الأسرة الصالحة وثلاثيات أسس ومقومات النجاح|سلسلة خطبة الجمعة
الشيخ بن سالم باهشام
خطيب جمعة مسجد أم الربيع خنيفرة المغرب سابقا
عباد الله، إن مقياس صلاح الأشياء وفسادها هو شرع الله، فما وافق شرع الله، فهو صالح، وما خالفه فهو فاسد، ولو تركت الأمور لمقاييس البشر، فسيدعي الكثير من المفسدين الصلاح، ويتهمون المصلحين بالإفساد، فهذا فرعون موسى الذي على في الأرض بادعائه الألوهية والربوبية، وسفكه لدماء الأبرياء، قد ادعى الصلاح واتهم نبي الله موسى عليه السلام، المرسل من عند الله بالفساد، فقال الله تعالى على لسانه في سورة غافر: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: 26]، كما أن المنافقين عاثوا في الأرض فسادا بدعوى الإصلاح، وفضحهم الله تعالى بقوله في سورة البقرة: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 11، 12]، وهكذا الشأن بالنسبة للأسرة التي هي الخلية الأولى للمجتمع، فبصلاحها يصلح المجتمع، وبفسادها يفسد المجتمع، والناس فيها ثلاثة أصناف:
– صنف يسعى لإفسادها بدعوى الإصلاح.
– وصنف يجهل مقاييس الإصلاح.
– وصنف يبذل جهده لإصلاحها، فلنكن من الصنف الثالث.
عباد الله، إن إصلاح الأسرة وصلاحها يكون بثلاثة أسس: معادلة قانون السعادة، والعلم، والتخلية قبل التحلية:
الأساس الأول: معرفة معادلة السعادة: لتكون الأسرة صالحة، ونراهن على نجاحها وسعادتها، لابد من معرفة معادلة السعادة في قانون الكون الذي نظمه الله تعالى، والتي هي الإيمان والعمل الصالح، فلا سعادة بدون إيمان، ولا سعادة بدون عمل صالح، مصداقا لقوله تعالى في سورة النحل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]
الأساس الثاني: العلم إمام العمل: فالله تعالى عالم ولا يعبد إلا بعلم، والزواج بين الذكر والأنثى لتكوين الأسرة الصالحة المتماسكة عبادة، سماه الله تعالى في سورة النساء ميثاقا غليظا فقال: ﴿ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ [النساء: 21]، لهذا لابد من الإقبال على هذه العبادة والتي هي الزواج، بسلاح العلم لتكوين الأسرة الصالحة، حتى يأمن الزوجان من الزلل والخلل، ويعرف كل منهما ماله وما عليه، وكما أن سائق السيارة نأمن على سياقته من الحوادث التي تودي به وبمن حوله؛ كلما كان عالما بقانون السير، متدربا على السياقة، حاصلا على رخصة السياقة، كذلك الزواج، كلما كان الزوجان على علم بأحكام الزواج في الشريعة الإسلامية، منخرطان في دورات تكوينية للمتزوجين والمقبلين على الزواج، حاصلان على شواهد تؤهلهما للزواج، كانت الأسرة في مأمن وصلاح وسعادة.
عباد الله، أما الأساس الثالث لإصلاح الأسرة وصلاحها: التخلية قبل التحلية: أي لابد من أن أقلع عن الأمور الفاسدة، وأقطع معها العلاقة ما بقي من عمري، وأن أتحلى بالصفات الصالحة ما بقي من عمري، إذ بهذه التخلية والتحلية، أنتقل من النظري إلى التطبيقي، ومن مجرد القول إلى العمل، لأن قيمة الشخص لا في ما يحمل من معلومات، ولكن في مدى مطابقة علمه لعمله، وقيمة الأسرة ليست التي تحسن الحديث عن أسس ومقومات نجاح الأسرة الصالحة، ولكن في مدى مطابقة ما تتحدث عنه لحياتها اليومية.
عباد الله، إن التخلية تنبني على ثلاثية، والتي تتجلى في: التوبة، والإقلاع عن كل أنواع الإدمان، وهجر رفقاء السوء، والتوبة هي أول ما يجب على الشخص المقبل على الزواج القيام به، وذلك قبل الزواج، أما المتزوج فيمكنه أن يستدرك، وأركان التوبة أربعة: الندم على ما فات، والإقلاع عن السيئات، والإكثار من الحسنات، ورد المظالم إلى أهلها، وبهذه التوبة يخرج التائب من زمرة الخبثاء، ليصطف ويندرج ضمن زمرة الطيبين، وبهذا يوفق في اختياره للمرأة الطيبة مثله، إذ الطيور تقع على أشكالها، مصداقا لقوله تعالى من سورة النور: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ، وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ، وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ، وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: 26] ، (فكل خبيث من الرجال والنساء والأقوال والأفعال مناسب للخبيث وموافق له، وكل طيِّب من الرجال والنساء والأقوال والأفعال مناسب للطيب وموافق له) [التفسير الميسر 6/ 230، بترقيم الشاملة آليا]، ويدخل ضمن التوبة التحرر من كل الصفات التي تخدش في قوامة الرجل، من محرمات؛ كشرب للخمر، وشرب للدخان، وتعاط للمخدرات، وعادات تضيع حق الزوجة والأبناء، كالإدمان على المكوث في المقاهي أو الإدمان على أنواع اللهو أو الميسر، وغيرها من العادات السيئة، وبما أن دين الشخص رهين بدين من يصاحب، لما روى أبو داود، والترمذي بسند حسن غريب، عن أَبي هريرة – رضي الله عنه – : أن النَّبيّ – صلى الله عليه وسلم – ، قَالَ: ( الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَليَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ ) [أخرجه أبو داود (4/259، رقم 4833)، والترمذي (4/589، رقم 2378)، وقال : حسن غريب . وأخرجه أيضًا: عبد بن حميد (ص 418 ، رقم 1431)]. فعلى الشخص أن يقطع كل صلاته برفقاء السوء، لا يجالسهم، ولا يصاحبهم، ولا يستدعيهم للمناسبات التي يقيمها، ولا يستجيب لدعواتهم حفاظا على دينه وأسرته، لأن الصاحب ساحب.
عباد الله، أما ثلاثية التحلية، فأولها بر الوالدين، فلا نجاح للشخص العاق في كل حياته، ولا تنتظر من عاق صلاح أسرته، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وبعد بر الوالدين تأتي الرفقة الصالحة التي تقرب البعيد، وتزين الصالح، وتشجع على العبادة، وترفع الهمة، وتشحذ العزيمة، لهذا لا تصاحب من لم ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله،
وتختم ثلاثيات أسس ومقومات نجاح الأسرة الصالحة، بيوم المؤمن وليلته، فكما أن هذا الكون المنظم هو صنع الله تعالى، يمشي وفق قانون محكم ومنتظم، وعظمة الله تتجلى في عظمة خلقه، فإن سيد هذا الكون الذي هو الإنسان، قد جعل الله له ما ينظم يومه وليلته، من هنا تظهر الحكمة في الإتيان بصفات عباد الرحمن بعد الحديث عن نظام الكون في أواخر سورة الفرقان، إذ قال سبحانه: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا، وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا * وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ ﴾ [الفرقان: 61 – 63]، وأورد بعدها اثنتي عشرة صفة لهم، ختمها باستحقاق العبد بعد الأخذ بالأسباب أن يكون إماما للصالحين، وأن تكون أسرته الصالحة من زوجة وأبناء قرة عين له، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]، فالمؤمن الحق، يعلم أن عمره مجرد أيام، فإذا ضاع جزء منها ضاع عمره الذي هو رأس ماله، فما بين بلوغه سن التكليف وموته فرصة للعمل استعدادا للقاء ربه، لذلك عرف المؤمن ما يتطلبه الوقت من عمل القلب واللسان والجوارح، ليرتقي في مدارج الدين من إسلام إلى إيمان إلى إحسان.
عباد الله، إن بيوم المؤمن وليلته، يستطيع الشخص أن يمسك زمام نفسه عن التسيب في الأوقات، أو إنفاقها في ما لا ينفع نفسه أو غيره، فيختار بذلك صفوة الأعمال لصفوة الأوقات، لأن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار. وبهذا يخرج من زمن العادة إلى زمن العبادة والجهاد، فترسخ قدمه في عبادة الله، قائما بين يديه سبحانه وتعالى لا يفتر، مجاهدا في سبيله لا يكل ولا يمل، فيخرج من ظلام الغفلة إلى نور اليقظة، ويصبح عبدا ذاكرا لله، وينتقل من أعمال الجوارح إلى أعمال القلب، فيتربى على لزوم باب العبودية امتثالا لأمر الله عز وجل، وحضورا قلبيا عند ذكره، ووقوفا دائما بالباب وتذللا بين يدي رب الأرباب، وبهذا ينجمع على الله، ويستحضر ربه في كل أحيانه وأحواله، ويكون مع الله ولله وبالله، فيصير بإذن الله مستودعا لأسرار الله وأنواره. عباد الله، إن ببرنامج يوم المؤمن وليلته، تنتظم حياة المؤمن، وتتعود النفس إسلاس القياد بإذن ربها، ويصبح الزوج أهلا للقوامة في الأسرة، وتصبح الزوجة أهلا للحافظية، وينشأ من صلبهما من تقر أعينهما بهم. هذه هي ثلاثيات أسس ومقومات نجاح الأسرة الصالحة. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.