم إليه ونصبه علامة عليه”.[31] وقال ابن قدامة: “ونعني بالعلة: مناط الحكم”.[32] ولما فرغ الآمدي في الباب الثاني من بحث مسائل العلة ذيل الباب بخاتمة عنون لها بقوله: “خاتمة في أنواع النظر والاجتهاد في مناط الحكم، وهو العلة”.[33]
وتسمى العلةُ المناطَ مجازا، لأن الحكم علق بها، “قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْمَنَاطِ عَنْ الْعِلَّةِ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمَّا عُلِّقَ بِهَا كَانَ كَالشَّيْءِ الْمَحْسُوسِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، فَهُوَ مَجَازٌ مِنْ بَابِ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ، وَصَارَ ذَلِكَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَيْرُهُ”.[34]
والمركب الإضافي تحقيق المناط اصطلاحا هو “النظر في ثبوت مدرك الحكم على آحاد الصور من الجزئيات والوقائع والأفراد، سواء أكان هذا المدرك علة لحكم شرعي، أم كان معنى قاعدة كلية عامة، جليا كان هذا الثبوت أم خفيا”.[35]
الفرع الثاني: علاقة تحقيق المناط بفقه الواقع
إن تطبيق الأحكام على الوقائع يكون عن طريق تحقيق المناط الذي جعله الشاطبي هو “النَّظَرُ فِيمَا يَصْلُحُ بِكُلِّ مُكَلَّفٍ فِي نَفْسِهِ، بِحَسَبِ وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَحَالٍ دُونَ حَالٍ، وَشَخْصٍ، دُونَ شَخْصٍ إِذِ النُّفُوسُ لَيْسَتْ فِي قَبُولِ الْأَعْمَالِ الْخَاصَّةِ عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ”.[36]
وتحقيق المناط هو النظر في المستجدات والوقائع لإدراجها ضمن الكلي أو الحكم الشرعي الذي يشمله؛ فالحكم الشرعي بعد استنباطه وفهمه، وإدراك حقيقته وتعيين مناطه، بحاجة إلى تطبيقه في الواقع، وتنزيله على أفعال المكلَّفين، ونقله من دائرة التصور إلى دائرة التصرف؛ “فالحكم التكليفي قبل تطبيقه عام ومجرد، حتى إذا جرى الاجتهاد في تطبيقه على متعلقه من واقعة معينة، أو شخص معين، فإن تحقق مناطه في كل منهما، كان الحكم التطبيقي في هذه الحال مساويا للحكم التكليفي”.[37]
إن إغفال تحقيق المناط في الواقعة المراد النظر فيها، وعدم اعتباره عند إرادة تنزيل الأحكام على الحوادث قد يَنتج عنه حرج في الدين وتحريف لمراد رب العالمين، إذ إنه من دون تحقيق للمناط “يمكن أن يقع تنزيل الأحكام على غير ما وضعت له، أو على أكثر مما وضعت له، أو على أقل مما وضعت له، ويمكن أن يقع تعطيل الحكم مع وجود محله ومناطه”.[38]
إن الواقع مقدمة لتحقيق المناط الذي يعتبر القنطرة الواصلة بين حكم مستنبط وبين مناط في محل معين؛ ولا يخشى تعقيب إن قيل إن المدلول الأصولي لفقه الواقع واستثماره هو تحقيق المناط.
وخلاصة القول إن تحقيق المناط هو فهم الواقع لمعرفة محال الأمر والنهي الشرعيين وتنزيلهما فيه.
المبحث الثاني: تأصيل فقه الواقع وأهميته
المطلب الأول: تأصيل فقه الواقع
إن المتتبع لآي القرآن الحكيم، والسنة النبوية الشريفة، وأقوال الصحابة وأفعالهم يجدها مراعية لأحوال الناس المعنيين، وحريصة على ترتيب الأحكام على الوقائع.
- من القرآن الكريم
-لقد سلك التشريع القرآني سبيل التدرج في الأحكام؛ حيث إنه لم يكن منقطعا عن واقع العرب بل مراعيا لواقعهم المعيش وعاداتهم؛ وتغيى تخلي المكلفين شيئا فشيئا عن المحرمات التي ألفوها حتى أضحت مكونا رئيسا من كيانهم، وأوضحُ مثال على ذلك تحريم الخمر على مراحل، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا”.[39]
-أمر المسلمين بالقتال لم يكن في مكة، بل تأجل إلى أن هاجروا إلى المدينة مراعاة لحالهم، يقول القرطبي مبينا ذلك: “وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْقِتَالَ كَانَ مَحْظُورًا قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِقَوْلِهِ: “ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”[فصلت:34]، وقوله: “فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ”[المائدة:13]، وقوله: “وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا”[المزمل:10]، وقوله: “لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ”[الغاشية: 22]، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِمَّا نَزَلَ بِمَكَّةَ. فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِالْقِتَالِ فَنَزَلَ: “وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ”[البقرة:190]”،[40] ذلك أن واقع المسلمين حينئذ لم يكن يمكنهم من الجهاد، فقد كانوا قلة في العدد والعدة، مما لا يؤهلهم لمواجهة قوة الكفار في مكة، ولكن عندما هاجر المسلمون إلى المدينة وأصبح لهم دار وشوكة، فرض القتال، لتغير الحال الذي كانوا عليه في مكة، فقد انتقلوا من ضعف إلى قوة، ومن قلة إلى كثرة، فكان الواقع مناسبا لأمر القتال، يقول ابن كثير: “وَكَانُوا [مسلمو مكة] يَتَحَرَّقُونَ وَيَوَدُّونَ لَوْ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ لِيَشْتَفُوا مِنْ أَعْدَائِهِمْ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَالُ إِذْ ذَاكَ مُنَاسِبًا لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: قِلَّةُ عَدَدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَةِ عَدَدِ عَدُّوِهِمْ، وَمِنْهَا كَوْنُهُمْ كَانُوا فِي بَلَدِهِمْ وَهُوَ بَلَدٌ حَرَامٌ وَأَشْرَفُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، فَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ فِيهِ ابْتِدَاءً لَائِقًا. فَلِهَذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْجِهَادِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ، لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ دَارٌ وَمَنَعَةٌ وَأَنْصَارٌ”.[41]
– شرَّع القرآن التخفيفَ في التكليف في بعض الحالات مراعاة لطبيعة الإنسان، ولما يعتريه من مرض وضعف، قال تعالى: “يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا”[النساء:28]، وقال أيضا: “عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ”[المزمل:30].
- من السنة النبوية
-الإجابات النبوية المتباينة عن نفس السؤال، فقد سئل مرة: “أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “إِيمَانٌ بِاللَّهِ”. قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: “الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”. قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: “حَجٌّ مَبْرُورٌ”؛[42] وَسُئِلَ أخرى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا”. قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: “بِرُّ الْوَالِدَيْنِ”. قَالَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: “الْجِهَادُ فِي سبيل الله”؛[43] وسئل ثالثة “أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: “الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ”؛[44] وسئل في رابعة “أَيُّ الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ؟ قال: “دُعَاءُ المرْءِ لِنَفْسِهِ”؛[45] وسُئِلَ في خامسة: “أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: “تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ”؛[46]وهكذا تنوعت أجوبته ﷺ في السؤال الواحد مراعاة لمقتضى خصوصيات المناط في كل فرد؛ وإن “الْجَوَابَ اخْتَلَفَ لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ السَّائِلِينَ بِأَنْ أَعْلَمَ كُلَّ قَوْمٍ بِمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ أَوْ بِمَا لَهُمْ فِيهِ رَغْبَةٌ أَوْ بِمَا هُوَ لَائِقٌ بِهِمْ أَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ بِأَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ”.[47]
-وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَاءَ شَابٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: “لَا”، فَجَاءَ شَيْخٌ فَقَالَ: أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: “نَعَمْ” قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “قَدْ عَلِمْتُ لِمَ نَظَرَ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ، إِنَّ الشَّيْخَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ”،[48] فقد اختلفت الفتوى في حكم واحد لاختلاف قدرة السائليْن على التحكم في الشهوة الجنسية.
-حَدِيثُ عَدِيٍّ فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ “إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ”،[49] وحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ “إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ”؛[50] قال القرطبي معلقا على الحديثين المتعارضين: “وَلَمَّا تَعَارَضَتِ الرِّوَايَتَانِ رَامَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمِ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فَحَمَلُوا حَدِيثَ النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ وَالْوَرَعِ، وَحَدِيثَ الْإِبَاحَةِ عَلَى الْجَوَازِ، وَقَالُوا: إِنَّ عَدِيًّا كَانَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فَأَفْتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْكَفِّ وَرَعًا، وَأَبَا ثَعْلَبَةَ كَانَ مُحْتَاجًا فَأَفْتَاهُ بِالْجَوَازِ”؛[51] وهذا الجمع بين الروايتين أساسه مراعاة الظروف المادية للمخاطبيْن.
- من تصرفات الصحابة رضوان الله عليهم
– عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ”؛[52] فكان اجتهاد عمر رضي الله عنه باعتبار طلاق الثلاث ثلاث طلقات مراعاة لمقتضيات الواقع وتغير أحوال الناس في الطلاق من الأناة إلى العجلة.
-“عَنْ أَبِي وَائِلٍ: أَنَّ حُذَيْفَةَ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ يُفَارِقَهَا”،[53] وعندما استفسر حذيفة عن سبب ذلك، وإن كان الزواح منهن حلال أو حرام، بيّن له عمر رضي الله عنه بقوله: “إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَدَعُوا الْمُسْلِمَاتِ وَتَنْكِحُوا الْمُومِسَاتِ”؛[54] فقد راعى عمر رضي الله عنه الواقع وآثاره المستقبلية في عدم إنفاذ قوله تعالى: “وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ”[المائدة:5] على زواج حذيفة رضي الله عنه بالكتابية، حيث إنه استحضر الخطر الذي سيقع في المجتمع الإسلامي عندما لا تجد النساء المسلمات الأزواج المسلمين الأكفاء، فتبرز ظاهرة العنوسة التي تتهدد الفرد والمجتمع بالفساد الكبير.
-“جاء رجل إلى ابن عباس فقال: لمن قتل مؤمنًا توبة؟ قال: لا، إلا النار، فلما ذهب قال له جلساؤه: ما هكذا كنت تفتينا، كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمنًا توبة مقبولة، فما بال هذا اليوم؟ قال: إني أحسبه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا، قال: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك”؛[55] فعبد الله بن عباس رضي الله عنهما أفتى في هذه المسألة مرتين، حقق المناط في كل مرة بحسب حال السائل، فلما رأى السائل مغضبا أفتاه ألا توبة للقاتل، أما في الحالة التي رأى أن السائل جاء تائبا من القتل فعلا أفتاه بأن توبته مقبولة.
-عن ابن شهاب قال: “كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً تَنَاتَجُ، لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِمَعْرِفَتِهَا، وَتَعْرِيفِهَا، ثُمَّ تُبَاعُ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا، أُعْطِيَ ثَمَنَهَا”؛[56] فقد رأى عثمان رضي الله عنه أن التقاط ضالة الإبل أنسب من تركها ترعى، حيث إنه رصد في وقته تغيرا في أخلاق الناس وعدم تورعهم عن الحرام، مما جعله يخاف على الإبل من أن تطالها يد السارقين، فقرر التقاطها حفاظا عليها.
المطلب الثاني: أهمية فقه الواقع
من المقرر أن “الْحُكْم الشَّرْعِي فِي أُصُولِ الْفِقْهِ يَتَعَلَّقُ بِالْبَحْثِ فِيهِ النَّظَرُ فِي أَشْيَاءَ:
– الأَوَّلُ: النَّظَرُ فِي الْحَاكِمِ، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
– الثَّانِي: النَّظَرُ فِي الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْعَبْدُ الْمُكَلَّفُ.
– الثَّالِثُ: النَّظَرُ فِي الْمَحْكُومِ بِهِ، وَهُوَ الْفِعْلُ”؛[57] وتأسيسا عليه فإن العلم بواقع المكلف لا يقل أهمية عن العلم بالدليل نفسه، وعلى العلم بهما معا تبنى الأحكام الشرعية الصحيحة؛ وقد كان الاجتهاد في فهم الواقع من قبل أهل العلم أُسَّ بناء الأحكام والفتاوى.
وقد اعتبر ابن القيم فهم وفقه الواقع طريقا إلزاميا للوصول للحكم الحق فقال إنه “لَا يَتَمَكَّنُ الْمُفْتِي وَلَا الْحَاكِمُ مِنْ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ إلَّا بِنَوْعَيْنِ مِنْ الْفَهْمِ: أَحَدُهُمَا: فَهْمُ الْوَاقِعِ وَالْفِقْهِ فِيهِ وَاسْتِنْبَاطُ عِلْمِ حَقِيقَةِ مَا وَقَعَ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ حَتَّى يُحِيطَ بِهِ عِلْمًا. وَالنَّوْعُ الثَّانِي: فَهْمُ الْوَاجِبِ فِي الْوَاقِعِ، وَهُوَ فَهْمُ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْوَاقِعِ، ثُمَّ يُطَبِّقُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ”[58]، و”الواجب في الواقع” حسب ابن القيم هو الحكم الشرعي الراصد لـمحل مناسب له في الواقع لينزل فيه.
كما أن الشاطبي جعل الاجتهاد بتحقيق المناط شطر الاجتهاد، حين جعله قسمين، “أَحَدُهُمَا: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَطِعَ حَتَّى يَنْقَطِعَ أَصْلُ التَّكْلِيفِ، وَذَلِكَ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ. وَالثَّانِي: يُمْكِنُ أَنْ ينقطع قبل فناء الدنيا؛ فَأَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَهُوَ الِاجْتِهَادُ الْمُتَعَلِّقُ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ، وَهُوَ الَّذِي لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي قَبُولِهِ، وَمَعْنَاهُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِمُدْرَكِهِ الشَّرْعِيِّ لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي تَعْيِينِ مَحَلِّهِ…”؛[59] وعليه فالاجتهاد نوعان، اجتهاد نظري هو اجتهاد الاستنباط، واجتهاد تطبيقي هو تحقيق المناط، وهذا الأخير باق ما بقي الإنسان، وهو الذي يضمن تحقيق الحكم لمقصوده، فالشريعة ترمي إلى تطبيق الحكم الشرعي تطبيقا جالبا للمنافع دارئا للمفاسد، وقد وضع العز بن عبد السلام في هذا قاعدة كلية: “كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل”؛[60] و”ليس الاجتهاد في التفهم والاستنباط، إذن، بأولى من الاجتهاد في التطبيق إن لم نقل إن قيمة الاجتهاد عمليا إنما تنحصر فيما يؤدي من ثمرات في تطبيقه تحقق مقاصد التشريع وأهدافه في جميع مناحي الحياة”.[61] لذا ينبغي للمجتهد المزاوجة بين النظر إلى النصوص وبين النظر إلى الواقع حتى يكون الحكم المحصل عليه مستوعبا لمقتضياته محققا لمقصوده، وبالمقابل إذا لم يستحضر حال الناس أبعد النجعة وكان حكمه محلقا بعيدا عن محله، لأنه بذلك يحصر عمله فيما يجب أن يكون دون التدقيق فيما هو كائن؛ يقول عمر عبيد: “إن فقه النص دون فقه الواقع الذي يعد محل التنزيل، يمثل نصف الطريق، أو نصف الحقيقة التي توقف عندها الكثير من الفقهاء في هذا العصر، والتي لن تحقق شيئا إذا لم نفهم الواقع”.[62] و”لَا يَصِحُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ عَنْ أَمْرٍ كَيْفَ يَحْصُلُ فِي الْوَاقِعِ إِلَّا أَنْ يُجِيبَ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ، فَإِنْ أَجَابَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ أَخْطَأَ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمَنَاطِ الْمَسْئُولِ عَنْ حُكْمِهِ، لِأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مَنَاطٍ مُعَيَّنٍ؛ فَأَجَابَ عَنْ مَنَاطٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ”.[63]
وقد اشترط الإمام أحمد خمس خصال فيمن ينصب نفسه للفتيا، وجعل الخصلة “الْخَامِسَة: مَعْرِفَة النَّاسِ”؛[64] وقد شرحها ابن القيم فقال: “وَأَمَّا قَوْلُهُ “الْخَامِسَةُ مَعْرِفَةُ النَّاسِ” فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُفْتِي وَالْحَاكِمُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا فِيهِ فَقِيهًا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ثُمَّ يُطَبِّقُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِلَّا كَانَ مَا يَفْسُدُ أَكْثَرَ مِمَّا يَصْلُحُ…بَلْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِي مَعْرِفَةِ مَكْرِ النَّاسِ وَخِدَاعِهِمْ وَاحْتِيَالِهِمْ وَعَوَائِدِهِمْ وَعُرْفِيَّاتِهِمْ، فَإِنَّ الْفَتْوَى تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْعَوَائِدِ وَالْأَحْوَالِ”.[65]
ولـمحورية مراعاة الواقع في توجيه الحكم جعله الونشريسي من فقه الفتيا حيث قال: “والفرق المذكور هو أيضا الفرق بين الفتيا وفقه الفتيا، ففقه الفتيا هو العلم بالأحكام الكلية، وعلمها هو العلم بتلك الأحكام مع تنزيلها على النوازل”،[66] وقد سرد عدة نماذج لفقهاء وجدوا عسرا في تنزيل الأحكام الشرعية رغم إلمامهم بها، ومما نقله أن أيوب بن سليمان قال: “لقد ابتليت بالفتيا، فما دريت ما أقول في أول مجلس شاورني فيه سليمان بن أسود، وأنا أحفظ المدونة والمستخرجة الحفظ المتقن”؛[67] فقد نجد فقيها متمكنا من جهة فهم النصوص، لكنه غير موفق من جهة تطبيق النصوص على مواردها، وإلى ذلك يشير الحطاب بقوله: “ولا غرابة في امتياز علم القضاء عن غيره من أنواع الفقه، وإنما الغرابة في استعمال كليات علم الفقه وانطباقها على جزئيات الوقائع بين الناس، وهو عسير على كثير من الناس، فنجد الرجل يحفظ كثيرا من العلم، ويفهم ويعلم غيره، فإذا سئل عن واقعة لا يحسن الجواب”،[68] ولهذا اعتبر القرضاوي الجهل بالواقع أحد معايير الشذوذ في الفتوى.[69]
ولابن رشد تشبيه دال معبر للفقيه الذي يحفظ المسائل ولا يفقه الواقع ببائع الخفاف الذي عنده خفاف كثيرة لكنه لا يحسن أن يصنع خفافا لمن لا يوافق قدمه ما عنده من الخفاف؛ قال في بداية المجتهد: “وبهذه الرتبة [رتبة الاجتهاد] يسمى فقيها لا بحفظ مسائل الفقه، ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان، كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر، وهؤلاء عرض لهم شبيه ما يعرض لمن ظن أن الخفاف هو الذي عنده خفاف كثيرة لا الذي يقدر على عملها، وهو بين أن الذي عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة، وهو الذي يصنع لكل قدم خفا يوافقه”.[70]
وقد وضع يحيى الجمل للواقع دلالة خاصة به للتنبيه على أهميته وأثره في تأطير النص الشرعي حيث يقول: “إن من جملة الدلالات، الدلالة الواقعية للحكم، وتنقسم هذه الدلالة إلى: الواقع الخاص بالتنزيل؛ أي المقترن مع زمن نزول النص، وإلى الواقع العام المطلق، فالأول ضروري لفهم النص ومقصده الخاص. وكذا الثاني فإنه ضروري من جانب لفهم النص عموما، وبدونه قد تنقلب الكثير من موازين الفهم، ويصبح النص الإلهي برمته غير معقول ولا مقبول”.[71]
مما سبق يظهر أن فقه الواقع آلية لا انفكاك عنها للتعامل مع النصوص الشرعية وفق رؤية مقاصدية، وإذا صح فقه الواقع لدى المفتي صح سائر عمله الاجتهادي.
المبحث الثالث: مسالك فقه الواقع وضوابطه
المطلب الأول: مسالك معرفة الواقع
المسالك هي الخطوات المنهجية التي على الناظر اتباعها لتصور النازلة بدقة والتحقق من علتها قبل تنزيل الحكم.
وهذه المسالك هي التي أشار إليها الغزالي خلال حديثه عن تحقيق المناط وسماها الأصناف من النظريات وكذلك بالموازين؛ حيث قال: “وتلك الأصول التي تدرك النتيجة بها؛ تارة تقتبس من اللغة…وتارة تبنى على العرف والعادة…وتارة تبنى على محض النظر العقلي…وتارة تبنى على مجرد الحس…وتارة تبنى على النظر في طبيعة الأشياء…فهذه خمسة أصناف من النظريات وهي: اللغوية، والعرفية، والعقلية، والحسية، والطبيعية”.[72]
ومسالك معرفة الواقع هي آليات مجلية وكاشفة للواقع؛ وقد جعلتها أربعة بعد دمج اللغوي في العرفي -حسب تقسيم الغزالي- للتداخل الموجود بينها فأصبحت: الحسي والعرفي والطبيعي والعقلي.
- المسلك الحسي: وهو إعمال الحواس لإدراك ما يسأل عنه من نوازل، وتطبيقات هذا عديدة في أبواب الفقه، فاللمس يدرك به تحقق الدلك من عدمه، وبالحس تدرك طهارة المرأة من الحيض، وبه يدرك وصول مفطر إلى جوف الصائم، وبه تثبث رؤية هلال الصوم والفطر، كما أنه عن طريقه يدرك تغير الماء لونا وطعما ورائحة.
- المسلك العرفي: فالناس يتعارفون بينهم على أقوال وأفعال تصير عادة عندهم، وعلى المفتي أن يحيط علما بأعراف مستفتيه حتى توافق فتواه محلها، قال القرافي موضحا أهمية هذا المسلك: “وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَتَخَرَّجُ أَيْمَانُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَصِيَغُ الصَّرَائِحِ وَالْكِنَايَاتِ فَقَدْ يَصِيرُ الصَّرِيحُ كِنَايَةً يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ. وَقَدْ تَصِيرُ الْكِنَايَةُ صَرِيحًا مُسْتَغْنِيَةً عَنْ النِّيَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَوْرًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْيَمِينِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَسَمُ فَقَطْ ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي النَّذْرِ أَيْضًا وَهُوَ لَيْسَ قَسَمًا بَلْ إطْلَاقُ الْيَمِينِ عَلَيْهِ إمَّا مَجَازٌ لُغَوِيٌّ أَوْ بِطَرِيقِ”[73]، ومثال ذلك ألفاظ الطلاق المتداولة بين الناس، فقد سئل عليش “(ما قولكم) في ألفاظ جرى بها عرف بعض البلدان كيمين سفه، ولا عيش لك عندي، وروحي يا فردة الوطا من بيتي، أو زولي من وجهي فما الحكم؟” فأجاب: “إن جرى عرفهم بالتطليق بصيغة من هذه الصيغ لزم الطلاق بمجرد النطق بها؛ لأنها صارت من الكناية الظاهرة، وتلزم بها واحدة رجعية في المدخول بها، وبائنة في غيرها إن نوى الواحدة أو لم ينو شيئا فإن نوى أكثر لزمه ما نواه، وكذا إن جرى به العرف كما تقدم، قال في المجموع: ومهما جرى عرف عمل به قاعدة كلية كالقرائن حسب أعرافهم”؛[74] إن الرجوع للعرف يعتبر عنصرا حاسم في تصوير حقيقة الواقعة ومن ثَم تعيين الحكم المناسب لها.
- المسلك الطبيعي: وهو النظر في طبيعة الأشياء من حيث أصلها، مثال ذلك اختلاف الفقهاء في التراب هل هو مزيل للرائحة أو ساتر لها؟ قال الغزالي: “فإن الماء الكثير إذا تغير بالنجاسة، ثم زال تغيره بهبوب الريح وطول الزمان عاد طاهرا، ولو زال بإلقاء المسك والزعفران لم يعد طاهرا؛ لأنهما ساتران للرائحة لا مزيلان لها…فطريق معرفة ذلك البحث عن طبيعة التراب ومناسبته للماء”؛[75] ويدخل في هذا المسلك أيضا الاكتشافات الطبيعية والعلوم الطبية وتوظيف علم البصمات الوراثية…
- المسلك العقلي: وعبر عنه الغزالي بقوله: “وقد يعرف بطلب الحد وتصور حقيقة الشيء في نفسه”،[76] ويتم بالتعريف الجامع المانع، وكثير من المسائل الخلافية سببها عدم تحرير المفاهيم، فانبهام المفهوم يؤدي إلى التباس في الحكم، لهذا أكد الغزالي على هذا المسلك بقوله: “وذلك من أدق مدارك العقليات”.[77] ومثال ذلك الوديعة البنكية المعاصرة فهي تخالف تعريف الفقهاء للوديعة، كما عند ابن عرفة “نقل مجرد حفظ ملك ينقل”،[78] والجدير بالذكر أن الحفظ مخالف للتصرف، وبتصرف البنك فيما استودع عنده يخرجه من كونه مودَعا، ومن ثم لا تنطبق عليه أحكام عقد الوديعة فيما يتعلق بالضمان ووجوب الزكاة عند توفر شروطها؛ وهذا ما أكده التاويل بقوله: “لكن التكييف الفقهي الصحيح للودائع البنكية ومثيلاتها أنها ديون على الجهات التي تلقتها وليست ودائع بالمفهوم الفقهي”؛[79] ويدخل في هذا المسلك كذلك التدقيق في طبيعة العقود وعناصرها والقوانين المنظمة لها، ويندرج ضمنه أيضا تعيين درجة المصالح والمفاسد والموازنة بينها، وتقدير العواقب والمآلات…
إن هذه المعرِّفات بالواقع ليست في مرتبة واحدة من الإمكان في التوظيف، ففيها اليسير في التناول دون عناء، وفيها الصعب الذي يتطلب تَقَصّ ودربة وخبرة.
المطلب الثاني: ضوابط فقه الواقع
يجب على الناظر في فقه الواقع من أجل تنزيل الأحكام على حواق محالها، أن يلتزم بالضوابط التالية حتى يكون عمله مسددا رشيدا، وهي:
- التصور الدقيق لحقيقة المسألة:
وهذا الضابط يكتسي أهمية قصوى لأن الخطأ فيه يؤثر سلبا في كل ما بُني عليه، فهو أس الاجتهاد الذي معناه: “اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الظَّنِّ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ يُحَسُّ مِنَ النَّفْسِ الْعَجْزُ عَنِ الْمَزِيدِ فِيهِ”،[80] ومما يدل على أهمية هذا الضابط تأكيد عمر رضي الله عنه عليه في رسالته لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه حيث قال: “الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَمْ يَبْلُغْكَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَتَعَرَّفِ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ، ثُمَّ قِسِ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَاعْمِدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللهِ، وَأَشْبَهِهَا فِيمَا تَرَى”؛[81] وقال ابن القيم شارحا هذا الكتاب: “وَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُفْتِي وَلَا الْحَاكِمُ مِنْ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِالْحَقِّ إلَّا بِنَوْعَيْنِ مِنْ الْفَهْمِ: أَحَدُهُمَا: فَهْمُ الْوَاقِعِ وَالْفِقْهِ فِيهِ وَاسْتِنْبَاطُ عِلْمِ حَقِيقَةِ مَا وَقَعَ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ حَتَّى يُحِيطَ بِهِ عِلْمًا”؛ فالواقع حسب عبارة ابن القيم هو الإحاطة بحقيقة ما يحكم عليه من سلوك أو ذات أو علاقة ليكون المحكوم به -المشار إليه بالواجب في الواقع- منطبقا على الواقع مطابقا له، فلا يعقل الحكم على موضوع لم تحصل صورته الصحيحة في ذهن الحاكم، لأن الحكم على الشيء فرع هن تصوره؛ ويشير القرضاوي إلى هذا الضابط أثناء حديثه عن أسس فقه الواقع بقوله: “إنه مبني على دراسة الواقع المعيش دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع، معتمدا أصح المعلومات، وأدق البيانات والإحصاءات”.[82]
وقد بيّن ابن بيه ما الذي يجب على الفقيه معرفته بتفصيل عن الواقع حيث قال: “ولهذا على الفقيه لإدراك الواقع بخفاياه أن يستحضر الأسئلة المفاتيح وهي: ماذا ولماذا وأين ومتى وكيف؟ فالأول عن الماهية، والثاني عن العلة والسبب، والثالث عن المكان، والرابع عن الزمان، والخامس عن الحال والخبر…والمطلوب هو معرفة الواقع بكل تفاصيله، وليس الواقع بمعنى اللحظة الحاضرة”.[83]
إن المفتي الذي لا يجتهد في الإحاطة بالمسألة والإلمام بتفاصيلها يُخشى عليه أن يصدق عليه قوله ﷺ: “مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ”؛[84] ولهذا كان من عادة السلف تقليب النظر في الواقعة وإعطاؤها حقها من الفهم والإحاطة، فهذا إمام دار الهجرة يقول: “رُبَّمَا وَرَدَتْ عَلَيَّ الْمَسْأَلَةُ تَمْنَعُنِي مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنَّوْمِ…وَقَالَ: “إِنِّي لَأُفَكِّرُ فِي مَسْأَلَةٍ مُنْذُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَمَا اتَّفَقَ لِي فِيهَا رَأْيٌ إِلَى الْآنِ”. وَقَالَ: “رُبَّمَا وَرَدَتْ عَلَيَّ الْمَسْأَلَةُ فَأُفَكِّرُ فِيهَا لَيَالِيَ”.[85]
ومن سبل الإحاطة بالنازلة استشارة أهل الخبرة والاختصاص؛ قال الخطيب البغدادي: “ثُمَّ يَذْكُرُ [المفتي] الْمَسْأَلَةَ لِمَنْ بِحَضْرَتِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَيُشَاوِرُهُمْ فِي الْجَوَابِ، وَيَسْأَلُ كُلَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَمَّا عِنْدَهُ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ بَرَكَةً، وَاقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ»،[86] وقال الشاطبي: “إِذَا عَنَّتْ لَهُ [المفتي] مَسْأَلَةٌ يَنْظُرُ فِيهَا زَاوَلَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ بِتِلْكَ الْمَعَارِفِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَسْأَلَتِهِ؛ فَلَا يَقْضِي فِيهَا إِلَّا بِمَشُورَتِهِمْ”.[87] وكذلك ينبغي الاستعانة بالبيانات والإحصاءات والدراسات -إن وجدت- التي تعطي تصوراً دقيقاً عن حقيقة النازلة ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
- انضباط الحكم التكليفي بالحكم الوضعي
لقد قسم الأصوليون خطاب الشرع إلى تكليف ووضع، وذلك لإدراكهم أهمية استحضار الواقع باعتباره بيئة تنزيل الحكم، وقد نص الشاطبي على أن اعتبار أفعال المكلفين له جانبان: جانب التجريد وجانب التشخيص، حيث قال: “الْمَقْصُودُ مِنْ وَضْعِ الْأَدِلَّةِ تَنْزِيلُ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى حَسَبِهَا، وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ؛ إِلَّا أَنَّ أَفْعَالَ الْمُكَلَّفِينَ لَهَا اعْتِبَارَانِ: اعْتِبَارٌ مِنْ جِهَةِ مَعْقُولِيَّتِهَا. وَاعْتِبَارٌ مِنْ جِهَةِ وُقُوعِهَا فِي الْخَارِجِ”؛[88] فاعتبار أحكام أفعال المكلفين من جهة المعقول هو فهم النص بجميع ضوابطه وهو الحكم التكليفي؛ أما اعتبار وقوعها في الخارج فهو بالنظر في الواقع وسبر الأسباب والشروط والموانع المتعلقة بحكم النص وهو الحكم الوضعي.
فالحكم الوضعي هو الناظم للعلاقة بين الحكم التكليف بأقسامه وبين الواقع بتغيراته وإكراهاته، ويخلص ابن بية أن: “خطاب الوضع هو البيئة الأصولية لإنزال الحكم، وهو الذي يحوط خطاب التكليف ويكلؤه”.[89]
ومما يشهد لهذا ما ذهب إليه الإمام ابن القيم في مسألة طواف الإفاضة للحائض التي تخاف فوات الرفقة، حيث ذهب إلى أن قوله ﷺ: “فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تطهري”،[90] إنما يتعلق بالمرأة في وقت السعة والاختيار، وأنه لا يصح تطبيق هذا الحكم على الحائض التي إن لم تطف بالبيت فستفوتها الرفقة، وقرر أنها “تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ [حائضا]، وَتَكُونُ هَذِهِ ضَرُورَةً مُقْتَضِيَةً لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ مَعَ الْحَيْضِ وَالطَّوَافِ مَعَهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ، بَلْ يُوَافِقُ كَمَا تَقَدَّمَ؛ إذْ غَايَتُهُ سُقُوطُ الْوَاجِبِ أَوْ الشَّرْطِ بِالْعَجْزِ عَنْهُ، وَلَا وَاجِبَ فِي الشَّرِيعَةِ مَعَ عَجْزٍ، وَلَا حَرَامَ مَعَ ضَرُورَةٍ”.[91] وعليه فظروف الضرورة -بيئة الوضع- التي تعيشها الحائض أثرت على حكم طوافها وغيرته من حِرمة إلى حِل.
- فهم الأحكام الجزئية في ظل الكليات الشرعية
إن النظر إلى الجزئي من خلال الكلي يعصم الجزئي من اجتزائه من سياقه ويضعه في الموضع الذي ينبغي أن يكون فيه؛ ومن الأدلة على هذا الضابط والذي يؤسس للمنهجية القويمة في الاجتهاد ما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “بَعَثَ النَّبيُّ ﷺ سَرِيَّةً، فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ وأَمَرَهُمْ أنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، فَقالَ: أليسَ أمَرَكُمُ النَّبيُّ ﷺ أنْ تُطِيعُونِي؟ قالوا: بَلَى، قالَ: فَاجْمَعُوا لي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقالَ: أوْقِدُوا نَارًا، فأوْقَدُوهَا، فَقالَ: ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا وجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، ويَقولونَ: فَرَرْنَا إلى النَّبيِّ ﷺ مِنَ النَّارِ، فَما زَالُوا حتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبيَّ ﷺ، فَقالَ: لو دَخَلُوهَا ما خَرَجُوا منها إلى يَومِ القِيَامَةِ؛ الطَّاعَةُ في المَعروفِ”.[92]
من خلال هذا الحديث يتبين أن الصحابة لم يحصروا نظرهم في الأمر الجزئي المفيد لوجوب طاعة الأمير بل وضعوه في إطار مقاصد التشريع وكلياته التي توجب المحافظة على النفس؛ فرجحوا إبطال هذا الأمر الجزئي لمعارضته مراد الشرع، وأعملوا الأصل الكلي الموجب للمحافظة على النفس؛ لذا فإن مقاصد الشريعة هي قبلة المجتهد، والسلف كانوا يُعملون النصوص في ضوء مقاصد الشريعة، وقد أرجع الشاطبي وقوع الكثير من الغلط والشطط بسبب الجهل بمقاصد الشرع حيث قال: “وَمَدَارُ الْغَلَطِ فِي هَذَا الْفَصْلِ إِنَّمَا هُوَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْجَهْلُ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ، وَعَدَمِ ضَمِّ أَطْرَافِهِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ”.[93]
- النظر في المآلات والعواقب:
إن النظر في المآلات هو التدقيق في تقلبات الواقع، وتوقع الأثر المحتمل للحكم في صلاحه وفساده، وترجيح العاقبة المحمودة وتحقيق المقصد للحكم المراد تنزيله.
قال الشاطبي موضحا: “النَّظَرُ فِي مَآلَاتِ الْأَفْعَالِ مُعْتَبَرٌ مَقْصُودٌ شَرْعًا كَانَتِ الْأَفْعَالُ مُوَافِقَةً أَوْ مُخَالِفَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَحْكُمُ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِالْإِقْدَامِ أَوْ بِالْإِحْجَامِ إِلَّا بَعْدَ نَظَرِهِ إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ، مَشْرُوعًا لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ تُسْتَجْلَبُ، أَوْ لِمَفْسَدَةٍ تُدْرَأُ”.[94] وأصل هذا مسألة إقامة الحدود في الغزو، فعَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: “لَا تُقْطَعُ الأَيْدِي فِي الغَزْوِ”،[95] والسبب في ذلك هو “خَشْيَةَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَبْغَضُ إلَى اللَّهِ مِنْ تَعْطِيلِهِ أَوْ تَأْخِيرِهِ مِنْ لُحُوقِ صَاحِبِهِ بِالْمُشْرِكِينَ حَمِيَّةً وَغَضَبًا”.[96]
ومثاله أيضا ما فعله ابن تيمية فيما حكاه عنه ابن القيم عندما قال: “وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال؛ فدعهم”؛[97] فابن تيمية نظر إلى مآل الإنكار على التتار فألفاه أعظم مفسدة من تركه، فحكم على التصرف بناء على توقع مآله.
- التمييز بين الوسائل والمقاصد:
لقد قسم القرافي أحكام الشريعة إلى وسائل ومقاصد، فقال: “الْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَقَاصِدُ، وَالثَّانِي وَسَائِلُ، وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا مَقَاصِدُ وَالثَّانِي: وَسَائِلُ، وَلِلْوَسَائِلِ أَحْكَامُ الْمَقَاصِدِ”[98].
ويقول ابن عاشور موضحا هذا الفرق في معرض حديثه عن الوسائل: “فهي الأحكام المشروعة من أجل أن يتم بها تحصيل أحكام أخرى. وهي غير مقصودة لذاتها بل لتحصيل غيرها على الوجه المطلوب، إذ بدونها قد لا يحصل المقصد، أو يحصل معرضاً للاختلال والانحلال. وتعد من الوسائل الأسبابُ المعرفات للأحكام، والشروط، وانتفاء الموانع وصيغ العقود ونحوُ ذلك”؛[99] فالشارع يريد منا تحقيق المقاصد وإن تغيرت الوسائل، وهذا ما أشار إليه ومثَّل له الريسوني بقوله: “لقد أمرنا الله بإعداد رباط الخيل للجهاد والدفاع عن الحوزة، ولا شك أن رباط الخيل وسيلة صرفة، فلذلك يصبح اليوم إعداد القواعد العسكرية والأسلحة العصرية قائما بالضرورة مقام رباط الخيل، مؤديا إلى المقصود بصورة أتم وأنفع”.[100]
إن المقصد يتصف بالثبات والدوام، والوسائل تتصف بالتغير والمرونة، ولتحقيق أي مقصد نحتاج اجتهادا في كل زمان ومكان وحسب الإمكان لاختيار الوسائل المفضية إليه؛ فالوسائل دون المقاصد رتبة، و”مراعاة المقاصد مقدمة على رعاية الوسائل أبداً”؛[101] ولذلك يُتساهل في حكم الوسائل دون المقاصد إعمالا للقاعدة “يُغْتَفَرُ فِي الْوَسَائِلِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَقَاصِدِ”؛[102] ومن القواعد الفقهية المسعفة في هذا السياق “حصول المقصود بإحدى الوسائل مسقط لاعتبار التعيين فيها”،[103] ومعنى القاعدة أن المقصود إذا كان يتحقق بأي وسيلة من وسائله المشروعة، فلا معنى لتعيين بعضها وحصرها في واحدة بعينها دون الوسائل الأخرى، بل يصح التوسل بكل وسيلة منها إلا لدليل؛ وذلك لأن المراد هو تحصيل المقصود وتحقيق المصلحة؛ وتأصيل هذه القاعدة أن رافعا بن خديج رضي الله عنه قال مخاطباً النبي ﷺ: “إِنَّا لَنَرْجُو أَوْ نَخَافُ أَنْ نَلْقَى الْعَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ فَقَالَ: مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللِّه عَلَيْهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُر.َ وَسَأُخْبِرُكُمْ عَنْهُ أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْم.ٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ”؛[104] فالنبي ﷺ أخبر رافعا رضي الله عنه بأن كل وسيلة يحصل بها المقصود الذي هو إنهار الدم، يصح الذبح بها، وهذا ما قعده له القرافي بقوله: “إذا تيسر المقصود بدون وسيلة معينة سقط اعتبارها”.[105]
إن من شأن التمييز بين الوسيلة ومقصدها أن يسدد اختيار الحكم الملائم للنازلة وتحقيق مناطها.
- الثوابت والكليات حاكمة والواقعات محكومة
النص هو الحاكم والمحكوم به، والواقع محكوم فيه ومحكوم عليه، فلا يبطل الواقعُ النصَّ، وإنما ينبغي النظر في شروط تطبيق النص وعدم وجود الموانع؛ وقد عبر عن هذا الضابط أحسن تعبير القرضاوي في سياق حديثه عن ضوابط الاجتهاد في المسائل المستجدة عندما قال: “لا يكون همنا في هذا الاجتهاد تبرير الواقع في دنيا الناس باسم المرونة أو التطور، وإعطاء هذا الواقع سندا شرعيا بالاعتساف وسوء التأويل، فإن الله لم ينزل شريعته لتخضع لواقع الحياة، بل ليخضع لها واقع الحياة، فالشريعة هي الميزان، وهي الحكم العدل، فلا يجوز لنا أن نجعلها هي الموزونة وهي المحكومة”.[106]
الخاتمة
نخلص من هذا البحث إلى ما يلي:
- فقه الواقع هو الفهم الدقيق للنوازل والمؤثرات في حياة الفرد ومحيطه وتصورها على حقيقتها لمعرفة حكمها الشرعي المناسب لها.
- اعتبار الواقع حاضر في القرآن والسنة وعند الصحابة.
- اعتبار الواقع أصل شرعي وممارسة تاريخية.
- تحقيق المناط هو فهم الواقع لمعرفة محال الأمر والنهي الشرعيين وتنزيلهما فيه
- المدلول الأصولي لفقه الواقع واستثماره هو تحقيق المناط.
- إغفال تحقيق المناط في الواقع تحريف لمراد رب العالمين.
- الاجتهاد نوعان، اجتهاد نظري هو اجتهاد الاستنباط، واجتهاد تطبيقي هو تحقيق المناط.
- إذا صح فقه الواقع لدى المفتي صح سائر عمله الاجتهادي.
- مسالك تعرف الواقع أربعة: العرفي والحسي والطبيعي والعقلي.
- خطاب الوضع هو البيئة الأصولية لإنزال الحكم.
- تصور حقيقة النازلة شرط صحة فقه الواقع.
- ضرورة فهم الحكم الجزئي في ظل الكليات الشرعية.
- إن إغفال الواقع وعدم فهم تعقيداته في الحكم هو تحريف للنص وإلغاء للحكم الوضعي.
- النص هو الحاكم والميزان، أما الواقع هو المحكوم والموزون.
- إنزال الأوامر والنواهي من غير نظر في صورة الموضوع وحالة المحكوم عليه قد يفضي إلى عكس المقصود.
لائحة المراجع والمصادر
- أبجد العلوم، صديق خان، دار ابن حزم، بيروت، ط1، 1423ه/2002م.
- الاجتهاد المقاصدي، نورالدين الخادمي، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، كتاب الأمة، عدد66، 1998.
- الاجتهاد: النص، الوقع، المصلحة؛ أحمد الريسوني، دار الحكمة للنشر والتوزيع، الجزائر، ط 2014م.
- الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، ضبط الشيخ إبراهيم العجوز، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة5، 2005م.
- إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق أحمد عزو، دار الكتاب العربي، دمشق، ط1، 1419ه/1999م.
- أساس القياس، أبو حامد الغزالي، تح فهد بن محمد السدحان، مكتبة العبيكان، د.ط، 1413ه/ 1993م.
- الأشباه والنظائر، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1983 م.
- الاعتصام، الشاطبي، دار ابن عفان، السعودية، ط1، 1412ه/1992م.
- إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، تحقيق محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1411ه/1991م.
- أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، القونوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1424ه/2004م.
- أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط13، 1992.
- البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي، ضبط وتعليق وتخريج محمد محمد تامر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2000.
- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، دار الحديث، القاهرة، ط1425ه/2005.
- تفـسير القـرآن العظـيم، أبـو الفـداء إسماعيـل ابـن كثـير، تحقيـق سـامي بـن محمـد سـلامة، دار طيبـة، الريـاض، ط2، 1999م.
- التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية، محمد عثمان شبير، دار القلم، دمشق، ط1، 1425ه.
- تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع، عبد الله بن بيه، مسار للطباعة والنشر، دبي، ط4، 2018.
- الجامع لأحكام القرآن: تفسير القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط2، 1384ه/1964م.
- الذخيرة، شهاب الدين القرافي، تحقيق: محمد حجي، دار الغرب، بيروت، ط1، 1994.
- روضة الناظر، ابن قدامة، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، 1423ه/2002.
- زكاة العين ومستجداتها، محمد التاويل، مطبعة انفو برانت فاس، ط 2، د.ت.
- سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، دط، دت.
- السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة، ط 1414ه.
- شرح الكوكب المنير، ابن النجار، مكتبة العبيكان، الرياض، ط2، 1418، 1997.
- شرح اللمع للشيرازي، عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، 1408ه/1988م.
- شرح حدود ابن عرفة، ابن الرصاع، المكتبة العلمية، ط1، 1350ه.
- شرح ورقات إمام الحرمين، جلال الدين المحلي، مكتبة نزار مصطفى الباز، الرياض، طبعة1، 1996م.
- شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط5، 1998م.
- شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، الغزالي، تح حمد الكبيسي، مطبعة الإرشاد، بغداد، ط1، 1390ه/1971م.
- صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار طوق النجاة، مصر، ط1، 1422ه.
- صحيح مسلم: المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله ﷺ، أبو الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، تحقيق فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، دط، دت.
- العدة في أصول الفقه، أبو يعلى، د ن، ط2، 1410ه/1990م.
- الفتاوى الشاذة: معاييرها، وتطبيقاتها، وأسبابها، وكيف نعالجها ونتوقاها، يوسف القرضاوي، دار الشروق، مدينة نصر-القاهرة، ط1، 2010م.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلاني، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب، عليه تعليقات العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار المعرفة، بيروت، ط1379.
- فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، عليش، دار المعرفة، د.ط، د.ت.
- الفروق: أنوار البروق في أنواء الفروق، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، عالم الكتب، بيروت، دط، دت.
- فقه الموازنات الدعوية: معالمه وضوابطه، معاذ محمد أبو الفتح، مكتبة دار اقرأ، الكويت، ط2، 2006.
- فقه الواقع أصول وضوابط، أحمد بوعود، كتاب الأمة، عدد75، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، ط1، 1421ه/2000م.
- فقه الواقع في العمل الإسلامي ضرورة حضارية، عبد الكبير حميدي، مجلة البيان، العدد4.
- فقه الواقع وأثره في الاجتهاد، ماهر حصوة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، ط1، 2009.
- فقه الواقع، سعيد بيهي، الدار العالمية للنشر والتوزيع، الإسكندرية، دت.
- الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، دار ابن الجوزي، السعودية، ط2، 1421ه.
- في فقه التدين فهما وتنزيلا، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، سلسلة كتاب الأمة، العدد 1.
- القاموس المحیط، مجد الدين أبو طاهر الفیروزآبادي، تحقيق مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة بإشراف محمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط8، 1426ه/2005م.
- قواعـد الأحكـام فـي مـصالح الأنـام، العـز بـن عبـد الـسلام، راجعـه وعلـق عليـه طـه عبـد الـرؤوف سـعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القـاهرة، ط1991م.
- كتاب التعريفات، علي بن محمد الجرجاني، ضبطه وصححه جماعة من العلماء بإشراف الناشر، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط3، 1403ه/1983م.
- كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، عبد العزيز البخاري، وضع حواشيه عبد الله محمود، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة1، 1997م.
- لسان العرب، جمال الدين ابن منظور، دار صادر، بيروت، ط3، 1414ه.
- المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1421ه/2000م.
- مختار الصحاح، الرازي، محمد بن أبي بكر، تحقيق يوسف الشيخ محمد، بيروت، طبعة 2001م.
- المستصفى، أبو حامد الغزالي، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1413ه/1993م.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1421ه/2001م.
- المصباح المنير، الفيومي، أحمد بن محمد، تحقيق يوسف الشيخ محمد، بيروت، المكتبة العصرية، طبعة1/1996م.
- معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، دمشق، ط1399ه/1979م.
- معرفة السنن والآثار، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، جامعة الدراسات الإسلامية (كراتشي-باكستان)، دار قتيبة (دمشق-بيروت)، دار الوعي (حلب-دمشق)، دار الوفاء (المنصورة-القاهرة)، ط1، 1412ه/1991م.
- المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، خرجه جماعة من الفقهاء بإشراف محمد حجي، منشورات وزارة الأوقاف المغربية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، دط.
- المفردات في غريب القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني، تحقيق صفوان عدنان داودي، دار القلم-الدار الشامية، دمشق-بيروت، ط1، 1412ه.
- مقاصد الشريعة، الطاهر بن عاشور، تحقيق محمد الطاهر الميساوي، دار النفائس، عمان، ط2، 1421ه/2001م.
- المقاصد والواقع، يحيى محمد، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، عدد8، 1999م.
- الموافقات، أبو إسحاق الشاطبي، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، القاهرة، ط1، 1417ه/1997م.
- مواهب الجليل، الحطاب، دار الفكر، دمشق، ط3، 1412ه/1992م.
- موسوعة القواعد الفقهية، محمد البورنو، مكتبة التوبة، الرياض، ط 1997م.
- نهاية شرح منهاج الأصول، جمال الدين الإسنوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1420ه/1999م.
[1] المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده، 4/128.
[2] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 4/442.
[3] شرح اللمع للشيرازي، عبد المجيد تركي، 1/157.
[4] أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، القونوي، 1/116.
[5] المصباح المنير، الفيومي، ص248.
[6] مختار الصحاح، الرازي، ص242.
[7] صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: “أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت -إلى قوله تعالى- ونحن له مسلمون”، رقم 4412، 4/1729.
[8] فتح الباري، ابن حجر، 6/529.
[9] البحر المحيط في أصول الفقه، الزركشي، 1/16-17.
[10] كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، عبد العزيز البخاري، 1/11.
[11] شرح ورقات إمام الحرمين، جلال الدين المحلي، ص35.
[12] الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي 1/8.
[13] التعريفات، الجرجاني، 1/168؛ ونهاية شرح منهاج الأصول، الإسنوي، ص11.
[14] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/133-134.
[15] المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، ص888.
[16] القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص772.
[17] لسان العرب، ابن منظور، 8/403.
[18] أبجد العلوم، صديق خان، ص217.
[19] فقه الواقع في العمل الإسلامي ضرورة حضارية، عبد الكبير حميدي، مجلة البيان، العدد4، ص234.
[20] في فقه التدين فهما وتنزيلا، عبد المجيد النجار، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، سلسلة كتاب الأمة، العدد 1، ص111.
[21] الاجتهاد، تأثره وتأثيره في فقهي المقاصد والواقع، عبد الرؤوف الإندونيسي، ص591.
[22] فقه الواقع أصول وضوابط، أحمد بوعود، كتاب الأمة، عدد75، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، ط1، 1421ه/2000م، ص44-45.
[23] فقه الموازنات الدعوية: معالمه وضوابطه، الباينوني، ص53.
[24] فقه الواقع، سعيد بيهي، ص195.
[25] فقه الواقع وأثره في الاجتهاد، ماهر حصوة، ص29.
[26] مختار الصحاح، للرازي، ص146.
[27] لسان العرب، لابن منظور، 10/49.
[28] القاموس المحيط، 1/679.
[29] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 5/370.
[30] لسان العرب، ابن منظور، 7/418.
[31] المستصفى، الغزالي، ص281.
[32] روضة الناظر، ابن قدامة، 2/144.
[33] الإحكام، الآمدي، 3/302.
[34] إرشاد الفحول، الشوكاني، 7/322.
[35] التكييف الفقهي للوقائع المستجدة وتطبيقاته الفقهية، محمد عثمان شبير، ص95.
[36] الموافقات، الشاطبي، 5/25.
[37] بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، محمد الدريني، 1/133.
[38] (الاجتهاد: النص، الوقع، المصلحة)، الريسوني، ص64.
[39] صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب تأليف القرآن، رقم 4707، 4/1910.
[40] تفسير القرطبي، 2/347.
[41] تفسير ابن كثير، 2/359.
[42] صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب من قال إن الإيمان هو العمل، رقم26، 1/18.
[43] صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها، رقم 7096، 1/197.
[44] سنن الترمذي، أبواب الدعوات، باب منه، رقم 3376، 5/458.
[45] المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، 1/543.
[46] صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام، رقم 12، 1/13.
[47] فتح الباري، ابن حجر، 2/9.
[48] مسند أحمد، رقم 6738، 11/351.
[49] صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة، رقم 1929، 6/56.
[50] سنن أبي داود، كتاب الصيد، باب في الصيد، رقم 2852، 3/68.
[51] تفسير القرطبي، 6/70.
[52] صحيح مسلم، كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث، رقم الحديث 1472، 4/183.
[53] مصنف عبد الرزاق، رقم 13560، 7/134.
[54] السنن الكبرى، البيهقي، باب ما جاء في تحريم حرائر أهل الشرك دون أهل الكتاب وتحريم المؤمنات على الكفار، رقم 13984، 7/280.
[55] مصنف ابن أبي شيبة، رقم 29569، 15/232.
[56] معرفة السنن والآثار، البيهقي، 9/86.
[57] شرح الكوكب المنير، ابن النجار، 1/484.
[58] إعلام الموقعين، ابن القيم، 1/69.
[59] الموافقات، الشاطبي، 5/11-22
[60] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام، 2/132.
[61] البحر المحيط، الزركشي، 8/354-355.
[62] الاجتهاد المقاصدي، نورالدين الخادمي، كتاب الأمة، عدد66، 1998، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مقدمة الكتاب، عمر عبيد حسنة، ص18.
[63] الموافقات، الشاطبي، 3/301.
[64] العدة في أصول الفقه، أبو يعلى، 5/1599.
[65] إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم، 4/157.
[66] المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، الونشريسي، 10/78.
[67] نفسه.
[68] مواهب الجليل، الحطاب، 6/87.
[69] الفتاوى الشاذة: معاييرها، وتطبيقاتها، وأسبابها، وكيف نعالجها ونتوقاها، يوسف القرضاوي، ص60.
[70] بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد، 3/210.
[71] المقاصد والواقع، يحيى محمد، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، عدد8، 1999م، ص171.
[72] أساس القياس، الغزالي، ص41-42.
[73] الفروق، القرافي، 1/177.
[74] فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، عليش، 2/36.
[75] أساس القياس، الغزالي، ص 41-42.
[76] شفاء الغليل، الغزالي، ص 436
[77] أساس القياس، الغزالي، ص41.
[78] شرح حدود ابن عرفة، ابن الرصاع، ص336.
[79] زكاة العين ومستجداتها، محمد التاويل، ص95.
[80] الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، 4/162.
[81] السنن الكبرى، البيهقي، رقم 20347، 10/197.
[82] أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، يوسف القرضاوي، ص30.
[83] تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع، عبد الله بن بيه، ص36 .
[84] المستدرك على الصحيحين، الحاكم، رقم 436، 1/215.
[85] الموافقات، الشاطبي، 5/323.
[86] الفقيه والمتفقه، البغدادي، 2/390.
[87] الموافقات، الشاطبي، 5/44.
[88] الموافقات، الشاطبي، 3/217-218
[89] تنبيه المراجع، ابن بية، ص32.
[90] صحيح البخاري، كتاب الحيض، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، رقم266، 1/117.
[91] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/23.
[92] صحيح البخاري، كتاب: المغازي، باب سرية عبد الله بن حذافة السهمي، حديث رقم 4085، 4/1577.
[93] الاعتصام، الشاطبي، 3/311.
[94] الموافقات، الشاطبي، 5/177-178.
[95] سنن الترمذي، أبواب الحدود، باب ما جاء ألا تقطع الأيدي في الغزو، رقم 1450، 4/53.
[96] إعلام الموقعين، ابن القيم، 3/13
[97] إعلام الموقعين، ابن القيم، 4/340.
[98] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز، 1/54.
[99] مقاصد الشريعة، ابن عاشور، 2/151.
[100] الاجتهاد: النص-الواقع-المصلحة، الريسوني، ص161.
[101] موسوعة القواعد الفقهية، محمد البورنو، ص330 .
[102] الأشباه والنظائر، السيوطي، 1/158.
[103] قواعد الوسائل في الشريعة الإسلامية، مصطفى مخدوم، 1/275.
[104] صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد، باب التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدا، رقم: 5498، 7/91.
[105] الذخيرة، القرافي، 3/177.
[106] شريعة الإسلام صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، القرضاوي، ص125.