توظيف المرأة في غرض الهجاء في الشعر العربي القديم: “كعب بن الأشرف نموذجا”
د. يسين العمري
توظيف المرأة في غرض الهجاء في الشعر العربي القديم:
“كعب بن الأشرف نموذجا”
Women Image in Ancient Arabic Poetry
Kaab bin al-Ashraf as Case Study
د. يسين العمري
دكتور في علم الاجتماع السياسي والديني
جامعة الحسن الثاني – الدار البيضاء – المغرب
نشر هذا المقال في مجلة ذخائر، العدد الثالث عشر (13)، (التنزيل مجاني)
ملخص:
منذ قديم الأزل والتعامل مع المرأة كان على أساس أنّها مجرّد جسد مخلوق لإشباع الرغبات الحيوانية لدى الذكور وتصريف مكبوتاتهم، وهذا الامتهان للمرأة الناتج عن عقلية ذكورية محضة كانت ولا زال وستظلّ، اتّخذ في الشعر العربي القديم شكل القذف والسبّ، فكان الشاعر إذا أراد الإساءة لزعيم أو قبيلة سبّ نسائهم وقذف أعراضهم، وكان هذا الفعل يخلف الكثير من الاستياء لمن يطالهم هذا التشهير عبر الشعر، ويعدّ كعب بن الأشرف نموذجاً صارخاً لهذا التعامل المسيء للمرأة وأهلها وعشيرتها، فقد قذف هذا الشاعر الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم وحاول التشهير بنساء المسلمين، فما كان من رسول الله عليه السلام إلا أن أمر بقتله نظير فعله، وبالفعل تمّ اغتياله على يد ثلاثة جنود مسلمين. وكان هدف ذلك الشاعر في هجاء الرسول له بعد سياسي خفي آخر هو محاربة الدعوة والدولة الإسلامية الناشئة التي بدأ عودها يشتدّ في المدينة المنورة بعد هجرة النبي إليها، وكان الشاعر من يهود بني النضير بيثرب، فعارض الدعوة الجديدة وجاهر بعدائه لها، ثمّ حاول المسّ بقائدها من خلال التشهير به وقذف أعراض المسلمين، مما كلفه غاليا كما أسلفنا، فهل نحن من خلال هذه الحادثة إزاء أول عملية اغتيال سياسي في عهد الدولة الإسلامية؟ سنحاول في هذا المقال إماطة اللثام عن استخدام المرأة كوسيلة للنيل من الخصم السياسي، وإثبات كون ذوي الفكر بدورهم يتاجرون بالنساء في سوق النخاسة الفكرية لهدف سياسي.
كلمات مفتاحية:
المرأة – الشعر العربي القديم – المعارضة السياسية – الهجاء – الأخلاق السياسية – كعب بن الأشرف.
Abstract:
Since ancient times, women have been dealt with on the basis that they are merely a body created to satisfy males desires and discharge their repressions. This insult to women resulting from a purely masculine mentality has continued to take the form of slander and insults, particularly in ancient Arabic poetry. So if the poet wanted to offend a leader or tribe, he would insult their women and slander their honour. This act left a lot of resentment for those affected by this defamation through poetry, and Kaab bin Al Ashraf is a blatant example of this abusive treatment to women, her family, and clan. Kaab insulted the Messenger Muhammad, may God’s prayers and peace be upon him, and tried to defame the women of the Muslims. As a result, the prophet, peace be upon him, ordered the killing of Kaab. Indeed, he was assassinated by three Muslim soldiers. The objective behind attacking the Prophet has a hidden political dimension, which was to fight the emerging Islamic state whose power was widening in Medina after the Prophet’s migration. The poet was a Jew from Medina, so he opposed the new State and openly declared his hostility against it, then tried to harm its leader by defaming him and insulting Muslim’s women, which cost him his life. So, should this incident be considered as the first political assassination in the era of the Islamic state?
Keywords:
Women, ancient Arabic poetry, politics, opposition, satire, Kaab bin al-Ashraf, assassination.
مقدمة:
ننطلق من هذا المقال بتحديد بعض المفاهيم التي نعتبرها بمثابة مفاتيح أساسية لفهم المقال برمّته، ونشرع بتعريف السلطة مع ناصيف نصّار الذي يذهب إلى أنّ «… السلطة بمعناها العام هي الحق في الأمر، فهي تستلزم آمراً ومأموراً وأمراً، آمراً له الحق في إصدار أمر إلى المأمور، ومأموراً عليه واجب الطاعة للآمر وتنفيذ الأمر الموجّه له. إنها إذاً، علاقة بين طرفين متراضيين، يعترف الأوّل منهما بأن ما يصدره من أمر إلى الطرف الثاني ليس واجباً عليه إلا لأنه صادر عن حقّ له فيه، ويعترف الثاني منهما بأن تنفيذه للأمر مبني على وجوب الطّاعة عليه وحقّ الطّرف الأول في إصدار الأمر إليه. فالمشكلة الأساسية الأولى في علاقة السلطة هي مشكلة الاعتراف بما تتقوّم به من حق وواجب عند طرفيها. فإذا كان الاعتراف تامّاً ومتبادلاً، استقامت السلطة كعلاقة أَمْرِيَّة مشروعة. ولكن إذا تطرّق الخلل إليه، من جهة الأمر أو من جهة المأمور أو من جهة الآمر نفسه، فإنها تتعرّض للارتباك والتّصدّع والوهن، وقد تنتهي إلى انهيار.»[1] وشخص الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم كان يتوفّر في الدولة والمجتمع الإسلاميين على هذه السلطة.
أمّا الأخلاقيات السياسية حسب دينيس طومسون فهي تعني: «… ممارسة باتخاذ الأحكام الأخلاقية حول العمل السياسي والعوامل السياسية، وتشمل مجالين الأول هو أخلاقيات المنصب التي تتعامل مع الموظفين العموميين، والأساليب التي يستخدمونها أما المجال الثاني فهو أخلاقيات السياسة أو (الأخلاق والسياسة العامة) وتتعلق بالأحكام ذات الصلة بالسياسات والقوانين.»[2] والنوع الثاني هو الذي يعنينا في هذا المقال أي الأخلاق والسياسة العامّة التي لها بقوانين المجتمع وسلوكياته وعاداته.
في حين اخترنا تعريف عبد العزيز بن محمد الخويطر للهجاء بكونه: «غرضاً من أغراض الشعر العربي عبر تاريخه الطويل، فكان منذ الجاهلية غرضا مستقلا متميزا في أساليبه وعناصره ومقوّماته، فضلا عن تميّزه في دوافعه وعواطفه وميادينه ومبرراته… يسدّد من خلاله الشعراء سهامهم تجاه الخاصّة والعامّة، السادة والسُّوقة، يقضون مآربهم به، ويشتفون من خصومهم من خلاله، بحقّ أو بغير حق، بإنصاف أو بإجحاف، وكان الهجاء دائماً هو السلاح الرهيب الذي يستعمله الشعراء ضدّ أعدائهم وخصومهم لاسيما من غير الشعراء في زمن كان فيه للشعر صولة وجولة، وسلطان ودولة.»[3] وقد مارس كعب بن الأشرف الهجاء في حقّ الرسول صلى الله عليه وسلّم وعموم المسلمين.
ننتقل لتعريف المعارضة في النظم السياسية، فهي كما يعرفها هزاع عبد العزيز المجالي: «مجموعة من الجماعات أو الأفراد تمارس وتعبّر عن آرائها ونشاطاتها الفكرية داخل أو خارج البلاد، من خلال تنظيمات «أحزاب شرعية أو محظورة» أو مؤسسات المجتمع المدني أو بصفة فردية. وقد تتحوّل المعارضة إن كان لها امتداد شعبي إلى تنظيم عسكري أو ثوري.»[4] وقد مارس كعب بن الأشرف هذا النشاط وعبّر بشكل فردي عن رأيه بمعاداة المسلمين وحرّض على قتالهم ومدح خصومهم السياسيين، كما مارس نشاطاته من خلال تنظيمات معادية للمسلمين مثل قريش ويهود يثرب وحلفائهما.
في حين يعرّف مايكل هارالامبوس قواعد السلوك الاجتماعي بأنّها: «دليل محدّد للعمل المقبول والسلوك المناسب وتوقع ردود الأفعال في أوضاع معينة. بعبارة بسيطة هي مبادئ توجه سلوك الناس في مجتمع معين وثقافة معينة، فهي شبيهة بالقواعد واللوائح في كونها توجيهية، حتى لو افتقرت إلى الوضع الرسمي بتحوّلها لقوانين، فهي تبقى ملزمة أخلاقيا للناس وتحدّد لهم كيف يجب أن يتصرّفوا وكيف يجب ألا يتصرفوا في مواقف مختلفة، ويتعرّض من يخترق قواعد السلوك الاجتماعي للنبذ من طرف عموم المجتمع. أما القيم فهي تصورات جماعية للاستشعار النسبي للأشياء، أي الاعتقاد بأنّ شيئاً ما جيّد وجدير بالاهتمام ويستحق الكفاح من أجله، والشيء الآخر سيء ولا ينبغي الالتفات له.»[5] وصون أعراض النساء ورفض التعرض لشرفهنّ وعرضهنّ وسمعتهنّ بسوء من قواعد وقيم المجتمعات العربية المسلمة، التي بسببها يستعدّ الرجال للموت حفاظاً على سمعة نسائهنّ.
بعد ضبط المفاهيم، ننتقل للإشارة إلى أنّ المعارضة السياسية لنظام سياسي قائم تفترض النضال بالوسائل الممكنة للخروج عليه، وكما هو في العلوم السياسية، فالوسائل المعروفة للمعارضة تمتدّ من المظاهرات لتقديم عرائض للعصيان المدني… الخ، لكن هل يجوز في المعارضة السياسية «الشريفة» أن تستعمل أساليب كاذبة ووقحة وغير شريفة للإساءة إلى نظام سياسي لا يتفق معه معارضوه في نهجه السياسي أو الاختلاف معه دينيا أو مذهبيا… إلى غير ذلك؟ هل تعني هذه المعارضة نهج أساليب غير مهذبة مع الخصم السياسي، قد تصل لحدّ المسّ بأعراض قادته ورموزه؟ وهل من حقّ من مُسّ في شرفه أن يدافع عنه بكل ما أوتي من قوة وبكل وسيلة ممكنة لإخراس ذلك الصوت المعارض الذي يفجر في خصومته، ولا يحترم لا الأخلاق ولا قواعد التدافع السياسي؟ رغم كون السياسة كما سمّاها محمد عبده في كتابه جيد المعالي بحر من النجاسة. إنّ هذا التناطح ذو الخلفية السياسية واستخدام أو إقحام النساء والأعراض في الأمر، يستحقّ منّا كباحثين وقفة تأمّل، في أفق المناداة بتخليق المشهد السياسي والإعلامي وتنقيته من العبثيات والتراشقات التي تفتقر للحسّ الأخلاقي على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ما يعطي لموضوع المقال طابع الراهنية والجِدّة.
سنحاول إذن النبش في التاريخ وتفكيك بعض معطياته استنباطاً واستقراءًا، إيماناً بفكرة أنّ استلهام دروس الماضي يساعد في فهم الحاضر وبناء المستقبل، وذلك لا يكون فقط بسرد الأحداث التاريخية، وإنما بالعمل على استخلاص الدروس منها وتنزيلها على الواقع والمستقبل، وهذه هي فلسفة التاريخ. فالأرجح أنّ ما نشاهده اليوم في الإعلام العربي من المحيط إلى الخليج، وكذا في الممارسات السياسية هو من باب خلط المعارضة السياسية ب»الوقاحة» الأخلاقية، التي تصل إلى حدّ شتم الرؤساء والقادة السياسيين بأمّهاتهم وزوجاتهم وأخواتهم وبناتهم، وهذا يتمّ كنوع من الدعاية السياسية التي تنتهجها جماعات وأحزاب معارضة وسياسيون ودول لإقناع الجمهور ب»حقارة» خصمهم السياسي، فيسقطون من حيث لا يحتسبون في نفس التصنيف أي «الحقارة»، فالمتاجرة بأعراض النساء ولو على ألسنة ما قد نسميهم «مفكّرين» أو «مثقفين» أو «أدباء»، هو نوع من احتقار المرأة وتنميطها في خانة الجسد الذي بقيت حبيسته من أزمان غابرة ولا زالت، إضافة لكونه إساءة لأهالي أولئك النساء، وللعرض والشرف معنى شبه مقدّس في الثقافة العربية – الإسلامية، ويكفي أن نذكر كم من حروب قامت وكم من دماء سالت وكم من أرواح أزهقت بسبب العرض والشرف، وكمثال عن ذلك فقد تمّ فتح عمورية سنة 89 هجرية، حين قاد الخليفة العباسي المعتصم بالله بنفسه جيوشه ودحر جيوش الإمبراطورية البيزنطية، استجابة لنداء استغاثة امرأة عربية مسلمة اسمها شراة العلوية، تعرضت لإهانة كرامتها على يد بعض جنود الروم، فنادت «وا معتصماه»، فلمّا بلغه الخبر، ساءه الأمر فكان فتح عمورية وهزم البيزنطيين.[6]ونزعم أنّ أولئك المعارضين يدركون تمام الإدراك بأنّ الجمهور ينتهج في تشكيل قناعاته بما يسمى في علم الاجتماع السياسي بسياسة القطيع أو غريزة القطيع، التي لا مفرّ من تجنّبها إلا باستخدام العقل والمنهج الانتقادي،[7] وفي علم النفس فإنّ الجمهور يميل لا إراديا لنهج عقلية القطيع أو سلوك القطيع،[8] فتجد الناس يهتمون من خلال الإعلام بأخبار الفضائح الأخلاقية أكثر من غيرها، وبالتالي فقد أدرك الشعراء العرب القدماء هذا المعطى، وسنضرب المثل في هذا المقال بالشاعر كعب بن الأشرف الذي عمل على حشد قبائل العرب لمعاداة الدولة الإسلامية الناشئة، من خلال التشهير بنساء المسلمين ونبيهم، بأبيات شعر ماجنة شديدة الخلاعة والإباحية.
بالتالي تكون الإشكالية التي نتطرق لها هي: هل تبرر المعارضة السياسية الخروج عن الأخلاقيات؟ وإلى أيّ حدّ يتمّ الزّجّ بالمرأة في الخصومة السياسية؟ وما ردّ الفعل الأمثل على هذا النوع من السلوكات؟ وهل هو مبرر؟
إنّ إشكالية المقال قد تبدو معقّدة لتداخل ما هو سياسي بما هو أدبي، ما هو اجتماعي بما هو نفسي، لكن تفكيك هذه النقط وحصرها ضمن جزئيات نزعم أنّه سيسهّل نوعا ما هذا الطرح الاستشكالي. فهدف البحث استخلاص عبر من درس ماضٍ (تجربة الشاعر كعب بن الأشرف في هجائه للنبي عليه السلام والنيل من عرضه، نكاية في الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية الجديدة وقائدها)، فالبناء على هذا النموذج سيساعدنا في الخروج بنوع من التوصيات للمعارض السياسي «النزيه» الحالي والمستقبلي الذي يشتغل بهموم مجتمعه، وكذا للسلطة السياسية في تعاملها مع المعارض السياسي «المحترَم» و»غير المحتَرَم»، وكذا توصيات للمثقف الذي يفترض فيه أن يكون صاحب قضية ومبدأ ينخرط في هموم مجتمعه بما ينفع هذا الأخير.
أمّا المنهجية المستعملة في المقال، فستكون مزيجاً من التاريخية والوصفية كمنهجيتين رئيسيتين، والمنهجية التحليلية النقدية كمنهجية ثانوية.
بالتالي، سنحاول الاشتغال ضمن نسق علم الاجتماع السياسي والديني، وربطه بالشعر العربي القديم، وانطلاقاً من الثقافة العربية الإسلامية، ومن تجربة كعب بن الأشرف لنطرح الفرضيات التالية:
– هل يفترض في المعارض السياسي انتهاج أسلوب يستند للأخلاق وعدم التورط في لعبة «قذرة» للنيل من الخصم السياسي؟ أم أنّ السياسة لا أخلاق فيها؟ وبالتالي يمكن نهج أي أسلوب يُسقِط الخصم؟
– ألا يعتبر استغلال المرأة في الخصومة السياسية إهانة واستغلالا لها لنيل مكاسب سياسية؟ أليست متاجرة بالمرأة؟
– إلى أيّ حدّ يعطي المعارض السياسي الذي يخرج عن نطاق الأخلاق في معارضته المبرّر والمشروعية للسلطة للنيل منه؟
– أليس من حقّ السلطة أن تضرب بيد من حديد على المعارض السياسي الذي يَفْجُر في خصومته؟ وإلى أيّ حدّ قد تصل السلطة في ردّ الفعل إزاء ذلك المعارض؟
سنحاول الاشتغال على هذه الفرضيات، وفي الخاتمة سنبين التي سنرجّح صوابها والتي سيتمّ تفنيدها ودحضها.
المبحث الأول: كعب بن الأشرف: هجاء الرسول محمد عليه كخصم السياسي بالنيل من عرضه وشرف نسائه
1- السياق التاريخي:
سنستند في هذا الجزء من المقال إلى كاتب السيرة النبوية، حيث يذكر ابن هشام عن ابن إسحاق أنّ: «كعب بن الأشرف كان لأبٍ من قبيلة بني طيء، وتحديداً بني نبهان، ولكن أمّه من يهود بني النضير. وكان من حديث كعب بن الأشرف أنّه لما أصيب أصحاب بدر وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرين بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عز وجل عليه وقتل من قُتِلَ من المشركين… قال كعب بن الأشرف حين بلغ الخبر: أحقٌّ هذا؟ أترون محمّداً قتل هؤلاء الذين يسمّي هذان الرجلان؟ يعني زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمّد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها».[9]هنا نستنتج أوّل ملامح عداوة الشاعر كعب بن الأشرف للنبي صلى الله وعليه وسلّم كقائد سياسي وزعيم دولة، بغضّ النظر عن العداوة بسبب ديني كما سنبيّن في المطلب الثاني، فانتماء الشاعر للديانة اليهودية هو أحد أسباب كرهه للنبي ودعوته ودولته الناشئة، مع أنّه عليه السلام أبرم اتفاقية مع يهود ومشركي يثرب، والتي تعتبر أوّل دستور في تاريخ الإسلام (وثيقة المدينة)، حيث اتضحت الحقوق والواجبات المتبادلة، والاتفاق على الدفاع المشترك في حالة الغزو الخارجي، وحرية المعتقد للجميع إلى آخره، بالتالي فالمعاداة بسبب الدين سبب من أسباب عداوة الكثير من اليهود للمسلمين، وقد تعزّزت هذه العداوة بنشوب مواجهات عسكرية حدثت بين الطرفين بالمدينة وبخيبر، نتيجة المكر والتآمر والخيانة التي أبداها اليهود إزاء المسلمين، لكن ما يهمّنا في هذا المقال هو السبب السياسي الظاهر والواضح من شهادة ابن هشام، حيث ظهر تعاطف كعب بن الأشرف مع أعداء الدولة الإسلامية، وكرهه لانتصارها في معركة بدر، وأسفه على مقتل قادة قريش. بالتالي فالسبب السياسي محدِّدٌ من محدّدات العلاقة العدائية بين الشاعر المذكور والنظام السياسي الجديد الذي بات يحكم المدينة المنورة (يثرب)، بقيادة النبي صلى الله عليه وسلّم. فماذا كان ردّ فعله على انتصار أعدائه؟ وكيف انتقل العداء من إحساس داخلي وشعور باطني إلى تصريح باللسان ثمّ إلى عمل ملموس ضدّ الدولة الجديدة وقائدها ومجتمعها؟
للرّدّ عن الأسئلة السالفة، نعود إلى ابن هشام الذي يذكر أنّ: «… كعباً لما تيقّن خبر انتصار المسلمين على قريش في غزوة بدر، خرج حتى قدم مكّة، فنزل على عبد المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي، وعنده عاتكة بنت أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ف??????أنزلته وأكرمته وجعل يحرّض على الرسول وينشد الأشعار، ويبكي أصحاب القليب من قريش، الذين أصيبوا في ب??در.»[10]نستنتج ممّا سبق أنّ أوّل فعل عدائي قام به كعب بن الأشرف هو اللجوء السياسي لدى أعداء الدولة الإسلامية، حيث ذهب إلى قبيلة قريش واستقرّ عندهم فترة قبل عودته للمدينة، وكانت قريش وحلفائها حينئذ في حرب سياسية وعسكرية ودينية وتجارية ودعائية ممنهجة ومفتوحة مع الدولة الإسلامية. لم يقف الأمر عند اللجوء إلى الخصوم، بل شرع كعب بن الأشرف فعليا في المجاهرة بعدائه للمسلمين من خلال شعره، حيث قام باستعداء قبائل العرب ضدّ المسلمين، وهجا الرسول عليه السلام والمسلمين، وقام برثاء قتلى قريش بمعركة بدر، وبدأ دعايته السياسية ضدّ الرسول عليه السلام زعيم المسلمين، ويحرّض ضدّه، ويؤلّب القبائل العربية عليه، وكان للشعر والشعراء في ذلك العصر مكانة رفيعة في القلوب والنفوس، وكان الشاعر حينئذ يمارس ما يوازي وظيفة الإعلامي والمثقف حالياً. وبالتالي، تجلّت في هذا المقام المعارضة السياسية الشرسة لكعب بن زهير بشكل أوضح ضدّ الدولة الإسلامية الوليدة وقائدها.
وسنسوق بعض الأبيات التي أنشدها كعب بن الأشرف في هذا السياق، حزناً وأسفاً على هزيمة قريش ومقتل قادتها في معركة بدر، حيث قال:[11]طحنت رحى بدر لمهلك أهله ولمثل بدر تستهل وتدمع…
قتلت سراة الناس حول حياضهم لا تبعدوا إن الملوك تصرع….
كم قد أصيب به من أبيض ماجد ذي بهجة يأوي إليه الضيع…
طلق اليدين إذا الكواكب أخل حمال أثقال يسود ويربع….
ويقول أقوام أسر بسخطهم إن ابن الأشرف ظل كعبا يجزع
صدقوا فليت الأرض ساعة قتلوا ظلت تسوخ بأهلها وتصدع
فهل اكتفى كعب بن الأشرف بالمعارضة السياسية المشروعة والتزم بالهجاء من ناحية الاكتفاء بذمّ المسلمين، ومدح خصومهم؟ أم انتهج في هجائه أساليب أخرى تتنافى مع الأخلاق؟ وإلى أيّ حدّ مارس الشاعر المذكور نوعا من الدعاية السياسية الممكن تسميتها ب»القذرة» و»الرخيصة» للنيل من خصمه السياسي؟ وكيف استغلّ المرأة ووظّفها في شعره للتعريض بخصومه والنيل منهم؟
يجيب ابن هشام عن هذه التساؤلات حيث ذكر أنّ كعب بن زهير لجأ إلى أسلوب غير لائق في معاداته للمسلمين، فوصل هجومه عليهم إلى حدّ المسّ بالأعراض وقذف نساء المسلمين، بما يسيء لعفّتهنّ وشرفهنّ وكرامة رجالهنّ كآباء وأزواج وأبناء وأصهار… إلى آخره، حتى بلغ من شدّة ما فعله أنّه آذى المسلمين واستفزّهم استفزازاً شديداً – في يثرب نفسها معقل المسلمين- بلغ لدرجة أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم أهدر دمه، ذكر ابن هشام هذا الأمر فقال: «ثمّ رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة فشبّب بنساء المسلمين حتّى آذاهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم –كما حدّثني عبد الله بن المغيث بن أبي بُردة-: من لي بابن الأشرف؟ فقال له محمّد بن مسلمة أخو بني عبد الأشهل أنا ل كبه يا رسول الله، أنا أقتله. قال: فافعل إن قدرت على ذلك.»[12] وسنتعرّض في الجزء الثاني من المقال لهذه النقطة.
نستنتج من هذا السياق أنّ حرمة النساء والشرف والأعراض لها مكانة شبه مقدّسة في التراث الثقافي الإسلامي، وفي العادات الاجتماعية، بل وفي الممارسة والفعل السياسي للزعماء السياسيين المسلمين الأوائل، ذلك أنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم لم يسئه كعب بن الأشرف إلا عندما تناول أعراض المسلمات، فما كان منه كقائد سياسي للدولة وزعيم مجتمعي وروحي إلا أن يتدخّل بحزم، وعيا منه بمكانة شرف النساء لدى خاصّة الناس وعامّتهم، وكذلك المثال الذي سقناه آنفاً ونقصد فتح عمورية استجابة لاستغاثة امرأة مسلمة أهان كرامتها جنود بيزنطيون. فما هي الدروس التي يمكن أن نستقيها من سلوك كعب بن الأشرف في معارضته السياسية للسلطة الحاكمة، وهل المعارضة تبيح لمن يمارسها أن يتجاوز كلّ الخطوط الحمراء؟
2- الدروس المستفادة:
بيّنا أنّ كعب بن الأشرف كان يهجو النبي عليه السلام وأصحابه، فلم يتعرّض له أحدٌ بسوء بالمدينة، وبالغ في عداوته حين هاجر إلى قريش لاستعداء العرب على المسلمين، فوصل الأمر إلى حدّ، ونستدلّ بما قاله موسى بن عقبة: «… وكان كعب بن الأشرف أحد بني النضير أو فيهم، قد آذى رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالهجاء وركب إلى قريش فاستغواهم، وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأينا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق؟ إنا نطعم الجزور الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونطعم ما هبت الشمال. فقال له كعب بن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا. قال: فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلّم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا – أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرا) [سورة النساء: 51-52 وما بعدها]»..
مع هذه العداوة البيّنة لم ينكّل النبي عليه السلام بكعب بن الأشرف أو يطارده أو يهدر دمه أو يطلب رأسه، سواء عندما كان بالمدينة أو عندما لجأ إلى قريش، وهذا في تقديري دليل على مراعاة الرسول عليه السلام كقائد دولة لحرية الرأي والتعبير، وحقّ المعارضة السياسية، في حين أنّ كعب بن الأشرف فقد المبدأ الذي يجعل من معارضته السياسية ذات منطق وصواب ومعقولية، ففي تقرّبه من زعماء قريش مدح دينهم القائم على عبادة الأصنام وتقديس الأوثان، وهو اليهودي الذي يقوم معتقده على التوحيد، والأقرب من معتقده دين الإسلام الذي رفضه وعادى أصحابه، وهنا يظهر أنّ المشروع السياسي لكعب بن الأشرف مفتقد للأساس السليم، لأنّه قائم فقط على مبدأ المكايدة السياسية. مع ذلك تركت له حرية القول والفعل إلى أن ارتكب خطأ جعله يقع في المحظور ويدخل تحت طائلة العقوبة.
وقد سبق أن استشهدنا بما قاله موسى ومحمد بن إسحاق من أنّ كعب ابن الأشرف قدم للمدينة يعلن بالعداوة ويحرض الناس على الحرب، ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وجعل يشبب بأم الفضل بن الحارث وبغيرها من نساء المسلمين.
هنا بات تدخل الرسول كقائد سياسي وزعيم مجتمعي فيما نرى ضروريا، للحفاظ على لُحمة المجتمع نفسه، حيث أنّ السكوت عن شعره القبيح في حقّ المسلمات تجاوز حقّه في حرية الرأي والتعبير وحقّه في المعارضة السياسية، فللدولة حاجات تتخطّى اجتهاد الفرد، لذلك قد نفسّر سكوت النبي عليه السلام عن هذا الشاعر عندما كان يهجوه ويؤلّب للحرب ضدّه، كنوع من الحِلم وسعة الصدر، لعلّه يعود عن موقفه لاحقاً، ولذلك قد نفهم كونه لم يعره اهتماماً، لكن حين تجرّأ ذلك الشاعر وسبّ أعراض الناس، وقذف المسلمات في عفتهنّ وشرفهنّ، بات الأمر يستوجب التدخّل لفرض حكم القانون، لأنّ المجتمع قد لا يسامح ما يمكن للسلطة أن تتسامح معه أو تغضّ الطرف عنه.
نستفيد من هذا الأمر أنّ لعِرض النساء وشرفهنّ قدسية في المجتمع الإسلامي، إن انتهك تقوم الدنيا ولا تقعد، ومن جهة أخرى، فللسلطة وللمجتمع حدود للصبر يستحيل أن يسكتا إن تمّ تجاوزها، ولو تحت قناع الحرية، هذا ما نسمّيه اليوم في المصطلح القانون والإداري النظام العامّ بمدلولاته الثلاث: الأمن العامّ، الصحة العامة والسكينة العامّة، وكلّها تصبّ في ثقافة المجتمع وأخلاقياته، لذلك على المعارض السياسي أو المثقف أن يراعي هذه المحاذير، ولعلّ أصدق مثال يعبّر عن هذه الحالة هو المقولة التي تُنسَبُ للفقيه الفرنسي مونتيسكيو في كتابه روح الشرائع، حيث قال: «حريتك تقف عند حدود حرية الآخرين». وهذا درس آخر نستفيده من درس كعب بن الأشرف، فلا وجود لحرية مطلقة، لأنّ الحرية المطلقة في تقديري قد تؤدّي لمفسدة وفوضى مطلقة، وبالتالي تُقيَّد الحرية بالقوانين التي ترتضيها المجتمعات، لتُحكَم من خلالها. وننتقل إلى المحور الثاني لنرصد كيف تصرّف الرسول عليه السلام إزاء تمادي كعب بن الأشرف في عداوته، وإقدامه على النيل من سمعة وشرف المسلمات؟
المبحث الثاني: ردّ فعل الرسول محمد عليه السلام على هجاء كعب بن الأشرف لأعراض المسلمات
1- السياق التاريخي:
سنستشهد في هذا المقام بما ذكره ابن هشام راوي سيرة النبي عليه السلام، حيث ذكر بالتفصيل حادثة قتل كعب بن الأشرف على يد ثلاثة من المسلمين بعدما أهدر رسول الله عليه السلام دمه، بعد أن تمادى في الفجور في خصومته للمسلمين، وآذاهم في أعراضهم، ممّا يسقط معه تشبيه هذه الحادثة بالاغتيال السياسي، على الرغم من أنّ أصل العداوة ديني – سياسي، لكن سبب القتل سبب أخلاقي- اجتماعي كما حاولنا أن نوضّح في المحور الأوّل.
ذكر ابن هشام حادثة تصفية كعب بن الأشرف بنوع من التفصيل، سنقوم بسرده على النحو التالي: «… فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة أحد بني عبد الأشهل، وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة، وعباد بن بشر بن وقش أحد بني عبد الأشهل، والحارث بن أوس بن معاذ أحد بني عبد الأشهل، أبو عبس بن جبر أخو بني حارثة. قال: فقدموا بين أيديهم إلى عدو الله كعب سلكان بن سلامة أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة، فتناشدا شعرا – وكان أبو نائلة يقول الشعر – ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتم عني، قال: أفعل. قال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء عادتنا العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبيل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا. فقال كعب: أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر يصير إلى ما أقول، فقال له سلكان: إني قد أردت أن تبيعنا طعاما، ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك. قال: ترهنوني أبناءكم؟ قال: لقد أردت أن تفضحنا إن معي أصحابا لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم، وتحسن في ذلك، ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء. وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاؤوا بها. فقال: إن في الحلقة لوفاء. قال: فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم. قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال: انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم. ثمّ رجع رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى بيته، وهو في ليلة مقمرة، فانطلقوا حتى انتهوا إلى حصنه فهتف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: أنت امرؤ محارب وأن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة. قال: إنه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني، فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشر. قال: يقول لها كعب: لو دعي الفتى لطعنة أجاب. فنزل فتحدث معهم ساعة، وتحدثوا معه، ثم قالوا: هل لك يا ابن الأشرف أن تتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم. فخرجوا فمشوا ساعة. ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال: ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط. ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن. ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها، فأخذ بفودي رأسه ثم قال: اضربوا عدو الله، فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا. قال محمد بن مسلمة: فذكرت مغولا في سيفي فأخذته، وقد صاح عدو الله صيحة، لم يبق حولنا حصن إلا أوقدت عليه نار. قال: فوضعته في ثنته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو الله وقد أُصيب الحارث بن أوس بجرح في رجله أو في رأسه، أصابه بعض سيوفنا. قال: فخرجنا حتى سلكنا على بني أمية بن زيد، ثم على بني قريظة، ثم على بعاث، حتى أسندنا في حرة العريض، وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس، ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة، ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه، فجئنا به رسول الله صلى الله عليه وسلّم آخر الليل، وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدو الله وتفل على جرح صاحبنا، فرجع، ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدوّ الله، فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه»[13].
2- الدروس المستفادة:
إنّ السلطة السياسية مكلّفة من طرف المجتمع بأن تحفظ أمنها الروحي والمجتمعي، وذلك بأن تضع حدّاً لكلّ من يحاول التلاعب بمعايير المجتمع التي وضعها لنفسه بنفسه، وبالتالي فإنّ العقاب مهما بدا لنا قاسياً، إلا أنّه يشكّل زاجراً ورادعاً لكلّ من يستغلّ مبدأ حرية الرأي والتعبير أو موقع المعارضة السياسية وضرورة التسامح معها، ليستهدف البنية السوسيولوجية للمجتمع ككلّ، فلا يراعي حرمة نساء ولا كرامة رجال، ولا رمزية حاكم أو عالم… إلى غير ذلك من الأمور التي تجعل من التسامح معه مرفوضاً، والدعوة لمعاقبته مطلباً مجتمعيا، ومعاقبته فرض عين على ولي الأمر، حفاظاً على النسيج الاجتماعي، وعلى المفاهيم الأخلاقية والمعايير التي تضبط المجتمع، والتي إن استبيحت تجعل المجتمع إلى الانهيار أقرب منه إلى التماسك.
والأقرب إلى الصواب أنّ العقوبة المشدّدة ها هنا ليست قسوة ولا تتناقض مع التسامح والحرية، إذا ما تمّ النظر إليها بمنظار ارتكاب أخفّ الضررين، إفساد مجتمع أو حرية فرد؟ إذا قيست هذه الحادثة بمقياس الضرورات تبيح المحظورات، فإنّ عقاب كعب بن الأشرف بقتله كان ضرورة اجتماعية أكثر منها سياسية. لذلك نرى أنّه قرار معاقبة مدروس وحكيم وليس ردّ فعل انفعالي، فالهجاء المرّ الذي صدر عن الشاعر، خلف ردّة فعل اجتماعية عنيفة وهزّة نفسية ذات أثر بليغ ليس فقط عند النساء، بل لدى الرجال أيضاً، وبالتالي فالتعامل الحاسم والحازم مع ذلك الهجاء الذي لم يراعي حرمة النساء كمحظور اجتماعي، أعاد الاعتبار للنساء والرجال وللمجتمع ككلّ.
لهذا فالسلطة بصفتها المكلّفة بالضبط الاجتماعي للمحكومين بما تملكه من وسائل القوة والإكراه المؤسساتية (قضاء – شرطة)، ومن قوانين، عليها ألا تتوانى إزاء أيّة محاولة لاستهداف المجتمعات في أخلاقها، وأمنها الروحي، ولو تشدّدت في العقوبة من باب زجر الباقي وجعلهم يرعوون وينضبطون، كذلك فالمعارض السياسي أو المثقف المعارض عليه الالتزام بالأخلاق السياسية في معارضته، وألا يتحول إلى إنسان فاجر في خصومته، ينال من خصومه بأحطّ الوسائل وأقذر النعوت، بل ينتقد الأفكار السياسية، ويجادل في جدوى السياسات المتبعة، ويناصر قضايا المظلومين، وينشغل بهموم المجتمع وقضاياه الكبرى والمصيرية، وينتهج في ذلك أسلوبا لائقا، والالتزام بمبادئ معينة يؤمن بها ويستعدّ للموت في سبيلها، ليكون صاحب قضية تستحقّ الاحترام، ويكتمل ذلك بأن يبتعد عن الشخصنة والحياة الخاصّة للأفراد والتطاول على المجتمعات والتركيز على صغائر الأمور، فالمعارضة والنقد والتقييم والتقويم يكون لصاحب المنصب من خلال تتبّع حصيلة عمله وللمنهج المتبع في عمله، وليس للشخص بعينه ولونه ودينه وجنسه… الخ، لأنّ العقول الكبيرة تناقش الأفكار والعقول الصغيرة تناقش الأشخاص.
3- تحليل النتائج:
إنّ الحرية في القول والفعل مقيّدتان ولا يمكن القول بإطلاقيتهما.
إنّ الالتزام بالأخلاق السياسية ضروري، كمنهاج وكمرجعية يؤطّران عمل المعارضة السياسية، فهذه الأخيرة لا تعني أن يطلق «المعارض السياسي» أو «المثقف» العنان للسانه وقلمه، فيقول ويكتب ما يشاء، غير آبه بمشاعر الناس، ومن ضمنهم خصومه.
إنّ الانفلات في القول والفعل يكلّف المعارض ثمنا غاليا قد يصل إلى حياته نفسها.
إنّ السلطة السياسية مدعوّة لاحترام الحق في حرية الرأي والمعارضة السياسية، ما التزمت هذه الأخيرة بأدبيات المعارضة دون أن تزيغ عنها وتنتقل لأسلوب غير أخلاقي.
إنّ تعامل مع المعارض سليط اللسان مبرّر بمدى حجم إساءته للسلطة ورموزها والمجتمع الذي تحكمه، وعلى قدر الإساءة تكون العقوبة، والتعرّض للأعراض واتّهام النساء في شرفهنّ وعفّتهن لمجرّد المكايدة السياسية ينقل التعاطف مع المعارض إلى تعاطف مع السلطة، وبالتالي يبرّر لها أمام الناس قسوتها على المعارض، بل يكسبها ذلك نوعاً من المشروعية السياسية والمجتمعية والأخلاقية، لدورها في حماية الأعراض.
إنّ المرأة لها مكانة كبيرة في التراث الإسلامي، والشاهد أنّ الإساءة لها يضاهي الإساءة لدولة بأكملها ولمجتمع بمجمله.
خاتمة:
أهمّ النتائج التي توصّلنا لها في نهاية هذا المقال يمكن تلخيصها في المجمل بكون أنّ الأخلاق السياسية تلزم الحاكم والمعارض معاً، ففلسفة الحكم تقتضي من السلطة ألا تقمع معارضاً أو تخرس صوته لمجرّد أنّه لا يتّفق مع سياساتها، لأنّ حرية الرأي والتعبير لا نزاع فيهما في السياسة وغير السياسة، فكما قال جون ستيوارت ميل: «إذا انعقد إجماع البشر على رأي وخالفهم في هذا الرأي بشر واحد، ما كان من حقّ البشرية إخراس هذا الفرد».[14]لكن بالمقابل الحقّ في المعارضة السياسية وحرية الرأي والتعبير ليست شيكاً على بياض، تعطي الحقّ لمن شاء ليقول ويفعل ما شاء تحت يافطة المعارضة السياسية والحرية، لأنّ هذا سيتحوّل إلى ضرب من العبث، وسيسود منطق الفوضى، فحرية الرأي والتعبير وحرية ممارسة المعارضة السياسية– في زعمي- لها سقف، وهو الالتزام بالأخلاق السياسية، وهذه الأخيرة فرع من فروع العلوم السياسية، وتدرّس ببعض الجامعات، المعارضة تقتضي الالتزام بالموقف السياسي، والدفاع عنه ولو ببذل أقسى وأقصى الأثمان، وهو الحرمان من الحرية بالسجن، أو الحرمان من الحياة حتى بالقتل، هذا الالتزام يجعل موقف المعارض نبيلاً، وينقل الانتقاد لمعسكر السلطة، فقتل معارض لموقفه شرف له، ومذمّة وسبّة في جبين من يتعرّضون له، لكن المعارض المتهوّر الشّتّام الذي لا يحترم أحداً ولا يوقّر عرضاً ولا شرفاً، ويخوض في أعراض المخالفين له، يمكن اعتباره ممّن يفجر في خصومته، وهذا النوع من المعارضين، يعطي السلطة ليس فقط المبرّر للتعامل معه بقسوة وعنف، بل ويجعل التعاطف معه شبه منعدم، فلا أحد يلوم السلطة على تعاملها معه، بل ربّما العكس هو الذي يقع، فقد يكون تعامل الحاكم معه زيادة في شعبيته واحترامه بين الناس، ممّا يزيد في رصيد مشروعيته، بمعنى أنّ المجتمع ليس فقط يتعاطف مع السلطة ضدّ النوع المتهوّر أو «غير المحترم» من المعارضين أو المفكّرين، بل قد يكون التنكيل بهم مطلبا شعبيا، تفقد السلطة من هيبتها الكثير إن لم تستجب له.
هذه أمور يجب على المعارض السياسي سواء كان من زمرة المثقفين أو لا أن يستحضرها، فقد يريد هذا الأخير التنكيل بخصومه السياسيين بأسلوب غير أخلاقي، أو رغبة في الشهرة، أو للتقرّب من الناس بسبّ الحاكم وأركان دولته ورموزها بالتشهير بهم وبأعراضهم، فيصبح في نهاية المطاف هو المنكّل به. إنّ المعارض السياسي والمثقف مدعوّان لاستخدام العقل كما رأينا في المقدّمة باعتباره الأسلوب الأوحد للنجاة من الانجرار اللاشعوري نحو مصيدة «سلوك القطيع».
لذلك لا يمكن البتّة في تقديري تبرير السلوكات الرعناء لمن تطلق عليهم تسمية معارضين سياسيين، بل أرجّح أنّ الأقرب إلى الصواب هو أن تقوم السلطة السياسية والحاكم بتأديبهم إن تجاوزا حدود المعارضة والمطالبة بحقوق الإنسان والحريات العامّة والفردية المكفولة بنصوص الدساتير الوطنية والمواثيق الدولية والمبادئ الدينية، إلى التطاول والمسّ بالشرف والأعراض، ممّا يخدش كرامة الأفراد والمجتمعات معاً، ولا سيما إن تعلّق الأمر بامتهان كرامة النساء والدوس على شرفهنّ ابتغاء تحقيق نقاط في معركة مع خصم سياسي، هذا أرجّح كونه أمراً سافلاً، يستوجب العقاب، لذلك فالأصوب عندي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلمّ كرجل دولة وزعيم مجتمع كان مصيباً في ردّ فعل على بذاءة كعب بن الأشرف وشعره الخليع في حقّ نساء المسلمين، وقد عارض داخل وخارج المدينة ولم يتعرّض له أحد بسوء، ما يدلّ على أنّ القيادة السياسية الحاكمة بالمدينة لم يضق صدرها بمعارضتها السياسية كما أسلفنا، لكنه حين انزلق إلى مستنقع المسّ بأعراض الناس، أخذ جزاءه وهذا فيما نرى عين العدل.
نختم إذن مقالنا بتوصية هامّة وهي ضرورة تعميم تدريس الأخلاق السياسية، وأخلاقيات التخاطب وآداب الحوار في الجامعات والمدارس والمعاهد، وتأليف كتب عن معاملة الغير والتسامح مع الآخر، سواء من خلال المرجعية الدينية بالعودة للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تأمر بالمجادلة بالتي هي أحسن مع الآخرين المخالفين والمختلفين والوقوف معهم على المشتركات الإنسانية (كلمة سواء بيننا وبينكم)، أو من خلال المرجعية الدنيوية بالعودة لنصوص القوانين التي تجرّم التشهير والقذف والسب، حتى لا نشاهد في البرامج الحوارية العربية وفي خطب السياسيين ذلك الكمّ الهائل من القذف والتشهير بأعراض النساء وكرامة الرجال، بل ومن الشتم والسب في حقّ دول ومجتمعات بأكملها.
قائمة المراجع:
*- كتب:
– ابن هشام، أبو محمد عبد الملك المعافري، السيرة النبوية، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2005.
– شغيدل، مصطفى كاظم، حشر مع الناس عيد: قراءة في سياسة القطيع، دار الورشة الثقافية للطبع والنشر والتوزيع، دار الورشة الثقافية للطبع والنشر والتوزيع، بغداد، 2021.
– إمام، عبد الفتاح إمام، الأخلاق والسياسة: دراسة في فلسفة الحكم، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2001.
– نصار، ناصيف، منطق السلطة مدخل إلى فلسفة الأمر، دار أمواج للنشر والتوزيع، بيروت، 2001.
– Dennis F., Thompson, Political Ethics, International Encyclopedia of ethics, ed. Hugh la Folette, (Blackwell Publishing), 2012.
*- مقالات:
– الخويطر، عبد العزيز بن محمد، الهجاء من الجاهلية حتى نهاية العصر الأموي: نظرة في طبيعة الفن وتراوحه بين القبلية والإسلام والسياسة، مجلة قسم الآداب كلية اللغة العربية، جامعة الملك سعود، العدد 33، 2013.
*- مواقع الانترنيت:
– إلهامي، محمد، (2020)، فتح عمورية: معركة الغضب:
https://www.rabtasunna.com/7154 (consulté le 18/11/2021)
– المجالي هزاع، عبد العزيز (2020)، مفهوم المعارضة في القانون وعلم السياسة:
https://alrai.com/article/10567176/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8/%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9 (consulté le 19/11/2021).
– هارالامبوس، مايكل، (2000)، معنى ووظائف القواعد والقيم في علم الاجتماع:
https://ar.triangleinnovationhub.com/social-norms-meaning (Consulté le 20/11/2021).
[1] – نصار، ناصيف، منطق السلطة مدخل إلى فلسفة الأمر، دار أمواج للنشر والتوزيع، بيروت، 2001، ص 7.
[2] – Dennis F., Thompson, Political Ethics, International Encyclopedia of ethics, ed. Hugh la Folette, (Blackwell Publishing), 2012, p 48.
[3] – الخويطر، عبد العزيز بن محمد، الهجاء من الجاهلية حتى نهاية العصر الأموي: نظرة في طبيعة الفن وتراوحه بين القبلية والإسلام والسياسة، مجلة قسم الآداب كلية اللغة العربية، جامعة الملك سعود، العدد 33، 2013، ص 129.
[4] – المجالي هزاع، عبد العزيز (2020)، مفهوم المعارضة في القانون وعلم السياسة:
https://alrai.com/article/10567176/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8/%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9 (consulté le 19/11/2021).
[5] – هارالامبوس، مايكل، (2000)، معنى ووظائف القواعد والقيم في علم الاجتماع:
https://ar.triangleinnovationhub.com/social-norms-meaning (Consulté le 20/11/2021).
[6] – إلهامي، محمد، (2020)، فتح عمورية: معركة الغضب:
https://www.rabtasunna.com/7154 (consulté le 18/11/2021)
[7] – شغيدل، مصطفى كاظم، حشر مع الناس عيد: قراءة في سياسة القطيع، دار الورشة الثقافية للطبع والنشر والتوزيع، دار الورشة الثقافية للطبع والنشر والتوزيع، بغداد، 2021، ص 6.
[8] – نفسه.
[9] – ابن هشام، أبو محمد عبد الملك المعافري، السيرة النبوية، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2005، ص 9.
[10] – نفسه.
[11] – ابن هشام، السيرة النبوية، م. س، ص10-9.
[12] – م. ن، ص 11.
[13] – ابن هشام، السيرة النبوية، م. س، ص 14-13-12-11.
[14] – إمام، عبد الفتاح إمام، الأخلاق والسياسة: دراسة في فلسفة الحكم، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2001، ص 5.