الأسلوب الفني في شعر العبدري
The Artistic Style in Al Abdari Poem
ذ. إبراهيم الطاهري
باحث في سلك الدكتوراه – اللسانيات وتحليل الخطاب – المغرب
نشر هذا المقال في مجلة ذخائر، العدد الثالث عشر (13)، (التنزيل مجاني)
ملخص:
يتجلى الهدف الأساسي من هذه الدراسة في تسليط الضوء على بعض الخصائص الأسلوبية والفنية التي يتميز بها الموروث الشعري العربي القديم عموما، وقصيدة الرحالة محمد العبدري (ت 720ه) خصوصا -والتي لخص فيها كل تفاصيل رحلته التي أسماها بالرحلة المغربية- وعليه؛ فالقصيدة العبدرية نموذج فني أدبي بكل المقاييس، فهي تمتلك خصائص بنائية متعددة؛ تتفق تارة مع مميزات النصوص الأدبية النثرية منها والشعرية، كما تختلف عنها تارة أخرى، فقد مزج فيها صاحبها بين الأسلوب اللغوي والبلاغي الذي ينبني على تحسين الألفاظ والمعاني وجعلها بديعية إلى حد كبير، ثم هناك الأسلوب التقريري الذي يقوم على الكشف والوصف والتشخيص والمحاورة ونحو ذلك، ومن ثمة فالأديب استطاع تطويع اللغة وتسخير الجرس الموسيقي الذي أحدث من خلاله قوة تأثيرية تترك وقعها على متلقي النص الشعري.
الكلمات المفاتيح:
الأسلوب، الفنية، الشعر العربي.
Abstract:
The main objective of this study is to highlight some of the stylistic and artistic characteristics of the ancient Arab poetic heritage in general, and the traveller Mohamed Abdari’s poem in particular. The latter summarizes all the details of his journey which he called the Moroccan journey. On this basis, the Abdariya poem is by all accounts a literary art model that have multiple artistic characteristics. There is also a combination of linguistic and rhetorical language, which is based on the improvement of words and meanings and makes them highly imaginative. Then there is the military method of detection, description, diagnosis, dialogue, and so on. Thus, the literati can be able to adapt the language and harness the rhythm through which he created an effective impact that would leave its mark on the recipient of the poetic text.
Keywords:
Style; Art; Arabic Poetry; Rhetoric; Traveller; Abdari.
تقديم:
يعتبر الأدب بمثابة مرآة للواقع-وللأديب على السواء-بخصائصه وتغيراته التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية، بل هو انعكاس -أيضا- لمجموع العادات والتقاليد والأعراف المجتمعية، فالشعر ديوان العرب وفقا لما نصت عليه كتب النقد العربية القديمة، والنثر ديوان العالم استنادا لما جادت به قريحة النقد الأدبي الحديث، وكلاهما -أي الشعر والنثر- قطبا رحى الأدب ككل، والجمع بينهما خصلة لا يملكها إلا مبدع تطاوعه اللغة ويطاوعه أسلوب القول.
وتأتي هذه الدراسة لتكشف عن جانب آخر لا يقل أهمية في بناء القول العام، جانب ارتبط-أساسا-بما هو جمالي وفني كامن في الشعر العربي القديم، انسجاما مع ما يحمله من أبعاد تختلف باختلاف الحالات النفسية والانفعالية والسياقية التي عاشها الشاعر العربي، إذ نجده يُصور ويشخص، ويصف ويشبه، ويجعل من كلامه قائما على الإيقاع الصوتي الموسيقي، وغير ذلك من العناصر اللغوية البلاغية منها والأسلوبية التي تمتزج مع بعضها البعض، ويتحقق عبرها التأثير والتأثر.
وتجذر الإشارة إلى أن مدونة هذه الدراسة عبارة عن قصيدة شعرية للرحالة محمد العبدري (ت 720ه) افتتحها أولا: بعبارات النصح والإرشاد والوعظ، لينتقل بعد ذلك إلى تلخيص ما فيها من تفاصيل لأحداث ووقائع عاشها زمن رحلته المغربية، وما عرفته هذه الرحلة من حركية في المواقف، وتحول عبر الزمان والمكان والأشخاص، لتكون خاتمتها دعاء، وهي بذلك -أي القصيدة- تنحو منحى أشعار الأولين زمن النبوة وما بعدها.
ويعتبر الرحالة العبدري نموذجا للأديب الفذ الذي جمع بين القول نثره، وشعره، فبالرغم من ذيوع صيته في مجال أدب الرحلة -من خلال رحلته المغربية المشهورة- فهو شاعر لا يُشقُّ له غبار، ولا يمكن-بأي حال من الأحول-إبعاده عن دائرة الشعراء العرب الكبار–على مختلف العصور-الذين نظموا شعرهم وفق قًالب فني له مقاييس ومرتكزات أهمها اتباع النُظُم الشعرية التي نبه إليها الخليل بن أحمد الفراهيدي؛ نظم قائمة على الأوزان والقوافي ونحو ذلك من الخصائص ذات التأثير الصوتي.
ويمتاز النص الشعري الذي خلفه العبدري (شعر الرحلة) بارتباطه الوثيق-شأنه في ذلك شأن باقي النصوص الأدبية الأخرى-بمختلف علوم العربية؛ من تركيب وبيان وبديع وعروض ونحو ذلك من العلوم اللغوية التي أبان -من خلالها-عن درايته التامة بالدور الذي تؤديه هذه العلوم في وضع أسس البناء النصي أولا، وإظهار ما يحمله من دلالات وأبعاد مقصدية ثانيا، وثالثا: الكشف عما يتخلل هذا النص من أساليب فنية وجمالية وصوتية تستهدف-بالدرجة الأولى-المتلقي الذي يسعى باحثا عن الفهم قصد الاقتناع والتأثر.
انطلاقا من هذه المرتكزات يكون الأسلوب الفني أحد أبرز ما امتازت بنية القصيدة العربية التقليدية عامة، وشعر العبدري على وجه التحديد، وتنطلق هذه الورقة البحثية من إشكالات مختلفة هي: أين تكمن فنية القصيدة العربية القديمة؟ وما تجلياتها في شعر العبدري؟ ما الأساليب اللغوية والتعبيرية التي توسل بها محمد العبدري في شعره من أجعل التأثير في القارئ؟ وكيف يمكن لهذه الأساليب-مجتمعة-أن تجعل من المتلقي منساقا أمام متن الخطاب الشعري؟
واقتضت الإجابة عن هذه التساؤلات اتباع منهج وصفي تحليلي يسعى إلى تحليل الظاهرة تحليلا لغويا انسجاما مع سياق تأليفها، من خلال دراسة متن قصيدة بنيت وفق قالب فني جمالي محكم، وآليات تجمع بين البلاغة الإمتاعية والتأثيرية، والجرس الموسيقي الإيقاعي.
وتنبني هذه الدراسة وفق ثلاثة محاور أساسية، ثم مقدمة وخاتمة، حددنا في المحور الأول جمالية الأسلوب التصويري الفني في القصيدة الشعرية أنموذج الدراسة، ليأتي المحور الثاني مسلطا الضوء على بعض مميزات الأسلوب الفني البلاغي المتضمن في قصيدة الرحلة، ثم أخيرا يأتي المحور الثالث ليستنبط بعض ظواهر الأسلوب الصوتي والإيقاعي في النص الشعري موضوع الدراسة.
المبحث الأول: جمالية التصوير الفني في قصيدة الرحلة
يستحق العمل الأدبي الذي خلَّفه العبدري -نثره وشعره- مزيد بحث وكبير مجهود، وذلك لأنه عمل متكامل جمع بين التأريخ للتاريخ والجغرافية، والمادة الفنية التصويرية الغنية ذات الدلالات المختلفة والقيم الجمالية المتنوعة، وقصيدة الرحلة العبدرية نموذج للجنس الأدبي الشعري الذي أظهر فيه صاحبه إلمامه الواسع بضروب اللغة وفنون التعبير وآليات التخاطب، التي يمكن إجمالها -حسب ما اعتمده العبدري- في عنصرين أساسيين هما: الوصف والحوار، وهما عنصران تصويريان لهما ارتباط وثيق بالمبدع والمتلقي على السواء، وذلك لكونهما يجنحان إلى التقرير والتشخيص الذي يزيد النص الشعري تفسيرا ووضوحا ومصداقية، كما يزيده قوة جمالية وفنية، وقوة تأثيرية.
1- التصوير الوصفي في القصيدة:
يعرف الوصف على أنه إخبار عن حقيقة شيء ما، يمكنه أن يكون أدبيا أو علميا، فمن الناحية الأدبية يعتمد الوصف في نصوص النثر وفي نصوص الشعر أيضا؛ لأنه يتناول موضوعات مشتركة مثل المكان والطبيعة والإنسان أو ونحو ذلك. ومن ثمة يكون الوصف مستوى من مستويات التعبير التي تعكس الصورة الخارجية لكل شيء. كيفما كان نوعه بطريقة دقيقة ومنسجمة يعتمد فيها على تراكيب وعبارات ملائمة يتحقق من خلالها ائتلاف اللفظ والمعنى.
ويزاحم أسلوب الوصف-باعتباره غرضا شعريا-الأغراض الشعرية الأخرى، بل يعد القاسم المشترك بينها، ومن ثمة؛ فالوصف للمكان أو الشخصية أو الشيء والوصف: «كل حكي يتضمن-سواء بطريقة متداخلة أو بنسب شديدة التغيير-أصنافا من التشخيص لأعمال أو أحداث تكون ما يوصف بالتحديد سردا هذا من جهة، ويتضمن من جهة أخرى تشخيصا لأشياء أو أشخاص، وهو ما ندعوه يوم هذا وصفا»[1].
ويؤدي الوصف -أيضا- دور التعبير عن الانطباع والأحاسيس التي يثيرها لدى الواصف، وقد استعان به الشاعر العبدري لتأدية وظائف مختلفة أولها: الإخبار الذي يجنح إلى الضبط والدقة، وثانيها: التفسير الذي يعتبر وسيلة للإبلاغ والإفهام.
ومن مقاصد أسلوب الوصف إضافة إلى ما أسلفنا من قول: البرهنة؛ والتي يلجأ فيها الواصف إلى توظيف معجم لفظي يمكن أن يجمع بين ما هو موضوعي يطابق الواقع، وبين ما هو ذاتي يعكس وجهة نظر الواصف، وتأتي وظيفة الإيهام-هي الأخرى-لتكون صلة وصل بين الواصف والمتلقي، إذ الثاني يعيش لحظة تشويق وترقب انطلاقا من هذه الوظيفة، أما الأول -أي الواصف- فيعتمد في إيهامه على عناصر جمالية تكسر رتابة المخبر عنه، وتشخيصية توضح المعالم والحدود. على اعتبار أن الوصف كما قال الرافعي: «جزء من منطق الإنسان، لأن النفس محتاجة إلى ما يكشف لها من الموجودات، ويكشف للموجودات منها، ولا يكون ذلك إلا بتمثيل الحقيقة، وتأديتها إلى التصور في طريق السمع والبصر والفؤاد»[2].
واتبع العبدري طريقة ماتعة في الوصف شأنه في ذلك شأن باقي الشعراء القدماء، إيمانا منه أن أسلوب الوصف «عبارة عن بيان الأمر باستيعاب أحواله وضروب نعوته الممثلة له، وأصوله ثلاثة وهي: أن يكون الوصف حقيقيا بالموصوف مفرزا له عما سواه، وثانيها: أن ذا طلاوة ورونق، وثالثها: ألا يخرج فيه إلى حدود المبالغة والإسهاب، ويكتفي بما كان مناسبا للحال»[3]. وكلها شروط قد التزم بها العبدري في شعره ووصفه، إذ الناظر فيما أورده من أوصاف يجدها قد استوعبت الموصوفات وصورتها تصويرا دقيقا، ويظهر ذلك من خلال وصفه لعدد من الأماكن التي عرج عليها في رحلته، فقد وصف الحالة التي صارت عليها حاحة -بطريقة تشخيصية عجيبة- بعد مغادرة أهلها لها بقوله:
مَرَرْتُ بِحَاحَةَ فَسَأَلْتُ عَمَّنْ.. أَنَاخَ بِآخِرِ الغَرْبِ القَسّـــــِي
فَقَالتْ خَلَّفُـــونِي ذَاتَ شَجْـــوٍ.. أبْكِي بِالغَــــــــدَاةِ وَبِالعَشِــــــــــيِّ
وقد وصف أماكن أخرى-كثيرة-من قبيل سوسة، وتلمسانة، ومليانة، وبني ورار، وميلة، وبونة، وخولان، وغير هذه الأماكن كثير، وعن وصفه لمدينتي باجة وتونس يقول:
وَبَاجَة بِالبَوَائِحِ قَدْ أَبَاحَتْ.. وَأَمْحَل رَوْضُهَا مِنْ بَعْدِ رَيِّ
وَلما جِئْتُ تُونُسَ وَهِي خَوْدٌ.. زَهَتْ بِجَمَالِهَا وَبِحُسْنِ زَيِّـــي
إلى أن قال في وصف القيروان:
وَجِئْتُ القَيْرَوَانَ فَجِئْتُ قَفْرًا.. يَجِيبُ صَدَاهُ بِالصَّوْتِ الشَّجِيِّ
وقد وصف حالة طرابلس بقوله:
وَرُحْتُ إِلَى طَرَابْلُسَ فَقَالَتْ.. رَمَتْ أَهْلِــــي الحَوَادِثَ مِنْ قَسِـــــيِّ
واستمر الشاعر في الوصف استمرار الرحلة في الحركية والتنقل لأنه يعرف أن «الإنسان من خلال حركته في المكان يقوم برسم جماليات هذا المكان»[4]، وقد تجلى هذا الرسم من خلال وصف العبدري لأحوال الأمكنة-مُدُنًا وقرى، ومنازل وقصور-ومتغيراتها التاريخية والحضارية والاجتماعية، ويكفي أن نعود إلى نص قصيدته الشعرية لنتبين أنه قد اعتمد على التشخيص والواقعية في تبيان ذلك، كما اعتمد الدقة في رسم كل الموصوفات الأخرى، وتلك لعمري من الأساليب الفنية التعبيرية التي أجاد فيها الشعراء كما أجاد فيها العبدري.
2- التصوير الحواري في القصيدة:
يظهر الأسلوب الفني الحواري في قصيدة الرحلة للعبدري بشكل ملفت، والحوار شكل تعبيري تواصلي يتبادل فيه الكلام شخصان أو أكثر، وأسلوب لعرض الأحداث الخارجية والكشف عن المشاعر الداخلية حيال شيء ما، يقول عبد الستار الهيتي: «الحوار أسلوب يجري بين طرفين، يسوق كل منهما من الحديث ما يراه ويقتنع به، ويراجع الطرف الآخر في منطقه وفكره قاصدا بيان الحقائق وتقريرها من وجهة نظره»[5].
وتجذر الإشارة إلى أن الحوار في هذا النص الشعري موضوع الدراسة جاء بأساليب أنسب تلائم التعبير عن الأفكار والمواقف والأحاسيس، حيث تخلص الشاعر-بداية-من صفة الكلام اليومي الذي يحدث عادة بين اثنين، ليرتبط بمقصد آخر؛ ألا وهو المقصد التفسيري الإخباري منه والوصفي الذي يجعل الكلام وسيلة لعرض مجرى الأحداث والوقائع التي تضمنتها القصيدة الشعرية.
وينقسم أسلوب الحوار إلى قسمين أساسيين هما: الحوار الداخلي النفسي؛ الذي عادة ما يدور بين الشخصية ونفسها، ثم الحوار الخارجي الذي يمكن أن تتبادل في أطراف الحديث بين شخصين -بعبارة قال/ قلت- ونسميه الحوار المباشر، في حين ما يخالفه، وهو الحوار غير المباشر -وهو المعتمد في النصوص الشعرية عموما- فيكون بمثابة نقل غير مباشر تلخص فيه الوقائع ويختصر فيه الزمن.
وجنح العبدري في قصيدة الرحلة إلى الحوار المبني على المناجاة الذي لا رد فيه للطرف الثاني المتحاور الواقعي أو المفترض، الآدمي أو غير الآدمي، والمتأمل في ثنايا القصيدة يجد أن الحوار قد دار بين العبدري وأشياء أخرى غير حية، وهو نفسه المنهج الذي سلكه الشعراء الأوائل قبله في مختلف الحقب الزمنية، فمثلا يقول الشاعر امرؤ القيس محاورا الليل:
[من بحر الوافر][6] فَقُلْـــــتُ لَـــــــهُ لمَا تَمْضِـــــى بِجَوْزِهِ
وَأَرْدَفَـــــــــــــ أعْــــــــجَــــــــازًا وَنَــــــــــــــــادَى بِكَلْكَلِ
ألَا أَيُّها اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا نْجَلِي
بِصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِالأَمْثَلِ
فَيَـــــا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَّنَ نُجُومَهُ
بِكُــــلِّ مَعَــــــــارِ الفَتْـــــلِ شُدـــّتْ بِدَيْبُـــــــل
ومن أمثلة التحاور مع شخص آدمي مفترض ما قاله الشاعر المغربي مالك بن المرحل (ت 699ه) في قصيدته الغزلية: [من بحر الطويل][7]فَلَمَّا فَنَــــــــــــــى صَبْــــــري وَقَــــلَّ تَجَلُّــــــــــــدِي
وَفَارَقَـــــنِي نَوْمِــــــي وَحُــــــــرِمْتُ مَضْجَعِي
شَكَوْتُ لِقَاضِي الحُبِّ قُلْتُ: أَحِبَّتي
جَفَوْنِي وَقَالُوا: أَنْتَ فِي الحُـــبِّ مُدَّع
ويحضر الحوار في القصيدة-أنموذج هذه الورقة البحثية-على نحو لافت مع مجموع الأماكن التي زارها محمد العبدري، والتي دونها في متن رحلته المغربية، وهو ما يؤكد لنا أن المكان هو الحاضن الأساسي للوقائع والأحداث سواء أكانت قليلة أو كثيرة، صغيرة أو كبيرة؛ فإحساس الإنسان/العبدري بالمكان «هو إحساسه بذاته، فالذات لا تكتمل داخل حدود ذاتها، بل تستنبط خارج الحدود، في مكان يمكن أن يتفاعل فيه»[8].
والناظر في شعر العبدري يجد هذا الشاعر يعتمد في عملية التحاور بينه وبين معظم الأماكن التي زارها على أسلوب التشخيص الذي يشمل الإنسان وغيره من الأشياء الأخرى، والتشخيص كما هو معلوم: «عبارة عن تمثيل مسرحي وإبراز الجماد والمجرد من الحياة من خلال الصورة، بشكل كائن متميز بالشعور والحركة والحياة، وهذا النهج كثير الشيوع في الشعر(..) والتشخيص إسباغ الحياة الإنسانية على ما لا حياة له كالأشياء الجامدة والكائنات المادية غير الحية»[9]، ومن ثمة؛ فالعبدري قد وضع الأماكن التي تحاور معها نصب العين حيث بث الحياة فيها وجعلها أكثر صلة به وكأنها أشخاص تكمل وجوده الإنساني.
ويؤدي التشخيص الحواري الذي اتبعه الشاعر-أيضا-دورا تجميليا، باعتباره فنا من فنون التعبير، أو كما قال أرسطو: «وينبغي إذ نطقنا بالشيء نصب العين أن نبين ماذا يفعل وماذا يكون»[10]، ومن ثمة فمعالم الأسلوب الحواري في قصيدة الرحلة تظهر من خلال محاورة الأرض التي شهدت على رحلته تلك، وفي ذلك يقول:
مَسَحْتُ الأرْضَ غَرْبًا ثُمَّ شَرْقًا
أُسَـــــــــائِلُ عَنْ عَوَاقِبِ كلِّ حَيِّ
فقَالَـــــــتْ مَـــــا سُؤَالُكَ بَعْدَ عِلْمٍ
أَلَمْ تَــــرَهُم جَمِيعًا تَحْتَ طيِّ
وسجلت مدونة الرحلة المغربية -أيضا- تحاور العبدري -شعرا- مع بلاد السوس قائلا:
وَجِئتُ السُّوسَ أَسْأَلُ وَهُو الأَقْصَى
فقَــــــــــال إليكَ عنْ كَمَد شَـــــــجِيِّ
ألَــــــــــــــــمْ تـــــــــــَـــرَنِي وَحِـــــيــــــــدًا مــْـــــــنْ أُنـــَــــــــــاسي
كــــَــمَا عُطلَـــــتْ كِــــعَاب من حليِّ
وإلى جانب ذلك قال في محاورته للجزائر وبعض مدنها خاصة بجاية:
وَرُحْتُ إِلَى الجَزَائِرِ ذَا سُؤَالٍ
فَقِيلَ سَأَلْتُ مَنْ هِي بنُ بيِّ
دَعِ التَّسَــَـــــاؤُل عَمـَّـــــنْ حَــــلَّ تُرْبًا
وَبـــــَــــــــادَر منهَــــــــــــج البرِّ التَّـــــــــقِيِّ
وَقَالَـــــتْ لِي بَــــجَــــايَةَ أَنْـــــــــتَ خلْـــــو
فَيَا ويْــــحَ الشَّجِي مِنَ الخَلِيِّ
وعُرفت بلاد تونس بازدهارها العلمي والثقافي والحضاري استنادا إلى ما قاله العبدري في رحلته: «ما من فن من فنون العلم إلا وجدت بتونس به قائما، ولا موردا من موارد المعارف إلا رأيت بها حوله واردا وحائما، وبها من أهل الرواية والدراية عدد وافر يجلو الفخار بهم عن محي سافر وينير علمهم»[11]، وعليه؛ فتتجلى عملية التحاور بين العبدري وبلاد تونس في قوله:
وَلمّــــــــا جِئتُ تُونُـــــــــــسَ وَهِــــــــي خَوْدٌ
زَهَتْ بِجَمَالِهَا وَبِحُسْنِ زَييِّ
سَأَلْـــــتُ عَنِ الأولَى هَامُوا إِلَيْهَــا
فَكَـــــــــــــم بـــَـــــــــــــرَّ بِهَـــــا مِنهُــــم حَفيِّ
فَقَــــالتْ مـَـــــــــا أَرَى مِنْهُم أَنِيســـًـــــــــا
وَشَرُّ الوَصْــــــــل وَصْلَ الأدَمِيِّ
وهناك محاورات كثيرة أخرى أهمها: محاورته لمكة زمن وصوله إليها، حيث قال:
ولمَّــــــــا جِئـْـــــــتُ مكَّـــــــــةَ قُمْـــــــتُ فِيهـــــَـــــا
أُسَائِــــــلُــــهـــــــا بِكَعْـــــــب أو لـُـــــــــؤيِّ
فَقَـــــــالَت قَــــــدْ سَطَا بِهِـــــمَا مَنُـــــونٌ
وَبَعْـــــدَهُمَـــا أَنَاخَ عَلى قَصِـــــــيِّ
وَصالَ عَلَيْهِم شَخْصًا فَشَخْصًا
فَسَلْ إنَّ السُّؤالَ جَلاءُ عَيِّ
وأول ما يلحظه متلقي هذه الأبيات الشعرية هو المستوى الأدبي الشعري الذي وصل إليه العبدري من خلال قصيدته التي أفضت بنتائج غير قليلة من الناحية الفنية، والتي كشفت عن دور التداخل بين ما إخباري ووصفي وحواري في بناء النص الشعري، الشيء الذي ينتج عنه تحقيق الأبعاد التصويرية التي خصت بها هذه القصيدة وذلك من خلال وقوفها وتلخيصها لمجريات أحداث ووقائع عاشها الرحالة الشاعر محمد العبدري في رحلته المسماة بالرحلة المغربية.
المبحث الثاني: الأسلوب الفني البلاغي في قصيدة الرحلة
يجاوز الأسلوب الفني البلاغي وظيفة الإخبار والإبلاغ إلى وظيفة التأثير والإقناع، وهو ما عبر عنه العسكري (ت 395ه) في تعريفه للبلاغة بقوله: «كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك على صورة مقبولة ومعرض حسن»[12]، وعليه؛ فالبلاغة قائمة على التأثير والتأثر، وهو الشيء الذي تنبه إليه الأديب محمد العبدري حيث استقى مادته الأدبية عامة من عدد من الأساليب اللغوية البلاغية، فكان بذلك مثالا للأدباء العرب الذين تميزوا بالأصالة والإبداع شبيه ما قاله علي عبد العظيم في ابن زيدون الأندلسي(ت463ه) إنه: «قمة باذخة من شواهق الأدب(..)الرفيع، ترك أثرا خالدا في الأدب العربي بما أبدعه من نظم رقيق، ونثر أنيق»[13].
ولذلك لم تخلو الإبداعات الأدبية الشعرية التي خلفها العبدري من تشبيهات واستعارات وغيرها من الأساليب المعنوية والبديعية التي تضفي على النص تماسكا بنائيا، كما تضفي عليه جمالا فنيا بلاغيا، وذلك لأنه على دراية تامة أن الشعر «صناعة لا تعرف بمجرد الذوق الساذج العفوي، وإنما تعرف بالإحاطة علما بكل القوانين التي تتحكم فيها، كما هو الحال في جميع الصناعات التي تحتاج إلى التجويد والإتقان»[14]
ويلحظ الناظر في شعر العبدري وجود زخم من الأساليب اللغوية، على اعتبار أن اللغة أساس الإبداع فهي: «وسيلة التفاهم بين البشر يكتسبها الإنسان من المحيط الذي يعيش فيه»[15]، كما أنها آليات تعبيرية استطاع من خلالها العبدري بناء صورة مكتملة لمعظم الأماكن التي زارها في رحلته، وذلك في قالب شعري يحيل على التناسق القائم بين الألفاظ والمعاني الذي يسهم بشكل كبير في إبراز الخصائص التركيبية من جهة، والخصائص الفنية الجمالية من جهة ثانية.
توسل الأديب محمد العبدري في شعره إذن؛ بعدد من الأساليب المعنوية التي تجعل من أسلوب الكلام أسلوبا منتظم التركيب جلي الدلالة، فعلم المعاني عند علماء البلاغة: «علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال أي هو العلم الذي يبحث أحوال اللفظ مثل التعريف والتنكير والذكر والحذف والإظهار والإضمار وغير ذلك، ويتبين كيف تكون هذه الأحوال واقعة موقعا تطابق دواعي النفس؟ ولم تأتي زائدة ثقيلة، ولا متكلفة كريهة، وهذه الأحوال هي التي نسميها الخصائص أو الكيفيات أو الهيئات»[16]ويكفي أن نشير إلى أن الأساليب المعنوية التي هيمنت على القصيدة الشعرية من بدايتها إلى نهايتها، إنشائية صرفة، وذلك لكون هذه الأخيرة من أهم أبواب علم المعاني لما تحمله من دلالات خفية ومعان لا تدرك إلا بالتأمل، فالإنشاء عموما هو: «ما لا يحصل مضمونه ولا يتحقق إلا إذا تلفظت به. فطلب الفعل في(أفعَلْ) وطلب الكف في (لا تفعل)، وطلب المحبوب في(التمني) وطلب الفهم في(الاستفهام)، وطلب الإقبال في(النداء)، كل ذلك ما حصل إلا بنفس الصيغ المتلفظ بها»[17].
وقسمت هذه الأساليب إلى قسمين؛ طلبية وغير طلبية، أما الأولى فهي التي: «تستدعي مطلوبا غير حاصل وقت الطلب، وتكون بصيغ المدح أو الذم، وصيغ العقود والقسم والتعجب والرجاء، وكذا ربَّ ولعل وكم الخبرية[في حين] الإنشاء الطلبي فهو الذي يستدعي مطلوبا غير حاصل في اعتقاد المتكلم وقت الطلب، ويكون بخمسة أشياء: (الأمر، والنهي، والاستفهام، والتمني، والنداء)»[18]، والمتأمل في القصيدة موضوع الدراسة يجد؛ أن هناك ثلاثة أساليب إنشائية طلبية حاضرة بشكل ملفت، ألا وهي: أسلوب الأمر، ثم النهي، ثم الاستفهام، وكلها أساليب تستدعي مطلوبا.
1- فنية أسلوب الأمر:
يحمل أسلوب الأمر دلالات مخصوصة، فهو عند ابن الشجري (ت 542ه): «استدعاء الفعل بصيغة مخصوصة مع علو الرتبة»[19]، وقال في السيوطي (ت 911ه) أيضا: «هو طلب فعل من غير كف، وصيغته(افعل) و(ليفعل) وهي حقيقة في الإيجاب»[20]، وقد يأتي هذا الأسلوب -شأنه شأن باقي الأساليب الإنشائية الأخرى- لتأدية معاني بلاغية تستفاد من سياق القول من قبيل الدعاء والالتماس، والتمني والتعجيز، والإباحة والتخيير والتحقير، والتعجب وغيرها كثير، وفي قصيدة الرحلة للشاعر محمد العبدري يظهر هذا الأسلوب بشكل جلي، حيث تنوعت دلالاته ووظائفه، كما اختلفت مواضعه بحسب ما يخدم مقصد الآمر في النص الشعري، ومن ذلك قوله في مستهل القصيدة مخاطبا المتلقي:
عَلَيْكَ النُّصْحُ رُدَّهُ بِكُلِّ حَيِّي
وَإِنْ أَلْفَيْتَ وَارِدَهُ فَحَيِّ
ثم قــــــــال على لسان بلاد الجزائر زمن وصوله إليها:
دَعْ التَّسَاؤُلَ عَمَّنْ حَلَّ تُرْبًا
وَبَادِرْ مَنْهَجَ البرِّ التَّقِيِّ
ثم قال:
وَســــَـــــلْ اسْكَنْدَرِيَّــــــةَ أَيـــــــْـــــــنَ ولَّــــى
وَسَــلْ عَـــــــــن سَاكِنِ اسْكَنْــــــدَريِّ
وَسلْ فُسْطَاطَ عَمْرو عَنْ نَوَاه
وَسَل عَنْ جَوْهَر مَوْلى الشَّقِيِّ
لقد تنوعت أفعال الأمر في الشواهد الشعرية التي سقناها وذلك بحسب سياق إيرادها، لكن القاسم المشترك بينها أنها جاءت بصيغة واحدة، وهي صيغة (افعل) كما هو مبين في صدر البيت الشعري الأول، وهي صيغة تظهر علو الطالب الآمر على المطلوب الملزم فعله في كثير من الأحيان.
ويمكن لأسلوب الأمر أن يأتي ليفيد معاني بلاغية تستفاد من سياق قول الآمر، وهو ما يمكن تلمسه في الشواهد الشعرية السالفة ففي البيت الشعري الأول يحمل الأمر(رُدَّه) معاني النصح والإرشاد التي وجهها الشاعر للمتلقي. وقد أفاد فعل الأمر(سل) في الأبيات الشعرية المتبقية معنى بلاغيا آخر يفيد الحسرة التي كشف عنها الشاعر بفعل ما آلت إليه بعض الأماكن العربية العريقة.
يعتبر أسلوب الأمر إذن؛ لبنة من لبنات بناء قصيدة الشاعر، وذلك لأنه جعله وسيلة لغوية تعبيرية، وأتقن استخدامه في عملية الكشف عن علاقته بالآخر الأدمي وغير الآدمي، وحسبنا ما لاحظناه من تراكيب على مستوى الأبيات الشعرية وما تضمنته من ألفاظ ومعاني دلالية وبلاغية متنوعة.
2- فنية أسلوب الاستفهام:
لا يمكن -بحال من الأحوال- إبعاد أسلوب الاستفهام من دائرة الأساليب اللغوية والإنشائية التي تستدعي مطلوبا، بل أكثر من ذلك تبقى لهذ الأسلوب -عند علماء النحو والبلاغة- الصدارة في الكلام، ويظهر ذلك من خلال قولهم: «وإنما لزم تصديره لأنك لو أخرته تناقض كلامك، فلو قلت: جلس زيد أين؟ وخرج محمد متى؟ جعلت كلامك جملة خبرية، ثم نقضت الخبر بالاستفهام، فلذلك وجب أن تقدم الاستفهام(..»)[21].
ويحمل هذا الأسلوب معاني دلالية مختلفة أهمها: «تحويل تركيب إخباري إلى استفسار باستعمال أدوات خاصة، وتنغيم معين، أو الاكتفاء بالتنغيم أحيانا»[22]، والناظر في قصيدة الرحلة يجد أن من الأدوات الاستفهامية -القائمة مقام (أستفهم)- التي توسل بها الشاعر: الحروف مثل: (الهمزة) والأسماء نحو: (أين الظرفية) و(كم غير الظرفية) وكلها أدوات أدت وظائف مختلفة تعكس قصد المتكلم، فعن الهمزة، وهي عند النحاة «أم باب الاستفهام، أو الأداة الأصلية في الاستفهام»[23] نجد قول الشاعر معبرا عن حال التي زارها أثناء رحلته بقوله:
فَقَالَتْ مَا سُؤَالَك بَعْد عِلْمٍ
ألَمْ تَرَهُم جَمِيعًا تَحْتَ طَيِّ
ثم قال في موضع آخر مشيرا إلى الحالة التي صارت عليها مدينة سوسة:
ألَمْ تَرَنِي وَحِيدًا مِنْ أنَاسِي
كَمَا عَطِّلَتْ كِعَاب مِن حُليِّ
ويجد المتأمل في هذه الأبيات أن الهمزة دخلت على حرف نفي (لم) بل تقدمته، ليكون جوابها إثباتا(بلى) ونفيا (نعم)، يقول سيبويه(ت180ه) وابن هشام(ت761ه) وغيرهما من النحويين: «ولأصالتها خصت بأحكام: تمام التصدير على حروف العطف(الفاء) و(الواو) و(ثم)تنبيها وتحقيقا لأصالتها بوقوعها صدر الجملة، ومنها دخولها على الإثبات والنفي»[24] والشرط والتوكيد، كما يطلب بها تعيين أحد أمرين وذلك بالإتيان ب(لم) المتصلة، والهمزة الاستفهامية-كما هو معلوم-حرف مشترك تدخل على الأسماء والأفعال لطلب التصديق؛ أي يكون جوابها ب(نعم) أو(لا) ومثال دخولها على الفعل قول العبدري في عجز هذا البيت الشعري:
وَقُلْ أَيْنَ الأحِبَّة لَيْتَ شِعْرِي
أَيَخْفِي التُرْبُ أَقْمَارَ السَّمِيِّ
والناظر في عجز هذا البيت الشعري يجد؛ أن الهمزة قد أفادت معنى بلاغي يمكن استنباطه من خلال سياق كلام المخاطِب، وهذا المعنى يتجلى في الإنكار الذي عبر عنه الشاعر بقوله: (أيخفي الترب أقمار السمي) أي إن مثل هذه الأقمار لا ينبغي للترب إخفاؤها، هذا وقد تؤدي الهمزة معاني بلاغية أخرى مثل: التسوية والتهكم والاستبطاء وغيرها.
أما عن شواهد الاستفهام بالأسماء الظرفية -(أين) خاصة- نجد قول العبدري في مواضع مختلفة من قصيدته ما يلي:
وَسَلْ إِسْكَنْدَرِيَّـــة أَيْـــــــنَ وَلّى
وَسَلْ عَنْ سَاكِــــــنِ اسْكَنْــــــــدَرِيِّ
ثم قال العبدري متسائلا عن موضع أوس وأخيه:
فَقُلْت لَهَا فَدَيْتُكِ أَيْنَ أوْسٌ
وَأَيْنَ أَخُوهُ مُعْتَنِقَ الكَمِيِّ
جاءت صيغة الاستفهام(أين) في الشواهد التي سقناها، والتي استفهم بها العبدري عن مكان الإسكندرية، وعن مكان الأحبة، ليستفهم بها للسؤال عن المكان[25]، كما إنها جاءت لتؤدي معنى(حيث) كقول السائل في المثال الأول: (أين ولى؟) أي (حيث ولى) في حين يحضر الاستفهام بشكل ملفت خاصة بالاسم غير الظرفي(كم) التي يؤتى بها للكناية عن العدد المبهم، وتتصل بقليله وكثيره، ومن خصائها أيضا دخول حرف الجر عليها نحو قولك: (بكم ثمن هذا الكتاب) والناظر في قصيدة الرحلة يجد أنها تضمنت تسعة شواهد لهذه الصيغة الاستفهامية نحو قول الشاعر:
سَألْتُ عَنِ الأَوْلى هَامُوا إِلَيْهَا
فَكَمْ بَرَّ بِها مِنْهُم حَفِيِّ
ثم قال في موضع آخر:
وَســـــَل أمَّ القِفَـــــار بِمَن طَوَتْهُ
فَكَــــم مـــِن فَاضِـــلٍ فِيهُم رَضيَّ
وَكَمْ حَلَّت قِوَى مَنْ حَلَّ فِيهَا
وكَـــــــمْ حَالَتْ حُلَى وَجْهٍ وَضِــيِّ
والملاحظ في هذه الأبيات الشعرية التي سقناها أن صيغة كم الاستفهامية لم ترد في معنى الاستفهام الحقيقي الذي يكون من ورائه طلب معرفة شيء، وإنما جاءت لتفيد معاني أخرى بلاغية تفهم من سياق القول، ومن ثمة ف(كم)غير الظرفية أدت معنى الإخبار أولا، ثم التحسر ثانيا، فعن الإخبار نجد الشاعر قد توسل بها لخبرنا عن عدد المصائب التي حلت بعدد من الأماكن والمدن العربية التي زارها، ثم التحسر فقد عبر عن أسفه الشديد تجاه ما آلت إليه هذه الأماكن بفعل الزمن والهجر بعدما كانت مزارا لأهل العلم وحضنا للثقافة والفكر.
وتبقى لهذا الأسلوب قيمة جمالية وفنية يختص بها، ويخص بها النص الذي وردت فيه، فالاستفهام من الأساليب اللغوية والتعبيرية التي لا يخلو منها خطاب، إذ يجعل هذا الأخير-كيفما كان نوعه ومقصده-قوي الظهور حسن الدلالة والمعاني البلاغية، وذلك للتنوع الذي يعرفها هذا الأسلوب على مستوى صيغ التخاطب، ثم على مستوى الآليات التعبيرية التي يسعى من خلالها المستفهم إلى تحقيق التأثير والإقناع وذلك باعتماد طريقة متفردة في الصياغة والتركيب المراد إيصاله للمتلقي.
ويحضر الأسلوب البياني في قصيدة العبدري مؤديا دور الكشف عن جمالية النص الشعري، واستمالة قلوب المتلقين له بما ينطوي عليه من سمات وخصائص فنية وما يزخر به من صور بيانية من قبيل التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية وغيرها، وقد قال فيه القيرواني (ت 739ه) وغيره: هو «علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة، من تشبيه واستعارة ومجاز مرسل وكناية»[26] والمتمعن في قصيدة العبدري يجد؛ أن أسلوبي التشبيه والاستعارة قد أضفيا عليها لمسة جمالية فريدة استطاع من خلالهما تحقيق مبتغاه، وذلك بتصوير ما عاشه زمن رحلته المغربية تلك في قالب فني شعري منقطع النظير.
3- فنية أسلوب التشبيه:
يعرف علماء البلاغة أسلوب التشبيه -بداية- على أنه «صفة الشيء بما قاربه وشاكله، من جهة واحدة أو جهات كثيرة لا من جميع جهاته؛ لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه، ألا ترى أن قولهم «خد كالورد» إنما أرادوا حمرة أوراق الورد وطراوتها، لا ما سوى ذلك من صفرة وسطه وخضرة كمائمه»[27]، ويعتبر أسلوب التشبيه -أيضا- بمثابة «وسيلة إفصاحية وتعبيرية لدى الإنسان يزيد المدلول قوة كشفية»[28]، وهو ما توسل به الشاعر في عملية الوصف بذكر بعض خصائص الأماكن والمواقع التي زارها، ويظهر ذلك بجلاء من خلال قوله:
وَقَدْ أَهْدَى الكُسُوفُ إِلَى أًنَاسٍ.. تَرَاهُمْ كَالبُدُورِ لِذِي نَدِيِّ
ويرى الناظر في هذا البيت الشعري أن الشاعر قد شبه بعض الناس بالبدر في الاكتمال والنور، ليكون التشبيه تام الأركان، من مشبه، ومشبه به، وأداة التشبيه(الكاف) ثم وجه الشبه، وهو ما يظهر بجلاء-أيضا-في الشواهد الشعرية الأخرى، فقد صور العبدري حالة بلاد السوس بعد هجران أهلها لها بقوله:
أَلَمْ تَرَنِي وَحِيدًا منْ أُنَاسِي
كَمَا عُطِّلَت كِعَابٌ مِنْ حَليِّ
ويظهر أسلوب التشبيه في موضع آخر بصورة بلاغية أخرى تعكس بعض صفات بلاد تونس العربية، وفي ذلك يقول الشاعر:
وَلَما جِئْتُ تُونُسَ وَهِيَ خَوْدٌ
زَهَتْ بِجَمَالِهَا وَبِحُسْنِ زَيِّ
وفي هذا البيت الشعري-أيضا-يظهر أن أركان التشبيه حاضرة ما عدا أداة التشبيه التي حذفت، وهذا تشبيه مؤكد يعتبره رواد البلاغة العربية من «أوجز وأبلغ، وأشد وقعا في النفس، أما أنه أوجز فلحذف أداته، وأما أنه أبلغ فلإيهامه أن المشبه عين مشبه به»[29]، ومن شواهد هذا الأسلوب قول الشاعر معبرا عن التحول الذي قد يطرأ على كل شيء ضخم حتى يصير مثل النضي:
وَكَمْ ضَخْمٍ يَمُوجُ مِنْ امْتِلَاءٍ
غَدَا نِضْوًا بِهَا مِثْلَ النَّضِيِّ
وتختلف أداة التشبيه في هذا المثال عن سابقتها، لكن تتشابه معها في تأدية الوظيفة البلاغية، فأدوات التشبيه عموما «هي ألفاظ تدل على معنى المشابهة، كالكاف، وكأن ومثل، وشبه، وغيرها، مما يؤدي معنى التشبيه (كالمضاهاة والمحاكاة، والمشابهة والمماثلة»)[30] وتحضر أداة التشبيه(مثل) في البيت الشعري أعلاه والأصل فيها أنها من «الأسماء المضافة لما بعدها يليها المشبه به لفظا أو تقديرا»[31].
4- فنية أسلوب الاستعارة:
يدخل أسلوب الاستعارة ضمن قائمة المكونات البلاغية البيانية، إذ فيه يقول ابن قتيبة (ت 276ه): «فالعرب تستعير الكلمة فتضعها مكان الكلمة إذا كان المسمى بها بسبب من الأخرى، أو مجاورا لها، أو مشاكلا»[32]، وفي معناها العام هي تشبيه حذف أحد طرفيه؛ مشبه(مستعار له) أو مشبه به(مستعار منه) أو كما قال القاضي الجرجاني (ت 392ه): «الاستعارة ما اكتفي فيه بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها، وملاكها تقريب الشبه، ومناسبة المستعار للمستعار منه، وامتزاج اللفظ بالمعنى حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر»[33].
وتحضر في شعر العبدري أمثلة للاستعارة المكنية التي تعد-على حد تعبير-الصولي(ت336ه): من «أجَل الاستعارات وأحسنها و[أن] كلام العرب جار عليها»[34]، لأنها تسهم في منح كل ما هو معنوي أو مادي صفات حسية، والناظر في متن قصيدة الرحلة يلحظ هيمنة طابع التجسيم والتشخيص، فالشاعر ينتقل بالماديات من معنوية إلى حسية من خلال رسمه لصور نفسية لعدد من الأماكن التي زارها أثناء رحلته المغربية، نحو قوله مصورا حالة بلاد حَاحَة:
فَقالَت خَلَّفُونِي ذَاتَ شَجْوٍ
أَبْكِي بِالغَدَاةِ وَبِالعَشِيِّ
أسند الشاعر في هذا الشاهد الشعري صفات إنسانية محسوسة مثل: (الشجو) و(البكاء) إلى مكان معنوي مادي ألا وهو بلاد(حاحة) لتكون الاستعارة مكنية حذف فيها المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه، ومن هذا ما جاء على لسان الشاعر في مواضع أخرى نحو قوله:
وَطُفْتُ بِــــــلَادهُ أَرْضًـا فَأَرْضًــا
تُخْبِــــــــرُنِي بِمَــــــــــوْتِهِم الوَجِــــــــــــــيِّ
وَوَافَيْنَــــــا تلِمْسَانَــــــا فَأَبْــــــــــدَتْ
عَلَـــــى أَهْــلِ مَضْو شَجْوَ النَّعِيِّ
ويظهر في كل هذه الشواهد الشعرية تجسيم انتقل به الشاعر-عن طريق اللغة-مما هو مادي معنوي إلى ما هو حسي مدرك، وذلك لكون الحواس «أفضل بكثير من ذلك الذي يعلم بالفكرة والقوة والاستحكام وبلوغ الثقة، فضلا عن أنه أسبق إلى النفس»[35].
حظي إذن أسلوب الاستعارة عامة-والمكنية خاصة-بمكانة كبيرة في مضمون قصيدة الرحلة، ومرد ذلك راجع بالأساس إلى كون هذا الأسلوب البلاغي -في نظر الشاعر- أكثر تجسيما وتشخيصا للمعاني، وأكثر طواعية في نقل الجمادات أو الأمور المجردة -من أمكنة وأزمنة وأشياء- من حالة ثابتة إلى حالة مفعمة بالحياة عن طريق سلك سبيل اللغة الدلالية والانتقال بها إلى لغة إيحائية توهم بواقعية الأشياء الموصوفة، وذلك من خلال اعتماده معجما يجعل من الوصف مطابقا للواقع.
وعموما؛ تبقى الغاية من اعتماد الأسلوب الفني البياني -تشبيها واستعارة وغيرهما- هو المبالغة في الوصف الذي يضفي على الموصوف صورة أكثر اتضاحا وبيانا، كما يمكن اعتبار هذا الأسلوب وسيلة فنية عبر بها الشاعر عن الأشياء والأماكن، من خلال رسمه لمعالم المدن العربية بطريقة لغوية تركيبية نزح فيها إلى نمط التوليف والتواشج بين الصور التشبيهية والصور الاستعارية التي تقرب المتلقي من المشهد بطريقة تخيلية.
المبحث الثالث: الأسلوب الصوتي في قصيدة الرحلة
يعد مكونا؛ وذلك لما يحمله من على حد سواء، ومن ثمة يعتبر الأسلوب الصوتي عنصرا أساسيا في البناء النصي لكل قصيدة شعرية، ولقصيدة الرحلة على وجه التحديد، فهو جانب يبرز الطابع الموسيقي والجمالي والفني الذي تمتاز به القصيدة، شأنه في ذلك شأن باقي الأساليب الفنية التصويرية واللغوية التي طبعت القصيدة موضوع الدراسة.
ونشير في هذا الصدد إلى الدراسات-القديمة منها والحديثة-المهتمة بالشعر أكدت على أنه: «تسليط نظام إيقاعي على نظام لغوي»[36]. أما عن النظام الإيقاعي الذي سلكه الشاعر فلا يختلف كبير اختلاف عن نظام باقي الشعراء الذين اتبعوا نهج الخليل في العروض والقوافي، ولا عن الضوابط التي وضعها نقاد هذا المجال، فكان الإيقاع عندهم: «جرس التفعيلة المسموع أو المحسوس به، والمختلف من بحر إلى آخر، ذلك أن الإيقاع في الشعر تمثله التفعيلة في البحر العربي»[37]، وقد اتفق أهل العروض، يقول ابن فارس (ت 395ه): «على أنه لا فرق بين صناعة العروض، وصناعة الإيقاع، إلا أن صناعة الإيقاع تقسم الزمن بالنغم، وصناعة العروض تقسم الزمن بالحروف المسموعة»[38].
يمكن القول إذن، أن البنية الإيقاعية في النص الشعري عامة-وفي قصيدة الرحلة خاصة-عبارة عن نشاطات نفسية تتشكل وفق أسس محددة، يمكن إجمالها في عنصرين هامين هما: الإيقاع الخارجي، والإيقاع الداخلي، ينضوي تحتهما عناصر جزئية أخرى تكمل بعضها البعض صوتيا، وكل تلك العناصر الإيقاعية الفنية-العام منها والخاص-يمكنها أن تجمع بين عنصري الحركة والتنظيم أولا-وتلك غايتها التعبير-وثانيا: يمكنها إحداث الجمال والنغم والجرس الموسيقي المفضي إلى الفهم والتأثير على أذن السامع، يقول ابن طباطبا (ت 322ه): «وللشعر الموزون إيقاع يطرب الفهم لصوابه وما يرد عليه من حسن تركيبه واعتدال أجزائه، فإذا اجتمع للفهم مع صحة وزن الشعر صحة وزن المعنى وعذوبة اللفظ فصفا مسموعه ومعقوله من الكدر تم قبوله له»[39]1- فنية الإيقاع الخارجي:
نشير-بداية-إلى أن من مؤشرات الإيقاع الخارجي في كل قصيدة شعرية الوزن والتفعيلات العروضية وما يتخللها من زحافات وعلل، ثم بعد ذلك القافية؛ وهي ذات دلالات كبيرة من حيث التوظيف، وذلك راجع إلى حركة حرف الروي لأنه يعتبر العنصر المتحكم فيها، كما يعتبر الجزء الأساس في القالب الشعري الذي يعكس حركة النفس الشعورية لدى كل شاعر بكل انفعالاتها الوجدانية والعاطفية.
وقد عُد الوزن من «أعظم أركان الشعر وأولها خصوصية»[40] إذ إن وظيفته-على تعدده واختلافه-تكمن في تنسيق الصوت الإيقاعي وجعله منسجما، فضلا عن تنبيه المتلقي لاستقبال تفعيلات ذات نغمات مختلفة تستدعي السمع والذوق المرهفين، ومن وظائفه أيضا رونقة الكلام وجعله في أبهى حلة وجمال.
وبالنظر إلى قصيدة العبدري التي جاءت على شكل ملخص عام لتفاصيل رحلته إلى بلدان المغرب العربي، والتي ضمت ما يفوق المائة بيت شعري، كلها بُنِيَّت وفق وزن بحر الوافر الذي يرجع سبب تسميته إلى «وفرة حركاته، فليس في البحور أكثر حركات منه، ووفرة حركات أجزائه، فليس في الأجزاء أكثر من مفاعلتن، ثم وفرة أجزائه»[41]، ليكون بذلك من أهم الأوزان التي نظر لها الخليل بن أحمد الفراهيدي(ت170ه).
ويجد المتمعن في أبيات القصيدة الشعرية أن بعض تفعيلاتها طرأت عليها بعض التغيرات التي تصنف ضمن خانة الزحافات والعلل، وهو ما تبينه الشواهد الشعرية الآتية:
| لِسَانُ الحَالِ أَبْلَغُ مِنْ بَلِيغٍ.. وَفِي ذِي الجَهْلِ أَعْيَ مِنْ عَيِيِّ |
| لِسَانُ لحَالِ أَبْلَغُ مِنْ بَلِيغن.. وَفِي ذِي لجَهْلِ أَعْيَ مِنْ عَيِيي |
| //0/ 0/0]/ /0// / 0] / /0/0…//0 /0/0] / /0//0] //0/0 |
| مفاعلْتُن – مَفاعلتنْ – مفاعل -… مُفاعَلْتُن – مفاعلن – مَفَاعِلْ |
نلمس من خلال هذا المثال أن بحر الوافر جاء تاما، وذلك لكونه سداسي التفاعيل: (مفاعلتن/مفاعلتن/ مفاعلتن) في الصدر ومثلها في العجز، لكن الملاحظ أن بعض تفاعيل حشوه في صدر البيت الشعري أصابها زحاف العصب أي تسكين الحرف الخامس المتحرك، وعليه فقد تحولت من(مُفَاعَلتُن) إلى(مفاعَلْتُن)، أما في عجزه فقد أصاب بعض تفعيلات الحشو زحاف الوقص أي حذف الحرف الثاني المتحرك بتغير(مفاعلن)مكان(مفاعلتن)، أما بالنظر إلى عروضة وضرب البيت الشعري فقد أصابهما زحاف النقص بإسكان الحرف الخامس وحذف الحرفين السادس والسابع فصارت(مفاعل) بدل (مفاعلتن) ويسمى هذا بالزحاف المزدوج أو المركب الذي يصيب حرفين.
ويتابع العبدري نظم باقي أبياته الشعرية وفق تفعيلات عروضية تعرضت لزحافات وعلل مختلفة-قد تكون بالزيادة أو بالنقص-اقتضتها الضرورة الشعرية من جهة-إذ يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره-كما اقتضتها ازداوجية الهدوء والسرعة النفسيين من جهة ثانية، وفي ذلك أبعاد دلالية تعكس التغيرات الطارئة على نفسية الشاعر بحسب تأثره بالأمكنة وما تعرضت له من تحولات جمة بعدما عمها السكون، ليكون العبدري بذلك قد استطاع توظيف تقنيات عالية في التعبير عن الحالات الشعورية المختلفة التي عكست انسجامه مع ذاته ومع الموضوع زمن إنتاجه لهذا العمل الإبداعي الشعري.
وتتكامل العلاقة الجامعة بين الوزن والقافية لينتج عن ذلك تكامل على مستوى البناء والمعاني والدلالات وباقي العناصر الصوتية التي يمتاز بها كل نص شعري، فالقافية «أوضح في السمع وأشد أسرا للأذن لأن الروي فيها يعتمد على حركة بعده، وقد تستطيل في الإنشاد وتشبه حينئذ حرف مد»[42]، وهي عند أهل العروض: «جزء إيقاعي متمم للوزن ومساهم في ضبط نهاية الأبيات»[43]، وفيها المقيد (بروي ساكن)، والمطلق (بروي متحرك)، وهو ما ميز قصيدة الرحلة التي جاءت بروي متحرك: (حرف الياء) وقافية مطلقة تعكس المجال الواسع الذي مر منه الشاعر بدليل قوله: (مسحت الأرض غربا ثم شرقا).
ولجأ العبدري في قصيدته إلى اعتماد قافية متواترة (/0/0) وهو نوع يأتي عادة عندما يكون بين ساكني القافية حركة واحدة، أما مكوناتها فنجد: حرف الروي(الياء) المتحركة، ثم حرف الوصل المتصل بالروي(ننديي/يْ) وحرف الخروج وهو: حرف مد وقع قبل الروي مباشرة يمكن أن يأتي ياء، أو واوا، أو ألفا، وكلها عناصر إيقاعية تحدث رخاوة ونغما صوتيا، وجرسا موسيقيا فإن صحت في النص الشعري «استقامت جريته، وحسنت مواقفه، ونهايته»[44]2- فنية الإيقاع الداخلي:
لا يقوم أساس النظام الصوتي الموسيقي في النص الشعري على مكونات عروضية مخصوصة كالوزن والقافية والروي، بل هناك أسس أخرى تشكل نسيج القصيدة تدرك بالتأمل، كما تعد مصدرا للفنية والجمال والجرس، هذه الأسس يمكن أن تقوم على مجموعة من الظواهر اللغوية التي تجري مجرى الأسلوب الفني والبلاغي، ومجرى الأسلوب الإيقاعي الصوتي.
ويعتبر الإيقاع الداخلي الحاضن لكل هذه العناصر الجرسية التأثيرية، وما تتضمنه من أصوات وكلمات وجمل وتراكيب، تقول رجاء عيد في هذا الصدد: «هناك الموسيقى الداخلية من تناغم الحروف، وائتلافها، وتقديم الكلمات على بعض، واستعمال أدوات اللغة الثانوية بوسيلة خاصة، وغير ذلك مما يهيئ جرسا نفسيا خاصا يكاد يعلو على الوزن العروضي ويفوقه»[45].
وتوسل الشاعر محمد العبدري في قصيدة الرحلة بعدد من الأسس الإيقاعية الداخلية، من قبيل: أسلوب التكرار وبعض من أساليب البديعي اللفظية منها والمعنوية، ونحو ذلك من الأسس التي تحمل في كنهها جرسا صوتيا لا يخلو من تأثيرات موسيقية.
أ- فنية أسلوب التكرار:
يعرف أسلوب التكرار على أنه «الإتيان بعناصر مماثلة في مواضع مختلفة من العمل الفني، والتكرار هو أساس الإيقاع بجميع صوره»[46]، وقد ورد هذا الأسلوب في قصيدة الرحلة بشكل لافت، حاملا دلالات مختلفة أهمها: التقرير، والتأكيد، والتنبيه، إلى جانب التعظيم، والتشويق، والاستغاثة، والتهويل ونحو ذلك، ويمكن إبراز أسلوب التكرار في النص الشعري قيد الدراسة من خلال ما يأتي:
– تكرار الأصوات:
تنقسم الأصوات إلى صوائت وصوامت، أما الصوائت فهي حركات معروفة، ومن هذه الحركات ما يأتي قصيرا: (الكسرة والضمة والفتحة..)، ومنها ما يأتي طويلا: (تنوين الضم، والفتح، والكسر)، وفي مجملها تمتاز بالوضوح والجهر، كما تأتي «خالية من الضجيج، وكلها مجهورة غير مهموسة، فهي تمر دون أن ينحبس النفس مما يؤدي إلى سهولة نطقها، وسهولة في انتقالها إلى السمع(..)بل هي أشد وضوحا في السمع من الأصوات الصامتة»[47].
والناظر في القصيدة-أنموذج هذه الورقة البحثية-يجد أن الصوائت القصيرة قد عمت مختلف أبياتها، أما عن تكرار الصوائت الطويلة (حروف المد) في شعر العبدري -باعتبارها من الأسس الإيقاعية- فإنها ترد بحسب حركة ما قبلها، والظاهر أن صوت(الألف) وصوت (الياء) هما المهيمنان في النص الشعري على عكس صوت(الواو)، نحو قول الشاعر على سبيل المثال:
فَمُعْظَمُ دِينِنَا نصْحُ البَرَايَا
كَذَاكَ أَتَى الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ
وقوله في موضع آخر:
أَلَمْ تَرَنِي وَحِيدًا مِنْ أُنَاسِي
كَمَــا عُطِّلَــتْ كِعَابُ مِنْ حَلِيِّ
وكلها أمثلة -وغيرها- تتناسب والبنية الإيقاعية والصوتية للقصيدة، كما تبرز مواطن التأكيد والتشويق والتنبيه والاستغاثة التي تعتبر من مقاصد الشاعر، هذا فضلا عن كونها «تمنح المتلقي إدراكات أخرى أعمق وأكمل»[48].
وتحضر في القصيدة-الأنموذج-أصوات قصيرة يطلق عليها لفظ الصوامت (الحروف الساكنة)، وهي ثمانية وعشرون صوتا في العربية، وتعرف أيضا بالألفبائية، كما أنها «تتصف بصفات الشدة والرخاوة والليونة والسائلة والأنفية»[49]. ومن أمثلة هذه الصوامت التي تضمنتها قصيدة الرحلة نجد: حرف (الياء) باعتباره رويا للقصيدة، وهو صوت مجهور لين يتميز بمخرجه الذي يتسع لانسياب الهواء بشكل بارز حين النطق به[50]، ويشترك معه في ذلك حرف (الميم) أيضا.
ومن الأحرف التي تم تكرارها أيضا نجد: (اللام) و(الراء) وهي صوامت سائلة «فحرف اللام يعرف بأنه يتميز بانحراف اللسان نحو الأسنان عند التلفظ به، فعرف بالمنحرف، وحرف الراء يتميز بتموج اللسان أثناء ملامسته مقدمة اللثة بذلك عرف بالمكرّر»[51]، وقد تكرر في القصيدة -أيضا- أصوات أنفية وهي: (الميم) و(النون) وهناك أصوات شديدة مثل: (الباء، التاء، القاف..) وأصوات رخوة نحو: (الشين، السين، الحاء، الخاء، الهاء..)، ومعظم ما ذكر-من الأصوات-في الأخير يأتي مهموسا.
– تكرار الألفاظ:
ويظهر هذا الضرب من التكرار في الشعر العربي بجلاء؛ مؤديا دورا هاما في الانسجام النصي والتشكيل الإيقاعي والموسيقي، الذي يعكس التجربة الشعرية لدى محمد العبدرى، والناظر في شعره يجد أن تكرار الألفاظ من كلمات ومرادفات وصيغ اشتقاقية وغيرها، يجدها حاضرة بقوة، تماشيا مع الأسلوب الفني الذي سلكه وتفرد به لأن الأسلوب -كما يقال- «هبة الكاتب للسماء على الأرض، فاللغة عامة أو مشتركة، والأسلوب خاص أو متفرد»[52].
وبعودتنا لمضمون القصيدة نجد أن من الألفاظ التي تم تكرارها -بشكل كبير- ما يلي:
| اللفظ | عدد المرات التي تكرر فيها | أرقام الأبيات الشعرية |
| نصح (ومشتقاته) | 7 مرات | 1/2/3/6/25/103/105 |
| الأرض | 5 مرات | 7/10/17/ 68/93 |
| جاء (ومشتقاته) | 8مرات | 15/24/ 30/33/65/71/79 |
| القفر(ومشتقاته) | 5 مرات | 33/37/ 49/88/89 |
| قال(ومشتقاته) | 18 مرات | 8/ 12/15/20/22/26/32/35/38/ 41/55/58/59/66/67/72/103/105 |
| سأل (ومشتقاته) | 29 مرة | 7/8/9/11/15/20/21/23/31/34/46/47/48 49/53/63/64/67/71/73/76/99 |
| كم (الخبرية) | 7 مرات | 31/39/42/45/50/51/52 |
والظاهر من خلال هذا الجرد والإحصاء العددي أن الألفاظ التي تم تكرارها في القصيدة الشعرية تشكل مضمون القصيدة من بدايتها إلى نهايتها، فقد قدم النصح في بداية النص، ثم انتقل لتفاصيل لرحلته التي عمت الأرض العربية، والتي صورها على شكل حوار تقريري تصويري مشيرا إلى تأسفه -بعد سؤاله- عن كثير من البلدان التي صارت خرابا وقفارا بعدما كانت تزهو بالثقافة والعمران وغيرهما.
ب- فنية الأساليب البديعية:
تحمل الأساليب البديعية-مجتمعة-ألوانا جمالية وجرسية موسيقية تتصل بالألفاظ والمعاني، ووردت بعض هذه الأساليب بشكل جلي في قصيدة الرحلة، من أسلوب الجناس الذي عرف على أنه «عبارة عن تشابه اللفظتين في النطق مع اختلافهما في المعنى، وهو إما تام إن اتفق اللفظان في عدد الحروف ونوعها وشكلها وترتيبها، وإما غير تام إن اختلف اللفظان في واحد من هذه الأربعة»[53] ومن شواهده في النص الشعري قيد الدراسة نجد قول العبدري في أول بيت شعري:
عَلَيْكَ النُّصْحُ رُدَّهُ بِكُلِّ حَيِّ
وَإِنْ أَلْفَيْتَ وَارِدَهُ فَحَيِّ
ففي هذا المثال جناس تام مستوفى وقع بين كلمتين مختلفتين من حيث النوع، اسم(حَيٌّ) الدال على المكان وفعل(حَيِّ) فعل أمر بمعنى ألق التحية، وتظهر أمثلة أخرى-على هذه الشاكلة-في مواضع أخرى كثيرة من القصيدة مثل (تملُّ) و(مَيْلَةَ) في البيت 25 ولفظتي (بُونَةٌ) و(أَبانَ) في البيت (27) بالإضافة إلى حصوله بين فعل (برقَ) واسم(برقةٌ) في البيت (45) وفي البيت الشعري (50) يظهر التجانس بين لفظتي(حالَ) و(حلي)، وبين فعل (دارَ) واسم(دارٌ)، وبين (كسر) و(كِسْرى) في البيت الشعري (77) وغير ذلك كثير.
ويظهر في النص الشعري نوع آخر من الجناس يسمى بالجناس الاشتقاقي وهو أسلوب صوتي يأتي عندما «توافق اللفظتان في الحروف الأصلية مع الترتيب والاتفاق في الأصل والمعنى»[54]، ومن الشواهد التي تدل عليه في القصيدة موضوع الدراسة قول الشاعر مثلا:
لِسَانُ الحَالِ أَبْلَغُ مِنْ بَلِيغٍ
ذوَفِي ذِي الجَهْلِ أَعْيَ مِنْ عَيِّ
وقع الجناس الاشتقاقي في صدر البيت الشعري بين لفظة(أبلغ) على وزن أفعل، ولفظة (بليغ) على وزن فعيل وهي صفة مشبهة، ومثل ذلك في(أعي) و(عيِّ) في عجز البيت، وهو ما يتجلى في مواضع أخرى، وبين ألفاظ أخرى نحو:(صافحت) التي تجانس كلمة(التصفح) في البيت (10) وكلمة(أباحت) التي تجانس كلمة (البوائح) في البيت (29).
وعليه؛ فالتجانس الحاصل بين ألفاظ القصيدة الشعري للعبدري قد أحدث نغما موسيقيا، كما إنه قد أحدث انسجاما على مستوى المعاني ورنة صوتية على مستوى الألفاظ، وهذا يعد «من أسرار الجمال الصوتي والوزني، فيثير فينا نشوة الحدس، ويدفع بالذهن إلى الانتباه والتفريق بين اللفظتين(..) وإيجاد التقارب بين المعنيين»[55].
وتوسل الشاعر بأسلوب الاقتباس كمحسِّنٍ بديعي لفظي هام في التأثير، إذ يمكن لكل كلام -نظما كان أو نثرا- أن «يتضمن شيئا من القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف تزيينا لنظامه وتفخيما لشأنه لا على أنه منه بأن يقال فيه (قال تعالى) أو (قال النبي صل الله عليه وسلم) ونحوه، فإن ذلك حينئذ لا يكون اقتباسا»[56] ومن شواهد ما اقتبسه العبدري- من القرآن الكريم خاصة- قوله في البيت الثاني عشر من القصيدة:
فَقَالَتْ خَلَّفُونِي ذَاتَ شَجْوٍ
أَبْكِي بِالغَدَاةِ وبِالعَشِيِّ
والناظر بإمعان في هذا الشاهد الشعري يجد أن كلمتي: (الغداة والعشي) الواردتين في عجز البيت قد اقتبسهما الشاعر من قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾[57] فالغداة تدل على أول النهار. أما العشي فتأخذ من وقت الزوال إلى الصباح، وقصد بهما المخاطب -عموما- «استيعاب الزمان والأيام كما يقصد بالمشرق والمغرب استيعاب الأمكنة»[58].
ويحضر إلى جانب الاقتباس أسلوب التضمين، في أبيات شعرية مختلفة من شعر العبدري حيث ضمنه كلاما من مشهور الشعر ومشهور النثر ومنه الأمثال العربية خاصة، ومن تجليات تضمين هذه الأمثال التي تعتبر «قصارى فصاحة العرب العرباء وجوامع كلامها ونوادر حِكَمها، وبيضة منطقها، وزبدة حوارها وبلاغتها التي أعربت بها عن القرائح السليمة»[59] من تجلياتها نجد قول العبدري في قصيدته:
وَقَالَتْ لِي بْجَايَة أَنْتَ خُلْوٌ
فَيَا وَيْحَ الشَّجِيِّ مِنَ الخَلِيِّ
والناظر في عجُز البيت الشعري يجده مثلا عربيا قد وردت قصته في مجمع الأمثال إذ إن امرأة كانت في زمن لقمان بن عاد تخون زوجها المسمى بالشَّجِي، مع خليلها الذي يدعى الْخَلِيُّ «ولمَّ سمع لقمان ذلك قال: ويل للشَّجِيِّ من الخلي»[60].
أما عن شواهد تضمين الشعر العربي فقد تنوعت بتنوع مشارب الشعراء، ومن ذلك ما قاله الشاعر العبدري في قصيدته:
يَشُقُّ القَفْرَ أَهْدَى مِنْ قُطَاةٍ
وَلَيْلُ النَّقْعِ أَجْرَى مِنْ كَمِيِّ
فعبارة (ليل النقع) الدالة على غبار الحرب مأخوذة من شعر بشار بن برد (ت 168ه) في قوله [من بحر الطويل][61]:
كَأَنَّ مُثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ
وَأَسْيَافُنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُه
وفي صدر هذا البيت الشعري ترد عبارة (يمشي الهُوَّيْنَا) وهي مأخوذة من قول الشاعر الأعشى الأكبر أحد شعراء المعلقات:
غراء، فرعاء، مصقول عوارضها
تمشي الهوينا كما يمشي الوجل الوحل[62] وترد المحسنات الصوتية التي لها ارتباط بما هو معنوي في النص الشعري-أنموذج الدراسة-بشكل طفيف اللهم أسلوب الطباق الذي يحضر بقوة في القصيدة نظرا للتباين الذي عبر عنه الشاعر بشأن التحولات التي عرفتها المدن والبلدان العربية، والطباق في معود علماء البلاغة هو: «الجمع بين متضادين أي معنيين متقابلين في الجملة(..)أو فعلين(..) أو حرفين»[63]، ومن جملة الشواهد التي أوردها العبدري قوله:
وَشَـــــــــأْنُ الــــــدَّهْرِ حِــــــــــــــلٌّ وارْتِحَـــــــالٌ
وَبَطْــــــشٌ بِالعَـــدُوِّ وَبِالوَلِيِّ
وَكَــــــــــــمْ أعْـــــــدى الضَعِيف عَلَى قَوِيٍّ
مدِل وَالفَقِيرِ عَلَى غَنِيِّ
ويظهر الطباق في البيت الشعري الأول بين لفظتي(حِلٌّ) و(ارتحال)، ثم بين بين لفظتي(العدو) و(الولي)، كما يظهر في البيت الموالي بين(الضعيف) و(القوي)، ثم بين(الفقير) و(الغني) شأن ذلك شأن الشواهد الأخرى المتبقية نحو: (الشرق) ضد(الغرب) في كل من البيت (7) والبيت (66)، ثم(المحل) و(الري) في البيت رقم (25)، ثم(البر) ضد (البحر) في البيت الشعري رقم (53)، وهناك تضاد واقع بين (مسلم) و(جاهل)، (ذكي) و(غبي) في البيت (76) وغير ذلك كثير، والمتأمل يجد أن الطباق بين الأسماء هو المهيمن، وعموما فإن لهذا الأسلوب الفني البديعي دور هام في انسجام موسيقى الشعر وإبراز قدرة الشاعر على الخيال ورسم الصورة بطريقة تركيبية تجذب انتباه المتلقي.
أدت إذن كل الأساليب البديعية التي توسل بها العبدري مهادا لغويا استند إليها في بناء نظمه الشعري ورصف أبياته دون تصنع أو تكلف، ليكون البديع ظاهرة صوتية إيقاعية لها أثرها الكبير في التأثير وجذب السامع وجعله يستمتع بلاغيا، ويستلذ معنويا بما جادت به قريحة الشاعر.
خاتمة:
ختاما فإن الأسلوب الفني في أدب الشعر العربي القديم جديرة بالاهتمام والمناقشة والوصف، وكل هذا لا يتأتى إلا بإزالة الحدود الفاصلة بين ما هو لغوي وما هو تراثي، دون إغفال خصوصية كل منهما، الشيء الذي يجعلنا نؤكد أن المحاولة الشعرية التي خلفها العبدري لها أثر كبير في إبراز جمالية الأسلوب، والقصيدة رغم صغر حجمها قد بدت لنا جديرة بالدراسة والتحليل، وذلك لأهمية موضوعها أولا، وثانيا: لأن صاحبها من كبار المبدعين الذين جمعوا بين أصناف الأدب نثره وشعره، وعليه يمكن أن نلخص نتائج هذه الدراسة في النقاط الآتية:
– إن قصيدة الرحلة لمحمد العبدري هي مشاركة أدبية تثير جملة من القضايا المتصلة بالأساليب الفنية التي لها ارتباط وثيق بمدى جودة النص الشعري، اعتمادا على خصائص بنائية تصويرية أولا، وخصائص لغوية البيانية ثانيا، وثالثا: خصائص ومميزات جرسية وموسيقية.
– إن العبدري قد مثل الأدباء المغاربة أحسن تمثيل حيث سار على دربهم دون التخلي عن مقاييس الشعر العربي القديم الذي يعد نظمه مصدرا أساسيا للبناء الفني والجمالي.
– أن العبدري لجأ إلى أسلوبي الوصف والحوار باعتبارهما أولا: بنى لغوية تواصلية مرتبطة بما هو واقعي، وباعتبارهما ثانيا: أساليب لا تخلو من أبعاد جمالية ودلالية تعبر عن أفكار وآراء وتصورات ومشارب فكرية وثقافية وسياسية، أسهمت-مجتمعة-في إبراز قدرات الرحالة الشاعر في نسج مادته الخطابية الشعرية التي جمعت بين ما هو ذاتي وبين ما هو وضوعي.
– أن أساليب الإنشاء الطلبي وغير الطلبي، قد أدت-مجتمعة-دورا هاما في جعل الخطاب الأدبي الشعري لدى محمد العبدري في وحدة منسجمة متماسكة تصبو إلى غايات مختلفة؛ يتجلى أهمها في إظهار براعة الرحالة الشاعر، وقدرته على تطويع الأساليب اللغوية التركيبية التي يصبو من خلالها إلى التأثير في جمهور المتلقين.
– أن توظيف أسلوبي التشبيه والاستعارة في قصيدة الرحلة؛ ملمح بلاغي فني موجِّه لمسار خطاب الشاعر الذي كان يصبو للكشف عن معالم المكان والأشخاص والأشياء.
– أن الموازنة الإيقاعية-بكل مكوناتها-أدت دورا هاما في بناء قصيدة الرحلة، يكمن في تأدية الغرض الصوتي وتحسينه وإبراز الذوق الموسيقي بشكل تصاعدي متناسق، ويمنح النغم الصوتي طاقة تأثيرية على المتلقي/ السامع، فضل عن توفير الانتشار الواسع للمعاني والدلالات التي تمنح للشاعر قوة تعبيرية ملائمة لغاياته المختلفة.
– أن لجوء الرحالة الشاعر إلى توظيف أساليب البديع -من جناس واقتباس وتضمين وطباق وتكرار-لجوءا قصديا، وآلية لغوية مكملة تمت الاستعانة بها من أجل إظهار المستوى البديعي الصوتي المميز لبنية النص الشعري، فضلا عن الإسهام في رصِّ كلمات قصيدة الرحلة، وجعلها منسجمة تركيبيا ودلاليا.
المصادر والمراجع:
– إبراهيم، نبيلة، فن القصة، في النظرية والتطبيق، دار قباء، د. ط، د. ت.
– ابن رشيق، القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تح: محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، ط5، 1401ه/ 1981م.
– ابن الشجري، ضياء الدين، أمالي ابن الشجري، تح: محمود محمد الطناحي، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط1، 1413ه/ 1991م.
– ابن طباطبا، العلوي، عيار الشعر، تح: عبد العزيز بن ناصر المانع، مكتبة الخانجي، القاهرة، د. ط، د. ت.
– ابن عاشور، الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر والتوزيع، تونس، د. ط، 1984م.
– ابن عاشور، الطاهر، ديوان بشار بن برد، وزارة الثقافة، الجزائر، 2007م.
– ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، تح: عبد السلام هارون، دار الفكر، 1399ه/ 1979م.
– ابن قتيبة، أبو محمد، تأويل مشكل القرآن، تح: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د. ط، د. ت.
– أبو موسى، محمد محمد، خصائص التركيب، دراسة متخصصة في مسائل علم المعاني، مكتبة وهبة، القاهرة، ط4، 1416ه/ 1996م.
– أرسطو، طاليس، الخطابة، تح: عبد الرحمان بدوي، بيروت، 1975م.
– الأنصاري، ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تح: مازن المبارك، ومحمد علي حمد الله، مؤسسة الصادق، طهران، ط1، 1378ه.
– الأوسي، قيس، أساليب الطلب عن النحويين والبلاغيين، بيت الحكمة، بغداد، 1988م.
– جبور، عبد النور، المعجم اللغوي، دار العلم للملايين، بيروت، 1984م.
– جرس، جرس، علم الألسنية الحديث، الاتجاهات والمبادئ والفروع، الجامعة اللبنانية، بيروت، ط1، 2001م.
– الجرجاني، عبد العزيز، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم ومحمد البجاوي، مطبعة عيسى البابي حلبي وشركاؤه، د. ط، د. ت.
– الجرجاني، عبد القاهر، أسرار البلاغة، تح: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، د. ط، د. ت.
– الجندي، علي، فن الجناس، دار الفكر العربي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1904م.
– الحمداني، حميد، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، ط3، 2000م.
– الرافعي، مصطفى صادق، تاريخ آداب العرب، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط2، 1974م.
– رحماني، أحمد، النقد التطبيقي الجمالي في القرن الرابع، عالم الكتب الحديثة، اربد، 2007م.
– الزوزني، الحسين بن أحمد، شرح المعلقات العشر، دار مكتبة الحياة للطباعة والنشر، 1983م.
– سلوم، تامر، نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، دار الحوار، سوريا، ط1، 1983م.
– السندوبي، حسن، شرح ديوان امرؤ القيس، دار إحياء العلوم، بيروت، ط1، 1410ه/ 1990م.
– سيبويه، الكتاب، تح: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 1408ه/ 1988م.
– السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1394ه/ 1974م.
– شريف، سمير، الشرط والاستفهام في أساليب العربية، د. ط، 2000م.
– صابر، عبد الدايم، موسيقى الشعر، بين الثبات والتطور، مكتبة الخانجي، مصر، ط3، 1993م.
– الصولي، أبو بكر بن يحي، أخبار أبي تمام، تح: خليل محمود عساكر، ومحمد عبد عزام، المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت، د. ط، د. ت.
– طالب، أحمد، جماليات المكان في القصة الجزائرية القصيرة، دار الغرب للنشر والتوزيع، الجزائر، 2005م.
– عبد العظيم، علي، ابن زيدون، أعلام العرب، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1967م.
– العبدري، محمد، الرحلة المغربية، تح: علي إبراهيم الكردي، دار سعد الدين للطباعة والنشر، دمشق، ط1، 1999م.
– العبدري، محمد، الرحلة المغربية، تقديم: سعد بوفلاقة، منشورات بونة للبحوث والدراسات، الجزائر، 1428ه/ 2007م.
– العسكري، أبو هلال، كتاب الصناعتين، تح: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العنصرية، بيروت، 1419ه.
– العلوي، هبة الله بن علي بن حمزة، أمالي ابن الشجري، ج1، تح: محمود الطناحي، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط2، 1427ه/2006م.
– عماد، حاتم، في فقه اللغة وتاريخ الكتاب، المنشأة العامة للنشر، طرابلس، ليبيا، 1982م.
– عيد، رجاء، التجديد الموسيقي في الشعر العربي، منشأة المعارف، الإسكندرية، د. ط، د. ت.
– غانمي، هلال محمد، النقد الأدبي الحديث، دار العودة ودار الثقافة، بيروت، ط4، 1973م.
– القرطاجني، حازم، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تح: محمد الحبيب بن الخوجة، الدار العربية للكتاب، تونس، ط3، 2008م.
– القزويني، جلال الدين، الإيضاح في علوم البلاغة، المعاني والبيان والبديع، تح: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية للنشر، بيروت، لبنان، ط1، 2003م.
– كنون، عبد الله، النبوغ المغربي في الأدب العربي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط3، د. ت.
– مأمون، عبد الحليم، العروض والقافية بين التراث والتجديد، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1428ه/ 2007م.
– المجدوب، عبد الله الطيب، المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، دار الفكر، بيروت، ط2، 1970م.
– مجدي، وهبة، والمهندس، كامل، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، بيروت، ط2، 1984م.
– مرتاض، عبد الملك، الكتابة من موقع العدم، دار الغرب للنشر والتوزيع، د. ط، د. ت.
– الميداني، عبد الرحمان، البلاغة العربية، أسسها وعلومها وفنونها، دار القلم، دمشق، ط1، 1996م.
– نور الدين، عصام، علم الأصوات اللغوية (الفونتيكا)، دار الفكر، لبنان، ط1، 1992م.
– النيسابوري، أبو الفضل، مجمع الأمثال، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، لبنان، د. ت.
– الهاشمي، أحمد، جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، مطبعة السعادة، مصر، 1965م.
– الهاشمي، أحمد، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، تح: وحيد قطب، دار التوفيقية للتراث، القاهرة، د. ط، د. ت.
– الهيتي، عبد الستار، الحوار: الذات والآخر، سلسلة كتاب الأمة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، ع99، ط1، 1425ه/ 2004م.
– الوجي، عبد الرحمان، الإيقاع في الشعر العربي، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 1989م.
[1] الحمداني، حميد، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، ط3، 2000م، ص78.
[2] الرافعي، مصطفى صادق، تاريخ آداب العرب، ج3، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ط2، 1974م. ص19.
[3] الهاشمي، أحمد، جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب، ج1، مطبعة السعادة، مصر، 1965م. ص326
[4] طالب، أحمد، جماليات المكان في القصة الجزائرية القصيرة، دار الغرب للنشر والتوزيع، الجزائر،2005م. ص22.
[5] الهيتي، عبد الستار، الحوار، الذات والآخر، سلسلة كتاب الأمة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، ع99، ط1، 1425ه/ 2004م، ص40.
[6] السندوبي، حسن، شرح ديوان امرؤ القيس، دار إحياء العلوم، بيروت، ط1، 1410ه/ 1990م، ص173.
[7] كنون، عبد الله، النبوغ المغربي في الأدب العربي، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط3، د. ت، ص687.
[8] إبراهيم، نبيلة، فن القصة، في النظرية والتطبيق، دار قباء، د. ط، د. ت، ص139.
[9] جبور، عبد النور، المعجم اللغوي، ج2، دار العلم للملايين، بيروت، 1984م. ص67.
[10] أرسطو، طاليس، الخطابة، تح: عبد الرحمان بدوي، بيروت، 1975م، ص50.
[11] العبدري، محمد، الرحلة المغربية، تح: علي إبراهيم الكردي، دار سعد الدين للطباعة والنشر، دمشق، ط1، 1999م، ص63.
[12] العسكري، أبو هلال، كتاب الصناعتين، تح: علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العنصرية، بيروت، 1419ه، ص12.
[13] عبد العظيم، علي، ابن زيدون، أعلام العرب، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1967م، ص3.
[14] رحماني، أحمد، النقد التطبيقي الجمالي في القرن الرابع، عالم الكتب الحديثة، اربد، 2007م، ص10.
[15] عماد، حاتم، في فقه اللغة وتاريخ الكتاب، المنشأة العامة للنشر، طرابلس، ليبيا، 1982م، ص9.
[16] أبو موسى، محمد محمد، خصائص التركيب، دراسة متخصصة في مسائل علم المعاني، مكتبة وهبة، القاهرة، ط4، 1416ه/ 1996م.ص75.
[17] الهاشمي، أحمد، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، تح: وحيد قطب، دار التوفيقية للتراث، القاهرة، د ط/د ت.، ص89.
[18] نفسه، ص89-90.
[19] ابن الشجري، العلوي هبة الله بن علي بن حمزة، أمالي ابن الشجري، ج1، تح: محمود الطناحي، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط2، 1427ه/ 2006م.، ص410.
[20] السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، د. ط، 1394ه/ 1974م، ص666.
[21] أمالي ابن الشجري، م. س، ص402.
[22] شريف، سمير، الشرط والاستفهام في أساليب العربية، د. ط، 2000م، ص98.
[23] الأوسي، قيس، أساليب الطلب عن النحويين والبلاغيين، بيت الحكمة، بغداد، 1988م، ص319.
[24] الأنصاري، ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تح: مازن المبارك، ومحمد علي حمد الله، مؤسسة الصادق، طهران، ط1، 1378ه، ج1، ص21.
[25] سيبويه، الكتاب، تح: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط3، 1408ه/1988م، ج1، ص220.
[26] ابن رشيق، القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه، تح: محي الدين عبد الحميد، دار الجيل، ط5، 1401ه /1981م، ج1، ص286.
[27] القزويني، جلال الدين، الإيضاح في علوم البلاغة، المعاني والبيان والبديع، تح: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية للنشر، بيروت، لبنان، ط1، 2003م، ص5.
[28] الميداني، عبد الرحمان، البلاغة العربية، أسسها وعلومها وفنونها، دار القلم، دمشق، ط1، 1996م، ج1، ص479
[29] جواهر البلاغة، م س، ص286.
[30] م. ن، ص284.
[31] نفسه.
[32] ابن قتيبة، أبو محمد، تأويل مشكل القرآن، تح: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، د. ط، د. ت، ص102.
[33] الجرجاني، عبد العزيز، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، ومحمد البجاوي، مطبعة عيسى البابي حلبي وشركاؤه، د. ط، د. ت، ص41.
[34] الصولي، أبو بكر بن يحي، أخبار أبي تمام، تح: خليل محمود عساكر، ومحمد عبد عزام، المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت، د. ط، د. ت، ص37.
[35] الجرجاني، عبد القاهر، أسرار البلاغة، تح: محمود محمد شاكر، مطبعة المدني، القاهرة، د. ط، د. ت، ص108.
[36] انظر: Milino, Tamin , Introduction à l’analyse linguistique de la poésie, Presses Universitaires, Paris, 1982, p 08.
[37] غانمي، هلال محمد، النقد الأدبي الحديث، دار العودة ودار الثقافة، بيروت، ط4، 1973م، ص35.
[38] ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، تح: عبد السلام هارون، دار الفكر، 1399ه/ 1979م، مادة وقع، ص1062.
[39] ابن طباطبا، العلوي، عيار الشعر، تح: عبد العزيز بن ناصر المانع، مكتبة الخانجي، القاهرة، د. ط، د. ت، ص21.
[40] العمدة في محاسن الشعر، م. س، ص134
[41] مأمون، عبد الحليم، العروض والقافية بين التراث والتجديد، مؤسسة المختار للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1428ه/ 2007م، ص118.
[42] القرطاجني، حازم، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تح: محمد الحبيب بن الخوجة، الدار العربية للكتاب، تونس، ط3، 2008م، ص271.
[43] الوجي، عبد الرحمان، الإيقاع في الشعر العربي، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 1989م، ص71.
[44] عيد، رجاء، التجديد الموسيقي في الشعر العربي، منشأة المعارف، الإسكندرية، د. ط، د. ت، ص16.
[45] مجدي، وهبة، والمهندس كامل، معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، بيروت، ط2، 1984م، ص117.
[46] نور الدين، عصام، علم الأصوات اللغوية الفونتيكا، دار الفكر، لبنان، ط1، 1992م، ص251.
[47] سلوم، تامر، نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، دار الحوار، سوريا، ط1، 1983م، ص46.
[48] جرس، جرس، علم الألسنية الحديث، الاتجاهات والمبادئ والفروع، الجامعة اللبنانية، بيروت، ط1، 2001م، ص57.
[49] م. ن، ص59.
[50] نفسه.
[51] مرتاض، عبد الملك، الكتابة من موقع العدم، دار الغرب للنشر والتوزيع، د. ط، د. ت، ص89.
[52] معجم المصطلحات العربية، م. س، ص138.
[53] الجندي، علي، فن الجناس، دار الفكر العربي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1904م، ص123.
[54] المجدوب، عبد الله الطيب، المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، دار الفكر، بيروت، ط2، 1970م، ص262-263.
[55] الإتقان، م. س، ص، 386.
[56] سورة الأنعام، الآية 52.
[57] ابن عاشور، الطاهر، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر والتوزيع، تونس، 1984م، ج7، ص247.
[58] النيسابوري، أبو الفضل، مجمع الأمثال، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، لبنان، د. ت، ج2، ص393.
[59] م. ن، ص174.
[60] ابن عاشور، الطاهر، ديوان بشار بن برد، وزارة الثقافة، الجزائر، 2007م، ج1، ص355
[61] الزوزني، الحسين بن أحمد، شرح المعلقات العشر، دار مكتبة الحياة للطباعة والنشر، 1983م، ص314.
[62] الإيضاح، م. س، ص317.
[63] عيار الشعر، م. س، ص6.